إسلام ويب

تفسير سورة النحل (25)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الله عز وجل لعباده أن ما أحله لهم لابد وأن يكون طيباً، ثم أرشد سبحانه إلى كيفية التعامل مع هذه المنن، وأن الواجب عليهم شكرها وتوظيفها في ما يرضاه، والاستعانة بها على عبادة الله، ثم يثني سبحانه القول بذكر ما حرمه على عباده، مع بيان أنه أجاز لهم تلك المحرمات رحمة بهم وذلك بشروط وضوابط لابد من النظر إليها، وفي ختام هذا السياق أشار الحق سبحانه إلى قضية التشريع، وأن الأصل في التشريع هو الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتوعد كل من تجرأ على الله فنازعه في التشريع بالعقوبة في الدنيا، وذلك بالتشديد عليه، وفي الآخرة بالعذاب الأليم والخزي العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً ... )

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    قال تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:114-118].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! الدارسين لكتاب الله في بيت الله، الذين تحفهم الملائكة رضا عنهم وفرحاً بهم! من القائل: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا [النحل:114]؟

    الجواب: الله. فمن هو الله؟ الجواب: خالقنا وخالق العوالم كلها، موجدنا وموجد كل موجود في السماوات والأرضين، اسمه الأعظم: الله، وله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا اسم، الله هو القائل: فَكُلُوا [النحل:114]، وهذا أمر منه، أباح لنا أن نأكل من الطيبات، فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [النحل:114] الذي رزقكه الله: هو ما أصبح في ملكك وفي يديك وفي حكمك، أما ما رزق الله به إبراهيم أو موسى أو عيسى أو فلان فلا يحل لك أن تأخذ إلا برضاه وطمأنينة نفسه مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [النحل:114]، فمن رزقه الله طعاماً أو شراباً أو لحماً فليأكل باسم الله عز وجل، وإذا فرغ يقول: الحمد لله، يقول: باسم الله بمعنى: بإذنه تعالى لي في أكلي من هذا الطعام آكل، فاذكروا كلمة: (باسم الله) أي: باسم الله نأكل، ولو ما أذن لنا لا نأكل، والله العظيم.

    فكلوا مما رزقناكم حال كونه حلالاً طيباً، أما حلال خبيث فلا يؤكل، والحرام وإن كان طيباً لا يؤكل أيضاً.

    فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [النحل:114] هذا امتنان بنعمه تعالى علينا -معاشر المؤمنين والمؤمنات- حتى نأكل باسمه تعالى من الحلال الطيب ونحمده على ذلك ونشكره.

    فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [النحل:114] هو الرزاق ذو القوة المتين، ما بيدك ولا في جيبك إلا بإذن الله وقدرته ومنته وعطائه، فإذا كان حلالاً طيباً فكل، وإذا كان حراماً فلا تأكل وإن كان طيباً، وإن كان خبيثاً لا تأكله وإن كان حلالاً حتى لا تمرض ولا تتأذى.

    والأمر الثاني: وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ [النحل:114] واشكروا يا أيها الآكلون ويا أيتها الآكلات، إذا فرغت من الأكل فاشكر الله، قل: الحمد لله، وكررها: الحمد لله.

    ما رفعت مائدة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من بين يديه إلا وقال: ( الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا ) ما رفعت المائدة والسفرة إلا وقال هذا صلى الله عليه وسلم، والغافلون يبتدئون الأكل بدون إذن الله وكأنهم الواجدون الخالقون.

    باسم الله، لولا أنه أذن لك ما صح لك أن تأكل، باسم الله آكل، فإذا فرغت فاحمد المطعم لك الذي أطعمك وسقاك بكلمة: الحمد لله، وإن قلت: حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كان أجرك أعظم، فهذا اعتراف منك بالنعمة وبفضل المنعم، فلهذا قال تعالى: وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [النحل:114] إن كنتم تعبدون الله وحده فاشكروا نعمه عليكم.

    ذكر ما يكون به شكر النعم

    هنا أكرر القول: بأن شكر النعمة يكون:

    أولاً: بالاعتراف بها في الباطن، في القلب، بأنها نعمة الله لا نعمة غيره، وأنه المنعم بها لا سواه كيفما كان نوع هذه النعمة. هذا الاعتراف بالقلب.

    ثانياً: تترجم ذلك الاعتراف بالقلب بلسانك فتقول: الحمد لله، الحمد لله.

    ثالثاً: تصرف تلك النعمة فيما يحبه لا في ما يغضب ويسخط منه سبحانه.

