إسلام ويب

تفسير سورة إبراهيم (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنها بحق قصة الغواية الكبرى، والأماني الكاذبة، يعترف بها كبيرهم، متنصلاً بذلك عن تحمل تبعات تلك الرزية، ومصرّحاً بالندم والتوبة لكن ساعة لا مندم، فليس إلا التحمل يوم لا يجدي التنصل، فأنت الآن في زنزانة دفع الثمن، وليس إلا الحسرة في ساعة العسرة، فليبك التابع والمتبوع، خصوصاً وقد فاز أهل الصبر بالمطلوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله، راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة إبراهيم الخليل عليه السلام، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا، وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:21-23].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم بأن السور المكية -أي: التي نزلت بمكة- تعالج العقيدة، وخاصة التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر، فالسور التي نزلت في مكة تعالج من القضايا قضايا التوحيد، بأنه لا إله إلا الله، وقضية النبوة بأن محمداً نبي الله ورسوله بالأدلة والبراهين، وقضية البعث الآخر والحياة الثانية وما يتم فيها وهو البعث الآخر بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، بحيث لا يستطيع ذو عقل أبداً أن يرد على الله ما يخبر به.

    الكفرة بارزون بين يدي الله في خصام بين الضعفاء والرؤساء

    وها نحن مع قول ربنا: وَبَرَزُوا [إبراهيم:21] برزوا: ظهروا لله من قبورهم، ماتوا، دفنوا، تمزقوا، تشتتوا.. فجمع الله تلك العظام، وأوجد تلك الأبدان، وأحياها بنفخة إسرافيل لهم في ساحة فصل القضاء.

    أين أولئك الجبابرة المتكبرون الطغاة الذين كانوا ينكرون البعث الآخر ويكذبون به ليواصلوا الإجرام والظلم والشر والفساد؟ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم:21] مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم؛ إذ نفخة إسرافيل نفخة الحياة والبعث تجعلهم كلهم في صعيد واحد.

    وَبَرَزُوا لِلَّهِ [إبراهيم:21] لا لغيره، لا ليأكلوا ولا ليشربوا ولا ليتزوجوا، ولا ليبنوا ولا ليهدموا، برزوا لله؛ إذ ليس إلا الله، جَمِيعًا [إبراهيم:21] والله ما يتخلف واحد، لا طفل صغير ولا شيخ كبير، الأبيض والأسمر، الأولين والآخرين.. كل ذرية آدم وحواء يخرجون في ساحة واحدة.

    وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم:21] ماذا تم الآن بينهم؟ قال تعالى: فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم:21] قال الفقراء والمساكين والضعفاء الذين كانوا يتبعون الطغاة ودعاة جهنم من أهل الشرك والكفر -واتبعوهم ومشوا وراءهم لضعفهم وعجزهم- قالوا للذين استكبروا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا [إبراهيم:21] أي: تابعين، تبع كخدم، تابعين لكم. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [إبراهيم:21] أما كنتم معاشر الجبابرة والطغاة ودعاة الشر والخبث منكرين وجود الله ولقاءه، منكرين البعث الآخر والنبوة والشريعة؟ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [إبراهيم:21] أدنى شيء، فبم أجابوهم؟

    قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم:21] اعترفوا بأن الهداية بيد الله، وهي بيد الله، ولكن ما هداهم؛ لأنهم ما طلبوا الهداية، أعرضوا عنها وأدبروا وحاربوا أولياء الله الدعاة إليها.

    نعم لو شاء الله هدايتهم لهداهم، لكن مشيئة الله تابعة لحكمته، بعث إليهم رسوله، أنزل على رسوله كتابه ووحيه، وكلفه بأن يبلغهم، فقرع أبوابهم ووقف في أسواقهم، وناداهم أن: اعبدوا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهم متكبرون معرضون، هؤلاء يستحقون الهداية؟ والله ما يستحقونها.

