إسلام ويب

تفسير سورة النحل (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا عجب أن تكون هذه الآية من أجمع آيات الكتاب العزيز، وذلك لما حوته في ثناياها من واجبات يكمل بها المسلم إذا التزمها، ومنهيات يتحرر بها الإنسان من عبودية الشيطان إن اجتنبها، فقد أمر الله عز وجل فيها بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبهذه الأمور الثلاثة تطيب حياة المسلم وينجح في علاقاته مع ربه ومع نفسه والناس أجمعين، ونهى الله عز وجل عن الفحشاء والمنكر والبغي التي هي عائق أمام الإنسان تحول بينه وبين الوصول إلى مولاه، ونيل رضاه، والظفر بجنة الخلد التي هي موعد كل من أطاع الله واتقاه، ومن هنا فإنه يحق لقائل أن يقول: إن هذه الآية هي أجمع آية في كتاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:90-93].

    مكانة الآية وبيان كونها أجمع آية للخير والشر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، هذه الآية أجمع آية في كتاب الله للخير والشر، إن سئلت عن الآية التي هي أجمع آية للخير والشر في القرآن الكريم فقل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ... [النحل:90]، فهذه الآية هي أجمع آية للخير والشر، ولهذا يختم بها أئمة المساجد يوم الجمعة خطبهم؛ لأنها ذكر ما وراءها ذكر: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    وتعرفون أن عثمان بن مظعون أول مهاجر دفن في البقيع، وهو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، يقول عثمان بن مظعون : آمنت مجاملة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخي. آمن فقط حياء من أخيه، حتى نزلت عليه هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، قال: لما نزلت استقرت في قلبي فآمنت الإيمان الحق.

    قال: وقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: يا ابن أخي! أعد قراءة هذه الآية، قال: فأعدتها، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول شاعر! وصدق وإن كان من الكاذبين.

    مظاهر العدل وميادين تطبيقه

    ذكر الله في هذه الآية الكريمة أولاً: العدل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل:90]، أي: في كتابه وعلى ألسنة رسله يأمر بالعدل، يأمر من؟ يأمرنا نحن عبيده، نحن المأمورون، مأمورون بالعدل، من لم يعدل فقد عصى الله، خرج عن طاعته وفسق عن أمره وبذلك يهلك مع الهالكين.

    ومظاهر العدل كثيرة:

    أولاً: العدل في الحكم، إذا حكمت بين اثنين فاعدل، لا تمل، لا تجر، لا تحف.

    ثانياً: من مظاهر العدل: القول، إذا قلت كلمة فاعدل، لا تزور، لا تجر، لا تظلم، لا تكذب، اعدل فيما تقول.

    ثالثاً: في الفعل، أفعالنا كلها يجب أن تكون مستقيمة معتدلة ما فيها انحراف؛ لأن الانحراف يبطل مفعولها ويفسدها.

    ومن ثم فكلمة العدل تتناول كل عمل، طاه يطبخ الطعام يجب أن يعدل وإلا فسد طعامه، ماش في طريقه إذا لم يعدل في مشيته في طريقه آذى وجار وظلم، كذلك العدل بين النساء، فيا من تحته امرأتان أو ثلاث أو أربع يجب أن تعدل، لا تجر ولا تحف أبداً ولا تظلم.

    يا من عنده أبناء! يجب أن تعدل بين أبنائك، فلا تعط هذا وتمنع هذا، ولا تضحك في وجه هذا وتغضب في وجه هذا، اعدل.

    يا من يتوضأ! اعدل في وضوئك لا تسرف في الماء، يا من يأكل! اعدل في أكلك ولا تكثر حتى تصاب بالتخمة والمرض، العدل.. العدل، القسط.. القسط، فهي شاملة لكل مظاهر الحياة، وما منا أحد إلا وهو مأمور بالعدل، ما منا أحد إلا هو مأمور بالعدل مع نفسه فلا يورطها في الذنوب والآثام، ولا يجور عليها، ولا يحملها على الفسق والباطل لتهلك، فالعدل.. العدل، وهو مأمور به والله الآمر ونحن المأمورون، لذا يجب أن نعدل في قولنا، في فعلنا، في اعتقادنا، في سلوكنا، في إعطانا، في منعنا.. في كل تصرفاتنا، إن الله يحب العدل ولهذا أمر به.

