إسلام ويب

تفسير سورة النحل (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما زال السياق القرآني في ذكر امتنان الله عز وجل على عباده بما أنعم عليهم، كتسخيره سبحانه لهذه البحار وما تحويه من مصالح للعباد كاللحوم الطرية والزينة وابتغاء الرزق بالتجارة، وكذلك هذه الجبال العظيمة وكيف أنها قرار للأرض، وكما امتن سبحانه بالمياه المالحة امتن كذلك بالمياه العذبة كالأنهار، وذكَّر أيضاً بهذه النجوم التي جعلها دليل هداية للسالك، خصوصاً في عتمة الليل الحالك، فهذه النعم كلها تقرر أن خالقها هو المستحق للعبادة، وتوجب على المخلوق شكر هذه النعم التي لا تحصى ولا تعد، وإلا فإن الله غني عن شكر الشاكرين، وإنما يدينهم بأعمالهم يوم الدين، فهو العالم لإسرارهم وإعلانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النحل:14-19].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    هذه الآيات القرآنية تعرض علينا آيات الله الكونية؛ لترشدنا إلى أن نقول في صدق: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله جل ذكره: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ [النحل:14]، من هو الذي ذلل البحر وهونه فأصبحنا ندخله ونجتازه ونركب فيه؟ من هو سوى الله؟ لا آباؤنا ولا أمهاتنا.

    سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14]، وهو لحم السمك، لحم الحوت على اختلافه وتنوعه، من خلق الحوت؟ من أوجده في البحر؟ لماذا وجد؟

    والجواب: الله أوجده لك يا ابن آدم من أجل أن تعبد الله وحده.

    وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14]، وهو السمك، وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل:14]، من اللآلئ والجواهر، وهذا من البحر الملح لا الحلو.

    وَتَرَى الْفُلْكَ [النحل:14] يا عبد الله لما تنظر إليه، مَوَاخِرَ فِيهِ [النحل:14] مواخر في البحر تمخر الماء وتشقه من الشرق إلى الغرب، من يسر هذا وسهله؟

    من مكننا من هذا سوى الله عز وجل؟ هل الأصنام أو الأحجار؟ اللات أو العزى؟ لا، وإنما هو الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [النحل:14]، أي: من فضل الله عز وجل بالتجارة التي تحمل من مكان إلى مكان بواسطة هذه السفن في هذه البحار، وذلك كله من أجل أن نشكر الله تعالى.

    أي: أعطانا الله هذا الذي أعطانا، ويسر هذا الذي يسر لنا من أجل أن يسمع ذكرنا له وشكرنا له بطاعته وعبادته: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:14]؛ ليعدنا بذلك لشكره، فمن شكر زاده الله عز وجل، ورضي عنه وأنعم عليه، ومن كفر نعمة الله وجحدها أذله وأهانه وسخط عليه.

    مذهب الإمام مالك فيما يجري فيه الربا من اللحوم

    وهنا لطيفة فقهية ذكرها القرطبي في التفسير، لا بأس بمعرفتها:

    يقول: إن مالكًا رحمه الله يرى أن لحوم ذوات الأربع كالإبل والبقر والغنم والغزلان والظباء جنس، ولحوم ما في ذوات الريش من الطيور على اختلافها وتنوعها جنس، ولحوم ما في الماء من أنواع الحيتان جنس.

    يقول: إن هذه ثلاثة أجناس، فلا يجوز أن تشتري لحم معز بلحم ضأن، ولا لحم بعير بلحم بقر إلا إذا كان يداً بيد وكان متساوياً في الكمية.

    ويقول: ويجوز أن تشتري لحم الطير بلحم الغنم أو الماعز؛ لاختلاف النوع، هذا جنس وهذا جنس : ( فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم )، أما في الجنس الواحد فلا يجوز أبداً البيع إلا إذا كان يداً بيد والكمية والمقدار واحدًا، كما تشتري فضة بفضة، فلا بد أن تكون الكمية واحدة وأن يكون يدًا بيد، والذهب بالذهب كذلك، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم.

    أقول: الإمام مالك -وخالفه في هذا أبو حنيفة رحمهما الله تعالى- يقول: ذوات الأربع -كالإبل والبقر والغنم- يجوز أن تشتري بها لحم الطير متفاضلاً ونسيئة، لكن بيع هذه اللحوم من ذوات الأربع بعضها ببعض لا يجوز إلا يداً بيد والكمية والمقدار واحد.