    لا تفهم أنهم طلبوا الهداية والله ما هداهم! حاشا وكلا، ما قرع باب الله أحد إلا ولج ودخل، لكن هم رفضوا الإسلام وأعرضوا عنه وحاربوه، فقط من أجل ألا يغتسلوا من جنابة، وألا يقولوا: الله أكبر، لتبقى الشهوات والأطماع والمفاسد بين أيديهم.

    وقالوا: لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم:21]، وهنا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل النار الآن لما أيسوا من إخراجهم من النار قالوا: هيا بنا نصبر خمسمائة سنة، كما كان المؤمنون الصالحون يتعبون ويصرخون ونحن نعذبهم وننكل بهم، ثم صبروا ففازوا ودخلوا الجنة ودخلنا النار، فهيا نصبر على عذاب الله خمسمائة سنة، فما خف العذاب أبداً، فقالوا: إذاً: هيا نصرخ لعل الصراخ والبكاء والعويل يخفف الألم، صرخوا خمسمائة سنة فما تغير شيء، فقالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم:21] ما هناك فرق، والله لا فرق صبروا أم جزعوا.

    سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] ملجأ، مهرب، مكان نحيص إليه ونبتعد عن النار، مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، وهل نحن منهم أو من غيرهم؟ هيا نسأل الله ألا يجعلنا منهم، وألا يحشرنا في زمرتهم، وألا يبتلينا كما ابتلاهم، وأن يثبتنا على إيماننا وصالح أعمالنا؛ لننجو من هذا العذاب الأليم، وهو آت لا محالة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم...)

    وهنا قام عدو الله إبليس على منبر من النار يخطب أهل النار، وإليكم صورة صادقة ولفظ سليم صحيح تسمعونه، لما قالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم:21] وانتهى أملهم وانقطع رجاؤهم، قام خطيباً فيهم على منبر من النار، فماذا قال؟

    قال تعالى مخبراً عنه: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم:22] وفرغ منه، واستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، بعد هذا الاستقرار قام يخطب أهل النار، فماذا قال؟

    إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22]، وهو كذلك، وعدنا الله وعد الحق بأن من آمن وعمل صالحاً فطاب وطهر وابتعد عن الأنجاس والأرجاس والذنوب والآثام -ومن أعظمها الشرك بالله- هؤلاء وعدهم بدار السلام، هاهم والله فيها، ووعدتكم أنا بأنه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا سؤال، حياة فقط فكلوا واشربوا وانكحوا، وهذا الذي عليه الناس، فمن يمليه عليهم؟ من يقرره فيهم؟ أليس هو في قلوبهم ونفوسهم؟

    وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22] وعدهم أن لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب، سلوهم الآن هل يعتقدون هذا؟ إنهم يقولون: لم هذه الصلاة؟ لم هذا التزمت؟ لم حرام وحرام وحرام؟ كلوا واشربوا وانكحوا، أليس العالم كله هكذا إلا ثلة من المؤمنين؟ من دعاهم لهذا؟ من حرضهم؟ أليس الشيطان بما يوسوس في نفوسهم ويزين لهم من الباطل ويقبح لهم من الحق والخير.

    معنى قوله تعالى: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي)

    ها هو يعترف في خطبته، فماذا قال؟ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22]، وشيء آخر: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22].

    هي الحقيقة: هل رأيتم الشيطان يحمل الرشاش ويلزم الناس بالزنا والفجور؟ هل رأيتم الشيطان يحمل مواد الهلاك ويقول: اكفر وإلا فسنقتلك؟ ما رأينا هذا، والله ما كان له عليهم من سلطان إلا أن دعاهم فاستجابوا فقط.

    وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22] أي: قدرة وقوة على أن ألزمتكم بالكفر والشرك والذنوب والمعاصي أبداً، ولكن إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22] هذه هي الحقيقة، ما هو إلا أن دعوتكم أن: تعالوا إلى نعيم الدنيا وزخارفها واتركوا نظرية الآخرة فهي نظرية باطلة، إذا أصبحنا تراباً وعظاماً كيف نسعد وكيف نشقى؟ كلوا واشربوا وانكحوا واعملوا لدنياكم، هذا لسان حاله، دعاهم فاستجابوا.

    فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22]، تارك الصلاة بين المسلمين من دعاه لترك الصلاة؟ هل هو رسول الله؟ هل حاكم من الحكام ألزمه؟ هل أمه أو أبوه؟ كيف يترك الصلاة وهو يعلم أنها قاعدة الإسلام وأن تاركها كافر ويصر على ذلك ولا يصلي؟ من زين له ترك الصلاة؟ من دعاه؟ والله إنه إبليس الشيطان، هذا الذي يفتح بنكاً ربوياً في بلد إسلامي ويدعو الناس إليه، من دعاه إلى هذا؟ من ألزمه؟ من أكرهه؟ هل هناك من ألزمه وأكرهه؟ والله لا أحد، إنه الشيطان الذي زين له.

    والذي يفتح (مخمارة) يبيع الخمر فيها، أو دكاناً يبيع فيه المخدرات من ألزمه؟ هل الشيطان ألزم بعصا؟ هل ألزمه ملك أو حاكم؟ إنه الشيطان يوسوس وهو يستجيب، البغاة والزناة من حملهم على ذلك؟ وهكذا: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22]، إذاً: فَلا تَلُومونِي وَلُوموا أَنْفسَكُمْ [إبراهيم:22].

    هذه الخطبة كتبها الله في كتاب القضاء والقدر، وتتم -والله- حرفياً كما هي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22] هي التي حسنت لكم القبائح وزينت لكم الشرك والباطل والذنوب والآثام، لوموها هي أما أنا فلا تلوموني.

    معنى قوله تعالى: (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل)

    ثم قال لهم: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم:22] أي: ما أنا بمغيثكم ولا منجيكم من هذا العذاب، ولا أنتم مغيثي ومصرخي من العذاب، كلنا فيها سواء.

    مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم:22] فتستصرخون وتستغيثون بي، ولا أنا أيضاً أستصرخ بكم فتنقذوني وتغيثوني، فما أنتم بأهل لذلك.

    إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] تاب العدو، فهل تنفعه توبته؟ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، تلك الآلهة والأصنام والشهوات والفروج التي عبدتموها فعبدتم بها الشيطان، أنا بريء منها، كافر بها لا أعترف بها، وهل يستطيع أن يقول: أعترف بها؟

    إذاً: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] أين؟ في هذه الحياة الدنيا.

    وهنا لطيفة علمية: كل من عبد صنماً أو عيسى أو أمه، أو عبد القادر الجيلاني، أو فاطمة، أو رسول الله، أو فرجاً من الفروج وشهوة من الشهوات ما عبد ذلك، إنما عبد الشيطان.

    أعيد القول: كل من عبد غير الله مع الله كمن عبد عيسى أو البتول العذراء مريم ، أو عبد العزير أو موسى، أو عبد محمداً أو الحسين ، أو عبد عبد القادر أو إدريس ، أو فلاناً أو فلاناً بالدعاء والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم والحلف بهم؛ فإنه في الحقيقة ما عبد إلا الشيطان؛ إذ هو الذي زين ذلك وأمر به ورغب فيه.

    هذه كلمته في خطبته أم لا؟ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] أشركتموني في تلك العبادة، هي عبادة الله ولكن جعلتم قسطاً منها لي أنا، فالذين يرفعون أكفهم: يا سيدي عبد القادر ، يا رسول الله، يا فاطمة ؛ والله لقد أشركوا الشيطان في عبادة الله؛ إذ هذا الدعاء لله القائل: ادْعونِي أَسْتَجِبْ لَكمْ [غافر:60] وأنت أشركت شخصاً من الأشخاص ظناً منك أنه يستجاب لك، ففي هذه الحال لا تظن أنك أشركت رسول الله أو عيسى، ولكن أشركت الشيطان الذي زين لك وحسن وحملك على ذلك بدعواه الأباطيل.

    إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] لا أعترف لكم أبداً بعبادتكم لي.

    معنى قوله تعالى: (إن الظالمين لهم عذاب أليم)

    ثم قال تعالى: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22]، هذا خبر من أخبار الله، وهو في الواقع حكم من أحكام الله، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] موجع يمزق القلوب ويفتت الأكباد.

    هذه الآية إذا اجتمع أهل القرية عليها وعرفوا أن الظالم يعذب والله ما يبقى فيهم من يظلم أبداً، لا يسرق ولا يزني ولا يقتل ولا يسب ولا يشتم أبداً؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالعبادة لله، فإذا عبدت غير الله فقد وضعتها في غير موضعها، أليس كذلك؟ إذاً: كلمة الظلم شاملة عامة لكل الذنوب والمعاصي، وتتناول أول شيء الشرك بالله عز وجل، واقرءوا قول الله عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    ووجه ذلك وبيانه بأن يقال: أيخلقك خالقك ويرزقك ويملأ صدرك بالعلم والمعرفة ويعطيك سمعك وبصرك ثم تعرض عنه وتقول: يا رسول الله! أعطني كذا، تتنكر لله ولا تعرفه؟!

    يخلقك ويرزقك ويكلؤك ويحفظك، وأنت في قبضته وتحت يده وتقول: يا فلان أو يا حجر أو يا عيسى! هل هذا إعراض عن الله أم لا؟

    وضع الدعاء في غير موضعه، بدل أن تركع وتسجد لله تركع لمخلوق وتسجد له؟ هذا الركوع وهذا السجود حق من؟ أليس حق خالقك، رازقك الذي ما خلقك ولا رزقك إلا لتركع له وتسجد، فإذا بك تركع وتسجد لغيره؟ فوضعت هذا في غير موضعه.

    القرآن الكريم نزل لهداية الخلق وهدى الله عليه أمماً وأقواماً، فإذا بنا نترك دراسته والتدبر فيه والعمل بما فيه، ونقرؤه على الموتى، فهل ظلمنا أو ما ظلمنا؟ هل وضعنا القرآن في موضعه؟ أما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]؟ فأعرض المسلمون عن القرآن لا يجتمعون عليه لا تدارساً ولا تعلماً ولا علماً ولا عملاً، وإنما جعلوه للموتى، إذا مات الرجل أو المرأة يجتمع عليه أهل القرآن ثلاث ليال أو سبع ليال أو إحدى وعشرين ليلة، أمّا (قال الله) فلا.

    ها نحن نتدارس القرآن فهل رأيتم أننا قلنا الباطل؟ دعونا إلى الشر؟ أثرنا فتنة؟ لأنه نور الله، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، فالذي ما يأخذ النور في يده ويمشي، هل يصل إلى بيته؟ لا بل يتمزق ويهلك في الطريق، والذي ما يجعل القرآن أمام عينيه وفي صدره يقع في الزنا واللواط والجرائم والمناكر وقتل النفوس وفعل العجائب؛ لأن الشيطان وراءه، انطفأ النور فدفعه إلى ذلك الظلام.

    إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] لهم لا لغيرهم، وأنواع العذاب في القرآن الكريم ألوان، يكفي أنه يصب الحميم على رأسه فيتمزق جلده وما في بطنه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم ...)

    الآن أهل النار استقروا فيها أم لا؟ أليسوا هم الظالمين؟ في عذاب أليم، وغير الكافرين وغير الظالمين أين هم الآن؟

    قال تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:23]، وفي قراءة سبعية: (وأُدخِلُ) مبنياً للفاعل، فالرب تبارك وتعالى يقول: (وَأُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ)، وقرئت في السبع: وَأُدْخِلَ بفعل الماضي الذي لم يسم فاعله، أي: الله الذي أدخلهم.

    إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] وقد أوقعناهم فيه (وَأُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ) قراءة، لكن القراءة المشهورة وَأُدْخِلَ بفعل الماضي على البناء للمفعول.

    وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [إبراهيم:23]، عرفتم من هم؟ بنو هاشم؟ بنو تميم؟ المغاربة؟ المشارقة؟ الأتراك؟ من هم هؤلاء؟

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [إبراهيم:23]، آمنوا حق الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصدقوا الله ورسوله في كل خبر أطاقته عقولهم أو عجزت عنه، إذا أمرك الله أن تصدق بشيء فصدق؛ لأنك عاجز عن إدراكه، آمنوا بكل ما أخبر الله ورسوله به من شأن الغيب.

    ثم عملوا الصالحات، هذه الصالحات من يعلمهم كيف يعملون بها؟ نحتاج إلى رسول أم لا؟ آمنا بالله، آمنا بك يا رب العالمين، نريد أن نعمل الصالحات المزكية لنفوسنا، فما هي؟ وكيف نفعلها؟

    فمن هنا كان الإيمان برسول الله ركن الإسلام وقاعدة الإسلام، لا بد من الإيمان بأن محمداً رسول، وإلا فوالله ما تعبد الله ولا تعرف كيف تعبده.

    بيان جملة من صالح الأعمال

    (( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )) جمع صالحة، خصلة وفعلة صالحة، هذه الصالحات التي تصلح النفوس والقلوب والأبدان، وتحقق سعادة الدنيا والآخرة هي فرائض فرضها الله، وواجبات أوجبها الله لنفعلها ونؤديها، هذه الصالحات تكون أقوالاً وتكون أفعالاً وتكون اعتقادات؛ لأن القلب له عمل.

    واعلم أنه ما هناك أعظم صلاحاً من إقامة الصلاة، ما هناك مادة أقوى في تزكية النفس من إقامة الصلاة، وإقامتها: أداؤها على الوجه المطلوب، ومن أظهر ذلك: أداؤها بأركانها وشروطها والخشوع فيها، هذه تغسل النفس غسلاً.

    ثم الزكاة والصدقات، فإن الدرهم تدفعه لمسكين يفعل العجب في نفسك، وهكذا الصيام، الجهاد، الحج، العمرة، صلة الرحم، أخوة الإسلام.

    الصالحات: كل ما أمر الله تعالى بقوله أو فعله، ففعله وقوله عمل صالح يزكي النفس، وضد ذلك المفسدات وهي الذنوب والآثام، وهي ما حرمه الله ورسوله من قول أو نظرة أو عمل أو أكل أو شرب أو ما إلى ذلك، كل ما جاء في كتاب الله محرماً وعلى لسان رسول الله حراماً فهو خبث ويخبث النفس ويدسي الروح والعياذ بالله.

    سعة الجنة وعظيم نعيمها

    هكذا يقول تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [إبراهيم:23]، بعدما استقر أهل النار في نارهم كان من قبل قد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جَنَّاتٍ جمع جنة، بستان تجتن به إذا دخلت فيه، تغطيك أشجاره، أوراقها وأغصانها.

    جَنَّاتٍ جمع جنة، عرضها قال تعالى عنه: عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21] خذ السماوات ومزقها مع الأرضين وألصقها ببعضها، الجنة أكثر عرضاً منها.

    وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [إبراهيم:23] من تحت قصورها وأشجارها، الأنهار الأربعة: نهر العسل، نهر اللبن، نهر الماء، نهر الخمر، أربعة أنهار، أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد:15] غير متغير أبداً، لا فيه بعوض ولا فيه تغير، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ كله لذة لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15] ما فيه عيدان ولا غش ولا شمع، وأنهار من لبن لم يتغير بالحموضة ولا بغيرها، مع أن اللبن عندنا إذا بات أربعاً وعشرين ساعة يتغير.

