إسلام ويب

تفسير سورة النحل (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما زال الله عز وجل يمتن على عباده بما أنعم عليهم من مخلوقاته التي سخرها لهم؛ كالخيل والبغال والحمير التي يركبونها، ويتزينون بها، وهذا الماء بصفاته العجيبة ومنافعه الغزيرة، فهو شراب للظمآن، وسبب في حصول المرعى للحيوان، لأن به يكون النبات بجميع أصنافه، وغريب وأنواعه، وكلها آيات تشهد أن الله هو الخالق وهو المستحق للعبادة، فأين أهل العقول من التفكر في هذه النعم، أين هم من التأمل في بديع خلق الليل والنهار والشمس والقمر، وما فيها من فوائد ودلائل تشهد بأن كل ما في الكون مخلوق لله، ولأجل هذا الإنسان حتى يعمر هذه الأرض بطاعة الله وشكره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل:8-13].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، هذا كلام من ؟

    كلام الله، هو القائل ممتناً علينا متفضلاً علينا بنعمه وآلائه، يذكرنا بمظاهر قدرته وعلمه ورحمته وحكمته، هذا الذي ينبغي أن نحبه، هذا الذي ينبغي أن نرهبه، هذا الذي ينبغي أن نحيا ونموت من أجله، هذا خالقنا، هذا رازقنا، هذا مولانا ومالك أمرنا، كيف نعرض عن ذكره وشكره ونلتفت إلى الدنيا وأهوائها وشهواتها؟

    يقول ممتناً علينا: وَالْخَيْلَ [النحل:8]، أي: وخلق الخيل، وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ [النحل:8]، هذه ثلاثة أشياء: الخيل معروفة، والبغال كذلك عند أكثر الناس، والبغل: مابين الحمار والفرس، وهو مولد من الفرس، وأبوه الذي تولد منه الحمار.

    وقد تكرر قولنا: إن هذه الديار -ديار الحجاز- التي أعدها الله لخاتم أنبيائه ما عرف فيها البغال أبداً ولا وجد بين خيلها ولا حميرها، حتى أهدى (المقوقس) ملك مصر -لما وصله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- رسول الله جارية هي مارية القبطية عليها السلام، وأهداه بغلة تسمى دلدل، بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والقرآن ليس خاصاً بأهل الحجاز ولا الجزيرة، كتاب الله للناس أجمعين، فهو يمتن علينا بنعمة إيجاد هذه المراكب، هل نحن أوجدناها؟ صنعناها من طين أو من حجارة، أو من خشب أو حطب؟ من خلق الخيل والبغال والحمير؟

    هل الأموات أو الأشجار والأصنام التي تعبد من دونه؟ الجواب: لا، لا، والله لا خالق لها إلا الله.

    وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ [النحل:8]، والحمير: جمع، واحده حمار، وعلة خلقه تعالى لها من أجل أن نركبها، قال: لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]، ومضت قرون عديدة على البشرية ومراكبها فقط في البحر السفن، وفي البر الخيل والبغال والحمير آلاف السنين، إذاً: قوله: لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]، هذه منته تعالى ونعمته علينا.

    خلاف العلماء في حكم أكل لحم الخيل

    وهنا مسألة فقهية:

    ذهب الإمام مالك والإمام أبو حنيفة رحمهما الله: إلى أن الخيل لا تؤكل، واستدلا بهذه الآية: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]، ما قال: لتأكلوها كما تقدم في الأنعام: الإبل والبقر والغنم، وهذه الآية لفظها عام، فتحتاج إلى مبين يبين لنا مراد الله منها.

