إسلام ويب

تفسير سورة النحل (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحذرنا الله عز وجل في مطلع هذا السياق القرآني من الأيمان الكاذبة، سواء أكانت أثناء التعامل مع أهل الإيمان لأن هذه خديعة، أو مع أهل الكفران لأنه صد عن سبيل الله، وهذه الجريمة موجبة لعذاب الله؛ وهي كذلك تدل على خسة صاحبها، وإلا كيف بعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي، ويخسر الداني لأجل الذاهب، وذلك بأن يشتري بعهد الله الثمن القليل، فتزل قدمه عن سواء السبيل، ولذا فإن أهل الإيمان قد ركبوا أفراس العمل الصالح وتسلحوا بأنواع الصبر على الطاعات والمكاره حتى ظفروا بسعادة الدارين، ونالوا أجر أحسن الحسنيين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:94-97].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل:94] ينهانا عن ماذا؟ ينهانا عن الحلف الباطل، عن الحلف الكذب، ينهاني -وينهاك- أن أجعل اليمين بالله سبيلاً إلى تحقيق هدف من أهدافي، إلى تحقيق غرض من أغراضي، فأحلف كاذباً، فهذا الموقف ما يرضاه الله عز وجل؛ ولهذا حرمه ونهى عنه، فلا يحل لأحدنا أن يحلف بالله وهو كاذب، لا سيما إذا أراد أن يحقق هدفاً هابطاً، أو يقال مادة هابطة سافلة.

    لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحلف على شيء وهو كاذب، من أجل أن يتوصل إلى مادة هابطة من مواد الحياة الدنيا.

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا [النحل:94] أي: دغلاً وخديعة بينكم، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا [النحل:94] ومعنى هذا: أن من حلف كاذباً ليتحصل على مادة من المواد في هذه الدنيا فقد زلت قدمه وتمزق وهلك، فالله جل جلاله يريد من المجتمع الإسلامي الإيماني، ألّا يحلفون إذا حلفوا إلا بالله، وإذا حلفوا بالله لا يحلفون إلا صادقين.

    أما أن يحلف المرء بالله كاذباً لتتحقق له فائدة دنيوية فهذا الموقف لا يرضاه الله عز وجل، والآية كافية في التنفير منه والإبعاد عنه: فَتَزِلَّ قَدَمٌ [النحل:94] أي: يسقط في إثم، فمن يغفر له؟! وَتَذُوقُوا السُّوءَ [النحل:94] أي: العذاب المر السيئ؛ وذلك بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94].

    تربية الآية الكريمة للمؤمنين على الحذر من الصد عن سبيل الله تعالى بسبب الأيمان الكاذبة

    هذه الآية الكريمة ذات الأثر العظيم في تربية النفوس تشير إلى أننا إذا كنا بين الكافرين لا نخرج أبداً عن ديننا؛ لأننا حتى لا نصرف ذلك الكافر عن ديننا؛ لأننا إذا كنا نحلف ونكذب ونعاهد ونخون فالكفار ينظرون إلينا نظرة سوء، فكيف -إذاً- يقبلون على الإسلام؟ معنى هذا: أننا صددناهم وصرفناهم عن الإسلام.

    أعيد القول: إذا عايشنا غير الصالحين يجب أن نتحفظ أشد التحفظ من أن تزل أقدامنا بسيئة من السيئات فنكون فتنة لأولئك الكافرين؛ فلا يدخلوا في الإسلام ولا يقبلوه.

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:94] صددنا الذين نريدهم أن يدخلوا في الإسلام، فإذا شاهدوا هبوطنا وسقوطنا -لا مروءة ولا كرامة ولا استقامة- فكيف يقبلون الإسلام؟ يرفضونه، ونكون نحن صددناهم عن سبيل الله، والآية عامة، فلا يحل لأحدنا أن يكذب أو يخون عهداً أو موعدا،ً فإن هذا الموقف يجعل الكافرين لا يرضون بديننا ولا يطلبون سلوكه، ونكون قد صددناهم وصرفناهم عن الإسلام.

    وتأملوا الآية الكريمة: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:94] صددنا من؟ صددنا الكافرين وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94]

    والله ما عرف مؤمن هذه الآية ثم استطاع بعد ذلك أن يكذب ويحلف بالباطل؛ لأجل مادة هابطة من دينار أو درهم بحال من الأحوال.

