إسلام ويب

تفسير سورة النحل (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه دعوة للتأمل في هذا الخلق ليعرف الخالق، ودعوة للتفكر في هذه النعم ليشكر الرازق، فهذه الطيور بعجيب خلقها وبديع تسخيرها تشق عباب السماء؛ لأن الله ممسكها، فأين أهل الإيمان، وهذه المساكن المريحة التي جعلها الله سهلة المنال لعباده، فإنما هي من جلود الأنعام وهي كذلك خفيفة الحمل، يسيرة التنقل، وهذه الملابس والأثاث المتخذ من أصواف الأنعام وأشعارها وأوبارها، وهذا الظل المسخر، والأكنان والسرابيل الميسرة كلها نعم من الله على عباده توجب الشكر وتستلزم دوام الذكر، وليس على الدعاة إلا التذكير بها، والدعوة إلى شكر مسديها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل:79-83].‏

    ثمرات الآيات القرآنية المذكرة بنعم الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات القرآنية ثمرتها إيجاد الإيمان الصحيح، وثمرتها بعد إيجاد الإيمان الصحيح طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وثمرة طاعة الله ورسوله سعادة الدارين، والكمال فيهما، كما أن الكفر موت والأموات هلكى لا يكملون ولا يسعدون.

    هذه الآيات الكريمة من سورة النحل المكية، ومكة يوم نزلت هذه السورة وغيرها من السور المكيات كان أهلها كفارًا مشركين، فهي تخاطبهم بما ينبغي أن يعلموه ويعرفوه؛ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يطرحون بين يدي الله، يأمرهم فيفعلون، وينهاهم فيتركون، إلى أن يكملوا ويسعدوا في هذه الدنيا، ثم كمالهم وسعادتهم في الدار الآخرة، كمال السعادة الحق.

    توبيخ المشركين لعدم تفكرهم في تسخير الله تعالى الطير في جو السماء

    يقول تعالى موبخاً مقرعاً: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ [النحل:79]، أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ [النحل:79]، والطير: جمع طائر، وهو اسم جنس يدخل فيه كل طائر، كبيراً كان أو صغيراً، في أي مكان كان، وقد سمي الطير طيراً لأنه يطير في الجو، أَلَمْ يَرَوْا [النحل:79] بأعينهم، إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ [النحل:79]، أي: مذللة في جو السماء، من خلقها؟ أيستطيع أحد أن يقول: العزى أو مناة أو هبل أو عيسى أو مريم؟ من ذللها؟ من سخرها في جو السماء؟ ثم كيف تطير وتضم أجنحتها وتمسكها وتصف صفوفاً وتطير؟ هذه وحدها آية تقول: اشهدوا أن لكم رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، فتعرفوا عليه، وتقربوا إليه بالطاعة والعبادة، ومن سورة الملك: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [الملك:19]، أي: أجنحتهن، مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ [الملك:19]، هذه وحدها كافية لمن كان له عقل يعقل الأشياء ويفكر فيعرف أننا مربوبون مخلوقون، وأن خالق هذه الكائنات هو إلهنا وربنا الذي لا رب لنا سواه.

    أَلَمْ يَرَوْا [النحل:79] رؤية بصرية، إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ [النحل:79]، مذللات، فِي جَوِّ السَّمَاءِ [النحل:79]، أي: ما بين الأرض والسماء، وهذا هو الجو، مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [النحل:79]، لا عمود ولا خشبة ولا حبل، من يمسكها في الجو؟

    إنه الله: مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [النحل:79] عز وجل حسب سنته في خلقه وتدبيره في ملكوته، هل يستطيع أحد أن يقول: سيدي فلان هو الذي يمسكها، أو نبي الله فلان يمسكها؟ فضلاً عن أن يقولوا: اللات، أو العزى أو صليب يمسكها، لم يبق إلا كلمة (الله)، فلا إله إلا الله، ومن نزل عليه هذا الكلام يتلوه علينا ويقرؤه كيف لا يكون رسول الله؟! مستحيل أن يكون غير رسول الله، فكيف يكذبون برسالته والرسالة بين أيديهم، عجبًا! ولكنه مكر الشياطين.

    أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ [النحل:79]، فما أقلك فهو أرض وما أظلك فهو سماء، أي: العلو، فما يمسكهن -والله- أحد إلا الرحمن جل وعز.

    انتفاع المؤمن دون غيره بآيات الله تعالى الكونية

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [النحل:79] الذي سمعتم، فيه ماذا؟ لَآيَاتٍ [النحل:79]، علامات، كل علامة تدل على أنه لا يعبد بحق إلا الله، وعلى أن من نزلت عليه هذه الآيات رسول الله، وأن البعث الآخر حق، فيا عباد الله اعبدوا ربكم؛ لتكملوا وتسعدوا، ولكن خص بالآيات المؤمنين: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل:79]؛ لأنهم أحياء.

    ما زلت أقرر أن المؤمن حي، بدليل أنه يسمع النداء ويجيب، يمتثل الأمر فيفعل والنهي فيترك، والكافر ميت لا يجيب نداء، فلا يفعل أمراً ولا يترك منهيًا، ميت لا يعقل ولا يفكر، كيف تعيش أوروبا واليابان والصين والروس وأمريكا على سطح هذه الأرض وهم يشاهدون الطير؟ أما يسألون: لم خلق هذا الطير؟ من خلقه؟ لم لا يسألون؟ يخافون أن يقال: الله، فآمنوا به، يقولون: لا. أتريدون أن تعطلوا حياتنا في الأكل والشرب والشهوات؟ والله ما هو إلا هذا السبب.

    مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ [النحل:79]، الذي رأيتم بأعينكم، لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل:79]، أما الملاحدة، أما العلمانيون، أما الكفرة المشركون فلا يجدون في ذلك آية ولا يبصرون، عميان، أموات، وأنت جالس يوضع بين يديك طعام أو شراب، أما تسأل: من أتى به؟ كيف وجد؟ فقط تأكل كالبهيمة، لا بد أنه جاء به واحد ووضعه بين يديك، وهم يقولون: الكون كله كان هكذا.. لا إله والحياة مادة! ألا لعنة الله عليهم من كفرة فجرة مشركين.

    فهذه نعمة أم لا؟ هل الطير ما ننتفع منه، وما نستفيد منه؟ بل نستفيد منه الكثير، فهذه نعمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا ...)

    النعمة الثانية: يقول تعالى: وَاللَّهُ [النحل:80]، من هو الله؟ إنه ربنا، خالقنا، خالق الكون، والكائنات كلها، رافع السماوات، باسط الأرض، المحيي، المميت، المعطي، المانع، الضار، النافع، اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:98]، ربنا ورب كل شيء، اسمه الأعظم: الله، فلهذا لا يحل لك أن تدخل باسم (الله) الحمامات والمراحيض وهو في جيبك ولا غيره من الأسماء.

    وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [النحل:80]، السكن حيث تسكن، كالجدران الأربعة تحيط بك، وتسترك، فتنزل وتسقف المكان فيصبح سكناً لك، أي: هذه البيوت التي تسكنونها.

    قد تقول: كيف جعلها الله، أنا بنيتها بيدي؟ فنقول: ويداك من صنعهما، وقدرتك وطاقتك من أوجدها والطين من أوجده، والماء من جاء به حتى تقول: أنا؟ الله خالق كل شيء، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ [النحل:80]، التي تسكنونها وتستريحون فيها من التعب والقلق والحيرة.