    معنى الإحسان وذكر مظاهره

    ثانياً: الإحسان، يأمر الله تعالى بالإحسان، ما هو الإحسان؟ الإحسان: ضد الإساءة، هذا أحسن وهذا أساء، ومعنى هذا: أننا لا نسيء إلى أحد، سواء كان قريباً أو بعيداً، أبيض أو أصفر، لا تحل الإساءة إلى مخلوق، وإنما يجب الإحسان إلى كل مخلوق، الإحسان أمر الله تعالى به، يجب أن نحسن، وضده الإساءة، فما دام أمر بالإحسان فقد نهى عن الإساءة، فلا يحل لأحد أن يسيء إلى آخر، ويجب على كل واحد منا أن يحسن إلى غيره بأن لا يسيء إليه بشيء.

    والإحسان معناه: أداء العبادة على الوجه المطلوب، يا خياط الثوب! أحسن خياطة ثوبك وإلا فأنت آثم، يا من بيده المسحاة يحفر الأرض ليزرع! أحسن عملك وإلا فسد، يا طاهيًا! أحسن طبخك وإلا فلن يؤكل، فيتناول الإحسان -كالعدل- كل مظاهر الحياة.

    لا إساءة عندنا أبداً، لا بكلمة نابية ولا بنظرة شزر، فضلاً عن المس باليد أو بالعصا، ربنا تعالى يأمر بالإحسان فكيف لا نحسن؟

    مظاهر الإحسان تتناول كل مظاهر العدل، يجب أن تحسن إلى نفسك ولا تسئ إليها، فلا تعرضها للبرد في الشتاء ولا للحر في الصيف، أحسن إلى نفسك، لا تقتلها بالجوع، ولا تملأها بالطعام بالتخمة تهلكها وتمرضها.

    يا من يكتب بقلمه! أحسن كتابتك حتى تقرأ وتفهم أنت، يا من يدرس! أحسن التدريس وبين ووضح حتى ينتفع بكلامك، .. وهكذا، يا سائق السيارة! أحسن سواقتك وإلا فسوف تنقلب بك أو تحطم آخر من عباد الله فتهلك معه.

    ما أمر الله إلا بالخير: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، اللهم اجعلنا من أهل العدل والإحسان.

    قواعد الإسلام والإيمان

    تذكرون حديث جبريل في الصحاح، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً بين أصحابه، وإذا بجبريل يدخل ويشق الصفوف حتى ينتهي إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضع يديه على فخذيه ويسند ركبتيه إلى ركبتيه، ويسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام وأنه خمس قواعد: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، هذه أول قاعدة، وأن تقيم الصلاة؛ هذه الثانية، وأن تؤتي الزكاة؛ هذه الثالثة، وتصوم رمضان؛ الرابعة، وتحج بيت الله الحرام إن استطعت إليه سبيلاً؛ الخامسة.

    خمس قواعد انبنى عليها دين الإسلام، فإن سقطت قاعدة انهار البناء كله، فلو أن شخصاً يقول: أنا لا أصوم، أنا مؤمن بالله ولقائه وكتابه وأزكي، ولكن لا أصوم، هل يبقى مسلماً؟ الجواب: لا، بل يهلك. لو قال: أنا أفعل كل القواعد إلا قاعدة الصلاة فلا أصلي؛ فما هو بمسلم؛ لأن البناء إذا سقطت قاعدة منه يسقط كله.

    بني الإسلام على خمس قواعد، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، هذه قاعدة واحدة، إذ لا يقبل منك أن تشهد أن محمدًا رسول الله ولا تشهد لله أنه الإله وحده، لا بد من الجمع بينهما، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، هذه قاعدة، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، لماذا؟ لأن البلاد متباعدة والظروف مختلفة، ما كل واحد يقدر أن يأتي من الصين أو من أمريكا ليحج، قد يعجز، وقل من يستطيع ذلك، لذا قال تعالى: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، أي: طريقاً؛ لأنه قد توجد مخاوف في الطرقات فما يتمكن من الخروج، فهو معذور حتى يقدر ويجد الطريق السابلة ليحج.

    وسأله عن الإيمان؟ فقال: ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره )، كم أركان الإيمان؟ ستة، أركان الإيمان التي انبنى عليها ستة أركان، لو سقط ركن سقط البناء وتداعى، كما تقدم في الإسلام، أن تؤمن بالله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، وأن تؤمن بملائكة الله وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر.

    ما هو اليوم الآخر؟ هو آخر يوم من أيام الدنيا، آخر يوم لهذه الحياة هو اليوم الأول للدار الآخرة.

    سادساً: القضاء والقدر خيره وشره، تؤمن بأن الله قضى وحكم وقدر، فكل كائن في الكون مضى في نظام تقدير الله وحكمه؛ إذ لا ولي إلا الله ولا حاكم إلا الله ولا إله إلا هو عز وجل، فكل الأحداث التي تحدث قضاها الله، أي: حكم وأقرها وأوجدها.

