إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حين هدأ روع إبراهيم عليه السلام وجاءته البشرى سأل هؤلاء الملائكة عن مهمتهم، فأجابوه أن الله أرسلهم لإهلاك قوم لوط بسبب إجرامهم، تحقيقاً لسنة الله في أهل الظلم والجرأة عليه، ونصراً وتأييداً لأوليائه كلوط عليه السلام وآله، وانطلقوا كما أخبروا إبراهيم إلى لوط، فلما رآهم أنكرهم، واستعلمهم عن شأنهم، فأخبروه أنهم جاءوا لإهلاك قومه ومن أعانهم على ظلمهم كزوجته، وأرشدوه إلى أحسن الطرق للخروج، وزودوه بنصائح تكون سبباً لنجاته ومن معه؛ لأن الهلاك سينزل بقومه في الصباح إذا بزغ النور ولاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقال ما خطبكم أيها المرسلون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع آيات سورة الحجر، قال تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ * فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر:57-66].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه أحداث جسام تمت منذ آلاف السنين، كيف عرفها محمد صلى الله عليه وسلم لولا أنه رسول الله؟!

    أحداث جسام عجب تمت منذ آلاف السنين، فكيف لإنسان أن يقصها كأنه المشاهد لها، ويصدق في ذلك؟

    والله لا يتم هذا لأحد إلا لمن أرسله الله ونبأه، فالآيات تشهد أن محمداً رسول الله، وتقرر أن محمداً رسول الله.

    ومن ثم من أرسله؟ ولم أرسله؟

    الجواب بالبداهة: أرسله ربه، رب العالمين، رب الناس أجمعين.

    لماذا؟

    لهدايتهم ولإسعادهم في الدارين.

    إذاً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والدار الآخرة حق.

    قوله تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الحجر:57] القائل إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والمخاطبون هم الثلاثة الذين عرفناهم بالأمس وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، نزلوا عند إبراهيم في طريقهم إلى قوم لوط، وجرى بين إبراهيم وبينهم حديث، منه هذا الحديث، وهو قوله لهم: فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الحجر:57]؟

    وهم ليسوا رسلاً بمعنى الأنبياء، ولكن أرسلهم الرحمن عز وجل لمهمة، وهي تدمير قرى ومدن سدوم وعمورة، حيث فشت فيها الفاحشة، واستعظم فيها الجهل والكفر والشر والفساد.

    مَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الحجر:57] والخطب: الأمر العظيم والشأن الكبير. أي: ما مهمتكم أيه المرسلون؟ فأجابوه قائلين: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر:58].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين)

    قوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر:58] بالبناء للمفعول، أرسلهم الله، ولم يقولوا: أرسلنا الله؛ للعلم به، فمن يرسلهم سوى الله؟! من يستطيع أن يسخر الملائكة ويبعث بهم حيث شاء إلا الله؟!

    قوله: إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر:58] ما معنى مجرمين؟ هل معنى ذلك أنهم يأكلون ويشربون؟ يبنون ويهدمون؟

    لا والله، بل أجرموا على أنفسهم فلوثوها وخبثوها ودنسوها؛ فأصبحت كأنفس الشياطين، أجرموا على أنفسهم، لوثوها بأوضار الذنوب والآثام؛ فأصبحت عفنة منتنة يسخط الله عليها ولا يرضاها.

    والسؤال هنا: بم لوثوها؟ وما هي مادة التلويث والتخبيث للنفس البشرية؟

    الجواب: ليست مادة الماء ولا الطين، ولا التراب ولا الحمأة، ولكن معصية الله ورسوله، معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي التي تخبث النفس وتلوثها، فتصبح كأنفس الشياطين في خبثها ونتنها.

    إذاً: المعصية تسبب هذا، وهذه سنن لا تتبدل، فإذا أكلت سماً تهلك، وإذا شربت ماء ترتوي، إذا ضربت حجراً بحديد تقطعها، سنن لا تتبدل، فمعصية الله ورسوله من شأنها -حسب سنة الله في الخلق- أنها تحول النفس من طاهرة إلى خبيثة، ومن زكية إلى منتنة عفنة، سنة الله التي لا تتبدل.

