إسلام ويب

تفسير سورة النحل (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شأن السور المكية دائماً أنها تقرر أمور العقيدة، وفي هذا السياق يقرر الله عز وجل رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه شاهد على أمته في يوم القيامة، وهو يوم الحشر الأكبر الذي يذل الله فيه أهل الكفر والشرك ويسومهم سوء العذاب الحسي الذي لا يخفف عنهم، وكذلك العذاب النفسي لاسيما حين يرى هؤلاء الظلمة أنهم قد خابت آمالهم في معبوداتهم، وقد تنكر كل معبود لعابده، فلم يبق إلا الهوان والصغار، والخضوع لحكم الملك الجبار، وهو الاستقرار وزيادة العذاب في النار، فيتمنى كل كافر في تلك الساعة أنه آمن بالشهيد عليه، واتبع ما أنزل الله إليه من ذلك النور الذي جعله رحمة وهدى وبياناً لكل من أسلم لله وحده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدًا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ * وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:84-89].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [النحل:84]، اذكر يا رسولنا لقومك المصرين على الشرك والكفر والتكذيب برسالتك وبالبعث الآخر، اذكر لهم يوم نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [النحل:84]، والأمم ما أكثرها، وما من أمة إلا وبعث الله تعالى فيها رسولاً: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36]، وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [النحل:84]، يشهد على تلك الأمة بأنه بلغها دعوة الله، أمرها ونهاها بأمر الله ونهيه، فإن استجابت دخلت الجنة، وإن أعرضت واستكبرت وكفرت دخلت النار.

    ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:84]، هذا موقف في عرصات القيامة، في ساحة فصل القضاء والخليقة قائمة على تلك الأرض، لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [النحل:84]، من يأذن لهم بأن يعتذروا؟ لا يأذن الله لهم أن يتكلموا فضلاً عن أن يعتذروا ويقولوا: كنا وكنا، وسبب كفرنا فلان أو فلان. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:84] لا يطلب منهم العتب ليرجعوا إلى الدنيا ويتوبوا ويستقيموا ويوحدوا الله ويعبدوه، لا هذا ولا ذاك، فإن ساعة العمل قد انتهت وجاءت ساعة الجزاء، وكما علمتم أن هذه الحياة هي حياة العمل، وأن الحياة الثانية هي حياة الجزاء على هذا العمل في هذه الدنيا، هاهم في عرصات القيامة.

    وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:84]، لا يؤذن لهم في أن يعتذروا ولا يقبل منهم معذرة، ولا يسمح لهم بأن يعتبهم ليعودوا إلى الصلاح والاستقامة، إذ الحياة انتهت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون)

    يقول الله: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ [النحل:85]، منظر آخر، وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [النحل:85] ظلموا ربهم فعبدوا غيره، وظلموا أنفسهم فصبوا عليها أطنان الذنوب والآثام، وظلموا غيرهم بسلب أموالهم واعتدائهم على حرماتهم، هؤلاء الظلمة: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ [النحل:85] أي: شاهدوا جنهم ودخلوا فيها؛ فوالله لا يخفف عنهم ولا هم ينظرون، لا يخفف عنهم العذاب في داخل النار، ولا هم يمهلون ولا دقيقة واحدة، أبداً، هذا منظر عجب!

    أعيده: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ [النحل:85]، نعوذ بالله أن نكون من الظالمين، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ [النحل:85] العذاب أبداً، وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [النحل:85]، ولا يمهلون، بل تأكلهم جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ...)

    منظر ثان: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ [النحل:86]، روى أهل العلم -ابن جرير وغيره- عن ابن عباس والصحابة: أن من كان يعبد شيئاً يظهر له في ذلك المقام، الصنم يظهر، عيسى يظهر، كل ما عبد من دون الله يظهر أمامهم، ويشاهدونه، وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ [النحل:86]، شاهدوا المعبودات بأعينهم، تجلت لهم وظهرت، من أظهرها؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، ما إن يشاهدوا معبوداتهم التي عبدوها من إنس أو جن حتى الشمس والقمر حتى يقولوا ماذا؟ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل:86]، هؤلاء شركاؤنا الذين أشركناهم في عبادتك بالدعاء والذبح والنذر، هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل:86].

    معنى قوله تعالى: (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون)

    قال تعالى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [النحل:86]، فألقوا عليهم القول بقولهم: إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [النحل:86]، ما أمرناكم بعبادتنا ولا سمعناها منكم ولا عرفناها منكم، هل هذه الأحجار والأصنام أمرت بالعبادة؟ هل عيسى أمر النصارى أن يعبدوه؟ هل الملائكة أمروا الناس أن يعبدوهم؟ الجواب: ما عبدوهم أصلاً، بل عبدوا الشيطان المتمثل في تلك الأهواء والصور والتماثيل فقط، يا للخزي والعار في هذا الموقف، وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ [النحل:86]، وشاهدوهم في عرصات القيامة، قَالُوا رَبَّنَا [النحل:86]، أي: يا ربنا، هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل:86]، ما قالوا: كنا نعبد من دونك، بل قالوا: (نَدْعُوا)، لأن العبادة هي الدعاء؛ لأن الذي يدعو غير الله ينتج عن ذلك أنه اعترف بإله غير الله، وأنه اعترف بأن صفات هذا المعبود كصفات الله، يسمعه ويراه ويعطيه، دعاه لأنه خائف منه وراغب وطامع فيه، وهذه هي العبادة، ولهذا ورد: ( الدعاء هو العبادة ) .

    قالوا: كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ ، أي: ندعوهم ليقضوا حاجاتنا ويعطونا مسائلنا، كما تعرفون الذين يدعون القبور والأولياء، ويطلبون منهم قضاء حوائجهم، فهذا مريض، وهذا فقير، وهذا مسافر وهذا كذا.. فيقول: يا سيدي فلان أعطني كذا. أنا في حماك، أنا في جوارك، اسأل الله لي، وهكذا يدعونهم، ما هناك إلا الدعاء، وإن ذبحوا ذبحوا متقربين إليهم، وإن نذروا كذلك، والكل عائد إلى أنهم عبدوهم بأعظم أنواع العبادة ألا وهو الدعاء.

    ماذا قال أهل النار؟ قالوا: يا ربنا! هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل:86]، فبم رد عليهم المعبودون؟ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [النحل:86]، وردوه عليهم وقالوا: إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [النحل:86]، ومن هنا يجب أن نعرف -يا معشر المستمعين والمستمعات- أننا لا نسأل غير الله أبداً، ولا نطلب حاجة من غير الله أبداً، وإلا فسنفضح في عرصات القيامة ونقول: ربنا هؤلاء دعوناهم. فيقول تعالى: وهل أمرتكم بدعائهم؟ هل أذنت لكم في ذلك؟ هل بعثت رسولاً يعلمكم ذلك، أم هي الشياطين هي التي حسنت لكم الدعاء وزينت لكم الباطل فعبدتموهم؟

    معاشر المستمعين والمستمعات! لا يراك الله ولا يسمعك تنادي غيره: (يا فلان) ليقضي حاجتك، لا نبياً ولا رسولاً ولا ملكًا ولا وليًا ولا أحدًا أبداً، لا إله إلا الله، أي: لا يدعى ويسأل ويطرح بين يديه ويبكى إلا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون)

    قال تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل:87]، استسلموا، خضعوا وذلوا وانقادوا إلى جهنم، ما بقيت عنترية ولا قوة، ألقوا السلم إلى الله، وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [النحل:87]، أي: استسلموا لله وانقادوا، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل:87] أي: ذاك الكذب الباطل، والادعاءات التي في الكتب وغيرها: قال الشيخ، روينا عن شيخنا، حدثنا. كلها انتهت، ما وجدوا فيها شيئاً، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل:87]، أي: يكذبونه ويدعونه ويقولونه ويروي بعضهم عن بعض، وهي كلها أباطيل، فما عندنا من ندعوه ولا نرفع أكفنا إليه ولا ننحني بين يديه راكعين ساجدين إلا الله فقط، وهذا مظهر من مظاهر العزة والكمال البشري، أما الذي يذل وينكسر لصنم ولحجر ولقبر ولإنسان فهو هابط، فقد إنسانيته، أنت عبد الله أم لا؟ سيدك فوقك يسمعك ويراك، بيده كل شيء، وهو قادر على كل شيء، فكيف تلتفت إلى غيره وتقول: يا سيدي؟

    وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل:87]، أي: ما كانوا يختلقونه ويكذبونه من الدعاوى الباطلة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88].

    معاشر المستمعين والمستمعات! تعوذوا بالله من الكفر والشرك والصد عن سبيل الله، اسمعوا هذا الخبر: الَّذِينَ كَفَرُوا [النحل:88] أولاً: كفروا بالله، برسوله، بلقائه، بشرعه ودينه.

    ثانياً: صدوا الناس وصرفوهم بالمكر والحيل والمال وما إلى ذلك وأبعدوهم عن الإسلام، والمبطلون الضالون يفعلون هذا إلى الآن، يحاولون أن يصرفوا الناس عن الاستقامة وعن عبادة الله وحده، وهذا صد وصرف عن سبيل الله، فهؤلاء يا ويلهم.

    المراد بزيادة العذاب للكفرة الصادين عن سبيل الله تعالى

    ماذا قال تعالى؟ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88]، ما هو بعذاب جهنم فقط، بل عذاب آخر. روي -وصح- أن الزيادة هذه هي عبارة عن عقارب وحيات، العقرب كالبغلة، والحية نابها كالنخلة الطويلة والله العظيم، زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88]، عذاب النار وعذاب الحيات والعقارب، الآن لو خرجت عقرب بينكم فسيتمزق المجلس، سبحان الله! شيء مجرب هذا، لو ظهرت عقرب بيننا ترتعد فرائصنا وهي كالأصبع، فكيف إذا كانت مثل البغلة، وكذلك الحية لو ظهرت نفزع، فكيف إذا كان نابها كالنخلة في طوله؟

    ولا تعجبوا، فوالله لكما تسمعون؛ لأن هذا الذي صد عن سبيل الله وأحال الناس إلى الخرافات والبدع ليس هو مثلنا الآن، هذا نابه كجبل أحد، وما بين كتفيه مائة وخمسة وثلاثون كيلو متر، وهو كما بين مكة وقديد، فليست القضية كما تشاهدون، بل قد أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ( إن ناب الكافر كجبل أحد في النار، وما بين كتفي الكافر في النار كما بين مكة وقديد )، والمسافة الآن بالكيلو متر: مائة وخمسة وثلاثون.

    إذاً: العقرب كيف ستكون؟ ما هي كالأصبع، بل كالبغل، والحية كالنخلة في طول نابها، هذا معنى قوله تعالى: زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88]، عذاب خاص؛ لأنهم كفروا من جهة، وأضلوا الناس من جهة، لو أنهم كفروا فقط أو فسقوا وما تحملوا فسق الآخرين ولا تكفيرهم فالعذاب هو الأول، لكن هؤلاء كفروا وأضلوا غيرهم، صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم عن سبيل الله، كما تعلمون هذا وتشاهدونه في البشر.

    سبب زيادة العذاب للكفرة الصادين عن سبيل الله تعالى

    قال الله: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88]، بسبب ماذا؟ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، بسبب إفسادهم في الأرض، ما هو الإفساد في الأرض؟ هل هو هدم المباني وقطع الشجر؟ هذا ما هو بإفساد، الإفساد في الأرض تحويل المؤمنين إلى كافرين، تحويل البشرية عن عبادة ربها إلى عبادة الشياطين، هذا هو الإفساد في الأرض، بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، أفسدوا القلوب والعقول، وحولوا البشرية إلى ما تشاهدون، وأول من يصلى هذا الحميم اليهود؛ لأن أكثر من أفسد في الأرض هم اليهود.

    فالاشتراكية والشيوعية والعلمانية هذه الثلاث والله إنها لمن صنع اليهود، ومن إنشائهم وإيجادهم، وقد قلت لكم غير ما مرة: قبل هذه الشيوعية التي مضى الآن عليها قرن ونصف تقريباً؛ قبلها كان النصارى رحماء، يرحمون، وما إن دخلت فتن الإلحاد في قلوبهم حتى تحولوا إلى شياطين، ماذا فعلت روسيا؟ أما كانت صليبية مسيحية ثم دمرت شعوباً من المسلمين وعذبتهم؟ فمن صدهم عن سبيل الله؟ اليهود.

    إذاً: ليحذر كل مؤمن ومؤمنة أن يراه الله يصد مؤمناً عن دعوة الله ولو بكلمة سوء، لا تجلس ذلك المجلس، لا تسمع هذا القول الذي هو صد عن سبيل الله، وصرف عن سبيل الله، الذي يصرف الناس عن عبادة الله هو صاد لهم عن سبيل الله.

    يقول تعالى: زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، أي: لا يصلحون، بل كانوا يفسدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ...)

    قال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [النحل:89].

    تقرير الآية لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

    هذا تقرير النبوة المحمدية، البعث الآخر والحياة الثانية والجزاء فيها قرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا [النحل:89]، أي: أنت يا محمد، وهذا معناه: أن محمدًا رسول الله، وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ [النحل:89] من أمتك، المؤمنون والكافرون على حد سواء.

    شمول الشهيد للنبي والعالم المعلم المبلغ

    وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ [النحل:89] من الأمم عرباً وعجماً في الأجيال والقرون المتصاعدة، نبعث منهم شهيداً وهو نبيهم، أو العالم الرباني الذي كان يعلمهم، فالعالم الذي في القرية أو في المدينة يعلم الناس طريق الوصول إلى رضا الله عز وجل هذا يستشهد عليهم يوم القيامة ويشهد، لماذا هم فجروا وفسقوا وظلموا واعتدوا، أما بلغكم أحد دعوة الله؟ أما كان فيكم فلان وفلان؟ العلماء بعد الأنبياء في هذه الآية الكريمة، إذ الأنبياء بلغوا، والعلماء إذا بلغوا أصبحوا كالأنبياء، فالرسول ما كان يقتل الناس بالسيف ليدخلوا في الإسلام، بل كان يبلغهم بلسانه، فلما حاربوه حاربهم، والعلماء يبلغون دعوة الله بألسنتهم، فإذا رفضها الناس وأصروا على الشرك والإلحاد والزندقة والباطل فيوم القيامة يستشهدون فيشهدون عليهم بأنهم بلغوهم.

    شمول شهادة النبي صلى الله عليه وسلم وعمومها في أمته

    وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ [النحل:89]، الإشارة ليست إلى العرب فقط، بل هي إلى العرب والعجم، إلى الكافرين والمؤمنين، إذ محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس كافة، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم بعضها كافر وبعضها مؤمن، ولهذا المؤمنون يقال فيهم: أمة الإجابة والاستجابة، والأخرى: أمة الكفر والإعراض، وإلا فكلهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من هي أمة الإجابة؟ هي التي أجابت ودخلت في الإسلام، والأمة التي أعرضت وكفرت أمة الكفر، وهي أمة الدعوة، أي: بلغتها دعوة رسول الله ورفضت الاستجابة والقبول.

    هكذا يقول تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ [النحل:89]، حتى لا يقال: ظلمونا، يبعث من أنفسهم من يشهد عليهم، وَجِئْنَا بِكَ [النحل:89]، يا رسولنا، وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ [النحل:89] الموجودين أيام بعثته إلى يوم الدين.

    معنى قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين)

    ثم قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]، هذا فيه تقرير النبوة أيضاً، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النحل:89]، أي كتاب يرحمكم الله؟ هذا الذي ندرسه ونقرؤه من نزله؟ الله، ما قال: أنزلناه، قال: (وَنَزَّلْنَا)؛ لأنه نزل آية بعد آية في ثلاث وعشرين سنة حتى اكتمل، فالتنزيل غير الإنزال، ما أنزله مرة واحدة كتوراة موسى، بل هذا منزل يوماً بعد يوم وعامًا بعد عام، في ظرف ثلاث وعشرين سنة حتى اكتمل، وآخر ما نزل منه قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، وأول آية نزلت منه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، ومن السور الأخيرة في النزول سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، فيها إعلان، فيها عزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بكى أبو بكر لما عرف أن الله يعزيهم في رسولهم، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، هذا هو النعي، نعاه نعياً.

    وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النحل:89]، أي: القرآن العظيم، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، كل ما تتوقف عليه سعادة الأمة ففي القرآن ذكره: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، لا أقول: تبياناً للحلال والحرام والشرائع والعبادات فقط، لا، بل لكل متطلبات الحياة من الجهاد والحرب والسلم والمال والاقتصاد، وكل شئون الحياة مبينة في القرآن الكريم.

    لماذا لا يعرف هذا المسلمون أهل القرآن؟ لأنهم صرفوهم عنه، قالوا: اجتمعوا على الأناشيد والمدائح والقصائد للأولياء، أما أن تجتمعوا على القرآن تتدارسونه فلا، ماذا نصنع بالقرآن إذاً؟ قالوا: اقرءوه على الموتى، إذا مات أحدكم اقرءوا عليه القرآن.

    وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النحل:89]، أي: القرآن العظيم، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، هذا أولاً. وَهُدًى [النحل:89]، يبعد أصحابه عن الضلال أبداً، يعيشون في هداية الله، لا ضلال أبداً بحال من الأحوال؛ لأن القرآن نور، والماشي وراء النور لا يضل: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، ما هو هذا النور؟ القرآن. فالذي يؤمن به ويحفظه ويفهمه ويعمل بما فيه والله لا يضل أبداً عن الصراط السوي، ما يضل ولا يشقى أبداً ولا يخزى ولا يذم ولا ينال منه أبداً؛ لأنه مهتد ما هو بضال.

    ثالثاً: وَرَحْمَةً [النحل:89]، هل القرآن رحمة أم لا؟ والله ما عرفت البشرية الرحمة الحقة إلا بعد نزول القرآن. وَبُشْرَى [النحل:89]، يحملها لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]، الذين أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، يحمل لهم البشرى -والله- بسعادة الدارين، بالكمال في الحياتين، لذا لما عرف العدو هذا صرفنا عن القرآن حتى حولناه إلى الموتى وأعرضنا عنه.

    هكذا يقول تعالى ممتناً ومقرراً نبوة محمد ورسالته العامة للبشرية: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا [النحل:89]، أكبر من (تبييناً)، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89].

    هذه أربع كمالات، أربع هي أدوات السعادة: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى [النحل:89]، لمن؟ لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]، أبشروا أيها المسلمون، أبشروا بدار السلام، أبشروا بالسعادة الدائمة يوم القيامة، وأما اليوم فهناك عذاب بذنوبنا، لو تبنا لتاب الله علينا وارتفع عنا البلاء، ولكن ذنوبنا، ما من مصيبة تصيبنا إلا بذنب، هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب؛ لتزدادوا بصيرة وعلماً: ‏

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    انحصر السياق الكريم في هذه الآيات الست في تقرير البعث والجزاء مع النبوة ] المحمدية كما علمتم، وهذا شأن السور المكية [ فقوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ [النحل:84]، أي: اذكر يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، اذكر يوم نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ [النحل:84] من الأمم شَهِيدًا [النحل:84]، هو نبيها الذي نبئ فيها وأرسل إليها، ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [النحل:84]، أي: بالاعتذار فيعتذرون، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:84]، أي: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل يرضي الله عنهم، أي: اذكر هذا لقومك وعلهم حتى يذكروا ويتعظوا ويتوبوا، فيظفروا بالنجاة والسعادة.

    وقوله في الآية الثانية: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ [النحل:85]، أي: يوم القيامة فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [النحل:85]، أي: ولا هم يمهلون. اذكر لهم هذا أيضاً تذكيراً وتعليماً.

    واذكر لهم وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ [النحل:86] في عرصات القيامة أو في جهنم صاحوا قائلين: رَبَّنَا [النحل:86]، أي: يا ربنا! هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل:86]، أي: نعبدهم بدعائهم والاستغاثة بهم. فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [النحل:86]، فوراً، إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [النحل:86].

    وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [النحل:87]، أي: الاستسلام، فذلوا لحكمه تعالى، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل:87]، أي: في الدنيا من ألوان الكذب والترهات، كقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأنهم ينجون من النار بدعائهم، وأنهم وسيلتهم إلى الله، كل ذلك ضل، أي: غاب عنهم ولم يعثروا منه على شيء.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النحل:88] غيرهم بالدعوة إلى الكفر وأسبابه والحمل عليه أحياناً بالترهيب والترغيب ].

    جاءني الآن أحد المؤمنين وقال: ماذا نصنع؟ عندي أربع بنات والحكومة منعتنا من الحجاب، فماذا أصنع ببناتي؟ إذا حجبناهن عذبونا وسجنونا! هذا يوجد في بلد يدعي الإسلام إلا أنه يحارب الله جهرة ويكفر به! الذي يحرم الحجاب يكفر؛ رد كتاب الله ومزقه، وسوف تنزل بهم نقمة الله.

    قال: [ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88] الذي استوجبوه بكفرهم. ورد أن هذه الزيادة من العذاب أنها عقارب كالبغال الدهم ] أنها عقارب: جمع عقرب، [ كالبغال الدهم، وأنها حيات أنيابها كالنخل الطوال، والعياذ بالله تعالى من النار وما فيها من أنواع العذاب ]. اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك.

    [ وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ [النحل:89]، أي: اذكر يا رسولنا وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [النحل:89]، أي: يوم القيامة، عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ [النحل:89]، أي: على من أرسلت إليهم من أمتك. فكيف يكون الموقف إذ تشهد على أهل الإيمان بالإيمان، وعلى أهل الكفر بالكفر، وعلى أهل التوحيد بالتوحيد، وعلى أهل الشرك بالشرك؟ إنه لموقف صعب تعظم فيه الحسرة وتشتد الندامة.

    وقوله تعالى في خطاب رسوله مقرراً نبوته والوحي إليه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النحل:89]، أي: القرآن، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] الأمة في حاجة إلى معرفته من الحلال والحرام والأحكام والأدلة، وَهُدًى [النحل:89] من كل ضلال، وَرَحْمَةً [النحل:89] خاصة بالذين يعملون به ويطبقونه على أنفسهم وحياتهم، فيكون رحمة عامة بهم، وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]، أي: المنقادين لله في أمره ونهيه، بشرى لهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل يوم القيامة، وبالنصر والفوز والكرامة في هذه الدار.

    وبعد إنزالنا عليك هذا الكتاب فلم يبق من عذر لمن يريد أن يعتذر يوم القيامة، ولذا ستكون شهادتك على أمتك أعظم شهادة وأكثرها أثراً على نجاة الناجين وهلاك الهالكين، ولا يهلك على الله إلا هالك].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث الآخر بما لا مزيد عليه؛ لكثرة ألوان العرض لما يجرى في ذلك اليوم ] كما سمعتم.

    [ ثانياً: براءة الشياطين والأصنام الذين أشركهم الناس في عبادة الله من المشركين بهم والتبرؤ منهم وتكذيبهم. ] كما سمعتم.

    [ ثالثاً: زيادة العذاب لمن دعا إلى الشرك والكفر وحمل الناس على ذلك ] زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88].

    [ رابعاً: لا عذر لأحد بعد أن أنزل الله تعالى القرآن تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين ].

    اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين الصالحين.