    حقيقة الإحسان في العبادات

    وسأله عن الإحسان؟ فقال: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، هذه كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل الملك الطاهر عليه السلام.

    تريد أن تعرف الإحسان؟ الإحسان: هو أن تعبد الله في وضوئك، في غسلك، في صلاتك، في صيامك، في حجك، في رباطك، في جهادك، في أمرك بالمعروف، في نهيك عن المنكر، في عدلك، في قضائك.. في كل أعمالك التي هي تعبدية، تعبده بها كأنك تراه، حياء وخوف ووجل يعتريك وأنت تؤدي ذلك العمل، ومن ثم يؤدى العمل على الوجه المطلوب وينتج الثمار المرجوة منه، وهو توليد الحسنات في قلب العبد المؤمن.

    أن تعبد الله في صلاتك، في صيامك، في أية عبادة تقوم بها وكأنك تنظر إلى الله، أو أن الله ينظر إليك، ومعنى هذا: أنك تحسن أداءها، جرب قف بين يدي الله تصلي ركعتين أو فريضة، واذكر أنك بين يدي الله والله يراك، لن تستطيع أن تعبث أبداً ولو بتحريك رجليك أو يدك حياء من الله.

    ومن يؤدي العبادة غافلاً عن الله ما يستطيع أن يؤديها على الوجه المطلوب أبداً، دائماً يكون فيها نقص، (أن تعبد الله كأنك تراه)، هذه مرتبة عليا، نصفنا يصل إليها ونصفنا يعجز عنها.

    إذاً: المرتبة الثانية لا يعجز عنها مؤمن أبداً، وهي: أن تعتقد أن الله يراك، إذا عجزت أنت عن رؤية الله فاعلم أن الله يراك ما هو بعاجز، من كانت هذه حاله ما يستطيع أن يفسد عبادته أبداً، لو وقف العالم كاملاً يتفرج وينظر إلى صلاته والله لا يصليها إلا كما أمر الله، ولا يلتفت إلى أحد، أراد أن يتصدق أدخل يده في جيبه وأخرج نقوده كأنه يرى الله، ويعلم أن الله يراه، فلا يمكن أن يزيغ قلبه يمينًا أو شمالاً؛ لأنه لا يريد إلا وجه الله عز وجل.

    الإحسان يجب على الطباخين، على الحراثين، على العمال.. على كل العاملين أن يحسنوا أعمالهم، لكن في العبادات يساعدك الإحسان على أن تعبد الله وكأنك تنظر إليه، فإن عجزت عن هذا المستوى انزل إلى أسفل فاعبده وأنت تعلم يقيناً أن الله يراك، وهذا لا جدال فيه، فالعالم كله بين الله عز وجل.

    معنى قوله تعالى: (وإيتاء ذي القربى)

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، الواقع أننا مفرطون ومقصرون، قل من نجا منا، قل من امتثل هذا الأمر وأدى ما يجب عليه فيه.

    وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، أصحاب القرابة من أبيك ومن أمك هم أقرباؤك، تعطيهم ماذا؟ تحسن إليهم، تحسن إلى ذوي قرابتك بالكلمة الطيبة والنظرة الحسنة والمساعدة القيمة النافعة، وتحافظ على حقوقهم الواجبة لهم عندك، فتؤديها كاملة وافية، وتزيد فوق ذلك الإحسان إليهم، فتكسو العاري وتطعم الجائع وتداوي المريض، فذوي القربى أقرباؤك من أبنائك وإخوانك وأبناء إخوانك ومن إليهم، وعماتك وخالاتك وأبناء عماتك وأبناء خالاتك.

    وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90] إعطاء ذوي القربى حقوقهم، ما هي حقوقهم؟ الإحسان إليهم، والإحسان إليهم لا يكون بالنظرة فقط ولا بالكلمة الطيبة، بل يكون بالمال والطعام والشراب والوقوف إلى جنبهم مؤدياً حقوقهم الواجبة عليك.