    وكذلك لحوم الطير، والطير أنواع متعددة، فلا تستطيع أن تشتري لحم حمامة بلحم عقاب وهما مختلفان في الكمية أو ليس يداً بيد.

    الحيتان كذلك على اختلافها وتنوعها لا يجوز أن تشتري حوتاً بحوت إلى أجل أو مع زيادة في الكمية والمقدار، هذه مسألة فقهية استخرجوها من هذه الآية الكريمة.

    المراد بالحلية وما يحل للرجال والنساء منها

    قوله: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل:14]، والحلية: ما يتحلى به.

    وهذه الحلية للنساء ليست للرجال، اللآلئ والجواهر كالذهب للنساء لا للرجال، وليس للرجل أن يتحلى إلا بخاتم الفضة فقط؛ وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صنع له خاتم من فضة مكتوب عليه: محمد رسول الله )، واتخذه خاتمًا يختم به الصكوك.

    وتذكرون الصاحب الذي: ( رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أصبعه خاتم ذهب فنزعه ورمى به في الأرض، فقيل له: خذ خاتمك، قال: لا آخذه وقد رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وعليه فلا يحل للرجل أن يتختم بخاتم الذهب، ولكن يحل له خاتم الفضة، أما النساء فيتحلين بما شاء الله أن يتحلين به من أنواع الذهب والفضة والجواهر واللآلئ، هذه الحلية التي يتحلى بها الإنسان وهي حلية النساء.

    قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ [النحل:14]، تمخر ماء البحر، وتجتازه من إقليم إلى إقليم، تحمل البضائع والسلع.

    لماذا هذا؟ قال: لتبتغوا من فضل الله عليكم، أرزاقكم وطعامكم وكسوتكم.

    حقيقة الشكر

    قوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:14]، الشكر -معشر المستمعين-: أن تعترف في نفسك بالنعمة وأن الله واهبها، ولكيفية الشكر مراتب:

    أولاً: أن تعترف في نفسك أن هذه النعمة من الله عز وجل هو منعمها عليك.

    ثانياً: أن تحمده بلسانك، فتقول: الحمد لله، وكلمة (الحمد لله) رأس الشكر، إذا قلت في أي نعمة: الحمد لله، فقولك: الحمد لله أعظم من تلك النعمة التي تراها عظيمة.

    ثالثاً: أن تصرف النعمة فيما يرضي الله تعالى، أن تصرفها فيما يحب الله عز وجل، هذا هو الشكر للنعمة.

    مثلاً: أنعم الله عليكم بنعمة السمع، قل: الحمد لله، أرأيت لو كنت أصم لا تسمع، من يهبك السمع؟ الحمد لله.. الحمد لله.

    إذاً: اعترف بأن هذه النعمة من الله، هو الذي وهبك سمعك، واحمده بلسانك ولا تسمع بها وتستعملها فيما لا يرضي الله تعالى، إذا كره الله صوتاً من الأصوات فلا تسمعه أبداً، وأصوات الغيبة والنميمة والمزامير والأغاني من العواهر والنساء يكرهها الله عز وجل، فلا تستخدم هذه النعمة إلا فيما من أجله أنعم الله عليك.

    إذاً: نعمة البصر نعمة، احمد الله عز وجل واعترف بأن الله هو الذي وهبك هذا البصر، ولا تنظر أبداً حيث لا يريد الله أن تنظر، كالنظر إلى النساء الأجنبيات: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، فشكر الله يقتضي ألا تنظر بهذا البصر إلى شيء حرمه الله عليك.

    اللسان نعمة أم لا؟ من أجل النعم، أرأيت الأبكم لا يستطيع أن يفصح ولا أن يعرف عن شيء، هذه النعمة اعترف بأنها من الله، هو واهبها ومعطيها، يجب أن تشكره عليها، قل: الحمد لله، ولا تنطق بكلمة سوء يكرهها الله عز وجل ولا يريدها.

    والدينار والدرهم كذلك، من وهبك هذا الدينار والدرهم؟ أليس الله؟ بلى. إذاً: فاحمده على ذلك، أكثر من الحمد لله، ولا تنفقه أبداً في معصية الله، بأن تشتري به ما حرم الله عز وجل، وبهذا تكون من الشاكرين: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ...)