    أنهار هكذا، والله شاهدها رسول الله بعينيه الكريمتين، تذكرون أنه ارتاد الملكوت الأعلى؟ أعظم رائد عرفته البشرية، حيث نزل جبريل إليه في مكة في بيت أم هانئ فأخرجه منها في الليل، وشق صدره وأجرى له عملية جراحية، وملأ صدره بالعلم والحكمة والإيمان، فأصبح أهلاً لأن يشاهد الملكوت الأعلى، تغير طبعه البشري، ومن ثم إلى بيت المقدس، فجمع الله له الأنبياء وصلى بهم إماماً، ومن ثم عرج به إلى السماء السابعة وانتهى إلى مكان سمع فيه صرير الأقلام، فشاهد قصور الجنة وحورها وأنهارها، وجاء وأخبر بها كما أخبر تعالى في كتابه.

    الخلود الأبدي في الجنة

    وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [إبراهيم:23] الخلود: البقاء الأبدي، فالدنيا هنا ليست دار خلود، ينتهي العمر وتنتهي، والحياة هذه كلها والله ما هي بخالدة، لكن لها أجل محدود تدق الساعة فتنتهي، وهو والله قريب؛ إذ مظاهره بدأت تلوح هنا وهناك، عما قريب تنتهي هذه الرقعة بالكون، ولا يبقى على وجه الأرض أحد.

    إذاً: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم:23] بإذنه أو بإذن غيره؟ من أذن لهم في الدخول فيها والبقاء؟ هو الله الذي زكى أنفسهم وطيبها وطهرها بالإيمان وصالح الأعمال، والبعد عن الشرك والذنوب والآثام فأصبحوا أهلاً للجنة فأدخلهم فيها، ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، فلهذا حرم علينا كل ما من شأنه أن يخبث أنفسنا ويلوثها فتصير كأنفس الكافرين والمشركين والملحدين والعلمانيين.

    عجب! تستطيع ترى عبداً صالحاً صادقاً، والله ما ترى فيه شراً أبداً، لو تعاشره ألف سنة ما يؤذيك أبداً، لو تعطيه قلبك والله ما يؤذيك، وهؤلاء أهل النار عبدة الشيطان والله لا يوثق فيهم ولا يؤتمنون على شيء، قلوبهم ميتة، عبدة للشيطان.

    السلام تحية أهل الجنة

    وقال تعالى: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23] سلام عليكم، ومن يسلم عليهم أول سلام وأعظمه؟ هو الرب تعالى، يزيل الحجاب عن نفسه ويكشف لهم وجهه ويسلم عليهم، فتغمرهم في الحال من النعمة ما لم يشاهد مثلها قط، ثم الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24]، ثم هم عندما يلتقون ويجلسون على الأرائك في جلسات عجيبة يحيي بعضهم بعضاً: سلامٌ عليكم.

    والسلام معناه: الخلاص من كل أذى والنجاة من كل مكروه، ومن ذلك الموت، فلا موت ولا مرض ولا جوع، سلام عليكم، تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23]، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم يا رب العالمين.

    نسمعكم الآيات أولاً فتأملوها:

    وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].

    ثم تأتي خطبة العدو على منبره: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، قال تعالى: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:22-23] اللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    هذه هداية الآيات فتأملوها:

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: بيان أن التقليد والتبعية ] والذيلية [ لا تكون عذراً لصاحبها عند الله تعالى ].

    التبعية: قال الرئيس، قال الزعيم، قال شيخنا.. قال كذا، والله ما تنفع، فمن أين أخذنا هذه؟ من قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [إبراهيم:21] فهل أغنوا عنهم؟ سبحان الله.