    ومن ثم فالمجتمع الذي يطبق هذه القواعد الثلاث والله ليكونن أسعد مجتمع وأطهره وأصفاه وأعزه وأكمله، فقط ثلاث مسائل: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ثلاث فقط: إيتاء ذوي القربى فيصبح الناس كلهم كتلة واحدة، كلهم متحابون متعاونون يبكي بعضهم لبكاء الثاني، ويفرح لفرح الآخر، كأنهم جسم واحد، يطبقون العدل حتى في مشيتهم، يحسنون حتى إلى الحيوانات فضلاً عن البشر، ويؤدون العبادات على أكمل وجوهها وأتقنها، فتثمر لهم الحسنات، وفي نفس الوقت تكون كل الأسر متحابة متعاونة تؤدي حقوق بعضها لبعض، فكيف ستصبح هذه الأمة؟

    لقد سادت الثلاثة القرون الأولى: القرن الأول والثاني والثالث؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خيركم )، يا بني الإسلام، ( خيركم قرني، ثم الذين يلوونهم، ثم الذين يلوونهم )، أصحاب رسول الله وأولادهم وأحفادهم، فكيف كملوا وسادوا وعزوا؟ بسبب ماذا؟ طبقوا هذا الذي أمر الله به: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى؛ لأن كلمة العدل -كما علمتم- عامة في كل ما تكلف بالقيام به، والإحسان كذلك في كل ما تقوم به وتؤديه، وصلة الأرحام هي التي تجعل المجتمع دعامة واحدة ما يتزلزل ولا يسقط أبداً.

    ثمرة القيام بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى

    هذه ثلاثة أوامر: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، هذه الثلاثة ثمرتها فوق استقامتنا وصلاحنا وسعادتنا في الدنيا؛ ثمرتها الأصلية: أنها تزكي النفس البشرية، تطهر نفسك حتى تصبح كأنفس الملائكة وأرواحهم، مفعولها هو العجب، الذي يؤدي هذه الثلاثة: يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ويقوم بذلك تكون نفسه أزكى نفس وأطهرها على الإطلاق.

    تحريم الفحشاء والمنكر والبغي لتدسية النفوس بها

    ولما كان هناك ما يخبث النفس ويدسيها مقابل ما يحسنها ويجملها نهانا عن الفحشاء، فقال تعالى: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، ثلاثة مقابل الثلاثة الأولى، إذا أديت الثلاثة الأولى واجتنبت هذه ارتقيت إلى مستوى الملائكة في طهرك وصفائك.

    الأولى من المكروهات لله عز وجل التي نهى عنها: الفحشاء، والفحش: القبح والبخل وسوء العمل وسوء السلوك، كله فحش، وأفحش الفحش فاحشة الزنا واللواط، لا أفحش منهما: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80]، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32].

    ومن الفحش كذلك البخل ومنع الخير؛ لأن الله يفيض عليك وأنت تمنع إخوانك! فإن هذا والله لفحش، فالبخيل فاحش، البخل فحش، والفحش: هو قبح الشيء، فحش: قبح واشتد قبحه.

    فلنذكر إذاً أن الله نهانا عن الفحش، وأمرنا بما يزكي أنفسنا ويطهرها، وحذرنا من أن نصب عليها هذه الذنوب فتفسد ذلك النور وتطمسه، وحينئذٍ لا نستطيع أن نرقى إلى الملكوت الأعلى، وهل نحن نرجو أن نرقى إلى الملكوت الأعلى؟ هل تظنون هذا أم لا؟ ما إن يأخذ ملك الموت روحي أنا أو أنت أو أي مؤمن -إن شاء الله- حتى تكون في موكب من مواكب الملائكة، وكما تعرفون المواكب مع الملوك ومع الرؤساء، فيعرجون بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون، فيقال لهم: من؟ فيقولون مثلاً: أبو بكر ، هل أذن له؟ نعم أذن له، ادخلوا، سبع سماوات، وتنتهي إلى مستوى ما سماه تعالى بكتاب عليين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:18-21]، الملائكة الخاصة هي التي تشهد هذا، فيسجل اسم صاحب الروح في الديوان، ثم يعودون بها إلى البقيع أو إلى أية مقبرة.

    فالروح الطاهرة وهي على النعش تقول: قدموني.. قدموني.. قدموني. فرحة؛ لأنه يعرج بها وتعود إلى الأرض، ويتم الاختبار والنجاح الباهر، ثم يعودون بها إلى الملكوت الأعلى؛ لتبقى إلى قيام الساعة، فأرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كلها في الملكوت الأعلى في جنة عدن.

    وإن كانت الروح خبيثة ما فعلت الأوامر الثلاثة: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وفعلت الثلاثة المنكرات: الفحشاء والمنكر والبغي، فهذه والله ما تفتح لها أبواب السماء أبداً.