    قال تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [النحل:15]، من الذي أرسى هذه الجبال في الأرض؟ الملائكة لما رأتها احتارت: كيف هذا؟ وإنما كانت بأمر الله (كن) فيكون، هذه الجبال لولا أن الله أرسى بها الأرض بعد أن كانت تميد لسقط كل من على ظهرها.

    من الذي ألقى هذه الرواسي هذه الجبال الشامخة الموجودة في كل أنحاء العالم؟ إنه الله، إذا لم تقل: الله فماذا تقول؟ هل تقول: أمي أو أبي؟

    قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ [النحل:15] كراهة أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15]، والميدان والميلان معروفان، إذا كانت تميل وتضطرب لا يستقر عليها شيء.

    وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [النحل:15]، الأنهار العذبة كالنيل والفرات ودجلة وأنهار العالم، من أوجد الماء الحلو هذا؟

    لم لا نذكر من أوجده؟ ما هناك إلا الله الذي أوجده بما شاء من وسائل ووسائط، أوجده لمن؟ أوجده لعباده ليشربوا ويشكروا، فإنك لما تتناول كأس الماء يجب أن تعترف بأن هذه نعمة الله، وأن تقول: الحمد لله إذا شربت وفرغت، وأن لا تستخدم هذا لماء فيما يغضب الله عز وجل؛ لأنه نعمة.

    وَسُبُلًا [النحل:15]، والسبل: الطرق في الأرض، من الذي مهد لنا الأرض وجعل لها طرقًا وعلامات -كالجبال والوهاد وما إلى ذلك- حتى نمشي إلى بيوتنا وإلى منازلنا في الشرق والغرب؟ من فعل هذا؟ هو الله.

    وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [النحل:15] إلى ما تريدون الوصول إليه من بلد أو قرية أو مكان من الأمكنة، هذه كلها نعم الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)

    قال تعالى: وَعَلامَاتٍ [النحل:16] تهتدون بها إلى منازلكم وبيوتكم، وإلى قراكم ومدنكم.

    وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، وإن كان الجدي يطلق عليه النجم، إلا أن النجم عام في كل النجوم، قبل البوصلة البحرية كان ركاب السفن لا يعرفون أين يتجهون إلا بواسطة النجم فقط، والصحارى لا يعرف أهلها الطريق في الظلام أبداً إلا من طريق النجم، والاهتداء بالنجوم، فالذي يركب البحر في ظلام الليل كيف يعرف أنه يقرب من كذا أو يتجه إلى كذا، قد يتجه شرقاً وهو غرب، أو شمالاً وهو جنوب، لكن بالجدي وسائر النجوم يعرف أنه متجه إلى أي اتجاه، والذي يمشي في الصحراء في الليل وكلها ظلام كيف يعرف أنه في الجهة الفلانية؟ يهتدي بالنجم. فمن قدر على إيجادها سوى الله؟

    بماذا نقابل هذه النعم؟ بم نقابلها؟ بكلمة: الحمد لله.. والشكر لله، ونستعملها فيما يرضي الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون)

    ثم قال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل:17]، يا من يعبدون عيسى ومريم، يا من يعبدون عزيرًا، يا من يعبدون الأولياء، يا من يعبدون الأصنام والأحجار، يا من يعبدون الفروج والشهوات، نسألكم: هل خلقت هذه شيئاً من المخلوقات؟ الجواب: لا. إذاً: من خلق هذه المخلوقات؟ الله، فهل يسوى من يخلق بمن لا يخلق؟ كيف نسوي بالله مخلوقات والله هو الخالق لها ولا نعبده ولا نوحده؟!

    هذه الآيات -يا معشر المؤمنين والمؤمنات- تغرس عقيدة التوحيد في النفوس، هل من يخلق كمن لا يخلق؟ من يطبخ الطعام كمن لا يطبخه؟ من يسوق السيارة كمن لا يسوقها؟ من يتكلم كمن لا يتكلم؟

    الجواب: لا. إذاً: هل الأصنام التي تعبد والأحجار والرجال والنساء خلقت شيئاً؟

    الجواب: لا، كيف تعبد إذاً؟ بأي حق يعبد غير الله؟ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17] فتهتدون وتعرفون، ولم يبق إلا كلمة: لا إله إلا الله، والله الذي لا إله غيره: إنه لا إله إلا الله، لا يوجد في الكون من يستحق أن يعبد بالدعاء والتضرع إليه، ولا بالحلف به، ولا بالذبح والنذر له، ولا بالرهبة منه ولا بالطمع فيه أبداً إلا الله وحده لا شريك له، والخليقة كلها مخلوقته وهو خالقها، وبيده أمرها، يعطي ويمنع، يعز ويذل، يرفع ويضع وهو على كل شيء قدير، لا يوجد في الكون أبداً من يستحق أن يعبد إلا الله، فليذكر المستمعون هذا، وليصححوا عقيدتهم؛ إذ من إخواننا من عاشوا على جهل يحلفون بغير الله: وحق فلان، هذا شرك في عبادة الله.

    من هذا الذي تعظمه وتجعله في مستوى الرب تبارك وتعالى وتحلف به، وهو مخلوق معدوم مربوب، بعض إخواننا ما زالوا إذا وقفوا على قبر يدعونه إذا كانت عليه قبة أو يرون أنه من أولياء الله: يا سيدي فلان.. يا سيدي فلان، يناديه كالذي ينادي الله: يا رب يا رب.. يناديه: يا سيدي فلان .. يا سيدي فلان، والله يغضب بهذا ويسخط عليه وهو لا يدري.

    من هو الذي تناديه في الظلام والضياء فيسمعك ويراك سوى الله عز وجل؟

    لو تقف أمام قبر ألف سنة تناديه فوالله ما يجيبك أبداً ولا يسمعك، فكيف تسأله؟

    لقد ورث العدو فينا الجهل وتسبب الجهل في الشرك فانتشر الشرك في العالم الإسلامي إلا من رحم الله عز وجل، صرفونا عن القرآن أبداً، أسألكم بالله: هل رأيتم جماعة يجلسون يدرسون كلام الله، يتدبرونه ويتفكرون فيه؟

    الجواب: لا. لا يقرأ إلا على الميت فقط، هذا القرآن كيف يهمل؟! الذي يقرأ هذه الآيات أيبقى قلبه ينظر إلى غير الله رهبة أو رغبة؟ والله ما يبقى له إلا الله، وما يبالي بالخليقة كلها.

    أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل:17]، هذا الاستفاهم تقريعي توبيخي، فلا والله إن من يخلق غير من لا يخلق، لا يستويان أبداً، فالله هو الخالق، والخليقة كلها مخلوقته وهو خالقها، فلا يوجد فيها ولا منها ولا بينها من يستحق أن يدعى مع الله أو يحلف به أو ينذر له النذور أو يحلف به أو يعظم بأي نوع من أنواع التعظيم التي هي حق الله عز وجل.

    أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17] لتذكروا وتشكروا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم)

    ثم قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18]، هذا خبره أم لا؟ هل هناك من يقول: نعم أنا أحصيها؟ والله من المستحيل أن تحصي نعم الله عليك أنت فقط؛ تنفسك نعمة تساوي الدنيا وما فيها، نعم لا تعد ولا تحصى أبداً، الخلق والرزق والتدبير والكلاءة وغير ذلك هذه النعم لا تحصى أبداً، إذاً: يجب أن نشكر ولا نكفر، وشكر الله يكون -كما علمتم- بطاعته وبذكره.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18]، إذ لو لم يكن غفوراً رحيماً لسلب النعمة من كل من كفر نعمته، لولا أنه غفور رحيم فماذا سيفعل بالكافرين غير الشاكرين، سيبيدهم ويهلكهم ويمزقهم، ويسلبهم كل خير، ويمنعهم من كل معروف؛ لأنهم كفروا نعمه، وكيف يعطيهم؟! ولكن لكونه تعالى غفوراً لعباده رحيماً بهم، يعصونه ويعبدون غيره وينزل عليهم المطر ويغيثهم إذا استغاثوا ويعطيهم طعامهم وشرابهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون)

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النحل:19]، وهذا تهديد ووعيد: اعلموا أن ما تسرونه يعلمه، وما تعلنونه يعلمه، وسوف يجازيكم بذلك العمل الذي تقولونه أو تفعلونه، وهذه هزت قلوب المشركين في مكة، معناه: انتبهوا! فإن الله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النحل:19]، وسوف يجازيكم بكسبكم وعملكم، فتوبوا إلى ربكم. تبنا إلى الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! اسمعوا الآيات من الكتاب مشروحة مفصلة مبينة أيضاً:

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته، تلك المظاهر الموجبة لتوحيده وعبادته وشكره وذكره.

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ [النحل:14]، وهو كل ماء غمر كثير عذباً كان أو ملحاً، وتسخيره تيسير الغوص فيه وجري السفن عليه.

    وقوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل:14] بيان لعلة تسخير البحر، وهي ليصيد الناس منه السمك يأكلونه، ويستخرجون اللؤلؤ والمرجان حلية لنسائهم.

    وقوله: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ [النحل:14]، أي: وترى -أيها الناظر- إلى البحر ترى السفن تمخر الماء، أي: تشقه ذاهبة وجائية.

    وقوله: وَلِتَبْتَغُوا [النحل:14]، أي: سخر البحر والفلك لتطلبوا الرزق بالتجارة بنقل البضائع والسلع من إقليم إلى إقليم، وذلك كله من فضل الله، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:14]، أي: كي تشكروا الله تعالى. أي: سخر لكم ذلك لتحصلوا على الرزق من فضل الله فتأكلوا وتشكروا الله على ذلك، والشكر يكون بحمد الله والاعتراف بنعمته وصرفها في مرضاته.

    وقوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ [النحل:15]، أي: ألقى في الأرض جبالاً ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] كي لا تميد بكم، ومَيَدانها ميلها وحركتها؛ إذ لو كانت تتحرك لما استقام العيش عليها والحياة فيها. وقوله: وَأَنْهَارًا [النحل:15]، أي: وأجرى لكم أنهاراً في الأرض كالنيل والفرات وغيرهما. وَسُبُلًا [النحل:15]، أي: شق لكم طرقاً. لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [النحل:15] أي: إلى منازلكم في بلادكم.

    وقوله: وَعَلامَاتٍ [النحل:16]، أي: وجعل لكم علامات للطرق وأمارات كالهضاب والأودية والأشجار وكل ما يستدل به على الطريق الناجية، وقوله: وَبِالنَّجْمِ [النحل:16]، أي: وبالنجوم هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فركاب البحر لا يعرفون وجهة سيرهم في الليل إلا بالنجوم، وكذا المسافرون في الصحارى والوهاد لا يعرفون وجهة سفرهم إلا بالنجوم؛ وذلك قبل وجود آلة البوصلة البحرية، ولم توجد إلا على ضوء النجم وهدايته.

    وقوله في الآية السابعة عشرة: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، هذا تأنيب عظيم لأولئك الذين يصرون على عبادة الأصنام ويجادلون عليها ويجالدون، فهل عبادة من يخلق ومن يرزق ويدبر حياة الإنسان -وهو الله رب العالمين- كعبادة من لا يخلق ولا يرزق ولا يدير؟ فمن يسوي من العقلاء بين الحي المحيي الفعال لما يريد واهب الحياة كلها وبين الأحجار والأوثان؟ فلذا وبخهم بقوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، تذكرون فتعرفون أن عبادة الأصنام باطلة وأن عبادة الله حق، فتتوبوا إلى ربكم وتسلموا له قبل أن يأتيكم العذاب.

    وقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18]، بعدما عدد في هذه الآيات من النعم الكثيرة أخبر أن الناس لو أرادوا أن يعدوا نعم الله ما استطاعوا عدها فضلاً عن شكرها، ولذا قال: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18]، ولولا أنه كذلك لآخذهم على تقصيرهم في شكر نعمه عليهم وسلبها منهم عند كفرها وعدم الاعتراف بالمنعم بها عز وجل.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النحل:19]، هذه آخر مظاهر القدرة والعلم والحكمة والنعمة في هذا السياق الكريم، فالله وحده يعلم سر الناس وجهرهم، فهو يعلم إذًا حاجاتهم وما تتطلبه حياتهم، فإذا عادوه وكفروا به فكيف يأمنون على حياتهم؟ ولما كان الخطاب في سياق دعوة مشركي مكة إلى الإيمان والتوحيد فالآية إخبار لهم بأن الله عليم بمكرهم برسوله وتبييت الشر له وأذاهم له بالنهار، فهي تحمل التهديد والوعيد لكفار مكة ] والعياذ بالله، هذا هو القرآن الكريم.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] تأملوا كيف استنبطت هذه الهدايات [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان العلة في الرزق ]، ما هي العلة في الرزق؟ ما هي علة رزق الله لك؟ إنها الشكر، أنعم عليك لتشكره، لا لتسبه وتشتمه أو تعبد معه غيره.

    [ بيان العلة في الرزق وأنها الشكر، فالله سبحانه وتعالى يرزق ليشكر ]، فلهذا ويل للكافرين الذين يتقلبون في نعم الله ولا يقولون: الحمد لله.

    [ ثانياً: إباحة أكل الحوت وكل دواب البحر ]، ما هناك حوت لا يؤكل، اللهم إلا خنزير البحر، فلوجود هذا الاسم تنزه عنه الصالحون ؛ لأنه اسمه خنزير، يوجد في البحر خنزير البحر، فتركه فقط من أجله أن اسمه كاسم خنزير البر فلا يؤكل، وإلا فكل ما يوجد في البحر حلال طيب.

    وهنا نذكر بتلك المسألة الفقهية: فإن صدنا كمية من الحوت من نوع الحوت الأحمر، وكان هناك نوع من الحوت الأبيض، فهل يجوز أن نتبادل بتفاضل أو لا يجوز؟

    لا يجوز، يجب أن يكون المقدار هو هو، وأن يكون البيع يدًا بيد؛ لأن الجنس واحد، وأما الحوت مع الطير كالعقاب أو غيره فيجوز أن يباع بعقاب وزيادة؛ لاختلاف الأجناس.

    فإن قيل: ما حكم أكل كلاب البحر؟ فالجواب: كلاب البحر تؤكل.

    [ ثالثاً: لا زكاة في اللؤلؤ والمرجان؛ لأنه من حلية النساء ]، ما يزكى هذا؛ لأنه من حلية النساء، وحلية النساء لا تزكى، فالجمهور من علماء الأمة بعد الصحابة والتابعين، والأئمة: مالك والشافعي وأحمد على أن حلي النساء لا زكاة فيه، وهذا أرحم بالمؤمنات، وهذا الذي يتلاءم مع فضل الله فيه، فلها ألا تزكيه إذا كان هذا الحلي متخذًا للزينة والتحلي، أما إذا اتخذ للبيع عند الحاجة فهذا كنز تجب زكاته كل عام، ومع هذا أي مؤمنة تريد أن تزكي حليها فلتزك، الفضل لله والأجر لها، ما في ذلك شك، لكن لا نلزمها إلزاماً ونقول: يجب أن تنزعي ما في يديك أو رجليك وتقوميه ثم تزكيه؛ لما في ذلك من العناء والكلفة والمشقة التي تنزه عنها شرع الله.

    [ رابعاً: المقارنه بين الحي الخلاق العليم وبين الأصنام الميتة المخلوقة لتقرير بطلان عبادة غير الله تعالى؛ لأن من يخلق ليس كمن لا يخلق ]، فالله استحق العبادة لأنه يخلق، والأصنام والأوثان وغيرها لا تستحق العبادة؛ لأنها لا تخلق شيئاً، وهي مخلوقة.

    [ خامساً: عجز الإنسان عن شكر نعم الله تعالى يتطلب منه أن يشكر ما يمكنه منها، وكلمة (الحمد لله) تعد رأس الشكر، والاعتراف بالعجز -أيضاً- عن الشكر من الشكر ]، الاعتراف بالعجز عن الشكر، ما نستطيع أن نشكر هذه النعم، هذا الاعتراف شكر، فالشكر: الحمد لله، وصرف النعمة فيما يرضي الله، والاعتراف بالعجز عن الشكر هو شكر كذلك.

    [ والشكر ] حقيقته [صرف النعم فيما من أجله أنعم الله تعالى بها ]، وقد مثلت لكم بالأبصار والأسماع والأيدي والألسن.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم من الشاكرين، اللهم اجعلنا من الشاكرين المؤمنين والموقنين الموحدين يا رب العالمين، ولا تخزنا يوم يبعثون.