    ومعصية الله ورسوله تكون في مخالفة أوامرهما ونواهيهما، إذ يجب طاعة أمر الله وأمر رسوله، والرسول لا يأمر إلا بأمر ربه وإذنه، وأنت إذا أمرت فافعل، فإن تكبرت واستكبرت وأنكرت وجحدت وأبيت أن تفعل انعكس أثر ذلك والله على النفس وأصبحت خبيثة منتنة.

    إذا نهى الله تعالى عن قول شيء أو اعتقاد آخر، أو فعل شيء، أو نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبى العبد إلا أن يفعل ذلك والله لتخبث نفسه ويصبح مجرماً أجرم عليها بهذا الذنب وهذا الإثم.

    قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر:58] أجرموا على أنفسهم بأن عصوا رسول الله لوط صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، فأصروا على الشرك والكفر، جاءهم رسولاً إليهم لينقذهم من محنة الشرك والكفر والخبث فأصروا على الشرك والكفر، وازدادوا فوق ذلك ذنباً عظيماً ما عرفته البشرية، وهو أن ينزو الذكر على الذكر، وهو اللواط المعروف، وبهذا الإجرام استوجبوا إبادتهم وإنهاء وجودهم ومن ثم إلى جهنم.

    إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر:58] أرسلنا من قبل ربنا إلى هؤلاء المجرمين لنهلكهم، وقد تم إهلاكهم، جبريل عليه السلام رفع المدينة بجناحيه وقلبها على الأرض، فجعل سافلها عاليها، وأرسل الله عليهم الحجارة من السماء، فما تركت قريباً ولا بعيداً إلا أتت عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين)

    قال تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:59] فهل آل لوط هم قومه؟

    الجواب: لا. بل آل لوط هم بناته والمؤمنون معه، وهذه لطيفة شريفة: وهي إذا قلنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد دخل في هذه الصلاة كل مؤمن تقي ومؤمنة تقية، وها هو ذا تعالى أطلق لفظ الآل على المؤمنين مع لوط من بناته والمؤمنين معه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( آل محمد كل تقي )، ليس فاطمة أو عائشة فقط، بل كل تقي هو من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه بشرى سارة، فهيا نصلي على بعضنا البعض: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد )، ما من مؤمن ولا مؤمنة إلا صلينا عليه، إن كان مؤمناً تقياً، إذ الرسول حدد المغزى والمرمى فقال: ( كل تقي ) والتقي يقبله رسول الله أن يكون من أوليائه وأهل بيته، أما الفاجر فلا.

    إِلَّا آلَ لُوطٍ [الحجر:59] لا نهلكهم إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ [الحجر:59] من الهلاك أَجْمَعِينَ [الحجر:59] اللهم إلا امرأته العجوز السوء فإنها مهلكة، هذه العجوز استوجبت العذاب والهلاك مع المجرمين؛ لأنها أيدت الإجرام، ما فعلته ولكنها أيدته فقط؛ فلهذا الذي يقف إلى جنب المجرم وينصره على إجرامه ويؤيده مجرم وإن لم يفعل!

    لو أن شخصين قام أحدهما يضرب مؤمناً والآخر يقف إلى جنبه يحميه فكلاهما ضرب المؤمن وآذاه بلا خلاف، فهذه العجوز كانت -والعياذ بالله- تساند على ارتكاب هذه الفاحشة، وأكبر دليل على ذلك أنه لما جاء هذا الوفد خرجت وأغرت بهم اللائطين، وجاءوا فطوقوا البيت وحاولوا أن يدخلوا على الملائكة

    وظنوا أنهم بشر. والشاهد: أن امرأة لوط العجوز السوء مع الهالكين استثناها الله من آل بيته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين)

    قال تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [الحجر:60].

    قوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا [الحجر:60] قضينا وحكمنا بأن تكون مع الهالكين إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [الحجر:60] الباقين في العذاب والهلاك.

    من حكم بهذا الحكم؟ الله جل جلاله.

    كلام من هذا؟ كلام الله عز وجل.

    كيف يكفر بالله الكافرون؟ يا للعجب!

    لا أعجب من أن يكفر العبد بربه، يطعمه ويسقيه، أوجده من العدم، ورعاه وحفظه وكلأه وأصبح عبداً وينكر ربه؟ أعوذ بالله من هذا المخلوق!