    وما لنا أبداً من يتلقى العلم عن الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الذي قال تعالى فيه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، ومن هنا فإنه لما كانت غزوة خيبر وذبح رجاله صلى الله عليه وسلم الحمير فنهاهم عنها وما أكلوها أذن لهم في أكل لحوم الخيل فأكلوها؛ وقد أخرج أصحاب الصحاح وعلى رأسهم مسلم : أن فرساً في المدينة جزرت وأكلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن ثم فالجمهور على أن لحم الخيل جائز أكله، والسر في عدم اشتهار ذلك وانتشاره أن الخيل هي مراكبهم وهي عددهم في الجهاد، فكيف يذبح فرسه ويأكلها؟ ما تطيب نفسه، الآن هل يستطيع صاحب سيارة أن يجعلها مزبلة يرمي فيها الأوساخ؟ ما هذا بمعقول أبداً، سيارته يركب عليها، فهل يجعلها عند الباب ويضع فيها النفايات والأوساخ؟ ما هو بعاقل أبداً، فمن ثم ما دامت هي عدتهم في الجهاد وركوبهم في الحروب، ثم هي زينتهم، فلو ترى رجلاً على فرسه تتصور الجمال كيف يلوح ويظهر لك، فمن هنا قل أكلها بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فأكلها جائز لمن تهيأت له ورأى أن يأكلها، أما هذه الآية الكريمة فلفظها عام، تحتاج إلى مخصص يخصصها بأنها لا تؤكل ولكن تركب، فلما خصصها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: آمنا بالله وبرسوله، وقلنا: بجواز أكل لحوم الخيل إن هي نحرت كما نحرت الإبل أو ذبحت كما تذبح البقر.

    علة خلق الخيل والبغال والحمير

    قوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]، هذه لام التعليل، فلو قلت: يا رب! لما خلقت الخيل والبغال والحمير؟ لكان الجواب: من أجل أن تركبوها، إذاً: فاحمدوني واشكروني ولا تكفروني، ما خلقتها إلا لأجلكم لا لأجل غيركم أبداً، بل لكم أنتم لعلة وهي الركوب؛ إذ المسافات البعيدة تعجزون عن الوصول إليها، والأثقال الثقيلة تعجزون عن حملها، فأوجدت لكم هذه من أجل أن تركبوا ثم تعبدوا الله وتحمدوه وتشكروه.

    وَزِينَةً [النحل:8]، وزينة وجمالاً، ولاحظ الخيل، فهذه الحيوانات هي جمال وزينة.

    معنى قوله تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون)

    ثم قال تعالى: وَيَخْلُقُ [النحل:8] بصيغة المضارع، وَيَخْلُقُ [النحل:8]، أي: في المستقبل، فبعدما خلق في الماضي والحال الخيل والبغال والحمير لنركبها أخبر أنه سيخلق ما لا نعلم، والله ما كانوا يعلمون عن شيء اسمه قطار ينقل البضائع والرجال في الطرقات، ولا كانوا يعرفون أبداً سيارة من هذه السيارات، ولا تخطر ببالهم طيارة تطير في السماء وتحمل الركاب، ولكن وعد الله فأنجز وعده، قال: وَيَخْلُقُ [النحل:8]، والله لقد خلقت يا رب -لك الحمد ولك المنة- ما لم نكن نعلم، هذه الآية وحدها من تأملها يضطر اضطراراً إلى أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يفكر فقط بشرط أن يكون ذا عقل وذا فكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين)

    قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ [النحل:9]، السبيل: الطريق، وقصدها أن تكون بينة ظاهرة تصل بسالكها إلى نهاية ما يريد وإلى غايته، والجائر: المائل.

    والمراد من السبيل هنا: هو قصدها واستقامتها واعتدالها، فالإسلام دين الله، وهو ذو عقائد وأحكام وآداب وعبادات وأخلاق، وهو يسير بسالكه إلى باب الجنة.

    وهو الصراط المستقيم الذي نسأله الله تعالى في كل صلاة نصليها، بل في كل ركعة نركعها: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، إنه الدين الإسلامي الذي يصل بأهله إلى باب الجنة دار السلام، واستقامته كما علمتم، فليس هناك انحراف ولا اعوجاج، لأن معنى: لا إله إلا الله أي: لا نعبد إلا الله، محمد رسول الله أي: لا نمشي إلا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نصل إلى غايتنا بالفوز بالنعيم المقيم في دار السلام.

    الله هو الذي يهدي إلى ذلك الصراط المستقيم أم لا؟ هو الذي يهدي، فلهذا ندعوه ونسأله ونتضرع إليه أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذي أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وعلى الله تفضلاً وامتناناً منه أن يهديكم الصراط المستقيم.

    ومن الطريق ما هو جائر: اليهودية، النصرانية، المجوسية، هذه الديانات كلها معوجة منحرفة، والله ما نجا سالكها، ووالله ما وصل إلى سعادته أبداً؛ لأنها من وحي الشيطان وتقريره ودعوته، أما الإسلام فمن وحي الله وشرعه، وهو الذي أنزله وأنزل كتابه وبعث رسوله، هذه نعمة أخرى، نعمة الهداية إلى الإسلام والسير في طريق النجاة، أكبر هداية وأكبر نعمة من نعم الله، ولهذا كانت السورة تسمى سورة: النعم.

    عرفتم الجائر من الطريق ما هو؟ اليهودية، النصرانية، البوذية، المجوسية، كل الديانات غير الإسلام جائرة مائلة عن طريق الحق، اللهم إلا ديننا (الإسلام) فقط هو على الصراط المستقيم، واسمه الصراط المستقيم.

    معنى قوله تعالى: (ولو شاء لهداكم أجمعين)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل:9]، أبيضكم وأصفركم، أولكم وآخركم، لو شاء لهدى الخليقة كلها، يخلقهم مؤمنين لا يعرفون غير الله، وإن طلبت دليلاً فالملائكة لا يحصي عددها إلا الله، وكلهم لا يؤمنون إلا بالله، ولا يعرفون إلا الله، ولا يعبدون إلا الله، و لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، من هداهم؟ إنه الله، فلو شاء لهدى الإنس والجن وما بقي من يكفر بالله أو يشرك به، ولكن للعلة التي عرفتم: أن الله أراد أن يوجد من يذكره ويشكره، فأوجد له هذه الدار بما فيها من النعيم، وأمره ونهاه، فإن أجابه وأطاعه فامتثل الأمر واجتنب النهي نقله إلى الدار المهيئة له فوق السماوات السبع، إلى الجنة دار النعيم، وإن هو كفره وجحده ولم يذكره ولم يشكره أكمل له أيام حياته، ثم أنزله في الدركات السفلى في الكون قال تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:1-6].

    حاجة العبد إلى طلب الهداية من مولاه سبحانه

    هكذا يقول تعالى مذكراً ومعلماً للبشرية: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، ثانياً: وَعَلَى اللَّهِ [النحل:9]، أي: على رب العزة والجمال: قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل:9]، نحن الذين نبين الطريق الموصل إلى سعادة السالكين ألا وهو الإسلام، وكذا الطريق الجائر كطريق: اليهود والنصارى والمجوس ومن تبعهم، ولو نشاء لهديناهم أجمعين.

    ومن هنا يجب على الآدمي والجني أن يفزع إلى الله في طلب الهداية، وأن يصر على الدعاء ويواصله ولا يقطعه: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا برحمتك شر ما قضيت، هذه أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن عرف أنه لا هادي إلا الله لاذ بجناب الله وعزم على أن لا يفارق بابه يدعوه الليل والنهار: اهدني.. اهدني، فوالله ليهدينه الله، ومن أعرض أعرض الله عنه، ومن تكبر تكبر الله عليه.

    أقول: لما أخبر تعالى أنه لو شاء لهدى الناس جمعياً، وأنه قادر على هداية الكافرين والضالين والمشركين، لكن بما أنهم خلقوا للبلاء والامتحان والاختبار فيجب أن يطلبوا الهداية من الله، فمن طلبها ظفر بها وفاز بها واهتدى، ومن تركها وأعرض عنها تركه الله وأعرض عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون)

    ثم قال تعالى في سياق ذكر النعم أيضاً: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [النحل:10]، أي عاقل في الكون يشاهد السماء تمطر الماء ولا يسأل: هذا الماء مم؟ ومن أوجده؟ ومن كونه؟ ومن أنزله؟ لا بد أن يسأل، ما هو بحيوان رأسه في الأرض فقط ينظر إلى الطعام والشراب، هذا الماء العذب الفرات الحلو الصافي المنقى من أتى به؟

    هل هناك من يقول: غير الله؟ يقول: أمي أو أبي أو جدي؟ أو دولتي أو سلطاني؟

    ما هناك إلا كلمة (الله) فقط، هو الذي أنزله، لو شاء الله منعنا المطر فماذا نصنع؟ فكم من بلاد أجدبت وقحطت ورحل أهلها لانقطاع المطر، فقط هذه وحدها أعظم نعمة.

    هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ [النحل:10]، لكم من ذلك الماء شراب؟ أما نشرب الماء وإن شربنا اللبن وشربنا العسل؟ لا بد من شرب الماء.

    لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10]، إبلكم وخيولكم وأنعامكم وأبقاركم ترعونها، أليس كذلك؟ من يفعل هذا؟ سيدي فلان أو فلان؟ اللات أو العزى؟ عيسى أم مريم؟ أم فلان أم فلان؟ ما تستطيع أن تقول هذا أبداً وأنت عاقل مفكر، ما هناك إلا كلمة (الله) فقط، وإن كنت لا تعرفه فاسأل العارفين به

    سافر إليهم، اقرأ كتباً تبين صفات الله وتعرف بها الله على الحقيقة.

    وَمِنْهُ شَجَرٌ [النحل:10]، أي: من ذلك الماء ينبت الشجر ويتكون، هذا الشجر لمن؟ لنا نحن، إذ نرعى إبلنا وغنمنا وأبقارنا وحيواناتنا فيه، وإلا فكيف نرعاها؟ بم نرعاها؟ لو أجدبت الأرض وما هناك نبات ولا شجر فكيف سنصنع بالبقر والغنم؟

    فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10] إبلكم وأبقاركم وأغنامكم، أي: ترعونها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات...)

    قال تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ [النحل:11]، الذي ينبت من هو؟ الله، بهذا الماء الذي أنزله من فوقنا من السماء، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [النحل:11]، هل هناك من ينقض كلمة من هذه الكلمات مهما كانت علومه ومعارفه، فيقول: لا ينبت الزرع بالماء، ينبت بالبنزين؟! الزيتون ينبت بماذا؟ باللبن والحليب أم بالماء؟ النخيل ذو الثمر العجيب، الأعناب هذه من ينبتها؟ الله عز وجل، بسبب ماذا؟ بهذا الماء الذي أنزله من السماء.

    وكلمة الزرع يدخل فيها البر والشعير والذرة وما إلى ذلك والزيتون وأنواعه، والنخيل وأنواع النخيل، والأعناب كذلك.

    وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [النحل:11]، الفواكه والخضر على اختلافها، أنواع الحبوب على اختلافها، من التفاح إلى البرتقال إلى الرمان إلى البرسيم والنعناع، كل هذه تنبت من ماء السماء. ‏

    معنى قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)

    ثم قال تعالى -وهذا المقصود- : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]، إن في هذا الذي عرضناه عليكم من مظاهر قدرتنا ونعمتنا وإحساننا إليكم آية عظيمة من أعظم الآيات الدالة على ما وضعت لتدل عليه، إذ الآية: العلامة، كلمة (آية) معناها: علامة على شيء تدل عليه، كالعلامات التي تضعونها في الطرقات تدل على كذا وكذا.

    آية عظيمة تدل على أنه: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حق، وأن السعادة والكمال منوطان بالعبادة الصالحة المزكية للنفس المطهرة للروح البشرية.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [النحل:11]، في ذلك المذكور في هذه الآيات آية لمن؟ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]، فلهذا المؤمن إذا نظر إلى آيات الكون تفكر فقال: الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله، وإذا نظر في آيات القرآن تفكر فيها وازداد إيمانه ويقينه وقال: آمنت بالله.. آمنت بالله.