    مرة أخيرة: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ [النحل:94] بالله عز وجل دَخَلًا [النحل:94] أي: خديعة للتوصل بها إلى مادة هابطة فاسدة فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا [النحل:94] بعدما كنت مستقيماً طاهراً نقياً تسقط في بؤرة الشر والفساد.

    وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:94] نبرأ إلى الله من أن نصد مؤمناً أو كافراً عن الإسلام بسلوكنا والعياذ بالله! وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94] . هذه الآية الأولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون)

    الثانية: يقول تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [النحل:95] بأن تعاهد فلانًا ثم تخونه لأنه ليس لك فيه مصلحة، ما استفدت منه شيئاً؛ فتنقض العهد وتوالي وتعاهد شخصاً آخر، فهذا لا يحل أبداً ولا يجوز؛ كما في الآيات السابقة، وآية اليوم أوضح منها: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [النحل:95] لأن متاع الدنيا كله قليل، مهما كان فهو والله قليل بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه يوم القيامة في الدار الآخرة.

    وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النحل:95] أنت تريد ديناراً ودرهماً، والذي عند الله خير مما تريده أنت، ومعنى هذا: ألا نخلف وعداً، ولا ننكث عهداً من أجل الدنيا كيفما كان الحال، ونذكر أن ما عند الله خير مما عندنا، ما قيمة الدنيا وما فيها بالنسبة إلى الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم؟

    وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل:95]، من علم ما في الجنة من النعيم المقيم والسعادة الأبدية لا يلتفت إلى هذه الأوساخ الدنيوية بحال من الأحوال، يكفيه أن يسد حاجته منها فقط، فكيف يخون العهد ويحلف ويكذب باطلاً من أجل دينار أو درهم، فيبيع آخرته بدنياه، مع أن ما عند الله خير مما عندنا في هذه الدنيا؟!

    وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل:95]، فلا بد من العلم، والذين ما سمعوا هذه الآيات ولا قرءوها كيف يعرفون؟ لا بد من العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق ...)

    الآية الثالثة: يقول تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] هذا خبر عظيم: مَا عِنْدَكُمْ [النحل:96] يا بني آدم من دينار ودرهم أو ريال يَنفَدُ [النحل:96] ينتهي، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] لا نهاية له.

    هذه الآيات تترك العبد لا يلتفت إلى أوساخ الدنيا أبداً، ولا تغره مظاهرها، ولا مصالحها، ولكن يلتفت إلى الدار الآخرة ويقبل عليها. ‏

    معنى قوله تعالى: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)

    مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96] هذا الوعد الإلهي الصادق يقول الله فيه: وعزتنا وجلالنا! لَنَجْزِيَنَّ [النحل:96] من؟ الَّذِينَ صَبَرُوا [النحل:96] صبروا على ما ابتلاهم الله به في هذه الدنيا من مظاهر الفقر والحاجة، فيصبر أحدهم على ما أعطاه الله، ولا يمد يده أبداً ولا لسانه ليأكل غير ما أعطاه الله؛ لأنه صبر وحبس نفسه على طاعة الله، حبس نفسه على الرضا بما أعطاه الله، فلا يلتفت إلى الدنيا ولا إلى أهلها، ولا يخون عهداً ولا ينكث ميثاقاً؛ لأنه صابر حابس النفس على مراد الله وطاعته.

    مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96]، الذين صبروا نوافلهم تصبح كالفرائض في ثمنها وأجرها، وأنت كذلك إذا صبرت فإن أعمالك الإصلاحية الخيرية يعطيك الله بأفضلها، ويحاسبك على أكملها، فأنت تعمل الخيرات والصالحات، والله يعدك -إذا صبرت على ذلك- بأنه سيجزيك بأحسن أعمالك، لا بدونها أو بمستواها، بل بأفضلها.

    وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا [النحل:96] على ماذا صبروا؟ على طاعة الله ورسوله، على ما قدم الله لهم من هذه العبادات الشرعية، فآمنوا بما أحل الله وبما حرم، فأحلوا الحلال وحرموا الحرام.اللهم اجعلنا منهم .. اللهم .. اجعلنا منهم .. اللهم اجعلنا منهم.

    وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا َأَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96] أحسن عبادة عبدت الله بها يعطيك أمثالها، ولله الحمد!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ...)

    الآية الرابعة: يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] هذا وعد إلهي، ما هو العمل الصالح؟ هذه العبادات التي تعبدنا الله تعالى بها من كلمة: لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى من طريق المؤمنين، هذه الشرائع والعبادات كلها عمل صالح يزكي النفس ويطيبها، ليعدها لأن تقبل بعد الموت في الملكوت الأعلى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    هذا حكم الله جل جلاله وعظم سلطانه، هذا حكم الله: قد أفلح من زكى نفسه وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] وخسر، وتدسية النفس تكون بالذنوب والآثام، وتزكيتها تكون بالإيمان وصالح الأعمال.

    الإيمان شرط في قبول العمل الصالح

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] والحال أنه مؤمن، فالأعمال الصالحة في الدنيا إذا قام بها أهل الكفر والشرك والفساد ما ينتفعون بها؛ لأنهم غير مؤمنين، الذين ينتفعون بالأعمال الصالحة فتزكو نفوسهم، وتطيب أرواحهم، وتعدهم لرضا الله عز وجل هم المؤمنون، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277] فالإيمان سابق مقدم، آمِن وبعد ذلك اعمل، أما أن يعمل الصالحات فيكسو عريان الفقراء، ويطعمهم الطعام، ويداوي مرضاهم وهو غير مؤمن؛ فوالله ما يثاب في الآخرة على شيء؛ لأنه كافر، فلا بد من الإيمان أولاً.

    والعمل الصالح هو الذي شرعه الله في كتابه، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يوجد عمل صالح غير ما شرع الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الصيام عمل صالح، الصلاة عمل صالح، الحج عمل صالح، الرباط في سبيل الله عمل صالح، كلمة الخير تقال للمؤمنين عمل صالح، حتى دفع الأذى عن المؤمنين من الأعمال الصالحات ومن أفضلها، لكن لا بد من الإيمان: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97].

    المراد بالحياة الطيبة

    وأما الجزاء فيقول تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] ما هي الحياة الطيبة؟ الحياة في الدار الآخرة لا أطيب منها، ومن أحياه الله في الدنيا حياة طيبة فمن المضمون أنه في الآخرة حياته طيبة في الجنة دار السلام، لكن الحياة الطيبة عندنا ما فيها خبث، ما فيها أكل حرام، ما فيها نجس، ما فيها محرم، طيبة وإن كانت قليلة تشد صلب صاحبها، وتقوي على عبادة الله، هذه هي الحياة الطيبة، أما الحياة التي طعامها حرام وشرابها حرام، وعملها باطل؛ فهذه الحياة خبيثة وليست بطيبة.

    هذا وعد الله عز وجل، يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى [النحل:97] رجل أو امرأة وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] والحال أنه مؤمن، هذه الجملة حالية، وهو مؤمن صادق الإيمان، جزاؤه: فَلَنُحْيِيَنَّهُ [النحل:97] واللام دالة على القسم أي: وعزتنا لنحيينه حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] وقد تشاهدون -وقد عشتم وعرفتم- أن المؤمنين الطاهرين الأصدقاء الأوفياء الصابرين حياتهم طيبة، ما فيها نجس ولا وسخ ولا ربا ولا محرم، فمن وفقهم لذلك؟ الله عز وجل؛ بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.

    والذين تزعزع إيمانهم أو ضعف أو تلاشى، فطعامهم حرام، وشرابهم حرام، ولباسهم حرام، وحياتهم من أخبث الحياة.

    معنى قوله تعالى: (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] في الدنيا، وأمّا في الآخرة فلا تسأل: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] مثلاً: صليت عشر ركعات وما كانت وافية، وصليت ركعتين أوفى من تلك فإنك تجزى بالتي هي أحسن لا بالتي هي دون وأقل، هذا وعد الله عز وجل: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وهذا يدخل في كل العبادات التي تعبدنا الله بها.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية: يقول تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل:94] عرفنا هذا بالأمس، وهو أن يحلف كاذباً ليحقق غرضاً مادياً، يحلف بالله كاذباً ليحصل على شيء والعياذ بالله!

    تحريم الحلف بغير الله تعالى ووجوب صدق ما يحلف عليه

    الأيمان: جمع يمين، وما عندنا إلا اليمين بالله تعالى، نحن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم أهل السنة والجماعة لا نحلف بغير الله أبداً، لا بالنبي ولا بالكعبة، ولا باليوم ولا بالنهار، إذ قد قرر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، ما عندنا مجال لأن نحلف بغير الله أبداً: ( فليحلف بالله أو ليصمت )، وإذا حلفت بالله احلف وأنت صادق، لا تحلف بالله كاذباً، فتلك رذيلة من أرذل الرذائل، وحال تصرف غير المؤمنين عن الإيمان، تصرف الناس عن الإسلام، إذا كان أهله يكذبون ويخونون ويخدعون ويغشون فكيف يقبلون الإسلام؟

    فالذين يعيشون مع الكفار يجب أن يحافظوا على إسلامهم؛ ليبقى نوراً لهم، أما أن يقارفوا الذنوب مع الكفار فهل هذا هو الإسلام؟ صاحبه يقتل أخاه ويقول: أنا مسلم! هذا السكران في الشارع بالخمر مسلم! وهكذا يصرفونهم عن الإسلام.

    جزاء الحلف بالأيمان الكاذبة

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ [النحل:94] فيتسبب عن ذلك زلة القدم بَعْدَ ثُبُوتِهَا [النحل:94] بعدما كنت مؤمناً صالحاً ثابتاً؛ فإذا بك من أجل مادة هابطة حلفت بالله كاذباً لتحصل عليها، تهبط هذا الهبوط وتزل قدمك وتسقط، هكذا يربينا الرب تبارك وتعالى، لو كنا واعين بصراء نجتمع على كتابه، وندرس آيه ونعمل بذلك، من يربينا هذه التربية إلا الله؟

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا [النحل:94] آه! فلان ارتد، فلان خرج من الطاعة، فلان فسق، سبب ذلك أنه وقع في معصية ووالاها؛ فزلت قدمه وسقط.

    وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:94] يا ويل من يصرف إنساناً عن طاعة الله! يا ويل من يصد عن سبيل الله مؤمناً أو عشرة، أو أمة أو جيلاً من الأجيال، وهذا الذي يصد عن سبيل الله يصد إما بلسانه وإما بماله وإما بمكره وحيلته، وقد يصد فقط بسلوكه المنحرف؛ لأنه ما طبق شريعة الإسلام على نفسه وهو مؤمن، فيراه الكافر ويقول: ما هذا بإيمان، ولا هذا بإسلام، ولا خير فيه! فصد عن سبيل الله.

    وَتَذُوقُوا السُّوءَ [النحل:94] وقد يكون السوء في الدنيا إهانة وذلاً وفقرًا كما أصاب العالم الإسلامي لما انصرفوا عن دين الله.

    وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94] وإذا قال العظيم: (عظيم) فكيف نقدر هذه العظمة؟ عذاب عظيم من يقدره؟ في دار الشقاء في جهنم في عالم الشقاء، يسقون من حميم، سرابيلهم من قطران، تأكل وجوههم النار! ماذا نقول عنهم والعياذ بالله تعالى؟!

    تحريم الاستعاضة بالثمن القليل عن الوفاء بالعهد

    وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [النحل:95] يا عباد الله! يا أولياء الله! وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [النحل:95]، تعاهد أخاك على شيء ثم تخونه، أعطاك مالاً فعاهدته على أن تتصرف فيه بما ينميه ويزكيه وتقتسم معه، وإذا بك تخون عهدك ووعدك، وتأكل المال أو تفسده، هذا نقض للعهد، وشراء لعهد الله بالثمن القليل، لا تفعل هذا، فقد قال تعالى: إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل:95]، حقاً ما عند الله لأوليائه من النعيم المقيم، من الجنات ذات الحور والقصور هذا -والله- أفضل من الدنيا وما فيها، ليست قضية شاة ولا بعير، ولا دينار ولا درهم، ما عند الله خير أم لا؟ وما عندنا هل يبقى؟ بل ينفد، وما عند الله يبقى، فأيهما أفضل: الباقي أو الفاني؟ الباقي أولى، العاقل يأخذ الباقي وإن كان قليلاً، ولا يأخذ الذاهب ولو كان كثيراً. سبحان الله العظيم! ما هذه التربية الإلهية؟!

    مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ [النحل:96] حقاً وصدقاً وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] لا يزول أبداً، لا يفنى في دار السلام، فكيف نبيع الآخرة بالدنيا؟

    جزاء الصابرين وبيان أنواع الصبر

    ويقول تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96] هذا وعد الله، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، هذا وعد الله، ما هو؟ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا [النحل:96] والصبر -معاشر المستمعين- له ثلاثة مجالات:

    أولاً: صبر على طاعة الله عز وجل، وذلك بأن تصبر على أداء ما فرض عليك وأوجب من العبادات كلها، فتحبس نفسك على طاعة الله وطاعة رسوله، ما تخرج عنها أبداً، وهذا يحتاج إلى قوة إيمان وصبر.

    المجال الثاني: تصبر عن المحرمات فلا تغشاها ولا تتناول شيئاً منها أبداً، كأنها لم توجد، وإن كان الناس يتقلبون في تلك المفاسد، فأنت لا تقدم عليها أبداً، بل تصبر نفسك وتبعدها بعيداً عن المحرمات القولية والفعلية على حد سواء، وهذا صبر تعبدٍ عما حرم الله عز وجل.

    المجال الثالث: صبر على الابتلاء والامتحان؛ لأنه ما منا أحد إلا ويبتلى ليظهر على حقيقته: هل هو ولي الله بحق، أم كانت مجرد دعوى ليست لها حقيقية؟ فيبتليك الله بالفقر، يبتليك بالمرض، يبتليك بالعجز، يبتليك بالأذى، يبتليك بمن يعادونك ويؤذونك، لينظر: أتصبر ولا تجزع وتفوض أمرك إلى الله وتتوكل عليه؛ فإنه يحول ذلك إلى ما هو خير.

    إذاً: مجالات الصبر ثلاثة: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على البلاء، يقال: كيف حالك؟ فتقول: الحمد لله، لا تقل: أنا كذا أنا كذا، تشكو إلى غير الله، قل: أنا -والحمد لله- بخير! وما هي إلا أيام وتنتهي تلك الأزمة أو تلك الحالة السيئة، وتنجح وتدخل في عباد الله الصابرين الصادقين.

    جزاء المؤمن العامل الصالحات في الدنيا والآخرة

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] عرفنا أن الإيمان شرط في قبول الأعمال، كما أن الإخلاص شرط في قبول الأعمال، والإخلاص: هو أن تفعل الصالحات لا تريد بذلك إلا وجه الله عز وجل، لا بد أن يكون العامل بما شرع الله مخلصاً عمله لربه، لا يلتفت إلى غير الله، لا يبالي بالذم ولا بالمدح؛ ولهذا يشترطون لقبول العبادة أولاً: أن تكون على ما بين الله، وثانيها: أن تخلصها لله، فلا تلتفت إلى غير الله بحال من الأحوال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، أما من يصوم أو يصلي أو يتصدق أو يجاهد، وهو يرغب أن يرى ويتحدث الناس عنه ويذكروه؛ فهذا ما أخلصها لله، بل أعماله شابها الرياء واختلطت به، والأصل ألّا يكون عمله إلا لوجه الله فقط، أنا عبد وهو سيدي، أنا عبد وهو ربي وإلهي، أمرني ففعلت، نهاني فتركت، لا ألتفت إلى الناس أجمعين، لا أهتم بمدحهم ولا بذمهم.

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] نعم والله، فالصالحون فينا حياتهم طيبة، ما فيها خبث، ما فيها نجس، ما فيها كذب، ما فيها غش، ما فيها خداع، ما فيها غل، ما فيها دون أبداً، وإن كانوا فقراء صابرين، وأما الحياة إذا ما كانت طيبة فسببها نكث العهد وخلف الوعد، والأيمان الكاذبة، هذه الحياة رديئة، يعرفها أصحابها والعياذ بالله.

    فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] في الدنيا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] لا ننسى هذه اللطيفة: أنت تحافظ على صلواتك كلها، ولكن يعطيك الأجر بحسب أفضل صلاة صليتها وأحسنها، صمت كذا سنة لرمضان، عشرين أو خمسين أو ستين، أحسن صوم صمته هو الذي يجزيك به عن كل ما صمته، تصدقت في حياتك هذه بقنطار من الذهب في خمسين سنة يثيبك ويعطيك بأحسن صدقة، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] فيصبح عملك كله صالحًا وكله خيرًا.

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] والحال أنه مؤمن ليس بكافر، بينت لكم -رحمكم الله- أن الكافر مهما عمل من الصالحات لا يثاب عليها في الدار الآخرة أبداً، قد يثاب عليها في الدنيا، يبارك الله له في ماله مثلاً، أما أن يثاب عليها بأن يدخل الجنة فلا، ولا يصح أبداً، لا بد من الإيمان أولاً؛ ولهذا عندما يجيء الشخص يريد الإسلام ماذا نقول له؟ قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، الآن آمنت، قم فتوضأ وصل.

    أسمعكم الآيات وتأملوا ما فهمتم:

    وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94] والعياذ بالله تعالى، من يرضى بهذه الحالة؟ لا نتخذ أيماننا خديعة وغشًا من أجل أن نحصل على دينار أو درهم -والعياذ بالله- فتزل قدمنا ونسقط ونصبح من الهابطين الساقطين أهل الدنيا المتكالبين عليها أهل الجحيم والعذاب الأليم.

    وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل:95] أليس بخير؟ لو كانت لك الدنيا كلها فلا قيمة لها بالنسبة إلى دار السلام وما فيها من نعيم مقيم؛ بدليل أن هذه تفنى وتلك تبقى، والباقي خير من الفاني.

    مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ [النحل:96] مقابل عملهم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96].

    أرجو أن يكون الأبناء فهموا هذه النكتة، يحاسبك على صلاتك خمسين سنة، ولكن يجزيك بأفضل صلاة، كل الصلاة التي صليتها يجزيك عنها بأفضل صلاة فيها، تصدقت بما شاء الله سنين فيعطيك الثواب بأفضل صدقة، ويجزيك عن الكل بأفضل صدقة: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] هذا وعد الله الصادق.

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97] هذا قيد أم لا؟ جملة حالية: والحال أنه مؤمن، ومن هنا عرفنا أن الكافر -مسيحياً كان أو يهودياً أو مشركاً- مهما تصدق ومهما أنفق لا يستفيد من ذلك في الدار الآخرة أبداً، وإنما أهل الإيمان هم الذين يثابون على صالح الأعمال، أما الكفرة فلا، وهذا القيد واضح: والحال أنه مؤمن.

    فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] الحياة الطيبة الخالية من الغش والخداع والبغض والحسد والفقر المدقع، والخبث بكل أنواعه، حياة طيبة ليس فيها خبث، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    تعرفون أن لكل آية هداية، فهيا ننظر إلى هداية هذه الآيات:

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: حرمة اتخاذ الأيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإفساد ]، من أين استنبطنا هذا؟

    من قوله الله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:94].

    [ أولاً: حرمة اتخاذ الأيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإفساد ] سواء مع المؤمنين أو مع الكافرين على حد سواء، لا تقل: هذا كافر سأغشه، هذا تاجر فاسق لا أَصْدُقه، لا يحل هذا أبداً، وإلا فقد صددت عن سبيل الله.

    [ ثانياً: ما عند الله خير مما يحصل عليه الإنسان بمعصيته الرحمن من حطام الدنيا ]، فالحسنات التي تدخر لك عند الله أفضل من ملايين الدولارات التي تأخذها بالكذب والخديعة.

    [ ثالثاً: عظم أجر الصبر على طاعة الله تعالى فعلاً وتركاً ].

    وطاعة الله فعلاً: الأوامر والواجبات والسنن، وتركاً: المحرمات حتى النظرة المحرمة، فالواجبات والمأمورات تفعلها فتثاب على فعلها، والمحرمات تتركها فتثاب على تركها، من أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96].

    [ رابعاً: وعد الصدق لمن آمن وعمل صالحاً من ذكر وأنثى بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ]، من وَعَد؟ إنه الله جل جلاله، ماذا قال في الوعد؟ قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    والله تعالى نسأل أن ينفعنا وإياكم بكتابه وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا في زمرة الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.