    معنى قوله تعالى: (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم)

    وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ [النحل:80]، المراد بالأنعام: الإبل، البقر، الماعز، الضأن، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ [النحل:80]، ماذا؟ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ [النحل:80]، أي: يوم تنقلكم وسفركم من منطقة إلى أخرى طلباً للعشب ورعي الغنم، فالقباب والخيام هذه من جعلها؟ إنه الله. من أي مادة؟ من جلود الأنعام من صوفها ومن شعرها، من خلق الصوف والشعر؟ من أوجد هذه الأنعام؟ من يقول: سوى الله؟ لا إله إلا الله، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا [النحل:80]، هي الخيام والقباب، تَسْتَخِفُّونَهَا [النحل:80] خفيفة، تحملها على البعير أو على السيارة، وتنصبها حيث شئت أن تنصبها، قبة أو خيمة، ما هي كالعمارة بالطين واللبن، تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ [النحل:80]، أي: ارتحالكم، إذ كانوا -وما زالوا- يتبعون المطر والكلاءة والعشب، فينصبون الخيام هنا، وبعد حين يرتحلون فينقلونها وينصبونها في مكان ثان، والآن حتى الجيوش عندها هذه الخيام، كل الدنيا تستخدمها.

    معنى قوله تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين)

    تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ [النحل:80] كذلك، وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا [النحل:80]، أي: وجعل لكم من أصواف الغنم وأوبار البقر وأشعار الماعز أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل:80]، الأثاث: الفرش. مم صنعت؟ أليس من الصوف والوبر والشعر؟ وما ذكر الكتان؛ لأن المنطقة هنا حال نزول القرآن ما كان فيها كتان ولا قطن، وهو يخاطب الموجودين والآيات تنزل، وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا [النحل:80] للبيت، وَمَتَاعًا [النحل:80] للسكن والاستراحة عليه، وللباس، إِلَى حِينٍ [النحل:80]، إلى فترة معينة ويبلى ويرمى، لكن ننتفع باللباس وبالفراش وبالغطاء زمنًا مؤقتاً إلى حين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكنانًا ...)

    يقول تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا [النحل:81]، يعرفهم بنفسه ليعرفوه، فلو عرفوه قالوا: الحمد لله آمنا بالله، وكذلك كان، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا [النحل:81]، الظلال ظلال الأشجار، أليس في الشجر ظل؟ كيف يكون الظل؟ أما يكون تحت الجدار ظل؟ بل توقف ناقتك فتجد ظلاً تحتها، فتنتفع بهذا الظل.

    وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا [النحل:81] يحفرون المغارات في الجبال وينزلون فيها أيام الحر من شدة الحر أو أيام البرد من البرد، كانوا يفعلون هذا.

    والأكنان: جمع كن، وهو ما يكنك ويحفظك من الحر والبرد، من جعل هذا؟ ليس إلا الله، لا تقل: الكافر ولا المهندس؛ لأن خالقها وخالق المهندس والفأس التي بيده يحفر بها الأرض ليس إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم)

    يقول الله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ [النحل:81]، جمع سربال، وهو: القميص، تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل:81] والبرد أيضاً، الذي يقي الحر يقي البرد أيضاً، وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل:81]، ألا وهي أدوات الحرب، سرابيل الحرب: الدروع واللأمات، ما تتقون به الرصاص أو تتقون به السيف والرمح.

    كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81] له وجوهكم وقلوبكم، فتؤمنون به وتعبدونه وحده ولا تعبدون معه غيره.

    حكم الانتفاع بجلود الميتة

    مسألة فقهية: جلود الميتة، إذا مات البعير أو البقرة أو الثور أو الشاة؛ فالجلد لا يصح استعماله ولا الانتفاع به إلا بعد دبغه بمواد الدباغ، وحينئذٍ يطهر، فدباغ الجلود طهورها، لكن بعض أهل العلم -كالمالكية- يقول: ما نستعملها في السائل، في الماء أو العسل، فالجلد إذا دبغناه نستعمله ككيس من الأكياس نضع فيه كذا.. أما أن نضع فيه زيتًا أو سمنًا أو عسلاً فلا ينبغي؛ لأن النفس ما ترضى بهذا، إذ هو جلد ميتة.

    وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عمم رحمة بالأمة فقال: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )، أيما جلد من الجلود دبغ فهو طهور، سواء كان من ميتة أو من مذكى، وهذا أرحم وأوسع، أما عظام الميتة ولحومها فلا تحل.

    معنى قوله تعالى: (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون)

    هكذا يقول تعالى يعرفنا بنفسه لنؤمن به ونحبه ونعبده، يقول: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ [النحل:81]، كهذا الإتمام، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81].

    فهيا نسلم لله عز وجل فنعطيه أولاً قلوبنا، يا ابن الإسلام! لا يتقلب قلبك إلا في طلب رضا الله طول عمرك، لا يتقلب إلا في طلب رضا مولاك عنك، فلا ترهب ولا تخف ولا تحب إلا بإذنه، لا تأكل ولا تشرب إلا بإذنه، لا تركب ولا تنزل إلا بإذنه، تعطيه قلبك وتعطيه وجهك، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، أما أن تلتفت إلى كائن من الكائنات بقلبك ووجهك تدعوه، تستغيث به، تناديه، تشكو إليه همك وغمك، تطلب منه تفريج كربك، تفعل كذا.. فهذا معناه أنك أعميت بصرك عن ربك وأعرضت عنه والتفت إلى غيره، مع أن هذا الغير -سواء كان ملكًا من الملائكة أو نبيًا من الأنبياء أو وليًا من الأولياء- لا يملك لك ضراً ولا نفعاً، ولا يقدر على أن يعطيك شيئاً أو يمنعك آخر بحال من الأحوال، اللهم إلا إذا كان أخوك إلى جنبك أو معك وهو حي يسمع نداءك فلا بأس أن تقول: أعني .. ساعدني .. امش معي، فقد أذن الله في هذا، على شرط: أن تكون في حاجة إليه، فلا بأس إذا قلت: يا إبراهيم! ناولني كذا. أو أمسك هذه حتى آتي. أما أن تنادي غائبين وأنت تعرف أنهم غير موجودين، وأنهم أموات لا يسمعون وتناديهم؛ فإنك تغيض الله وتتبغض إليه، وتتحداه، وهو السميع، البصير، العليم، الخبير، تنساه وتعرض عنه وتناجي المخلوقات: يا سيدي فلان.. يا سيدي فلان! يا ويل الذين نشروا هذا الشرك وهذا الباطل في أمة الإسلام، يا ويلهم من ربهم، وسوف ينزل بهم عقوبته في الدنيا والآخرة.

    فليس هناك إله إلا الله، هو الذي جعل وجعل وجعل من أجل أن نسلم قلوبنا ووجوهنا له، فلا ننظر إلا إليه ولا نقلب قلوبنا إلا في رضاه، هكذا يقول تعالى: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81]، ليعدكم بذلك إلى إسلام قلوبكم ووجوهكم لله، بالانقياد والطاعة له، إذا أمر استجبنا وفعلنا، وإذا نهى استجبنا وتركنا، إذا طلب منا أن نحب أحببنا، وإذا طلب منا أن نكره كرهنا؛ لأننا عبيده وبين يديه وهو سيدنا وإلهنا لا إله لنا غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين)

    ثم قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:82]، يا رسول الله! إن تولوا وأعرضوا وأبوا أن يستجيبوا، أبوا أن يسمعوا هذه النداءات، أبوا أن يذكروا هذه الآلاء والنعم، وأعرضوا؛ فلا تبال بهم، مهمتك البلاغ البين، ولا تبال بهم استجابوا أو لم يستجيبوا، وهذه صالحة لكل مؤمن ومؤمنة، أيما مؤمن يوجه دعوة خير أو معروف أو إحسان إلى اثنين أو ثلاثة أو فرد فعليه أن يبين فقط، فإن استجابوا جزاهم الله خيرًا على استجابتهم، وإن رفضوا فلا يضرك ذلك، بل أجرك على الله، أيما مؤمن في أي مكان يدعو إلى الله بأن يعبد وحده ولا يعبد سواه، بأن يطاع فيما يأمر به وينهى عنه؛ فعليه البلاغ المبين فقط، يفصح ويبين، وبعد ذلك ما هو بمسئول إذا لم يستجيبوا، وليس المراد أن يقول: إذاً أنا أترك. ما استجابوا، سنتركهم، لا، لا تترك، واصل دعوتك استجاب من استجاب وأبى من أبى، وأنت مأجور وما عليك إلا البلاغ وقد بلغت.