    هل هناك شر من الكفار؟ ماذا تقولون؟ والله لا القردة ولا الخنازير ولا الكلاب ولا الحيات ولا السباع شر من الكفار أبداً!

    كيف يخلقك ويرزقك ولا تقول: ربي الله؟

    كيف يأمرك بما فيه هدايتك وصلاحك فتلوي رأسك وتعرض؟!

    أي مخلوق هذا؟ والله إنه لشر الخلق!

    وإن قلتم: أين الدليل على أن الكفار شر الخلق؟ فالجواب: الدليل هو قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] والبرية والبريئة: الخليقة، والبارئ الله الخالق، ولا بأس أن نقرأ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] للتخفيف، بإبدال الهمزة ياء، ثم إدغامها في الياء للتخفيف فقط، وهي قراءة سبعية، وإلا فالأصل أنها من برأ إذا خلق، والله البارئ، والمخلوق مبروء، والخليقة البريئة، بمعنى: مبروءة، أي: مخلوقة.

    إذاً: الكافر سواء كان كتابياً من اليهود والنصارى، أو مجوسياً أو مشركاً لا يعرف الله ولا يؤمن به شر الخليقة!

    إذاً: كيف نحبهم؟ كيف نرجو منهم الخير؟ كيف نأمنهم؟ كيف وكيف؟

    أسئلة لا حد لها، تستطيع أن تتوسد حية ومن الجائز أن لا تلدغك، ولكن لا تستطيع أن تخلو بكافر فيحتاج إليك ويتركك، والله ما يتركك، ما في قلبه شيء اسمه إيمان أو رحمة، فكيف يوثق به وهو شر الخلق.

    إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [الحجر:60] الماضين في الهالكين.

    ثم مشوا من عند إبراهيم بعد أن استضافهم خير ضيافة فقدم لهم الطعام، قدم لهم لحم عجل مشوي محنوذ فخرجوا من عنده وأعلموه أن مهمتهم في مدائن لوط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاء قوم لوط المرسلون... وأتيناك بالحق وإنا لصادقون)

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ [الحجر:61] المرسلون يرحمكم الله هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل.

    ماذا تعرفون عن جبريل؟

    جبريل -والله العظيم- لقد تجلى وظهر لرسول الله في مكة، في أجياد جنوب المسجد الحرام، فغطى الأفق كله بستمائة جناح، جبريل أخذ هذه المدن وقلبها رأساً على عقب.

    وماذا تعرفون عن إسرافيل؟

    هو ذاك الذي أعد لمهمة وهي أن ينفخ في صور -بوق- نفخة واحدة فتنقلب الأرض كلها وتتفتت:

    والشاهد عندنا: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ [الحجر:61] من هم آل لوط؟ لوط وبناته والمؤمنون الذين آمنوا معه، عددهم قليل محدود، وأما العجوز عجوز السوء فليست منهم.

    فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الحجر:61-62] دخلوا عليه فجأة في غرفة في بيته مع أهله فتعجب من أين جاءوا وكيف أتوا بل كيف نجوا من المجرمين: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الحجر:62] إنكم قوم منكرون عندي ما عرفتكم -لأنهم في صورة رجال بل شباب حسان- فمن أنتم إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الحجر:62]؟

    فأجابوه قائلين: بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [الحجر:63] جئناك بالأمر وهو وعيد كان يعدهم لوط به ويهددهم ألا وهو عذاب الله، وإهلاك الله لهم، هذا الذي كانوا فيه يشكون ويضحكون ويقولون: لن يصدق لوط ولن يتم عذابنا، والامتراء: هو الشك والعياذ بالله.

    قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [الحجر:63] من هم الذين كانوا يمترون في العذاب؟

    قوم لوط، وكان عليه السلام يخوفهم، يعدهم بالعذاب، يهددهم، فيضحكون ويشككون، ويقولون: لا يمكن هذا، هذا غير معقول، لا يوجد عذاب، وهكذا طول العام وهم مواصلون كفرهم وشركهم ولواطهم، والعياذ بالله تعالى!