    والذين لا عقول لهم لا يتفكرون، يعيش سبعين سنة في الأرض يأكل العنب والتمر والرمان والخبز وكذا، ولا يسأل ولا يفكر: من خلق هذا؟ أبداً، ولا يخطر بباله، كالبهيمة، كالبقرة أو البعير.

    فتصوروا لو أن شخصاً يضع مائدة عريضة طويلة ذات لحم وطعام ويقول: تفضلوا كلوا، فهل ممكن أن يأكلوا حتى يشبعوا ولا يقولوا: جزاه الله خيراً؟ ولا يقولوا: من فعل هذا الخير؟ هذا أكرمنا، هذا كريم،؟! إن العقلاء والله لا يقولون إلا هذا، والذين لا عقول لهم كالبهائم، يأكل ويشبع ويصرخ كالبهيمة، فمن هنا يجب أن نكون من أهل الفكر، من المفكرين؛ لأن غير المفكرين بهائم وحيوانات لا غير.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [النحل:11]، أعظم آية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]، وكلمة (قوم) أي: أناس، رجال ونساء، بيض وحمر، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:11]، أما الذين لا يتفكرون فلا يشاهدون آية أبداً، لا يسألون: من أنزل الماء؟ ولا كيف ينبت النبات بالماء؟ أبداً لا يفكرون بهذا، همهم شهوة البطن والفرج كيف يحصلون عليها، ولهذا لا يذكرون الله أبداً، ولا يحمدونه ولا يشكرونه، ولا يسألون عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ...)

    ثم قال تعالى أيضاً يعرض نعمه وآلاءه على عباده: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل:12]، كيف تقضي النهار وتقضي الليل وتعيش في الليل والنهار ولا تسأل: من خلق الليل والنهار؟ من أوجدهما؟ لماذا أوجدهما؟ من سخر الليل والنهار هذا التسخير الأبدي إلى نهاية هذه الحياة، ما تخلفا في يوم من الأيام فقال الليل: لن آتي، أو قال النهار: لن نخلف ليلكم ونواصله؟ بل يسيران بنظام أدق نظام.

    فمن سخر الليل والنهار يرحمكم الله؟

    هل هو سيدي عبد القادر ؟! لماذا نقول: يا عبد القادر ؟! يا مالك كذا؟! مساكين ما يفكرون، من سخر الليل والنهار: فاطمة أم علي ؟ لماذا تقول: يا فاطمة ! يا فاطمة ! يا علي ؟! يدعون غير الله كالعميان، آمنا بالله.

    سخر النهار والليل لأجلكم، أليس ننتفع بالنهار؟ نغرس فيه ونحصد ونبني ونزرع ونأكل؟ والليل أليس ننام فيه ونستريح ونجدد قوانا وصحتنا بهذا النوم؟ من فعل هذا سوى الله؟ لماذا لا نحمده ونشكره ونعيش على ذكره وشكره؟ الليل والنهار والشمس والقمر، لو لم يكن شمس ولا قمر فكيف يكون الحال؟ ظلام دامس، كيف نعيش في الظلام، لولا الشمس لكان البرد قد حول الدنيا إلى ثلوج وانتهت، فما هناك حياة أبداً.

    وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل:12]، لولا القمر فكيف نعرف أننا في شهر كذا، أو مضى كذا من شهر كذا، أو الوقت كذا وكذا، فلا نعرف حساباً إلا بواسطة الشمس والقمر.

    وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل:12]، من خلقهما؟ الله، لمن خلقهما؟ لنا والحمد لله، ما خلقهما لغيرنا.

    وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ [النحل:12]، تطلع وتغيب، تتقدم وتتأخر، تزين السماء وتحيلها إلى كتلة من النور ومن الأضواء، من فعل هذا؟ الله عز وجل، هل هناك من يقول: اللات أو العزى؟! هل هناك من يقول: الحاكم الفلاني أو من يسمونه لينين أو ستالين رؤساء الشيوعية الذين يقولون: لا إله أبداً والحياة مادة؟ وقد فضحهم الله وانكشفت عورتهم والحمد لله، ولكن مع الأسف إبليس العدو الذي أوجد فكرة الشيوعية ثم خفف ضغطها بصفة اشتراكية وورط فيها حتى العرب والمسلمين، وحين انتهت هذه الشيوعية والاشتراكية جاءهم بثوب جديد أخضر: العلمانية، العلم فقط، تعرفون العلم؟ بدل أن تقول: سبحان الله! من أوجد هذه الطيارة نركبها ليلاً ونهاراً؟ قل: أوجدها العلم، ما نقول: الله! سبحان الله! من رزقنا هذا الماء العذب؟ العلم.

    تعرفون العلمانية؟ أهلها الذين يقولون: لا إله ولا خالق ولا رازق، وإنما هي هذه الحياة فقط هكذا وجدت، عميان هؤلاء، مجانين هؤلاء، حمق هؤلاء؟ كيف يعقلون؟ الذرة وحدها لم تستطيع البشرية أن تخلقها، الذبابة وحدها كذلك، فكيف تَخَلَّق هذا الكون ونقول: لا خالق! أعوذ بالله، ومع هذا انساب وانجذب أمم من البيض والسود، وقالوا: لا إله؛ لأنهم لا تفكير لهم، ما نظروا في الكون وفكروا فيه، ولا نظروا في كتاب الله وفكروا فيه حتى يهتدوا ويعلموا.

    وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ [النحل:12]، لكم أي: لأجلكم، فالحمد لله.

    وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ [النحل:12]، من سخرها؟ من ذللها؟ من جعلها تطلع هنا وتغيب هنا؟ وتضيء هنا وتزين السماء؟ وترشد السائرين في الليل إلى طرقهم ومطالبهم؟

    معنى قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)

    قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12]، هنا قال: آيات متعددة؛ لأن الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم كل واحدة آية دالة، وأما تلك المشروبات والماء فآية واحدة.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [النحل:12]، لمن؟ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12]، أما الذين لا عقول لهم وهم المجانين والعلمانيون أو الشيوعيون والهابطون الساقطون الجاهلون فما يشاهدون آية ولا يعرفونها، ما عندهم عقول، الذي له عقل يعقله عن الباطل، يعقله عن الشر والفساد، يعقله عن قول السوء، هذا هو الذي يعقل، فيجد في هذه الكائنات آيات تهديه إلى أن يشهد: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعبد الله بما شرع لعباده من عبادات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون)

    ثم قال تعالى: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ [النحل:13]، وما ذرأ: أي: خلق، برأ وذرأ بمعنى: خلق، الله البارئ الذارئ، خلق وذرأ بمعنى: أوجد، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ [النحل:13]، أي: خلق لكم، فِي الأَرْضِ [النحل:13].

    وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ [النحل:13]، من أنواع الأشياء المختلفة، أنواع الحبوب والثمار والحيوانات والنباتات، والأشجار كلها مختلفة ألوانها. ‏

    معنى قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لقوم يذكرون)

    قوله: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل:13]، لما تنظر إلى النباتات هذا ورده أصفر، هذا زهره أحمر، هذا كذا.. هذا كذا، من نوعه هذا التنويع؟ هذا في النباتات فقط، لما تنظر في الحيوانات: الحمار والبغل والفرس، في أنواع البهائم كالبقر والغنم: من ذرأ هذا، من خلقه؟ هذه نعمة من؟

    هذه نعمة الله، هو الذي ذرأ هذا وخلقه مختلف الألوان: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل:13]، يتفكرون فيذكرون، الشيء الذي ينساه صاحبه، كيف يتذكره؟

    لا بد أن يفكر حتى يتذكر ما نسيه، فإذا أغمض عينيه ونظر فقال: من خلقني أنا عرف الله، وإذا أغمض عينيه وذكر فقال: أنا أموت فمن يميتني يعرف الله، ما هناك إلا هو، يعطش فقط ويظمأ فيذكر: كيف عطشت، كيف ظمئت؟ من يزيل ظمئي وعطشي بالماء؟ من أوجد هذا الماء؟ دلوني على موجد الماء لنسجد له سجدة ونحمده؛ لأنه أحياني بعد موتي.

