إسلام ويب

تفسير سورة النحل (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كما هي صفة القرآن دائماً يثني بذكر أحوال أهل التقوى بعد ذكر أحوال أهل الفجور، لأن الفروق دائماً تعين على تمييز الحق حتى يسلك وتمييز الباطل حتى يترك، وهنا يذكر الله صفات أهل التقوى وكيف أنهم إذا سمعوا كلام ربهم قالوا: خيراً؛ لأنهم أهل إحسان وصلاح، وكيف أن الله سبحانه كما عاقب أهل الظلم والفجور بموجب أعمالهم، كذلك أثاب أهل التقوى، فأحسن إليهم كما أحسنوا، وأدخلهم الجنة، وأنزل ملائكته لتعجل إليهم البشرى عند موتهم ويوم بعثهم وتبلغهم سلام ربهم، بعكس أهل الشرك والطغيان فليس لهم إلا العذاب ينتظرهم لينالوا جزاء سيئاتهم، ويذوقوا عاقبة استهزائهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [النحل:30-34]. ‏

    المفارقة في موقف المؤمنين الأطهار وموقف المشركين تجاه ما نزل من القرآن الكريم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل:30] تقدم في سياق الآيات قبل هذه: أن المشركين الظالمين الماكرين في مكة جعلوا رجالاً على أبواب مكة مهمتهم أنه إذا جاء رجل من خارج مكة يسأل عن محمد صلى الله عليه وسلم وماذا يقول يقولون له: أساطير الأولين؛ دفاعاً عن عقيدة الباطل عقيدة الشرك والكفر والعياذ بالله، وهذه ثمرة الجهل بالله، ما عرفوا الله عز وجل حتى يخافوه ويحبوه، فهم جهلة، قد ابتعدوا عن القرآن وأبوا أن يسمعوه، بل أمروا المواطنين إذا سمعوا القرآن يقرأ أن يصيحوا ويضجوا حتى لا يُسمع: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26].

    وكانوا يدخلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، فمن أين تأتيهم الهداية إذاً؟ أغلقوا أبوابها، فلذلك هم ضالون كافرون مشركون.

    ومقابل ذاك الموقف العجيب الغريب يقف المؤمنون موقفاً ما أطيبه وأطهره، فإذا جاء من يسأل عن رسول الله بالخفاء: ماذا أنزل عليه ربه؟ يقولون: خيراً، الأولون يقولون: أساطير الأولين وحكايات السابقين الباطلة؛ لأنهم كافرون نفوسهم مظلمة، والمؤمنون الموحدون يقولون: خيراً. وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل:30] أي: القرآن.

    وقوله: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [النحل:30] اتقوا ماذا، واتقوا من، وبماذا اتقوا؟ هذا لابد من بيانه ومعرفته:

    أولاً: اتقوا ربهم، وخافوه ورهبوه فعبدوه وأطاعوه، فتقوى الله عز وجل تكون أولاً بالإيمان به رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، ثم بطاعته في أوامره ونواهيه، ومن ثم ينتج لهم ذلك حب الله والرهبة والخوف منه عز وجل، فبذلك هم متقون لربهم، اتقوا عذابه وسخطه وغضبه بالإيمان به وبطاعته وطاعة رسوله، هؤلاء المتقون كانوا موجودين في مكة، ولكنهم أقلية، إذا سئلوا يقولون: أنزل ربنا خيراً، فسموا القرآن خيراً، ووالله إنه لخير، فلهذا يقول أهل العلم من السلف الصالح: من آتاه الله القرآن وحفظه وكان من أهله فلا ينبغي أن يرى أن هناك من هو خير منه، الذي أوتي القرآن فحفظه وعمل به لا يرى غيره خيراً منه أبداً؛ لقول الله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل:30].

    معنى قوله تعالى: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)

    ثم قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [النحل:30]، هذا خبر من أخبار الله عز وجل، اسمعوه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [النحل:30] خبر جليل عظيم، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا [النحل:30] ما لهم؟ حسنة. كيف أحسنوا، وما هي الحسنة؟ أحسنوا إيمانهم بربهم، أحسنوا طاعة ربهم، فعبدوه بما شرع، بلا زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير؛ لأن الإحسان: هو إتقان الشيء وتجويده، والإتيان به على الوجه المطلوب، وفسر الحبيب صلى الله عليه وسلم لجبريل الإحسان فقال: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، وهذه الحقيقة يجب أن نتفهمها، فالذي يقوم يصلي أو يقوم يتوضأ أو يقوم يطوف أو يسعى أو يخرج صدقة بيده، هذا الذي يريد أن يتقي الله ويحسن تقواه عليه أن يلزم إحدى حالتين لا ينتقل إلى الثانية حتى يعجز عن الأولى؛ الأولى: أن يفعل ذلك العمل وكأنه يرى الله، يصلي: الله أكبر! أحرم ودخل، يجب أن يعتقد أن الله يراه، فالمرتبة السامية العالية: أن تعبده كأنك تراه، الذي يصلي وكأنه يرى الله وينظر إليه في صلاته والله لا يزيد فيها ولا ينقص منها ولا يخل فيها أبداً، بل يأتي بها كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا الصيام، عندما يصوم يصوم وكأن الله يراه، فلهذا لا يستطيع أن يفسد صومه أبداً، لا بأكل ولا شرب ولا وقاع.

    المرتبة الثانية: إذا عجز عن هذا المستوى وهبط دونه بقي عليه أن يعبد الله وهو يعلم أن الله يراه يقيناً، فإن استطعت يا عبد الله .. يا ولي الله أن تعبد الله بأية عبادة وكأنك تراه حتى تؤديها محسنة متقنة مجودة من شأنها أن تثمر لك زكاة نفسك وطهارة روحك فافعل؛ لأن العبادة عبارة عن عمل ينتج حسنة، فإن عجزت عن كونك كأنك ترى الله فلا تعجز عن أن تعبده وأنت تعلم أنه يراك، هذا بيان رسول الله لجبريل عليه السلام حين سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال: ( الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، منزلتان: الأولى أعظم، الأولى: أن تتوضأ أو تحرث أو تبني لله كأنك ترى الله، ومن ثم فوالله لا تستطيع أن تفسد عملك أو تزيد أو تنقص، بل تأتي به كما بينه الله ورسوله، فإن عجزت عن هذه المرتبة لوجود ظلمة في النفس فالمرتبة الثانية لا تعجز عنها وهي: أن تعبد الله وأنت تعلم أنه ينظر إليك ويراك.

    وفي الحديث الصحيح: ( إذا قام العبد في صلاته فالله جل جلاله وعظم سلطانه ينصب وجهه لعبده في صلاته ).

    إذاً: هؤلاء المحسنون، ماذا قال تعالى في هذا الخبر عنهم؟ قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [النحل:30]، والحسنة في الدنيا عز وكمال وطهر وصفاء، ليس هناك ذل ولا هوان ولا خبث ولا فساد، ولكن حياة كلها طهر وصفاء، حسنة الدنيا عرفها الأولون، ما عرفت الدنيا أمة أسعد من أهل القرون الثلاثة؛ وذلك لأنهم أحسنوا أعمالهم في هذه الدنيا، فمن جاهد أحسن جهاده، ومن اتجر أحسن تجارته، ومن أعطى أحسن عطاءه، ومن صلى أحسن صلاته، ومن صاحب أحسن صحبته.. وهكذا، فأنتجت لهم الحسنة كما قال الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [النحل:30]، أي: ثمرة عملهم الذي أحسنوه وأتقنوه وجودوه وما أخلوا به ولا أفسدوه في هذه الدنيا هي الحسنة، وذلك بما يأتي أولاً: ما يغمر نفوسهم من الطهر والنور والصفاء، ثانياً: ما هم في حاجة إليه في دنياهم من عز وكمال، فهذا وعد الله عز وجل في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [النحل:30]، وأما حسنة الآخرة فلا تسأل؛ فإنها رضا الله وجنة النعيم.

    معنى قوله تعالى: (ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين)

    ثم قال تعالى: وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ [النحل:30]، لما أخبر أن المحسنين في هذه الدنيا يعيشون على حسنة كاملة، أخبر أن حسنة الآخرة أعظم من حسنة الدنيا، فنعيم الدنيا: طعام، شراب، أمن، ركوب، لكن نعيم الآخرة ما يساوى به نعيم الدنيا أبداً.

    قال عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل:30]، أي: ولنعم الجنة دار الأبرار المتقين، نعم الدار الجنة، لكنها دار من؟ من هم أهلها؟ إنهم المتقون.

    إذاً: هل المتقون هم أهل الجنة؟ الجواب: نعم، اللهم اجعلنا منهم. لماذا؟ لأنهم اتقوا ربهم، فآمنوا به وعبدوه وحده بما شرع أن يعبدوه به، حتى زكت بذلك نفوسهم، وطابت أرواحهم، وأصبحوا أهلاً للجنة ودخولها، أصبحوا أهلاً لرضا الله ورضوانه؛ لأنهم اتقوه وما عصوه، ما خرجوا عن طاعته، ما فسقوا عن أمره، بل آمنوا وأسلموا وعملوا الصالحات وابتعدوا عن المفسدات، فبقيت نفوسهم زكية طاهرة كأرواح الملائكة، إذاً فأين يسكن هؤلاء؟ لا بد لهم من الجنة، للحكم الإلهي الذي لا ننساه أبداً: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون ...)

    قال تعالى: وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل:30]، وإن قلت: ما هي دار المتقين؟ قال تعالى في البيان: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [النحل:31]، لو أن سائلاً سأل فقال: ما هي دار المتقين؟ فالجواب: جَنَّاتُ عَدْنٍ [النحل:31] معنى (عدن): إقامة، أي: جنات الإقامة الدائمة التي لا يرحلون منها أبداً بخلاف الدنيا، فإنه يوجد فيها جنات وبساتين لكنهم يتركونها ويخرجون منها، أمّا تلك فجنات إقامة دائمة كما قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [النحل:31] ومعنى (يدخلونها) أي: من أبوابها الثمانية، وهل للجنة أبواب ثمانية؟ الجواب: نعم، فهل تعرفون من أبوابها باباً؟ أجل: باب الريان، وهو باب لا يدخله إلا الصائمون الذين يكثرون الصيام، هؤلاء يدخلون من هذا الباب المسمى بالريان، من الري الذي هو ضد الظمأ والعطش.

    هل تذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم في أبواب الجنة؟ يقول صلى الله عليه وسلم: ( من توضأ فأحسن الوضوء )، (مَنْ) مِنْ أبيض أو أسود، رجل أو امرأة: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء ) أي: رفع عينه هكذا، وهو يشير بأصبعه إلى التوحيد ثم قال: ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية )، أي أنه: لو كان عند أبوابها والله لدخل، ومعنى (من توضأ فأحسن الوضوء)، أي: توضأ كما كان رسول الله يتوضأ، وكما علمنا علماؤنا أن نتوضأ، توضأ فأحسن الوضوء وأجاده وأتقنه، ثم رفع عينه إلى السماء وقرر هذه الحقيقة: ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ).

    من اللطائف التي نأخذها من هذا أنه: كيف يكون هو في الأرض وأبواب الجنة في السماء السابعة وتفتح له؟

    نقول: الحمد لله، كشف الله عن العجائب التي ما كان البشر تخطر لهم على بال، الآن بالفعل تكون عند باب المطار، وقبلما تصل يفتح الباب لك، لا تدفعه ولا تمسه بيدك، بل بمجرد أن تقرب منه ينفتح تلقائياً أوتوماتيكياً، واضح هذا المعنى أم لا؟ وهنا كذلك بمجرد أن تقول هذا القول تتفتح أبواب الجنة الثمانية، لتأثير هذا القول؛ لأنه مدخل الإسلام، لا يدخل أحد في الإسلام إلا إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    ثم يدعو المتوضئ ربه: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) من عبادك الصالحين.

    ذكر بعض نعيم أهل الجنة

    قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا [النحل:31]، أي: من تحت قصورها وأشجارها، وقوله: الأَنْهَارُ [النحل:31]، الأنهار: جمع نهر، وقد ذكر تعالى للجنة أربعة أنهار، جاء ذلك في قوله من سورة محمد صلى الله عليه وسلم: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:15]، اللهم اجعلنا منهم.

    من هؤلاء؟ إنهم المؤمنون المتقون فقط، لا تقل: عرب ولا عجم ولا أشراف ولا وضعة، بل مؤمنون متقون، إذ هم أولياء الله عز وجل، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [النحل:31] المهم أن تشاء أنت، الطعام، الشراب، اللباس، المركوب، النساء.. ما تشتهي، كل ما اشتهيته يوجد بين يديك، وآية سورة يونس من يذكرها؟ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، هذه مفاتيح سعادة الجنة: دَعْوَاهُمْ فِيهَا [يونس:10] أي: إذا اشتهيت طعاماً أو شراباً، أو فواكه، قل ما شئت واشتهيته؛ ما تقول: هاتوا البقلاوة، وهاتوا كذا وصبوا كذا، فقط تقول: (سبحانك اللهم)، إذا قلت: (سبحانك اللهم) حضر بين يديك ما تشتهي والله العظيم؛ لأنك لو تطلب أنواع الأطعمة المتنوعة والفواكه وكذا ستتعب، فهذا فيه شقاء، والجنة دار السعادة ما هي بدار الشقاء أبداً، ما فيها إعياء ولا تعب، تقول: سبحانك اللهم، فتوضع الصحاف بين يديك بما فيها من أنواع الطعام وأواني الشراب، دَعْوَاهُمْ فِيهَا [يونس:10] طلبهم فيها: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [يونس:10] وتحيتهم فيها ما هي؟ السلام، وما هي آخر دعواهم؟

    أي: كيف ترفع الصحون والقدور وبقية الأطعمة بعد الشبع؟ كيف تفعل؟ هل تقول: خذوا هذا وارفعوه؟ إذاً: تتعب، بل تقول: (الحمد لله رب العالمين) فما تبقى صحفة ولا يبقى إناء ولا شيء، هذا هو معنى الآية من سورة يونس عليه السلام: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:9-10].

    ما يُنال به نعيم الجنة

    وهنا يقول تعالى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [النحل:31] أي: ما يريدون ويطلبون من أنواع المشتهيات، كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [النحل:31]، كهذا الجزاء الذي سمعتم يجزي الله المتقين، فأبشروا أيها المتقون، كهذا الجزاء يجزي الله تعالى المتقين في القرون الأولى أو الحاضرة أو الآتية؛ من آدم إلى يوم القيامة، كل تقي يجزى بهذا الجزاء. والسؤال الذي يتردد دائماً: ما سر هذا العطاء؟ أمن أجل التقوى فقط؟

    الجواب: المتقي ذاك الذي اتقى مساخط الله ومغاضبه، فلم يعص الله عز وجل ولم يخرج عن طاعته، فصفت نفسه وطابت وطهرت، فأصبح أهلاً لأن يجاور الله، وأن يرافق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    وفي هذا يقول تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] ما له؟ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]، من يطع الله ورسوله كيفما كان جنسه ووجوده وقرنه الذي عاش فيه، فأولئك مع هذه المواكب الأربعة، ما سر ذلك؟ طاعة الله وطاعة الرسول، فهي تزكي النفس البشرية وتطيبها وتطهرها؛ لأنها عبادات، فثوبك يتنظف بالدلك والعرك، والنفس تتنظف بماذا؟ بذكر الله، بعبادته على اختلافها وتنوعها، كل عبادة تزكي النفس وتطهرها، فالمطيعون لله والرسول أنفسهم طاهرة زكية، فلهذا يواكبون المواكب الأربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ...)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل:32]، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل:32]، ملك الموت وأعوانه، موكب من الملائكة يأتي إلينا إن شاء الله، تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل:32]، أي: تستوفي آجالهم وأيامهم وساعاتهم ودقائقهم. تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل:32] حال كونهم طيبين لا أخباثًا نجسين، تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل:32] بمعنى: طاهرين. فكل طيب طاهر، وكل طاهر طيب، من أين طابوا وكيف طابوا؟ لأنهم طيبوا أرواحهم بالإيمان وصالح الأعمال، وأبعدوها عن الشرك والكفر والمعاصي، هؤلاء يخبر تعالى عنهم فيقول: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ [النحل:32]. اعلموا أن العبد المؤمن ولي الله، ونحن إن شاء الله كلنا أولياء الله، وإنما درجاتنا تختلف، فهي رتب، أما الولاية فهي نصيب كل مؤمن تقي، كل مؤمن تقي هو ولي، ولكن هل مرتبتهم واحدة؟ الجواب: لا، فمثلاً: أصحاب رسول الله أهل الجنة والعشرة المبشرون مرتبتهم واحدة؟ لا والله، أبو بكر أعلاهم، ودونه عمر .. وهكذا، فنحن أولياء الله حقاً وصدقاً؛ لأننا مؤمنون متقون، لكن تتفاوت درجاتنا بحسب عظم تقوانا، وخوفنا من ربنا وطاعتنا له، ولنضرب لذلك مثلاً: فالعسكري يرقى إلى أين؟ عسكري أولاً ثم عريف ثم رقيب ثم نقيب .. إلى جنرال، أليسوا كلهم في سلك واحد؟ لكن رتب تتفاوت بحسب ما قدموا من العمل، فالمؤمنون أولياء الله تتفاوت منازلهم بحسب ما قدموا، ليسوا في مستوى واحد.

    معنى قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)

    وهنا: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، العمل ما فيه اتكال على شيخ ولا على نبي ولا على فلان ولا فلان ولا شرف، بل هو واجب على كل فرد كما قال الله: (بما كنتم تعلمون)، وقد علمنا الله تعالى أن الذين ما عملوا الصالحات منهم من هو أب لرسول الله إبراهيم عليه السلام وهو في النار، ومنهم من هو ابن لنبي من أنبياء الله -ابن نوح- وهو في جهنم، وكذلك والد الرسول قال صلى الله عليه وسلم عنه: ( إن أبي وأباك في النار )؛ لأن الجنة ما هي بالحسب والشرف والنسب، ولكن بتزكية النفس وتطهيرها فقط، افهم هذا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فمن عمل الصالحات فزكت نفسه بذلك كان أهلاً لرضوان الله وجواره، ومن أخبثها ولوثها بالشرك والكفر والذنوب والمعاصي فوالله ما هو بأهل لذلك، هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن أذهاننا. قال تعالى: يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ [النحل:32]، يقول ابن المبارك : إذا استجمعت روح العبد عند وفاته، ووصلت روحه إلى فمه، أي أنها: خرجت من رجليه، من بطنه، من عنقه إلى فمه ليلفظها وتخرج، يأتيه ملك الموت ويقول: سلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. هذه إن شاء الله نراها عما قريب، أو نقول: اللهم عجل لنا بها، اللهم عجل لنا بها! ملك الموت يأتي وقد تجمعت الروح في الفم وانسلخت من كل الجسم مستعدة للخروج فقط، ما هي وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1]، هذه وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:2]، يقول ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. وتفيض روحه، وفي القرآن الكريم: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:30-31]، هذه المواكب عند الموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ...)

    ثم قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ [النحل:33]، من هؤلاء؟ روسيا، ألمانيا، أمريكا، أوروبا، الصين، اليابان.. الكافرون كلهم، هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل:33] حتى يؤمنوا؟ ماذا ينتظرون؟ الآية نزلت في كفار قريش، ولكنها عامة في كل كافر، ماذا ينتظرون؟ أما سمعت أمريكا بأن هناك دينًا اسمه الإسلام؟ وأن هناك مسلمين في ديارها، فلم هي معرضة عنهم؟ وروسيا أما عرفت هذا؟ بل حطمت المسلمين وقضت عليهم، وهكذا اليابان والصين وكل الكافرين، ماذا ينتظرون؟

    قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ [النحل:33]، أي: ما يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل:33]، أمر ربك يأتي بماذا؟ بتدميرهم، بسحقهم وإهلاكهم.

    معنى قوله تعالى: (كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)

    قوله: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:33] أمم مضت، بلايين البشر وقفوا هذا الموقف، ما يريدون أن يؤمنوا ولا يريدون أن يسلموا، بل يحاربون الإسلام ويكفرون بالإيمان، وتمضي القرون وهم كذلك فيهلكهم الله عز وجل.

    كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ [النحل:33] أي: لما أبادهم واستأصل وجودهم، كعاد وثمود وقوم شعيب وفرعون.. ومن إلى ذلك لم يكن ظالماً لهم، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33]، ما ظلمهم الله أبداً، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ظلموا أنفسهم فصبوا عليها أطنان الكفر وأوزار الذنوب والآثام، فتدنست وأصبحت عفنة منتنة، فهم في جهنم بعد أن أهلكهم الله في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)

    قال تعالى: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [النحل:34]، جزاء سيئات عملوها، ما هي السيئات؟ جمع سيئة، ما هي السيئة؟ كل حركة باللسان، باليد، بالرجل هي معصية لله ورسوله تنتج سوءاً في النفس البشرية، كل معصية صغيرة أو كبيرة يفعلها المؤمن أو الكافر تحدث في نفسه سوءاً، وتسمى سيئة، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40].

    إذاً: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ [النحل:34]، أي: جزاء سيئات مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [النحل:34]، أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به، هذا الذي جعل العرب يؤمنون ويسلمون، ويدخلون في رحمة الله، هذا التخويف وهذا التهديد، سمعوا عن عاد جنوبًا وعن ثمود شمالاً وعن فرعون وما أصاب قومه فخافوا ثم أسلموا وآمنوا.

    وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [النحل:34] إذ الكفار يستهزئون بالعذاب، يقولون: هذا العذاب الذي تخوفنا به متى يكون؟ كما هم الآن يقولون، أليس الكفار والملاحدة والعلمانيون يستهزئون بالعذاب، لو ذكرت لهم العذاب يقولون: هذا العذاب الذي تقول كيف يكون ومتى يكون؟

    والله تعالى نسأل أن ينفعنا وإياكم بما درسنا ونسمع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ هداية الآيات ] فتأملوها رحمكم الله[ من هداية الآيات:

    أولاً: إطلاق لفظ (خير) على القرآن، وهو حق خير، فالذي أوتي القرآن أوتي الخير كله، فلا ينبغي أن يرى أحداً من أهل الدنيا خيراً منه، وإلا سخط نعمة الله تعالى عليه ].

    إطلاق لفظ (خير) على القرآن من قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل:30].

    فيا أهل القرآن! اقرءوه الليل والنهار، وتدبروا وتفكروا فيه، واعملوا بما فيه فإنكم أفضل أهل الأرض، لا يوجد خير منكم قط، لكن الذين قرءوه لأجل الموتى فقط، أو ليقال: فلان يحفظ القرآن، وهو لا يقوم الليل ولا يتهجد به، ولا يتفكر في آياته ولا يتدبرها، ثم هو كذلك يعمل بمعاصي الله، فهذا يا ويله من نقمة القرآن وعذابه بسببه.

    [ ثانياً: سعادة الدارين لأهل الإحسان، وهم أهل الإيمان والإسلام والإحسان، في إيمانهم بالإخلاص، وفي إسلامهم بموافقة الشرع ومراقبة الله تعالى في ذلك ].

    هناك داران: الأولى: هذه التي نحن فيها، والثانية الآخرة، فلماذا وجدت الدار الآخرة؟

    للجزاء، فهذه دار عمل، وجزاؤكم على عملكم في الدار الآخرة لا في الدار الدنيا، كررنا هذا القول رجاء أن يحفظه المؤمنون والمؤمنات: سر هذه الحياة العمل، اعمل أو تهلك، وسر الحياة الثانية: الجزاء على العمل، فإن كان عملك صالحاً كان جزاؤك الجنة دار الأبرار، وإن كان عملك فاسداً: شركاً ومعاصي وذنوبًا كان الجزاء النار وبئس القرار، هذه هي الحقيقة.

    (سعادة الدارين لأهل الإحسان)، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه.

    [ ثالثاً: بشرى أهل الإيمان والتقوى عند الموت ]، بشرى أهل الإيمان والتقوى أين تكون؟ عند الموت، [ وعند القيام من القبر بالنعيم المقيم في جوار رب العالمين ]، لما يقومون من قبورهم تتلقاهم الملائكة: هذا يومكم الذين كنتم توعدون، وتسلم عليهم، وعند الموت -وعما قريب نشاهد هذا إن شاء الله- يقول ملك الموت وأعوانه: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. فالحمد لله على هذا الإنعام.

    [ رابعاً: أن أعمال القلوب والجوارح سبب في دخول الجنة، وليست ثمناً لها؛ لغلائها، وإنما الأعمال تزكي النفس وتطهر الروح وبذلك يتأهل العبد لدخول الجنة ].

    أعمال القلوب -وهي العقائد- وأعمال الجوارح -العبادات- سبب في دخول الجنة، لكن ما هي بثمن لها؛ لأنها لا تساوي الجنة، ولكنها سبب فقط، تزكي النفس فتدخل الجنة، أما أن تدخل الجنة بعملك فوالله ما تستطيع، لو عبدت الله ألف سنة ما تستحق الجنة، لكن العبادة من شأنها تزكية النفس وتطهيرها، فإذا زكت نفسك وطهرت أصبحت كأنفس الملائكة في الجنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدٌ منكم بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل )، سددوا وقاربوا، ولا تظنوا أن أعمالكم هي التي تدخلكم الجنة، ولكن فضل الله ورحمته.

    [ خامساً: أن ما ينتظر المجرمون بإصرارهم على الظلم والشر والفساد إلا العذاب، عاجلاً أو آجلاً ] ما ينتظرون إلا العذاب عاجلاً أو آجلاً بعد الموت [ فهو نازل بهم حتماً مقضياً، إن لم يبادروا إلى التوبة الصادقة ] كما قال الله في هذه الآية: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل:33] .. الآية.

    والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم بما ندرس ونسمع.