    وهيا بنا نعدد النعم: أنعم الله عليك بنعمة بصرك، نعمة عظيمة هذه أم لا؟

    الحمد لله، وأنت تعرف أنه ما أعطاك البصر إلا الله، والله ما وهبه لك إلا الله، اعرف هذا بقلبك وقل: الحمد لله، واصرف هذه النعمة فيما يحب، فلا تنظر بها إلى المحرمات والممنوعات، بل غض بصرك فتكون قد شكرت هذه النعمة، أما أن تتابع النساء من وراء ومن أمام وتنظر إليهن ببصرك فغش هذا وخداع منك، وحرام عليك، والله ما أعطاك النعمة لهذه أبداً، كيف وقد قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30].

    لطيفة ظريفة: والله لو آمن المسلمون في ديارهم حق الإيمان والتزموا بألا ينظروا إلى نساء المؤمنات لحجبوا نساءهم، ولأمروا كل امرأة أن تلزم بيتها، ولكن قصروا حتى خرجن وعصين الله جميعاً.

    عرفتم هذه اللطيفة أم لا؟

    أقول: أما أمرنا الله بغض أبصارنا أم لا؟

    إذاً: هل نستطيع أن نعمل على أبصارنا شيئاً؟ لا نستطيع؛ لأننا كل ما نلتفت نرى امرأة فكيف نغض أبصارنا؟ لو كانت مرة في اليوم تمر المرأة على بابها أو على غرفتها غض بصرك، لكن معك في السوق والمتجر وفي المسجد وفي كل مكان فكيف تغض بصرك؟

    ليس هناك حيلة إلا الحجاب، فالمرأة في بيتها ملكة.. سلطانة في بيتها، لا هم لها خارج البيت أبداً، فزوجها هو القيم عليها القائم بشئونها، وحسبها أنها تعبد الله في بيتها وتربي أولادها وتقدم الخير والإحسان لزوجها، والزوج يشتغل في النهار والليل خارج البيت.

    هكذا كانت هذه الديار على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأبنائهم وأحفادهم.

    ولو يلتزم أهل قرية بهذا الحكم: أنه لا يحل لأحد أن ينظر إلى امرأة لوجدوا أنفسهم مضطرين إلى أن يحجبوا نساءهم من الشوارع والمحلات حتى لا يجتمعوا بالنساء ويتصلوا بهن، لكن ما داموا لا يبالون فينظر أحدهم إلى رأس المرأة ورجليها وهي تمشي وكذا ولا يبالي، ولو عرف أنه مسئول فسيغمض عينيه.

    كيف يغمض عينيه والنساء من كل جانب؟ أنا الآن أغمض عيني والله العظيم، كيف أغمض عيني إلا إذا طأطأت رأسي هكذا، من كثرة النساء.

    لم يخرجن؟ قولوا لم؟ الجواب: يخرجن للعمل. والفحول ماذا يعملون؟ لم خلقهم الله؟

    الرجال خلقهم للعمل والكدح خارج البيت، والمرأة مخلوقة للبيت، لتربي الأبناء والبنات وتحسن إلى الزوج وتكرم ضيفه وما إلى ذلك من المهمات العظيمة.

    ونعود إلى شكر النعمة:

    أولاً: الاعتراف بالنعمة لله بالقلب، ثم ترجمة ذلك باللسان: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ثم بعد ذلك هذه النعمة اصرفها في ما أذن الله لك فيه.. بصرك انظر الطريق وانظر حاجتك وكتابك وانظر السماء والكون لتعتبر بآيات الله، ولا تنظر إلى ما حرم الله.

    لسانك نعمة، نعم والله نعمة من أجل النعم، فلم تكن مثل الأبكم في شقاء، فهذه النعمة احمد الله عليها بعد الاعتراف بها واصرفها في ما أذن لك، اسأل بها عن الحق والخير، وقل بها المعروف ولا تقل بها الباطل ولا الشر ولا الكذب ولا ولا، لأنها نعمة فلا تصرفها في ما لم يأذن الله لك به.

    وأخيراً: الدينار والدرهم نعمة فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينفق ديناراً في معصية الله وإلا كان كافراً بالنعمة غير مؤمن بها، ويا ويله!

    أمثلة توضيحية لشكر النعم

    ومن باب التيسير والتفهيم نقول: الذي يعطي خمسة ريالات لحلاق حتى يحلق وجهه كاملاً ليصبح كالمرأة والله ما يجوز؛ لأنه أنفق المال في الحرام، ولو يحسن لحيته ويصلحها لا بأس، أما أن يحلق شاربه ووجهه بعشرة ريالات فلا يجوز، وقد أنفق المال في معصية الله.