    قال: قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ [الحجر:63-64] وجئناك بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الحجر:64]، جئناك بالحق، لمهمة ننهيها بأيدينا بإذن الله ربنا، وإنا لصادقون فيما نقول، وهي أن نهلك هذه الأمة رجالاً ونساءً وأطفالاً وحيوانات، أمة حضارية متعالية طاغية جاءوا لتدميرها والقضاء عليها.

    وقال تعالى في آية آخرى: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74] لأن المدن انقلبت وتحولت إلى بحيرة منتنة، والبحر موجود الآن يسمى البحر الميت

    ومن كانوا بعيدين عن المدن فالحجارة أهلكتهم.

    ما جريمة هؤلاء الذين يقتلون بهذه الصورة نساء ورجالاً وأطفالاً؟

    جريمتهم: الكفر والشرك وإتيان الفاحشة وإعلانها.

    لطيفة

    من لطائف العلم عندنا: أن نذكر دائماً أن العرب -ونحن والحمد لله منهم، من بنو هلال- ما كان يوجد في ديارهم هذه الفاحشة سواء نجد أو الحجاز أو اليمن، بل ما كان يوجد عندهم بغل، وتعرفون البغل وهو ما بين الحمار والفرس، يسمى بغل، والله يقول: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8] والحمد لله قد خلق الله ما لم نكن نعلم، فهذه الطائرات وهذه السفن وهذه القطر ما كانت موجودة، وأخبر تعالى أنه سيخلق، وقد فعل، فقولوا: الحمد لله، الحمد لله، وصدق الله وصدق رسوله.

    قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ [النحل:8] بصيغة المضارع المستقبل مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8] والله ما كانوا يعلمون سيارة ولا طيارة ولا قطاراً ولا ..ولا.. أبداً، وتم هذا! وعد فأنجز وهو العزيز الحكيم.

    إذاً: وأول بغلة دخلت الحجاز، بل المدينة بالذات البغلة دلدل، احفظوا اسمها، لأن نبيكم كان يسميها بالدلدل، إن كنتم تحبونه صلى الله عليه وسلم، وهذه البغلة أهداها سلطان مصر وملكها مع جارية تسمى مارية القبطية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم كتابه إلى المقوقس ملك مصر ما تنكر ولا غضب، بل اعترف بمكانة الرسول، فأهداه أمة جارية، وبغلة تدخل البلاد لأول مرة تسمى الدلدل.

    والسؤال: لم لا يوجد في ديار العرب بغل ولا بغلة؟!

    الجواب: لأنفتهم وارتفاع نفوسهم، لا يستطيعون أن يسمحوا للذكر أن ينزو على الذكر، والبغلة لا تتولد إلا من حمار ينزو فرساً فينتج البغل، فلما كانوا لا يقبلون أبداً أن ذكراً يعلو على ذكر بحال من الأحوال، ويأنفون أن يسلطوا الحمار على فرس، يموتون ولا يقبلون هذا لشهامتهم؛ فمن ثم لا يوجد في ديارهم بغل أبداً، حتى جاءت البغلة الدلدل.

    وهذا عبد الملك بن مروان يخطب يوم الجمعة في مسجد دمشق فأعلن وحلف بالله فقال: والله لولا أن الله أخبرنا عن قوم لوط ما كان يخطر ببالنا أبداً أن الذكر ينزو -أي: يعلو- على الذكر.

    حلف في الأمة ما كان يخطر ببالنا هذا أبداً، ولا نعقله!

    وأول حادثة وقعت في خلافة عمر في البحرين عجميين نزا أحدهما على الآخر، واحتار المسلمون في القضاء عليهم، كيف يحكمون عليهم؟

    فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: احكموا عليهم كما حكم الله على قوم لوط، أرسلوهم من أعلى الجبل إلى الأرض، فإذا وصلا إلى الأرض صبوا عليهما الحجارة.

    وبهذا أخذ الإمام الأعظم أبو حنيفة إلى اليوم، فالمذهب الحنفي على أن اللائطون هذا جزاؤهم، يرسلونهم من جبل عال إلى الأرض ثم يرجمونهم بالحجارة.

    و الشافعي قال: يقتلون فقط بأي صورة للقتل، والرسول الكريم يقول: ( اقتلوا الفاعل والمفعول به ) حتى لو كان حماراً وحيواناً يقتل، ولا يبقى، اقتلوا الفاعل والمفعول.