    هذا التذكر وهذا التفكر من نصيب العقلاء البصراء المتذكرين المفكرين، أما البهائم والحيوانات وأصحاب العقول الهابطة والجامدة فليس لهم هذا، وما هم منه بمنزل قريب ولا بعيد أبداً.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى نسمع الآيات لنتفكر فيها:

    قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، من هو هذا؟

    إنه الله، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ [النحل:9]، سبيلنا الإسلام سبيل سليم قاصد، والسبل الجائرة: اليهودية والنصرانية وما إلى ذلك.

    وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل:9]، من الذي يملك الهداية؟

    إنه الله فسلوه، اطلبوها، ارفعوا أكفكم إليه، سلوه وأنتم ساجدون راكعون؛ لأنه لا يملك الهداية إلا هو، لو شاء لهدى الناس أجمعين.

    هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:10-11]، اللهم اجعلنا منهم؟

    وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل:12-13].

    لم لا يجتمع المسلمون على كتاب ربهم كاجتماعنا هذا ويتفكرون ويتدبرون؟ من منعنا؟ خدعة اليهود والنصارى: نحول القرآن إلى الموتى نقرؤه على المقابر والموتى، القرآن والله لا يقرأ على الموتى ولكن يقرأ على الأحياء: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً [يس:70]، لا من كان ميتًا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ هداية الآيات ] فلهذه الآيات هدايات كما علمتم، فكل آية تحمل هداية، فهيا بنا نتفكر ونتدبر.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: كون الخيل والبغال والحمير خلقت للركوب والزينة لا ينفي منفعة أخرى فيها وهي أكل لحوم الخيل؛ لثبوت السنة بإباحة لحوم الخيل، ومنع لحوم البغال والحمير كما في الصحيحين ] البخاري ومسلم .

    يوجد من يقول بمنع أكل لحوم الخيل، والصحيح: أنها تؤكل؛ إذ أكلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما منع أصحابها.

    ولو قيل: لماذا ما كانوا يذبحون الخيول ويأكلونها على عهد رسول الله وأصحابه وأتباعهم وأولادهم؟ قلنا: ما كانت تذبح لأنها هي عدتهم وعتادهم، لكن إذا اضطروا إلى أكل خيل أو فرس أكلوه.

    [ ثانياً: الإسلام هو السبيل التي بينها الله تعالى فضلاً منه ورحمة، وما عداه فهي سبل جائرة عن العدل والحق والخير ]، والسبل: خلاف سبيل الإسلام، وهي اليهودية والنصرانية والمجوسية والبوذية وما إلى ذلك.

    [ ثالثاً: فضيلة التفكر والتذكر والتعقل ] تفكر تذكر تعقل أي: استخدم طاقة عقله في معرفة كذا وكذا والتمييز بين كذا وكذا، أما الحيوانات فلا تفكر أبداً، والذين فقدوا عقولهم لا يفكرون.

    وقد قلت ألف مرة: هل هؤلاء الذين يعيشون على الأرض يأكلون ويشربون وينكحون ثم يعبدون غير الله قد فكروا؟ والله لو فكروا لاهتدوا، لو فكروا لحملهم الفكر على أن يرحلوا إلى الشرق أو الغرب يسألون عن خالق هذه الكائنات ولم خلقها؟ ومن هو؟ لكن ما هناك تفكير أبداً.

    [ ثالثاً: فضيلة التفكر والتذكر والتعقل وذم أضدادها؛ لأن الآيات الكونية كالآيات القرآنية إذا لم يتفكر فيها العبد لا يهتدي إلى معرفة الحق المنشود وهو معرفة الله تعالى؛ ليعبده بالذكر والشكر وحده دون من سواه ].