إسلام ويب

تفسير سورة إبراهيم (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مجادلة الرسل لأقوامهم ليقروا بأن الله عز وجل لا شك فيه، وأن السماوات والأرض تشهد بربوبيته سبحانه، وإنما يدعو العباد إلى ما فيه صلاحهم في الدارين، إلا أن أهل العناد والكفر كما هو ديدنهم لا يسلّمون للحق بل يكابرون، ويطلبون المستحيلات، وإذا ما زاد بيان أهل الحق لهم رجعوا إلى أساليب التهديد والوعيد، ومع ذلك فإنه يكفي أهل الحق أن الله معهم ما داموا متوكلين عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله، راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة إبراهيم الخليل عليه السلام، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا، وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:10-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات، تقدم في السياق الكريم أن موسى عليه السلام ذكر بني إسرائيل بأخبار الأمم السابقة وما حل بالمكذبين والظالمين.

    وها هو ذا تعالى يقول: قَالَتْ رُسُلُهُمْ [إبراهيم:10]، قالت رسل أولئك القوم الذين مضوا وبعث الله فيهم رسلاً فكذبوهم وكفروا وأشركوا واستوجبوا العذاب فدمرهم الله وأبادهم، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم:10]؟ والاستفهام هنا للنفي العام كاملاً، والله! ليس في الله شك، كيف تشك في وجود الله وأنت موجود مخلوق وهو خالقك؟ كيف لا تنظر السماء وما فوقك والأرض وما تحتك؟ من أوجد هذا الموجود؟ هل يوجد بنفسه؟ مستحيل، فكيف بالعوالم؟ فلهذا لا يشك أبداً إنسان في وجود الله عز وجل، ولكن الناس شكوا في عبادته وحده، فأشركوا في عبادته آلهة افتروها وأحدثوها وصدقوا بها، فنفى تعالى على لسان رسله هود وصالح وشعيب وموسى وهارون وعيسى والأنبياء والرسل الشك فيه تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم:10].

    وفاطر: بمعنى خالق على غير مثال سابق، ما كانت السماء والأرض موجودتان، فأوجد السماوات والأرض، وكذلك أوجد الكواكب والأفلاك والشموس والأقمار، هذه الكائنات وما تحمل من سحب وأمطار لم يوجدها عبد من عباد الله، مستحيل، هل صنم وحجر يستطيع ذلك؟ هذه سخرية واستهزاء.

    إذاً: ما هناك إلا أن نقول: الله لا إله إلا هو، فنعبده وحده ولا نشرك بعبادته غيره.

    معنى قوله تعالى: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى)

    قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم:10] هذه دعوة رسلهم، هذه دعوة الله والرسل يبلغونها، إذاً: يدعوكم لماذا؟ الجواب: من أجل أن يغفر لكم من ذنوبكم التي تلطخت بها أنفسكم وتلوثت منها أرواحكم وأصبحتم من شر الخلق، ويدعوكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن من أرسل إليكم رسول الله، ثم تستجيبوا لأمر الله، فتعبدوا الله بما شرع من العبادات، فبذلك تزكوا أنفسكم وتطيب وتطهر، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم:10] قيل: (من) هنا للتبعيض، وهو كذلك؛ لأن الذنوب التي هي كفران بالله وشرك به وترك لعبادته يغفرها الله، أما الذنب الذي هو ظلم الناس وأخذ أموالهم والاعتداء على أعراضهم فهذا لا يغفره الله، لا بد للتائب أن يرد ما أخذه من إخوانه، وهذه عامة، فالله يغفر لك ذنبك مهما كان ذلكم الذنب، حتى ولو كان الكفر والشرك، إلا حقوق العباد فيكلك إليهم، اطلب منهم السماح، اعتذر إليهم، رد إليهم ما أخذت منهم، فإن القضية متعلقة بهم.

    وقوله تعالى: وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم:10] أي: لا يستعجل دماركم وخرابكم بالصواعق والخسف والدمار، ويترككم إلى أن تموتوا بآجالكم المقدرة لكم في كتاب المقادير؛ لأن عذاب الإبادة والاستئصال في يوم واحد، لكن إذا لم يستوجبوا عذاب الإبادة فإنه يؤجلهم إلى نهاية آجالهم، وهو العليم الحكيم.

    هكذا يقول تعالى: قَالَتْ رُسُلُهُمْ [إبراهيم:10] رسل تلك الأمم لأممهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم:10] وهو فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم:10]، لا ليبطل أعمالكم ولا ليأكل أموالكم، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم:10] أولاً وَيُؤَخِّرَكُمْ [إبراهيم:10] أي: يؤخر آجالكم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم:10] معلوم مكتوب عند الله تعالى كما تشاهدون، هذا اليوم مات فلان وغداً يوم فلان وهكذا، آجال مسماة معروفة عند الله، لو جاء عذاب الإبادة والاستئصال في ساعة واحدة فلن يبقى أحد.

    معنى قوله تعالى: (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ...)

    ثم قَالُوا [إبراهيم:10] أي: أولئك الكافرون المكذبون المشركون، قالوا لرسلهم هود وصالح ونوح ومحمد صلى الله عليه سلم: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم:10]، ما الفرق بيننا وبينك يا رسول، ألست بشرياً مثلنا؟ لو كنت ملكاً من الملائكة لكان شيء آخر، أما وأنت مثلنا، فكيف نستجيب لك، ونترك ما نحن عليه ونطيعك ونتبعك؟ هذه يقولونها ويرددونها إلى اليوم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [إبراهيم:10]، هدفكم أن تصرفونا عن عبادة آبائنا وأجدادنا لنتبعكم، ونعبد معكم ما تعبدون.

    تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [إبراهيم:10] إذاً: فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10] حجة ظاهرة كعصا موسى أو ما إلى ذلك تدل على أنكم رسل الله والله أرسلكم، يطالبون بالمحال، والرسل يملكون أن يأتوا بالمعجزة والكرامة إذا أعطاهم الله ذلك، ولكن هذا شأن الكفار المعاندين المضادين المحاربين، أن يطلبوا هذا الطلب.

    فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10]، والسلطان المبين الحجة القاهرة، وسمي السلطان سلطاناً؛ لأنه قاهر للظلمة والمجرمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده...)

    ماذا قالت لهم الرسل: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم:11]، أي: ما نحن إلا بشر مثلكم، فهذا إبراهيم، وهذا موسى، وهذا عيسى، ما قالوا: نحن ملائكة من السماء نزلنا، بل بشر مثلكم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:11] فمن علينا أن أرسلنا إليكم بعد أن طهرنا وصفانا وأعدنا وعلمنا وهدانا، هذا هو الفرق، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ [إبراهيم:11] ويعطي ويهب من يشاء من عباده، فمن علينا بالرسالة والوحي والنبوة وفضلنا عليكم، هذا فعله وتدبيره وحكمته.

    وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم:11]، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان، أي: بحجة وبرهان كما قلتم، حجة قاهرة وسلطان وبرهان ونور، هذا لا نأتي به إلا بإذن الله، إذا أعطانا الله قدمناه لكم، إذا أذن لنا به، طلبناه واستعنا به عليكم، هذا ليس من شأننا حتى تقولوا: ائتونا بسلطان مبين، نحن لا نملك هذا، هذا يملكه الله، ورسالتنا ليست متوقفة على أن نأتيكم بالعجائب والبراهين، يكفي كتاب الله عز وجل ووحيه إليكم.

    وَمَا كَانَ لَنَا [إبراهيم:11] ليس من شأننا أن نأتيكم بسلطان، أي: بحجة قاهرة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم:11]، وها نحن متوكلون على الله، مفوضون أمرنا إليه، ما قلنا له: أعطنا المعجزات والموت والحياة، حسبنا أن نتوكل على الله ونكتفي بوكالته، ونمضي في دعوتنا، فمطالبتكم بالحجج والبراهين والمعجزات لا قيمة لها عندنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا...)

    ثم قال تعالى حكاية عن الرسل: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم:12]، أي شيء يمنعنا من أن نفوض أمرنا إلى الله ونمشي في طريقنا داعيين إليه صابرين على أذى عباده، وما لنا ألا نتوكل على الله والحال أنه قد هدانا سبلنا التي عرفناه بها، تلك هي السبل، نظرنا إلى السماء، نظرنا إلى أنفسنا، نظرنا إلى الهواء، نظرنا إلى الماء، نظرنا إلى العشب والنبات، نظرنا إلى الحيوانات، فدل ذلك كله على أنه لا إله إلا الله، هدانا سبلنا التي عرفناه بها، وعرفنا حقه علينا، وعرفنا ما يجب له علينا، وعرفنا أن نعبده وحده، وألا نشرك به ولا نكفره، هذه منة الله علينا فهو الذي هدانا سبلنا.

    وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12] وعزة الله وجلاله لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12]، فهل آذوهم أم لا؟ كيف فعلوا برسول الله والمؤمنين والمؤمنات؟ أما حصروهم في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا ورق الشجر؟ أما ألجئوهم إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة بسبب الاضطهاد والتنكيل والتعذيب والأذى؟

    وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12] متوكلين على الله، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] لا على غير الله، التوكل والاعتماد على غير الله خطأ، لا تعتمد على مخلوق ولا تتوكأ على دولة ولا على مال ولا على قبيلة، ولكن إن كنت صادقاً في إيمانك فتوكل على الرحمن عز وجل، أطعه ولا تعصه، واعص غيره ولا تبال بعصيانه، هكذا كان المؤمنون أقليات مع الأنبياء والرسل، وأكثرهم مع محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أصبحنا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا...)

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم:13] بالنفي والإبعاد، إما أن تمشوا معنا وتفعلوا ما نفعل وتقولوا ما نقول وإلا أخرجناكم من البلاد، هذا هو النفي، أما حكموا على رسول الله بالنفي؟ ولكن انعقد لهم مجلس وحضره إبليس في ناد من أندية المشركين واتفقوا على قتله، لماذا؟ قالوا: إن نفيناه فسيتكلم مع عصابات جديدة ويهجمون علينا ويقاتلوننا، وإن سجناه فإلى متى؛ قد يطلق ويفعل بنا ما يفعل، إذاً: فالحكم الصارم أن نعدمه ونقتله.

    وكما قال تعالى عن قوم شعيب عليه السلام: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا [الأعراف:88] والنفي حاصل إلى الآن، لكن الحمد لله؛ فالآن ما هناك أبداً جماعة مؤمنة ولا عباد صالحون حصل لهم ما حصل للأولين أبداً، في باريس في أمريكا في الصين في اليابان تعبد الله، ليس هناك من يلزمك بأن تشرك بالله أبداً، فكيف ببلاد المسلمين؟ فقولوا: الحمد لله.

    كانوا يعذبون ويضطهدون، الرسول يصلي حول البيت فيأتون بسلا جزور ويضعونه عليه، ويضعون عليه الدماء والأوساخ وهم يضحكون ويسخرون.

    أما اليوم فالسخرية إنما هي من قضية اللحية في بعض البلاد الإسلامية فقط، وسببها أن الذين دعوا إلى الله ما أحسنوا الدعوة، وما عرفوا طريقها، فأحدثوا قلاقل وبلابل وفتناً، فأصبح أصحاب اللحى يقال عنهم: هؤلاء منهم، هؤلاء من المتزمتين أو المتعصبين، هذا الذي حدث لا أقل ولا أكثر.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] واحدة من اثنتين: اخرجوا من بلادنا أو اعبدوا معنا ما نعبد من آلهتنا، لا يكون لنا دينان في البلاد، إما الخروج وإما أن تعبدوا معنا آلهتنا، والله! قد كان الأمر كما تسمعون، أليس هذا إخبار الله؟

    معنى قوله تعالى: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين)

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ [إبراهيم:13] وأنبيائهم الذين أرسلهم الله إليهم

    قالوا لهم ولأتباعهم: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [إبراهيم:13] رب الأنبياء والمرسلين أَوْحَى إِلَيْهِمْ [إبراهيم:13] أعلمهم، والوحي: هو الإعلام الخفي، أوحى إليهم وحياً سرياً بخفاء وأبلغهم قوله تعالى: لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:13].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)

    وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:14] وهكذا فعل بطغاة مكة فضلاً عن قوم هود وصالح وثمود، طغاة مكة مات منهم في بدر سبعون صنديداً، وفتح الله على الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فدخلها وهللوا وكبروا وانتهى الشرك والمشركون، وهذا وعد الله في كل زمان وفي كل مكان، والله! لا توجد جماعة أو أمة على نظام الإسلام وقيادة رسول الله إلا ونصرهم الله عز وجل، هذا وعده تعالى.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] ما المراد من الملة؟ الدين، المعتقد الذي هم عليه، ملتهم الجامعة لهم.

    فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:13] أولاً بعذاب الإبادة والاستئصال، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:14] وفعل جل جلاله وعظم سلطانه، وأقرب شيء إلينا مكة وما حولها، أسكنها المؤمنين أم لا؟

    وقوله تعالى: ذَلِكَ [إبراهيم:14] الوعد الإلهي والخبر الرباني، ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14]، هو حق لكل من خاف مقام الله وخاف وعيده، ولهذا قلت: والله! أيما قرية أو جماعة مؤمنة يلتزمون بطاعة الله ورسوله على ما بين الله ورسوله إلا نصرهم الله، وأهلك أعداءهم ومزق شملهم، هذا وعده.

    وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ[إبراهيم:14]، ذلك الذي سمعتم من الوعد الإلهي لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14] يوم يقف بين يدي فأسأله وأستنطقه، فمن خاف هذا الموقف فإنه لا يكذب ولا يفجر ولا يزني ولا يقتل مؤمناً؛ لأنه يذكر ساعة يكون واقفاً والله يسأله: لم فعلت كذا؟ ولم تركت كذا؟

    والمقام مصدر أيضاً، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14] الذين يخافون مقام الله وهم بين يديه في كل حال، في كل ساعة لا يعصون الله عز وجل ولا يخرجون عن طاعته، وهم يعلمون أنهم بين يدي الله، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن الله ينصب وجهه لعبده في الصلاة )، والله معنا أينما كنا، فوقوفنا بين يديه في الدنيا والآخرة على حد سواء.

    وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] ما وعيد الله؟ إن الله أعد للكافرين والمشركين نار الجحيم، أعد لهم جهنم وبئس المصير، ذلكم الوعيد الشديد الإلهي.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    معاشر المستمعين! هذه الآيات كأنها تنزل اليوم علينا، هذا كلام الله أو كلام من؟ أسمعكم مرة ثانية الآيات وتأملوا: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10]، ماذا قالت لهم الرسل؟ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم:11]، ما نملك أن نأتي بالعجائب والغرائب والمعجزات إلا إذا أعطانا الله عز وجل، لا تطالبونا بهذا، نحن ما نملك أن نحول السماء والأرض أو تنزل المطر أو نجري السحاب، إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:11]، وها هو ذا قد من علينا بالإيمان والإسلام، ما سرقناه ولا أتينا به بحرب ولا حديد ولا نار، أما من علينا بهذه المنة؟ يمن على من يشاء من عباده، فمن على رسله واصطفاهم واجتباهم ونبأهم وأعطاهم وكملهم، هذه منة الله ليست منة البشر أبداً.

    وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ [إبراهيم:11] أي: بحجة كما تطلبون إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم:11]، يوم أعطى العصا لموسى تحولت إلى جني وعفريت، ويوم أراد جعل يده عبارة عن فلقة من القمر فعل، وإذا أراد ذلك هو فعل، أما نحن فلا تطالبونا بهذا، لا حق لكم فيه، إذاً: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم:11]، ولهذا فنحن متوكلون عليه.

    وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم:12] أي شيء يمنعنا من أن نفوض أمرنا إلى الله ونعتمد عليه، والحال أنه قد هدانا سبلنا وأرشدنا طرق الكمال والسعادة نحيا عليها -والحمد لله- بالطهر والصفاء، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12]، آذوهم في أموالهم، في أبدانهم، في أعراضهم، في كل حياتهم، بالسجن والضرب والتعذيب والسلب والنهب، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] ونحن -إن شاء الله- منهم.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] من سجل هذه الكلمة؟ الله عز وجل، يقولون: إما أن تعودوا إلى ملتنا أو نخرجكم من البلاد، وفعلوا هذا مع الأنبياء والرسل، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] ملة الكفر والشرك والعياذ بالله، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:13-14]، وما هي إلا أيام وساعات حتى دمر الله تعالى الكافرين والمشركين والمبطلين، وثبت أقدام المؤمنين وعلى رأسهم رسلهم وأنبياؤهم.

    ثم قال تعالى: ذلك الوعد والوعيد لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14]، يا عباد الله! إنكم بين يدي الله حيثما كنتم ووجدتم، في أية ساعة من ليل أو نهار قائمون بين يدي الله، فخافوه واستحوا منه، وعظموه ولا تخرجوا عن طاعته ولا تفسقوا عن أمره، خافوا موعداً آخر وهو أنكم تقومون بين يديه في عرصات القيامة ويسألكم ويستنطقكم: لم فعلتم، ولم تركتم؟

    وخوف الوعيد من صفات المؤمنين، الخوف من النار وعذاب الدار الآخرة والشقاء، حتى عذاب الدنيا يجب أن نخاف من الله أن يعذبنا أيضاً؛ حتى لا نخرج عن طاعته ولا نفسق عن أمره ونهيه.

    1.   

    أهمية وفضل الاجتماع على مدارسة القرآن الكريم

    يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يجتمعوا على كتاب ربهم هكذا كل ليلة طوال العام، وإلا فكيف يهتدون، وكيف يتعلمون، وكيف تشرق نفوسهم وقلوبهم وتنشرح إذا لم يجلسوا بين يدي الله يتلون كتابه ويتدارسونه؟

    ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله -أي: المساجد- يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ) كما نتدارسه، فماذا يعطيهم؟

    أولاً: (نزلت عليهم السكينة)، وهي والله نازلة، هل حصل حادث الآن، هل حدث سب أو شتم، سرقة أو خيانة، كذب أو مكر، أسألكم بالله: حصل شيء غير السكينة؟ من سكننا؟ السكينة التي أنزلها الله علينا.

    ثانياً: (وغشيتهم الرحمة)، أين العذاب بيننا؟ ما حدث أبداً. ثالثاً: حفتنا الملائكة من كل جهاتنا لو كنا نشاهدهم، لكن عيوننا قاصرة عن أن ترى الملائكة أو الجان لضعفها فقط، وإلا فوالله إنهم ليحفون بهذه الحلقة.

    وأعظم من هذه وتلك (وذكرهم الله فيمن عنده)، من نحن حتى يذكرنا ويقول: انظروا إلى عبادي اجتمعوا في بيتي ليدرسوا كتابي؟ هذه لو تشتريها بالمليارات هل تقدر عليها؟

    إن الملك أو السلطان أو الرئيس إذا ذكر شخصاً في غيبته بخير، وبلغه الخبر، يكاد يطير من الفرح، أنت ذكرك الملك بكذا وكذا، ونحن الآن نعلم أن ربنا يذكرنا ولا نفرح ولا نسر!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نسمعكم التفسير من الكتاب لتزدادوا علماً وبصيرة ومعرفة.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم والمؤمنين: [معنى الآيات:

    ما زال السياق فيما ذكر به موسى قومه بقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم:9] الآية، فقوله تعالى: قَالَتْ رُسُلُهُمْ [إبراهيم:10] أي: قالت الرسل إلى أولئك الأمم الكافرة: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم:10] أي: كيف يكون في توحيد الله شك وهو فاطر السموات والأرض؟ فخالق السموات والأرض وحده لا يعقل أن يكون له شريك في عبادته، إنه لا إله إلا هو].

    ولا ننسى أنه ما زال بين أهل القرآن من يعبدون غير الله ولا يعرفون أنها عبادة، يقولون: يا سيدي فلان! المدد، يا فلان! أنا في جوارك. الذي سأل غير الله حاجته أشرك -والله- بربه وسوى بينه وبين هذا المخلوق الذي يقول له: أنا أسألك وأتوسل بك، وكذلك الوعود التي يعدون بها الأولياء: إن تزوجت ابنتي فعلت كذا وكذا، بدل أن ينذروا لله النذور ويرتبطوا بربهم يعرضون عن الله وينذرون للأولياء والقبور مع الأسف.

    قال: [أي: كيف يكون في توحيد الله شك وهو فاطر السموات والأرض؟ فخالق السموات والأرض وحده لا يعقل أن يكون له شريك في عبادته، إنه لا إله إلا هو.

    وقوله: يَدْعُوكُمْ [إبراهيم:10] إلى الإيمان والعمل الصالح الخالي عن الشرك، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم:10] وهو كل ذنب بينكم وبين ربكم من كبائر الذنوب وصغائرها، أما مظالم الناس فردوها إليهم تغفر لكم].

    وقد قدمت لكم أن حقوق العباد ما يغفرها الله، أنت تتصل بإخوانك فأعطهم حقوقهم.

    [وقوله تعالى: وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم:10] أي: يؤخر العذاب عنكم لتموتوا بآجالكم المقدرة لكم.

    وقوله: قَالُوا [إبراهيم:10] أي: قالت الأمم الكافرة لرسلهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم:10] أي: ما أنتم إلا بشر مثلنا، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا [إبراهيم:10] أي: تصرفونا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [إبراهيم:10] من آلهتنا، أي: من أصنامهم وأوثانهم التي يدعون أنها آلهة.

    وقولهم: فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10] قال الكافرون للرسل: ائتونا بسلطان مبين، أي: بحجة ظاهرة تدل على صدقكم أنكم رسل الله إلينا.

    فأجابت الرسل قائلة ما أخبر تعالى به عنهم بقوله: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم:11]، أي: ما نحن إلا بشر مثلكم، فما لا تستطيعونه أنتم لا نستطيعه نحن، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:11].

    أي: إلا أن الله يمن على من يشاء بالنبوة، فمن علينا بها فنحن ننبئكم بما أمرنا الله ربنا وربكم أن ننبئكم به، كما نأمركم وندعوكم لا من تلقاء أنفسنا ولكن بما أمرنا أن نأمركم به وندعوكم إليه.

    وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم:11] أي: بإرادته وقدرته، فهو ذو الإرادة التي لا تحد والقدرة التي لا يعجزها شيء، ولذا توكلنا عليه وحده وعليه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم:11]؛ فإنه يكفيهم كل ما يهمهم.

    ثم قالت الرسل وهي تعظ أقوامها بما تقدم: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم:12] أي: طرقنا التي عرفناه بها وعرفنا عظمته وعزة سلطانه، فأي شيء يجعلنا لا نتوكل عليه وهو القوي العزيز؟

    وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12] بألسنتكم وأيديكم متوكلين على الله حتى ينتقم الله تعالى لنا منكم، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] إذ هو الكافل لكل من يثق فيه ويفوض أمره إليه متوكلاً عليه وحده دون سواه.

    وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] هذا إخبار منه تعالى لما قالت الأمم الكافرة لرسلها، قالوا موعدين مهددين بالنفي والإبعاد من البلاد لكل من يرغب عن دينهم ويعبد غير آلهتهم: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] أي: ديننا الذي نحن عليه، وهنا أوحى الله تعالى إلى رسله بما أخبر تعالى به: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:13-14] ، قال: لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:13] ولم يقل: لنهلكنهم؛ إشارة إلى علة الإهلاك وهي الظلم الذي هو الشرك والإفساد؛ ليكون ذلك عظة للعالمين.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ [إبراهيم:14] أي: الإنجاء للمؤمنين والإهلاك للظالمين جزاءً لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14] أي: الوقوف بين يدي يوم القيامة، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] على ألسنة رسلي بالعذاب لمن كفر بي وأشرك في عبادتي ومات على غير توبة إليّ من كفره وشركه وظلمه] والعياذ بالله.

    هداية الآيات

    ازددتم معرفة إن شاء الله، فهيا مع هدايات الآيات، والقرآن فيه ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله العظيم! كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، ادخلوا في الإسلام.

    [من هداية الآيات:

    أولاً: بطلان الشك في وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته ووجوب عبادته وحده لذلك؛ لكثرة الأدلة وقوة الحجج وسطوع البراهين].

    كم مرة نقول: يا عبد الله! أتؤمن بالله؟ قال: لا أؤمن، فأين الله؟ نقول: أنت موجود أو غير موجود؟ مخلوق أم لا؟ فإن قال: أنا غير مخلوق فهو مجنون، أليس مجنوناً؟ فإن قال: إنه مخلوق، قلنا: الله خالقك، ما كنت تعرفه وعرفناك به، فمن خلقك؟ قل: الله. أين الله؟ فوق السموات فوق العرش، كيف عرفناه؟ عرفناه بكتابه وعلى ألسنة رسله، ودلنا على ذلك هذا الخلق العجيب العظيم؛ إذ لا توجد نملة أو ورقة في شجرة لا يخلقها الله عز وجل.

    [ثانياً: بيان ما كان أهل الكفر يقابلون به رسل الله والدعاة إليه سبحانه وتعالى، وما كانت الرسل ترد به عليهم.

    ثالثاً: وجوب التوكل على الله تعالى، وعدم صحة التوكل على غيره؛ إذ لا كافي إلا الله.

    رابعاً: وجوب الصبر على الأذى في سبيل الله وانتظار الفرج من الله بأخذ الظالمين.

    خامساً: عاقبة الظلم -وهي الخسران والدمار- لا تتبدل ولا تتخلف وإن طال الزمن].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.