    وأخذ بعض الفقهاء بالتيسير فقالوا: إذا كان اللائط غير بالغ وغير مكلف صبياً فهذا لا يقتل، بل يجلد؛ لأنه غير محصن، أما المحصن فلا خلاف في قتله.

    قالوا: بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ [الحجر:63-64] يا لوط! بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الحجر:64].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل...)

    قال تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [الحجر:65].

    فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [الحجر:65] عجل، والسري والسرى: المشي في الليل، وهو مشروع ومحمود وخاصة آخر الليل، وكان الرسول يسري إذا كان مسافراً، فمشي آخر الليل مناسب لأمور:

    أولاً: لأن الإنسان قد نام واستراح.

    ثانياً: البرد والهواء والظلام وهكذا أحسن من المشي أول الليل.

    فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [الحجر:65] والمراد بأهله: بناته والمؤمنون معه.

    بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [الحجر:65] القطع والقطعة: الجزء من الليل، وبالطبع هذا يكون آخر الليل؛ لأن أمر الله بإهلاك قوم لوط تعين رسمياً أنه مع الصباح، مع طلوع الفجر مصبحين.

    إذاً: اخرج من المدينة بأهلك وأسر بالليل حتى لا يرونك أو يؤذونك أو يردونك، فالفرصة متاحة قبل الصباح، فإن إهلاكهم يكون مع طلوع الفجر.

    قال: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ [الحجر:65] هذا إرشاد رباني أخذ به الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأخذ به العارفون بالله، إذا كنت في قافلة من القوافل للجهاد أو للميرة أو للتجارة أو للحج وأنت الأمير فامش وراءهم وهم يمشون أمامك، حتى إذا عجز شخص فبقي أو تأخر أعنته، أو سقط شيء منه، أو ضاع أخذته وقدمته له، فلا تكون أنت الأمير أمامهم وهم وراءك.

    إذاً: إذا كنت من الأمراء امش وراء الأتباع، وهم أمامك.

    معنى قوله تعالى: (واتبع أدبارهم)

    قوله: وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ [الحجر:65] والأدبار: جمع دبر. أي: الوراء، وفي هذا فوائد أخرى، فلعل منهم من يرجع، أو لعل هناك من يأتي بعد هم فيزعجهم، فاجعلهم أمامك وامش أنت من خلفهم.

    وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [الحجر:65] يا هذه الأسرة المباركة! يا هذه الجماعة المؤمنة! امشوا آخر الليل، ولا يلتفت منكم أحد، لا بقلبه لأنه ترك ماله أو أولاده أو ترك شيئاً، فقلبه يحن ويريد أن يرجع، ولا ببصره، إذ قد يشاهد العذاب فيهلك.

    إذاً: امشوا هكذا ولا يلتفت أحد، لا بقلبه ولا برأسه، امشوا بسرعة؛ لأن الساعة دقت، فمع طلوع الفجر يأتي الهلاك والدمار.

    فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا [الحجر:65]، أي: امشوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [الحجر:65] من يأمرهم؟ الله عز وجل.

    بم أمرهم؟ أن يرتحلوا إلى الشام، جاء الأمر بالرحيل إلى الشام فوراً، حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [الحجر:65] من يأمرهم سوى الله جل جلاله وعظم سلطانه وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [الحجر:65].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين)

    قال تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر:66].

    وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر:66]، أي: أوحينا إليه. وقضينا: قدرنا وأوحينا إليه وهو بمعنى الإيحاء معدى بـ: (إلى) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر:66] ما هو هذا الأمر الذي قضي به إليه؟

    الجواب: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر:66] مع الصباح! دابرهم: آخرهم، هم ملايين أو مئات الألوف، آخرهم يهلك، لا يبقى أحد، إذا هلك دابر القوم الأولون فمن باب أولى لا يبقى أحد.

    وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر:66] أوحيناه إلى لوط عليه السلام، والقائم في هذا جبريل، ورب العالمين هو الآمر له أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ [الحجر:66] المجرمين مَقْطُوعٌ ما يبقى والله منهم أحد مُصْبِحِينَ [الحجر:66] أي: حال كونهم داخلين في الصباح والفجر.