    فهذا رسول الله يقال له هكذا: فَإِنْ تَوَلَّوْا [النحل:82] يا رسولنا عنك، وأعرضوا وأبوا أن يستجيبوا بأن يؤمنوا بالله وحده ويعبدوه، فما عليك إن فعلوا ذلك إلا البلاغ فقط، فلا تكرب ولا تحزن، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:82]، ما ننسى هذه الكلمة، يجب أن نبين لمن نخاطبهم، لمن ندعوهم، لمن نطلب منهم أن يتوبوا، لا بد من البيان، أما الكلام المجمل غير الواضح فما تقوم به الحجة عليهم ولا تنتهي أنت به من رسالتك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)

    ثم قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83]، نعم والله، يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ [النحل:83]، الآن أكثر المثقفين في أوروبا وأمريكا والصين عرفوا الإسلام، بلغهم، بهذه الآلات والوسائط عرفوا، لكن أبوا أن يتنازلوا عن كفرهم، القسس والرهبان جلهم عرف أن الإسلام حق، ولكن يكفرون بنعمة الله عز وجل، يعرفون نعمة الله التي هي الإسلام، دين الله لعباده، ولا نعمة أعظم من نعمة الإسلام، يعرفونها ثم ينكرونها، يأبون أن يدخلوا في الإسلام، والمسلمون أنفسهم أكثرهم يعرفون نعمة الإسلام ويأبون أن يسلموا، يعيشون متمردين، فسقة، فجرة في كل مكان.

    يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل:83]، أي: الجاحدون لله وكتابه ورسوله ولقائه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! اسمعوا هذه الآيات من الكتاب؛ لنزداد بصيرة ومعرفة. قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك وتركه، فيقول تعالى: (( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ))[النحل:79]، فإن في خلق الطير على اختلاف أنواعه وكثرة أفراده، وفي طيرانه في جو السماء -أي: في الهواء- وكيف يقبض جناحيه وكيف يبسطهما ولا يقع على الأرض، فمن يمسكه غير الله بما شاء من تدبيره في خلقه وأكوانه؟! (( إِنَّ فِي ذَلِكَ ))[النحل:79] المذكور (( لَآيَاتٍ ))[النحل:79] عدة تدل على الخالق وقدرته وعلمه وتوجب معرفته والتقرب إليه وطاعته بعبادته وحده، كما تدل على بطلان تأليه غيره وعبادة سواه، وكون الآيات لقوم يؤمنون هو باعتبار أنهم أحياء القلوب يدركون ويفهمون، بخلاف الكافرين فإنهم أموات القلوب فلا إدراك ولا فهم لهم، فلم يكن لهم في ذلك آية ] أبداً. [ وقوله: (( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ))[النحل:80]، أي: موضع سكون وراحة. (( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ ))[النحل:80]، أي: الإبل والبقر والغنم. (( بُيُوتًا ))[النحل:80]، أي: خياماً وقباباً. (( تَسْتَخِفُّونَهَا ))[النحل:80]، أي: تجدونها خفيفة الحمل. (( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ))[النحل:80]، أي: ارتحالكم في أسفاركم وتنقلاتكم. (( وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ))[النحل:80] في مكان واحد كذلك. وقوله: (( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا ))[النحل:80]، أي: جعل لكم منها (( أَثَاثًا ))[النحل:80]، كالبسط والفرش والأكسية، (( وَمَتَاعًا ))[النحل:80]، أي: تتمتعون بها إلى حين بلاها وتمزقها. وقوله تعالى: (( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ))[النحل:81]، أي: من أشياء كثيرة ] جعلها لكم [(( ظِلالًا ))[النحل:81]، تستظلون بها من حر الشمس، (( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ))[النحل:81] تكنون فيها أنفسكم من المطر والبرد أو الحر، وهي غيران وكهوف في الجبال. (( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ))[النحل:81] أي: قمصان تقيكم الحر والبرد، (( وَسَرَابِيلَ ))[النحل:81]، وهي: الدروع، (( تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ))[النحل:81]، في الحرب تتقون بها ضرب السيوف وطعن الرماح، أليس الذي جعل لكم هذه كلها أحق بعبادتكم وطاعتكم؟!] بلى ورب الكعبة [ وهكذا (( يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ))[النحل:81]، فبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه ليعدكم للإسلام فتسلموا. وهنا وبعد هذا البيان الواضح والتذكير البديع يقول لرسوله: (( فَإِنْ تَوَلَّوْا ))[النحل:82]، أي: أعرضوا عما ذكرتهم به؛ فلا تحزن ولا تأسف؛ إذ ليس عليك هداهم، (( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ))[النحل:82]، وقد بلغت وبينت، فلا عليك بعد شيء من التبعة والمسئولية. وقوله: (( يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ))[النحل:83]، أي: نعمة الله عليهم كما ذكرناهم بها، (( ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ))[النحل:83]، فيعبدون غير المنعم بها، (( وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ))[النحل:83]، أي: الجاحدون المكذبون بنبوتك ورسالتك وبالإسلام يا رسول الإسلام ]. هل ترون القرآن الكريم كتاب هداية أم لا؟ والله لو كنا نجتمع عليه بنسائنا ورجالنا طول حياتنا من المغرب إلى العشاء لما كانت الحياة هكذا، ولتغيرت رأساً على عقب، لكن صرفونا عنه، حولوه للموتى، من إندونيسيا إلى موريتانيا لا يجتمع اثنان على القرآن إلا على ميت فقط، أما أن يتداولوا الآيات ويتدارسوها فهذا غير موجود.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون ]، لا ينتفع بآيات القرآن وآيات الكون فيؤمن إلا المؤمن فقط، لماذا؟ لأن الكافر ميت، ما هو بحي.

    [ لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون لحياة قلوبهم، أما الكافرون فهم في ظلمة الكفر لا يرون شيئاً من الآيات ولا يبصرون ]، وخاصة آيات الكون: الشمس، القمر، الكواكب، المياه، الأمطار، النباتات، الأطعمة، هذه من خلقها؟ من أوجدها؟ لم لا يسألون؟

    يخاف أن يقول: الله، فهل هؤلاء أموات أم لا؟ ما يشاهدون، إن آية الشمس فقط كافية في الدلالة على وجود الله وعلمه وقدرته ورحمته ووجوب طاعته وعبادته، من خلقها؟ من كوكبها؟ من أنارها وجعل فيها حرارتها؟ من ينقلها من مكان إلى مكان؟ ليس هناك أحد، بل الله هو الذي فعل.

    [ ثانياً: مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ونعيمه تتجلى في هذه الآيات الأربع، ومن العجب أن المشركين -كالكافرين- عمي لا يبصرون شيئاً منها وأكثرهم الكافرون.

    ثالثاً: مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست هداية القلوب]؛ لأنه ما وكل إليه أن يهدي القلوب، وما يستطيع، فليس في قدرته أن يهدي قلوب الناس، ولكن مهمته البيان فقط.

    [ مهمة الرسول ] التي عهد بها إليه [ ليست هداية القلوب، وإنما هي بيان الطريق بالبلاغ المبين ].

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بكتابه وهدي نبييه صلى الله عليه وسلم.