    التقليد: فلان لبس برنيطة فلبسنا برنيطة، فلان يغني فغنينا معه، فلان يدعو عبد القادر فدعوناه معه، التقليد والتبعية والذيلية لا تكون عذراً لصاحبها أبداً، قلد رسول الله واتبع رسول الله، نعم، أما أن تقلد كافراً أو مشركاً أو علمانياً وتقول بما يقول وتمشي وراءه؛ فوالله إن المصير معروف إلى جهنم وبئس المصير.

    [ ثانياً: بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى؛ إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس ].

    وقد عرفنا هذا، من أين فهمنا هذا الحكم؟ من قوله تعالى: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ [إبراهيم:22] كانوا مشركين بالله أم لا؟ هو الذي دعاهم إلى الشرك فعبدوه وأطاعوه.

    [ ثالثاً: تقرير لعلم الله بما لم يكن كيف يكون ]، علم الله ما لم يكن قبل أن يكون علمه كيف يكون، وخلقه كما علمه، فالآية فيها تقرير أن علم الله سابق للكون، يعلم الشيء قبل أن يكون ثم يكونه.

    [ تقرير لعلم الله بما لم يكن كيف يكون؛ إذ ما جاء في الآيات من حوار لم يكن بعد ] موجوداً أبداً، هذا الحوار الذي سمعتموه في خطبة الشيطان هل وقع شيء منه؟ هل مات الناس وبرزوا؟ ولكن أخبر بما لم يكون كما لو كان.

    فالله تعالى يقول: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فهل بالفعل قامت القيامة وبرزوا؟ ما برزوا. هل ذاك الحوار الذي دار بين الضعفاء والأقوياء حصل؟ الجواب: لا. هل خطبة الشيطان تمت؟ كل هذا أخبر تعالى به وأنه سيكون كما أخبر، علم الله بما لم يكن كعلمه بما يكون، ويكون حسب علمه.

    وقد بينا هذا غير ما مرة للسامعين والسامعات، وقلنا: إن المهندس يجلس على طاولته وأمامه ورقة ويرسم فلة أو قصراً أو عمارة أو قرية كاملة بالتفصيل، ويعطيها لمن يقيمها، فالله كتب كل شيء حتى حركة يدي هذه وجلوسكم، وسوف يتم، وتم في وقته المحدد له، وذلك لسعة علمه وعظيم قدرته وحكمته، فهذه الأخبار كلها ستقع كما أخبر تعالى، وهي بصيغة الماضي كأنها وقعت لعلم الله بوقوعها.

    [ رابعاً: وعيد الظالمين بأليم العذاب ]، قال تعالى: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] وعيدهم هو العذاب الأليم.

    [ خامساً: العمل لا يدخل الجنة إلا بوصفه سبباً لا غير ]، العمل الصالح لا يدخل الجنة إلا بوصفه سبباً لتزكية النفس وتطهيرها، وإلا فلو تعبد الله مليون سنة فعبادتك ما تساوي نظرة في الجنة فقط أو كأس خمر تشربه، وإنما الأعمال تزكي النفس، فإذا زكت النفس يقبلها الله ويدخلها الجنة، فهي سبب، حتى لا تتبجح وتقول: أنا أصوم وأصلي كذا وكذا، فسندخل الجنة بالقوة! لو جمعت أعمالك كلها فما تساوي نظرة في الجنة، ولكن فضل الله العظيم.

    إذاً: خلاصة القول: أن الصيام، والجهاد والرباط، والذكر، والدعاء.. الأعمال الصالحة كلها من أجل تزكية النفس، أي: تطهير الروح حتى تصبح كأرواح الملائكة فتدخل الجنة.

    والذنوب والمعاصي كلها ما الله بخائف منها أو متألم لها، لو فجر الناس كلهم وكفروا هل يضره ذلك شيئاً؟ لا والله، وإنما ذاك الكفر سبب في خبث نفوسهم وظلمة أرواحهم ليتنقلوا إلى عالم الشقاء إلى جهنم وبئس المصير.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.