    واستجاب الله وفعل، فما هي إلا تلك الصيحة والضجة والصرخة وإذا هم هالكون، وقلب الله البلاد عاليها على سافلها.

    هذا كلام من يرحمكم الله؟!

    إنه كلام الله، فكيف لا يؤمن اليهود والنصارى والمشركون بالله؟!

    وقد يقول قائل: يا شيخ! كيف لا يتقيه عز وجل المؤمنون به فهم يعصونه ويفجرون، ويرتكبون كبائر الذنوب والآثام، ويقتلون الأنفس ويسلبون الأموال، وينتهكون الأعراض وهم مؤمنون؟!

    فالجواب: والله ما آمنوا، والله ما آمنوا، والله ما آمنوا حق الإيمان، فمن آمن بالله يصبح لا يرى إلا الله، وجهه وقلبه مع الله، يستحي ولا يستطيع أن يقول كلمة سوء والله معه ينظر إليه، لكنهم ما آمنوا وإلا كيف يتم هذا؟!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المصنف غفر الله لنا وله: [ هداية الآيات]. معاشر المؤمنين! إليكم هداية الآيات، فكل آية لها هداية، والآية هي العلامة، أعطيك علامة تعرف بها بيت فلان أو فلان، امش في هذا الشارع إذا وجدت مكان كذا فتلك هي العلامة.

    إذاً: كل آية في القرآن الكريم علامة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    والله العظيم أن كل آية -والقرآن فيه ستة آلاف ومائتان وأربعون آية- كل آية إذا استخدمت عقلك ومنطقك وذوقك تدلك على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: التنديد بالإجرام وبيان عقوبة المجرمين ]. وأخذنا هذا من قول الله: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:32-34].

    [ ثانياً: لا قيمة للنسب ولا للمصاهرة ولا عبرة بالقرابة إذا فصل الكفر والإجرام بين الأنساب والأقرباء ] لا قيمة للمصاهرة، كونه أخا زوجتك وأنت أخو زوجته، ولا بمناسبة كونه أباك أو أخاك أو عمك أو من قبيلتك لا قيمة لهذا أبداً عند الله، وقد أخذنا هذا من قول الله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود:81].

    هل هناك أحب من زوجتك؟ كيف يأخذها الحاكم ويقتلها وتسعد أنت؟

    ومع هذا زوجة لوط هذه العجوز عجوز سوء أهلكها الله، وهي امرأة لوط! فأين المصاهرة؟ أين نفعها؟ أين أثرها؟ لا قيمة لها.

    وفوق ذلك والد إبراهيم آزر في الجحيم، ولده رسول الله وسيد المرسلين وأبوه في النار؟! كيف يتم هذا؟

    لأن العبرة ما هي بالنسب ولا بالمصاهرة، العبرة بالروح، أزكية طاهرة نقية أم خبيثة منتنة متعفنة؟

    هذا هو سر ذلك، وليس الأمر بالنسب ولا القرابة ولا المال، وإنما هل الروح طاهرة أم خبيثة؟

    يا عباد الله! طهروا أرواحكم، وإن قلتم: كيف نطهرها؟ فأقول لكم: أقيموا الصلاة وأكثروا من ذكر الله، وتجنبوا كبائر الذنوب والآثام تزكو نفوسكم وتطيب، لا أقل ولا أكثر.

    [ ثالثاً: مشروعية المشي بالليل لقطع المسافات البعيدة ] وهذا يستعمله الناس حتى الآن.

    [ رابعاً: مشروعية مشي المسئول وكبير القوم وراء الجيش والقافلة؛ لتفقد أحوالهم والاطلاع على من يتخلف منهم لأمر، وقد كان كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وأخذنا هذا من قوله تعالى: وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ [الحجر:65].

    [ خامساً: كراهية الإشفاق على الظلمة الهالكين ] يكره للمؤمن أن يشفق على الظالمين [ لقوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [الحجر:65] ]. أي: لا تشفقوا عليهم ولا ترحموهم.

    والله تعالى نسأل أن يجعلنا وإياكم من أصحاب الأرواح الزكية والنفوس الطاهرة النقية.