    والذي يشتري كاميرا ليصور ما لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ماذا في ذلك؟ حلال، التصوير حلال، والله إنه لآثم ومذنب، وإذا لم يتداركه الله بالتوبة يهلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله المصورين )، وقال: ( إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ).

    وهذا أحد الأحبة زار مكة في هذه الأيام معتمراً في رمضان يخبرني أمس في البيت: بأنه خرج إلى عرفات فوجد جبل الرحمة قد وضعوا له درج ومهدوا له طرقاً والجمال فوق الجبل عشرة.. عشرين، والمصورون يصورون.

    يتحدون رسول الله؟! الرسول يدخل بيته الطاهر فيجد فيه خرقة على نافذة فيها صورة منسوجة بالنسيج وليست صورة كهذه الصور كأنها ناطقة فيقول: ( يا عائشة ! أزيلي عني قرامكِ، يا عائشة ! إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، وهي تقول: أتوب إلى الله ورسوله ).

    ماذا صنعت؟ يا عائشة ! أزيلي عنا قرامكِ، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

    وإذا خرجت الملائكة من البيوت فما الذي يحل محلها سوى الشياطين؟!

    وإذا حلت الشياطين في البيت فهي التي تؤجج الفتن في النفس وتحمل على الزنا والربا والكذب والخيانة وترك الصلاة. هذه مهمتها.

    كيف هذا؟! بدل أن نعلم الناس أنه لا يحل التصوير وإذا بنا نعلم الناس كيف يصورون من أجل الدينار والدرهم ونصور لهم على جبل عرفة؟!

    ما سمعت بهذا حتى أمس! كيف يتم هذا؟ كيف يكون؟

    آه! إنه الجهل، نعم والله الجهل يا أبا عبد العزيز ، الجهل.

    من نعلم؟ أين الذين يتعلمون؟ أين أهل المدينة الذين هم مليون نسمة؟ انظر حلقتك كم واحد فيها؟ ما تجد خمسين واحداً.

    أين المتعلمون؟ لا يريدون أن يتعلموا حتى لا يعملوا، نعم ورب الكعبة. قالوا: ما نصنع بالعلم ونحن ما نعمل فلهذا لا نحضر الدرس.

    فتيا إبليسية! ما دمنا لن نعمل فالأحسن أننا لا نسمع، فرضوا بالجهل والإثم معاً.

    والشاهد عندنا وأعيد القول: البرانيط التي على رءوس أبنائكم، بكينا في العام الأول والثاني وقلنا: الآن والله شبيبتنا يقودون السيارة والبرانيط على رءوسهم كاليهود والنصارى!

    أف لنا! ما نحن بأهل لهذه النعمة أبداً، سيسلبها الرحمن جل جلاله!

    في مدينة الرسول.. في مكة.. في بلد القرآن، في دولة الإسلام تحت راية لا إله إلا الله يتبجح الشاب بالبرنيطة على رأسه مكتوب عليها كلمة كفر!

    مد الناس أعناقهم وسكتوا والتجار الفجار هم الذين يستوردونها ويبيعونها ويهدونها هدايا مستجيبين لصيحة اليهود فيهم حتى تهلك هذه الأمة وتهبط.

    ماذا نصنع؟ قلوب ميتة كأنما تساق إلى الهاوية، مدفوعون إلى أن تزول هذه النعمة ونهلك معها.

    قوله: وَاشْكُرُوا [النحل:114] أي: كلوا واشربوا واشكروا، أما إذا كنتم تأكلون وتشربون وتكفرون فانتظروا ساعة سلب النعمة، والله على ذلك قدير، وكم وكم من نِعَمٍ زالت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل:115] هذه أربع: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.

    أو ما قيل: هذا لسيدي عبد القادر أو مولاي إدريس أو لسيدي إبراهيم ؟ أو هذا للات أو العزى؟!

    الجواب: بلى

    عند الذبح يرفع صوته: هذا لمولاي فلان، لسيدي فلان.

    وإن الذي يذبح لغير الله لا يحل أكله أبداً فهو كالخنزير والميتة.

    هذه أربعة، وجاء من سورة المائدة عشرة، ستة وهذه الأربع، تلك الستة داخلة في هذه، فكلمة ميتة يدخل تحتها: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، يدخل في: قول تعالى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل:115]. هذه محرمات من حرمها؟

    الجواب: الله، والله حكيم عليم يضع الشيء في موضعه، عليم بكل ما كان ويكون.

    إذاً: فما حرمها والله إلا لأنها ضارة بابن آدم. أزيد وأحلف: والله ما حرمها إلا لأنها تضر الآكل وتفسد قلبه وتخبث روحه. أليس عليماً حكيماً؟

    بلى. إذاً: فكيف يحرم ما لا ضرر فيه؟ مستحيل، فما حرم إلا ما فيه ضرر؛ لأنه رءوف بأوليائه، رحيم بعباده، فما كان فيه ضرر لأبدانهم أو قلوبهم منعهم منه حتى يسلموا وينجوا من البلاء والعذاب.

    إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [النحل:115]. والميتة: كل ما مات بدون ذبح من الودجين والحلق.

    والمذبوح من الوراء لا يؤكل.

    والدم على شرط أن يكون سائلاً، تجمعه في فنجان.. في كأس، في كذا، أما الدم على العروق واللحم لا بأس به، اللحم كله فيه دم، لكن الدم المحرم هو الذي يجمع ويطبخ أو يشرب ويؤكل، هذا الحرام؛ لما فيه من المرض والأذى.

    ثالثاً: لحم الخنزير كشحمه، الخنزير معروف، وإن كان بين أهل الحلقة من لم يره لكنه معروف في البلاد الأخرى. ‏

    سر تحريم لحم الخنزير

    لطيفة كررناها وهي: ما السر في تحريم لحم الخنزير؟

    نقول: الجواب: حرمه الله لما فيه من الأذى والضرر.

    كذا أو لا؟ ووالله إنه لكذلك.

    يبقى من اللطائف: قال العارفون العالمون: ذكران الحيوانات كلها تغار على إناثها، الجمل يصول على أنثاه، العنز يصول على أنثاه، الفرس كذلك، كل الحيوانات حتى الديك يصول على دجاجته، إلا الخنزير فإنه يسمح لكل خنزير أن يأتي أنثاه، فالذين يأكلون لحم الخنزير يصابون بالدياثة، يصبحون لا يغارون على نسائهم. وهذا مجرب، الذين يأكلون لحم الخنزير يغارون على نسائهم؟ لا، بل يقول لها: قومي ارقصي فترقص مع أجنبي، فهل هذا يغار؟ تسافر امرأته من لندن إلى ألمانيا إلى باريس وحدها، هل هذا عنده غيرة؟ ما عنده غيرة؛ لأنه يأكل لحم الخنزير ففقد الغيرة التي عند الرجال بسبب أكله لحم الخنزير.

    فالخنزير والله ما يغار أبداً، فالذي ما يغار على نفسه يسميه الرسول ديوثاً، والديوث كالخنزير.

    معنى قوله تعالى: (وما أهل لغير الله به)

    يقول تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل:115].

    وَمَا أُهِلَّ [النحل:115] أي: رُفع الصوت به؛ لأن الإهلال: هو رفع الصوت بالشيء، باسم الله، فإن قال باسم سيدي فلان أو لسيدي فلان أو باسم فلان فلا يحل أكله.

    معنى قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد ...)

    ثم قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ [النحل:115] أي: ألجأته الضرورة والخوف من الموت، الضرورة من الضرر وهي هنا أنه إذا لم يأكل سوف يموت، في هذه الحال أذن له أن يأكل من هذه الأربع أو العشر للضرورة بشرط كونه غير باغ، أما إذا كان ماش من المدينة إلى الطائف ليسلب المال ويقتل الرجال فسفره باطل ولا يحل له أن يأكل منها إذا جاع في الطريق، لأنه باغ معتد.

    الباغي: الذاهب ليغتال الناس أو يأكل أموالهم ويعتدي عليهم، فهذا إذا جاع في سفره لا يحل له أن يأكل من هذه الأربع أو العشر أبداً، وليمت حتى يستريح الناس منه، لم يأذن الله تعالى له أن يأكل من هذه؛ لأنه إذا أكل حيي، وإذا حيي أفسد.

    إذاً: لا يأكل، وما عليه إلا أن يتوب أو يموت.

    غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [النحل:115] العاد: المعتدي المتجاوز للحد، يعني: كل من لحم الميتة على قدر جوعك فقط، فلا تأكل أكثر من جوعك، لا تعتدي، لا تأكل فخذاً كاملاً، بل كل على القدر الذي تحفظ به حياتك حتى تصل إلى بيتك أو يأتيك الحلال.

    إياك أن تعتدي وتأكل أكثر من المطلوب. أذن لك أن تسد رمقك، وأن تقطع جوعتك التي تريد أن تميتك فقط.

    فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:115] هذه مظاهر مغفرته، غفر لمن يأكل هذه مضطراً من الجوع خشية الموت!

    رحيم بعباده أذن لهم في الحرام أن يأكلوه، ولولا أنه رحيم ما أذن لهم أن يأكلوا الحرام، لكنه رحيم غفور، سبحانه، لا إله إلا هو.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام...)

    ثم قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116].

    هذه ليس من شأن العوام، ولكن الشيطان قد يحمل على الباطل ويسوق إليه، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول بدون علم: هذا حرام أو هذا حلال، بل لا بد وأن يكون على علم بأن هذا حرمه الله أو هذا أباحه الله.

    سئلت عن هذا الشراب وأنت لا تدري فقل: الله أعلم. لم تقول حرام وليس عندك علم؟!

    اعتديت على منصب الرب تعالى؛ لأن التحريم والتحليل من حق الخالق العظيم الجليل، والعبيد عبيده وهو الذي يحلل لهم ما ينفعهم ويحرم عليهم ما يضرهم، فليس من حق أي إنسان أن يحل أو يحرم، بل كان السلف الصالح يقولون: هذا مكروه أو هذا مستحب خشية أن يقال: أحلوا أو حرموا، فنحن إذاً ما نقول: نحل هذا أو نحرم هذا، بل نقول: هذا حلال أو هذا حرام إن علمنا من الكتاب والسنة أنه حلال أو حرام، أما أن نحل للناس أو نحرم فهذا اعتداء على الله عز وجل، فلا يحلل ولا يحرم إلا الله.

    لماذا؟ أولاً: لأننا عبيده، أليس الآكلون عبيده؟

    بلى. إذاً: والطعام والشراب أليس طعامه وشرابه؟

    بلى. إذاً: هو الذي له الحق أن يمنع وله الحق أن يبيح ويأذن، أما نحن فلا حق لنا في ذلك أبداً، والسر وراء ذلك ما علمتم: أن ما حرمه يضر بالجسم ويضر بالعقل والقلب والروح، فما حرم الله شيئاً إلا وفيه ضرر خالص أو ضرره أكثر من نفعه، فالواجب أن نعرف الحلال والحرام بالدراسة والتعلم والسؤال، فإذا سئلنا نقول: هذا حلال؛ لأن الله أحله، أو هذا حرام لأن الله حرمه، لا نقول: أنا أحلل كذا وأحرم كذا، أو فلان يحلل أو يحرم، فلا يحلل ولا يحرم إلا الله.

    وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ [النحل:116] بالكذب. هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116].

    هذا رد على المشركين في الجزيرة إذ حرموا السوائب والوصايل، أنواع من النعم: الإبل والغنم حرموها وجعلوها لآلهتهم، فجاء الإسلام وأبطل ذلك التحريم واجتثه من أصله، فلا حق لهم أن يحرموا أو يحللوا، إنما المحرم والمحلل هو الله، فلا سائبة ولا وصيلة، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، فكيف يقولون: حرم الله هذه السائبة فنحن نسيبها ولا نركب عليها ولا نأكلها، حرم هذا الجمل فنحن نحميه فقط للآلهة ولا يجوز الركوب عليه؟!

    هكذا كانوا يفعلون لجهلهم، فلما جاء نور الله وطلعت أشعته في البلاد أعلن الله عما حرم عليهم وعما أباح لهم، وأما هم فلا حق لهم أن يحرموا أو يحللوا.

    وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116] وتختلقوه.

    معنى قوله تعالى: (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)

    قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116] والله العظيم! إن الذين يفترون ويختلقون الكذب على الله ويقولون: أحل الله كذا وحرم كذا وما حلل ولا حرم، وإنما لأجل التدجيل والتضليل أو السلطة وما إلى ذلك -ويا ويلهم- والله لا يفلحون لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (متاع قليل ولهم عذاب أليم)

    قال تعالى: مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:117].

    إن قلت: هاهم أغنياء أو هاهم حكام وهاهم كذا فقد قال تعالى: مَتَاعٌ قَلِيلٌ [النحل:117] ما قيمة ما عندهم الآن من طعام وشراب بالنسبة إلى الحياة الأبدية الخالدة في عالم الشقاء في جحيم النار؟

    هذا رد على من يقول: هاهم ظالمون ويأكلون ويشربون، فما هو إلا متاع قليل أشد القلة وأصغرها.

    إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:116-117] ألا وهو عذاب القبر والدار الآخرة عياذاً بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل...)

    ثم قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا [النحل:118] من هم الذين هادوا؟ اليهود.

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ [النحل:118] يا رسولنا مِنْ قَبْلُ [النحل:118].

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا [النحل:118] أي: اليهود. حرم الله عليهم ما قصه على رسوله من سورة الأنعام، إذ قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام:146] أي: بظلمهم وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146].

    بظلمهم حرم عليهم، لما ظلموا وخرجوا عن طاعة الله ورسله انتقم الله منهم فحرم عليهم هذه الشحوم، فلا يحل لهم أبداً أكلها.

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118] هم الذين ظلموا فحرموا على أنفسهم أشياء فحرمها عليهم بنص التوراة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الآيات من الكتاب

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات:

    امتن الله عز وجل على عباده، فأذن لهم أن يأكلوا مما رزقهم من الحلال الطيب ويشكروه على ذلك بعبادته وحده ] والشكر علمناكم أنه بالقلب واللسان وصرف النعمة فيما أعطى الله.

    والشكر أيضاً: أن يعبد الرحمن عز وجل.

    قال: [ وهذا شأن من يعبد الله تعالى وحده، فإنه يشكره على ما أنعم به عليه.

    وقوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل:115] فلا تحرموا ما لم يحرم عليكم كالسائبة والبحيرة والوصيلة التي حرمها المشركون افتراء على الله وكذباً.

    وقوله فَمَنِ اضْطُرَّ [النحل:115] منكم. أي: خاف على نفسه ضرر الهلاك بالموت لشدة الجوع وكان غَيْرَ بَاغٍ [النحل:115] على أحد ولا معتد ما أحل له إلى ما حرم عليه فليأكل ما يدفع به غائلة الجوع ولا إثم عليه، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:115] فيغفر للمضطر كما يغفر للتائب، ويرحم المضطر فيأذن له في الأكل دفعاً للضرر رحمة به كما يرحم من أناب إليه وتاب.

    وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116] أي: ينهاهم عن التحريم والتحليل من تلقاء أنفسهم بأن يصفوا الشيء بأنه حلال أو حرام لمجرد قولهم بألسنتهم الكذب: هذا حلال وهذا حرام كما يفعل المشركون، فيحللوا ويحرموا بدون وحي إلهي ولا شرع سماوي، ليؤول قولهم وصنيعهم ذلك إلى الافتراء على الله والكذب عليه، مع أن الكاذب على الله لا يفلح أبداً لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ [النحل:116-117] أي: وإن تمتعوا قليلاً في الدنيا بمال أو ولد أو عزة وسلطان؛ فإن ذلك متاع قليل جداً، ولا يعتبر صاحبه مفلحاً أبداً ولا فائزاً، فإن وراء ذلك العذاب الأخروي الأليم الدائم الذي لا ينقطع.

    وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [النحل:118] يخاطب الله تعالى رسوله فيقول: كما حرمنا على هذه الأمة المسلمة الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، حرمنا على اليهود ما قصصنا عليك من قبل في سورة الأنعام؛ إذ قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146]، وحرم هذا الذي حرم عليهم بسبب ظلم منهم، فعاقبهم الله فحرم عليهم هذه الطيبات التي أحلها لعباده المؤمنين، ولذا قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118]].

    هداية الآيات

    قال : [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: يجب مقابلة النعم بالشكر، فمن غير العدل أن يكفر العبد نعم الله تعالى عليه فلا يشكره عليها بذكره وحمده وطاعته، وبفعل محابه وترك مساخطه.

    ثانياً: بيان المحرمات من المطاعم وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.

    ثالثاً: بيان الرخصة في الأكل من المحرمات المذكورة لدفع غائلة الموت.

    رابعاً: حرمة التحريم والتحليل بغير دليل شرعي -قطعي لا ظني- إلا ما غلب على الظن تحريمه.

    خامساً: حرمة الكذب على الله، وأن الكاذب على الله لا يفلح في الآخرة، وفلاحه في الدنيا جزئي -أيضاً- قليل لا قيمة له، هذا إن أفلح.

    سادساً: قد يحرم العبد النعم بسبب ظلمه، فكم حرمت أمة الإسلام من نعم بسبب ظلمها في عصور انحطاطها ].

    والله تعالى أسأل أن يتوب عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.