    ولنذكر موكب الملائكة في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت:30]، لا يخافون ولا يخجلون، يقول أحدهم: الله ربي ولو غضب العالم كله، ولو وجهت إليه كل المدافع، الله ربي لا رب لي سواه، قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ما مالوا يميناً ولا شمالاً، فالاستقامة: واجبات يفعلونها ومحرمات يتركونها كما في هذه الآية، قاموا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وتناهوا وتباعدوا عن البغي والفحشاء والمنكر.

    إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ما لهم؟ أخبرنا يا رب عنهم؟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] مواكب، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] وتقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا [فصلت:30-32] ضيافة مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32]، هل تعرفون النزل أم لا؟ ليس هو الفندق، النزل ما يقدم للضيف من أنواع الطعام والشراب والفراش. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32]، اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.

    ومن أراد المفتاح فسأعطيه المفتاح، أتريد المفتاح؟ فقط أطع الله والرسول، وذلك لقول الله تعالى من سورة النساء المدنية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] هل عرفتم هذا الطابع وهذا الختم؟

    حقيقة الفحشاء والمنكر والبغي

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نكمل الثلاثة المنهيات المحرمات التي يدعو الشيطان إليها ويغري الغافلين بها ويأخذهم إلى هذه الظلمة:

    الظلمة الأولى: الفحشاء، يا أبنائي .. يا إخواني! يجب علينا أن نبتعد عن الفحش ولا نقع فيه لا بالقول فنقول كلمة فاحشة أبداً، ولا بالنظر فننظر نظرة فاحشة أبداً، ولا بالسمع فنستمع إلى كلمة فاحشة أبداً، فضلاً عن إتيان الفاحشة وارتكابها، وأسفلها: فاحشة الزنا واللواط، وكل ما يؤدي إلى هذه الفاحشة، والبخل، والكذب والخيانة والسخرية والاستهزاء كل هذه فواحش.

    ثانيًا: المنكر، والمنكر: ما أنكر الله ورسوله ولم يعترفا به، ولم يقراه للعباد، سواء كان قولاً أو كان عملاً، نظرة، لباس، صوت، مشية.. كل ما أنكره الله وأنكره رسوله بمعنى: نهيا عنه وحرماه، وتوعد الله عليه بالعذاب؛ هذا هو المنكر، فيجب أن نتجنبه ولا نفعله أبداً، لماذا؟ لأن الله حرمه، نهى عن المنكر، فالمنكر: ما أنكره الشرع لم يحله ولم يأذن فيه، ما أنكرته الفطر والغرائز البشرية.

    فلو أتيت تمشي بين ناس عريانًا فهل يسكت عن ذلك أحد؟ ينكره كل أحد، ترفع صوتك فقط في المسجد فينكرون عليك ذلك.

    إذاً: أولياء الله لا يغشون منكراً لا في الزي واللباس، ولا في القول ولا في الأكل ولا في المشي، وكل ما أنكره الشارع وحرمه ونهى عنه بواسطة كتابه القرآن، أو بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو منهي عنه ومنكر، والذي أذن الله فيه قولاً أو فعلاً، أكلاً أو لبساً يجوز، وما هو بمنكر، لكن إذا نهى الله تعالى عن شيء إما في الكتاب القرآني أو على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك منكر، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يرتكبه ويفعله.

    وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، ما هو البغي؟ الظلم، البغي: الظلم، بغى علي: ظلمني، بغيت عليه: ظلمته، والظلم حرمه الله عز وجل وجعله على عباده محرماً، إذ قال: ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً ).

    والظلم حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه مطلقاً، فوضع الشيء في غير موضعه هو الظلم وهو البغي، وحرم الله تعالى البغي بين هذه الأمة، فلا يبغي بعضهم على بعض، لا سرقة ولا تطفيف ولا خداع ولا غش ولا كذب أبداً، بحيث لا ظلم، ونصبر على ذلك حتى تنتهي الحياة. إذا بغت أمة سلط الله عليها من يهينها ويذلها، كما فعلت أمتنا لما بغت وخرجت عن نظام الله سلط عليها أوروبا من بريطانيا إلى أسبانيا فداسوهم بالنعال.

    إذاً: معاشر المستمعين والمستمعات! خذوا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ [النحل:90] ربكم، ليس سواه فهو الذي يأمر وينهى، يعظكم ربكم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    هذه الآية يختم بها أئمة المساجد يوم الجمعة الخطبة ولا بد، لماذا؟ لأنها أجمع آية للخير والشر، ما أخذ بها مؤمن وزلت قدمه وسقط أبداً، ولهذا ما ننساها: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ [النحل:90]، هكذا، يعظكم ربكم آمرً ناهيًا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا من أهل هذه الآية، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين.