إسلام ويب

تفسير سورة إبراهيم (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من سنن الله عز وجل إقامته للحجة على عباده، وإمهاله لمن تجرأ عليه سبحانه، ثم إنه لا يهملهم ويتركهم بدون مجازاة، بل يؤخرهم إلى يوم عظيم الهول شديد الكرب، تشخص فيه أبصار الظالمين، وتظهر فيه حسراتهم، في ذلك اليوم يتمنى كل ظالم أن يعود إلى أيام المهلة التي أضاعها، وزعم أنه لا يتزحزح عنها، وهيهات أن يكون لهم ذلك وقد جنوا على أنفسهم بالظلم، والمكر بعباد الله الصالحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله، راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة إبراهيم الخليل عليه السلام، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا، وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:42-46].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا السياق الكريم الغرض منه تقوية عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر على دعوته التي يدعو بها إلى ربه، وحمله على الثبات حتى يبلغ دعوته وينصره ربه عز وجل.

    فها هو تعالى يقول له: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]، يا رسولنا! لا تظن أو تحسب أننا غافلون عما يفعل الظالمون، والظالمون هنا: المشركون، الكافرون، الخارجون عن سنن الله وتعاليمه في خلقه.

    الشرك بالله تعالى أفحش الظلم وأقبحه

    وأعيد إلى أذهانكم أن الظلم ظلمات، وأن الظلم أنواع، لكن من أشدها قبحاً الشرك بالله عز وجل:

    أولاً: لقول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    ثانياً: أيخلق الله إنساناً ويرزقه ويحفظه في حياته ويطلب منه عبادة معينة فيرفضها ويعبد بها غيره؟ كيف تتصورون هذا الظلم؟ لا أفظع منه أبداً، ولهذا كل الذنوب تحت مشيئة الله إن شاء غفرها وإن شاء أخذ بها، إلا هذا الذنب الذي هو الشرك فإن الله أعلم وأخبر أنه لا يغفره، وجاء ذلك في سورة النساء في آيتين: الأولى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48].

    الثانية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:116].

    والسر عرفتموه أم لا؟ أيخلقك ويرزقك ويخلق الحياة كلها من أجلك ويدعوك إلى أن تعبده فتعبد غيره؟ أي ظلم أفظع من هذا؟

    ومثاله بيناه: شخص في بيتك أنت ربيته وأطعمته وسقيته وكسوته وعلمته، ثم يقابلك بالإعراض عنك وعدم ذكرك والنظر إليك، أي قبح أكثر من هذا؟ فلهذا أحذر المستمعين والمستمعات من الشرك.

    مظاهر الشرك بالله تعالى

    وللشرك مظاهر، منها: دعاء غير الله، فالذي يسأل حاجته من غير الله أشرك بربه؛ لأن الدعاء حق الله عز وجل إذ قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فمن دعا غير الله جعل ذلك المدعو مثل الله، وانصرف عن الله وأقبل على هذا المخلوق، سواء كان ملكاً من ملائكة السماء أو كان نبياً أو كان ولياً أو كان عبداً صالحاً أو كان ما كان.

    ومن مظاهره: الحلف بغير الله، والآن سمعنا من يقول: والنبي، فالحلف بغير الله شرك، أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، فالحلف بالشيء تعظيم له وإجلال وإكبار، وإلا فكيف تحلف به؟ تحلف لتعظمه، فمن يستحق التعظيم غير الله؟ لا أحد، إذاً: فمن حلف بغير الله فقد أشرك، فلا تقل: والنبي، ولا والكعبة، ولا والقرآن أبداً، ما عندنا إلا: بالله ووالله فقط، وإن حلفت بصفات الله وقلت: وخالق السموات والأرض، ومنزل هذه الأمطار، ورب البشرية، فأنت تحلف بالله.

    أما الحلف بغير الله -سواء كان بالنبي أو بغيره- فهو محرم تحريماً قطعياً وشرك تجب التوبة منه وعدم الإقرار عليه.

    وليس عندنا مظاهر الركوع والسجود لغير الله، لكن كان بعض الجاهلين يركعون أمام القبر ويسجدون بين يدي قبر الضريح، أي ضريح من الأولياء، وهذا شرك لا يشك فيه ذو عقل ودين، فلا ركوع ولا سجود إلا لله، حتى إذا صافحت أخاك أو سيدك أو أميرك لا تنحن وتركع، صافحه وأنت مستقيم.

    أراد المسلمون في الروضة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يركعوا له أو يسجدوا، فقال: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ).

    العوام والجهال عندنا في بلادنا الإسلامية ينذرون للأولياء، يقول: يا سيدي فلان! إذا حصل لي كذا وكذا سأفعل كذا وكذا. إما أن يذبح شاة وإما أن يأتي بشموع لذلك الضريح، أو يأتي بأزر حريرية على القبر، هذا شاهدناه وما زال هناك من يفعله وإن قل والحمد لله.

    النذر لله، من نذر لغير الله عبد غير الله عز وجل، والنذر لله أن تقول: يا رب! إن فرجت ما بي ذبحت شاة لوجهك، أو صليت ركعتين أو صمت يوماً أو يومين، فهذا مع الله عز وجل نعم، أما مع عباده: يا سيدي فلان! ويا مولاي فلان! إن حصل لي كذا سنفعل كذا، فهذا والله شرك في النذر، والله يقول: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، فيجب أن ننذر لله عز وجل، ومن نذر يجب عليه أن يفي ولا يؤخر.

    والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، قررنا هذه الحقيقة، فكل من يأخذ أموال الناس بدون حق ظلم، الذي يسب ويشتم مؤمناً بدون حق ظلم، الذي يقتل أو يسفك دم مؤمن بدون حق ظلم، وهذا وضع الشيء في غير موضعه، حتى الإسراف في الأكل والشرب كما تقدم أيضاً ظلم، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]، زيادة الطعام أو الشراب على البطن تتأذى به ويضرك ويفسد صحتك، فهو ظلم ووضع للشيء في غير موضعه.

    هكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]، بل الكل بين يديه وهو على علم بهم، وهو إما أن يؤجل العذاب إلى يوم القيامة؛ ليكون أشد، وإما أن يؤجله إلى حين يستوجبونه وينزله بهم.

    وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]، أي: من كفار مكة وغيرهم.

    معنى قوله تعالى: (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)

    قال تعالى: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم:42]، لا تقل: ما دام أنه ما أنزل العذاب فهو غافل عنهم أو لا يدري، لا تحسب هذا الحسبان أبداً، ولا تظن هذا الظن، وإنما الحكمة أنه يؤخرهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، ألا وهو يوم القيامة، العيون ما تنظر هنا وهنا مثل الآن أبداً، إنما تنظر فوق فقط إلى حيث العذاب ينزل، شخص البصر: إذا امتد وارتفع، فهم يستطيعون أن يلتفتوا يميناً أو شمالاً، لا تظن أن الله غافل عنهم ما يدري ما يفعلون، ما يكيدون لرسولنا، ولكن العلة في ذلك أنه يؤخرهم ليوم القيامة أو حتى تحين ساعة هلاكهم؛ لأن لها حداً محدوداً وساعة معدودة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)

    ثم يقول تعالى: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ [إبراهيم:43]، أهطع يهطع: إذا أسرع في الجري، هذه الصورة لهم في عرصات القيامة، أبصارهم خاشعة وهم يجيبون دعوة الداعي إلى جهنم مهطعين ورءوسهم مقنعة، وإقناع الرأس كما يكون إلى الأسفل يكون إلى الفوق، ولكن المراد هنا الفوق.

    لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43]، ما يغمضون أعينهم أبداً من شدة الهول والعذاب وما يشاهدونه ويرونه، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43] أبداً، الآن الحمد لله؛ ننظر وبعد ذلك نغمض أعيننا لنستريح، لكن في تلك الحالة: مُهْطِعِينَ [إبراهيم:43]، مسرعين إلى الداعي مجيبين الدعوة ورءوسهم عالية وعيونهم وأبصارهم شاخصة كأنك تشاهدهم.

    لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43]، والطرف: طرف العين، ما يغمضون أعينهم، ما يرجعون بها إلى ربهم.

    وَأَفْئِدَتُهُمْ [إبراهيم:43]، أي: قلوبهم، هَوَاءٌ [إبراهيم:43]، فارغة لا عقل فيها ولا وعي ولا إدراك، أكثر من المجانين، ما فيها قوة إدراك ولا إبصار ولا فهم ولا وعي، هذه قلوبهم فارغة تماماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول اللذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ...)

    ثم قال تعالى لرسوله: وَأَنذِرِ النَّاسَ [إبراهيم:44]، بعدما حمله على الصبر وبين له أنه ما هو بغافل عن هؤلاء المجرمين الظالمين وإنما يؤخرهم ليوم كذا، وبين ذلك اليوم وبين مظاهره وما يتم فيه، قال له: يا رسولنا! وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ [إبراهيم:44]، والإنذار: التخويف، خوفهم من عذاب يأتيهم، حذرهم منه ليأخذوا بالحذر فيؤمنوا ويسلموا ويطهروا قلوبهم ويزكوا أرواحهم بالإيمان والعمل الصالح.

    أنذر الناس أبيضهم وأسودهم، اللفظ عام للبشرية كلها: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ [إبراهيم:44]، خوفهم من يوم يأتيهم عذاب الدار الآخرة، وقد يأتي العذاب في الدنيا بأنواع البلاء من خسف أو إغراق أو أمراض وأوجاع أو تسليط ظالم عليهم.

    وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا [إبراهيم:44]، أي: أشركوا وكفروا، فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا [إبراهيم:44]، أي: يا ربنا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [إبراهيم:44]، أعطنا فترة كما أعطيتناها في الدنيا نعبدك فيها ونوحدك.

    أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ [إبراهيم:44]، ولا نرفضها ولا نتكبر عنها ولا نعرض عنها بحال، نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إبراهيم:44] الذين ترسلهم لنا، وهل هذا الطلب يعقل أو يقبل؟ انتهى العمل وانتهت داره، جاءت دار الجزاء وأخذه والحصول عليه، لكن هذا الذي تسمعون والله العظيم ليقولنه بالحرف الواحد، كما أخبر تعالى؛ إذ كتبه في كتاب المقادير، وسوف يقولون هذا القول.

    يا رسولنا! أنذر الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ [إبراهيم:44]، عذاب يفقد العذوبة من الحياة كلها، سمي العذاب عذاباً لأنه يفقد عذوبة الطعام والشراب والنوم والمشي والجلوس تماماً فلا يبقى عذوبة في شيء، هذا العذاب، لا يبقى معه ما تستطعمه أو تتلذذ به.

    وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا [إبراهيم:44]، المشركون الكافرون، ويدخل في ذلك الفسقة والفجرة والمشركون، ولكن إذا كانت الذنوب دون الشرك والكفر فيرجى لهم أن يدخلوا النار ويخرجوا منها، أو لا يدخلونها ابتداء.

    ماذا يقولون؟ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ [إبراهيم:44]، اليوم أعرضوا عنها أم لا؟ ما استجابوا، يضحكون من رسول الله ويسخرون وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إبراهيم:44] الذين ترسلهم إلينا، ولن نعود كما كنا نكفر بالرسل ونكذبهم.

    معنى قوله تعالى: (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال)

    فقال تعالى: قل لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم:44]، جاء في سورة النحل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل:38]، كانوا يحلفون في جماعات: والله لا يبعث الله من يموت، فلا تسمعوا لهذه الكلمة ولا تحفلوا بها، إنما يريد أن يعطل حياتكم فقط. كانوا يعتقدون أن لا بعث أبداً، فقالوا: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ [الصافات:16-17]، أيضاً.

    فمن هنا قال تعالى لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ [إبراهيم:44]، حلفتم من قبل في الدنيا: مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم:44]، والآن تقولون: اعترفنا ونريد أن نرجع إلى الدنيا لنعبد الله ولا نشرك به، وفي هذا تقريع وتوبيخ وخزي وعار لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ...)

    قال تعالى: وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [إبراهيم:45]، في اليمن ديار عاد، ومن المدينة إلى الشام ديار ثمود، يمشون فيها ويسافرون إليها وينزلون بها، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ [إبراهيم:45] أيضاً فلم تزالوا مصرين، وتقولون الآن: ردنا إلى الدنيا لنعبدك ونوحدك ونطيع رسلك، يذكرهم بالواقع الذي كانوا عليه في الدنيا فيقول لهم: وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [إبراهيم:45]، حتى آباؤهم وأجدادهم المشركون، أما كانوا يسكنون في مساكنهم؟ فهلكوا وماتوا، وتبين لكم كيف فعلنا بهم إما بالموت وإما بالعذاب، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ [إبراهيم:45]، في القرآن الكريم وعلى ألسنة الرسل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال )

    قال تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ [إبراهيم:46]، مكر مشركو مكة وقريش مكرهم، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ [إبراهيم:46]، يعلمه كما هو، إذ هو خالقهم وخالقه.

    وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46]، وإن عظم مكرهم فما هو بالمكر الذي تزول منه الجبال، لو يمكرون طول النهار والليل ما تحرك جبل من مكة، وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ [إبراهيم:46]، أي: وما كان مكرهم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46]، ومعنى هذا: اثبت يا رسولنا، وادع إلينا، واصبر على دعوتنا وما تلقى في سبيلنا، والعاقبة لك والنصر آخذ في طريقه إليك، وصدق الله العظيم، ما هي إلا سنيات فقط حتى كانت مكة دار إسلام، والمآذن وأصوات المؤذنين عليها.

    وقرئ: (لا تزول)، وقراءة: لِتَزُولَ [إبراهيم:46] هذه المشهورة، أي: لم تكن الجبال لتزول من مكرهم، دعهم يمكرون، وعند الله مكرهم، فما كان مكرهم لتزول منه الجبال ولا قيمة له، وخابوا وخسروا، وهذا تشجيع لرسول الله على الصبر على الوقوف في وجه الظلمة المشركين حتى ينصره الله عز وجل وقد فعل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    في هذا السياق الكريم تقوية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر ليواصل دعوته إلى ربه إلى أن ينصرها الله تعالى وتبلغ المدى المحدد لها، والأيام كانت صعبة على رسول الله ]، نعم، والأيام كانت صعبة قاسية على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وأصحابه؛ وذلك لتكالب المشركين على أذاهم] وتحاملهم على أذيتهم [وازدياد ظلمهم لهم، فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42] من قومك، إنه إن لم ينزل بهم نقمته ولم يحل عذابه إنما يريد أن يؤخرهم ] ليوم القيامة [ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42] أي: تنفتح فلا تغمض ولا تطرف لشدة الأهوال وصعوبة الأحوال ] من شدة الهول والعذاب، [ مُهْطِعِينَ [إبراهيم:43]، أي: مسرعين، مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ [إبراهيم:43]، أي: حال كونهم مهطعين مقنعي رءوسهم، أي: رافعين رؤوسهم مسرعين للداعي الذي دعاهم إلى المحشر ] إلى ساعة فصل القضاء يوم القيامة، [ قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [ق:41]]، من أين هذا المنادي؟ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    [ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43]، أي: لا تغمض أعينهم من الخوف، وَأَفْئِدَتُهُمْ [إبراهيم:43] قلوبهم هَوَاءٌ [إبراهيم:43]، أي: فارغة من الوعي والإدراك؛ لما أصابها من الفزع والخوف.

    ثم أمر تعالى رسوله في الآية بإنذار الناس مخوفاً لهم من عاقبة أمرهم إذا استمروا على الشرك بالله والكفر برسوله وشرعه: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا [إبراهيم:44]، أي: أشركوا بربهم، وآذوا عباده المؤمنين، يقولون: رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [إبراهيم:44]، أي: يطلبون الإنظار والإمهال. نُجِبْ دَعْوَتَكَ [إبراهيم:44]، أي: نوحدك ونطيعك ونطيع رسولك.

    فيقال لهم: توبيخاً وتقريعاً وتكذيباً لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ[إبراهيم:44]، أي: حلفتم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم:44]، أي: أطلبتم الآن التأخير ولم تطلبوه عندما قلتم: ما لنا من زوال ولا ارتحال من الدنيا إلى الآخرة؟ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [إبراهيم:45]، بالشرك والمعاصي، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ [إبراهيم:45]، أي: عرفتم كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ [إبراهيم:45]، أي: بإهلاكنا لهم وضربنا لكم الأمثال في كتبنا وعلى ألسنة رسلنا، فيوبخون هذا التوبيخ ولا يجابون لطلبهم ويقذفون في الجحيم.

    وقوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ [إبراهيم:46]، أي: وقد مكر كفار قريش برسولنا صلى الله عليه وسلم حيث قرروا حبسه مغللاً في السجن حتى الموت أو قتله أو نفيه، وعزموا على القتل ولم يستطيعوه، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ [إبراهيم:46]، أي: علمه وما أرادوا به، وجزاؤهم عليه.

    وقوله: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:46]، أي: ولم يكن مكرهم لتزول منه الجبال؛ فإنه تافه لا وزن له ولا اعتبار، فلا تحفل به أيها الرسول ولا تلتفت، فإنه لا يحدث منه شيء، وفعلاً قد خابوا فيه أشد الخيبة].

    هداية الآيات

    الآن مع هداية الآيات، فلكل آية هداية، ففي القرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، والآية ما معناها؟ العلامة الدالة على الشيء، ما آية أنك مسلم؟ عمامتك على رأسك، ما علامة أن هذا كافر؟ برنيطته على رأسه، الآية ما هي؟ العلامة الدالة على الشيء، كل آية من الستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    هات لي آية من القرآن الكريم مثلاً؟ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذه آية، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذا كلام من؟ كلام الله تعالى. وهل هناك من يقول: كلام غير الله؟

    أهل مكة والعرب مجمعون على أن هذا كلام ما قاله أحد لرسول الله، وإنما أوحاه الله إليه، إذ تحداهم أن يأتوا بآية فما استطاعوا، إذاً: هذا الكلام دال على متكلم موجود، وهل هناك كلام بدون متكلم؟ الجواب: لا، وهو دال على علم وحكمة، إذاً: هذا يدل على أن الله موجود وأنه لا إله إلا هو.

    ثم من نزلت عليه هذه الآية؟ ما هناك إلا أن تقول: محمد فقط، كلهم قالوا: ما هو إلا رسول الله، إذاً: لو لم يكن رسول الله فكيف سيوحي إليه؟ فوحيه إليه وإنزاله الآية عليه دال على أنه رسوله، وهكذا الآيات في القرآن كل آية تدل دلالة ودلالات، لكن الدلالة التي لا تتأخر أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تأخير العذاب عن الظلمة في كل زمان ومكان] وهذا موجود [لم يكن غفلة عنهم ] وعدم علم بهم، [وإنما هو تأخيرهم إلى يوم القيامة أو إلى أن يحين الوقت المحدد لأخذهم ]، فعذاب الفرد أو الأمة له ساعة معينة مكتوبة في كتاب المقادير، من هنا استنبطنا من هداية الآية: أن تأخير العذاب على الظلمة في كل بلد وفي كل يوم لم يكن عن غفلة من الله عز وجل، وإنما من أجل تأخيرهم إلى يوم القيامة أو إلى الوقت المحدد لتعذيبهم في الدنيا. فمن أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42-43].

    [ ثانياً: بيان أهوال يوم القيامة وصعوبة الموقف فيه حتى يتمنى الظالمون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا ويوحدوا ربهم في عبادته ]، من أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إبراهيم:44].

    [ ثالثاً: التنديد بالظلم وبيان عقاب الظالمين بذكر أحوالهم ]، معاشر الأبناء والإخوان! لنجاهد ليل نهار أن لا يرانا الله تعالى نظلم مخلوقاً حتى ولو كان قطاً، نكف أيدينا وألسنتنا حتى أعيننا ما نفتحها في وجه امرأة لا تحل لنا، ولا يحل لنا النظر إليها.

    قال: [ التنديد بالظلم وبيان عقاب الظالمين بذكر أحوالهم ]، كما قال تعالى: وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ [إبراهيم:45].

    [ رابعاً: تقرير جريمة قريش ] في ماذا؟ [ في ائتمارها على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، فقد عقدوا في ناديهم مجلساً حضره إبليس في صورة شيخ نجدي وتداولوا القضية: إما أن يسجن ويغل بالأغلال حتى يموت، وإما أن ينفى نفياً بعيداً من المملكة ومن الجزيرة، وإما أن يقتل، وأخيراً نصح لهم إبليس بالقتل، قال: إذا غللتموه فممكن أن يقوم أهله ويطلقوه، وإذا نفيتموه فقد يجتمع هناك مع رجال ويأتي فيدمركم، فما هناك إلا القتل فقط، فحكموا بإعدامه ولكن الله عز وجل نجاه، طوقوا بيته بأربعين شاباً في كل يد كل شاب سيف، ومع هذا خرج وأخذ قبضة من التراب ونثرها على رءوسهم وذهب صلى الله عليه وسلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.