إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ها هو العدو الأول يعارض الملك جل جلاله في ملكوته الأعلى ليستحق لعنة الله فيكون شيطاناً رجيماً، إلا أنه ومع ذلك كله لا يزال عازماً على ممارسة برنامج الغواية، فهو يطلب بكل وقاحة الإنظار من الله عز وجل، ويستجيب الله له فينظره إلى وقت محدود وأجل معدود وذلك لحكمة أرادها سبحانه، ثم إن الشيطان يعلن في خطاب مغمور بالسخافة وقلة الأدب أنه سيغوي الخليقة كلها إلا من تجلبب منهم بجلباب الصلاح وتحصن بدرع الإخلاص، فبين الله عز وجل أن الطريق إليه واضح ومحفوظ، وأن أهل الصلاح لا سلطان له عليهم، أما أتباعه ممن أغواهم فجهنم مصيرهم في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فاخرج منها فإنك رجيم)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن ما زلنا مع آيات سورة الحجر.

    قال تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:34-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات قول ربنا جل ذكره: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:34] .

    من القائل؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    من المقول له؟ إبليس عدو المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين.

    لماذا قال له الرب فَاخْرُجْ مِنْهَا [الحجر:34]؟

    لأنه أبى أن يسجد لآدم تلك السجدة التي هي عبادة لله وتحية لآدم عليه السلام.

    السجدة هذه من أمر بها؟ الله. من سجدها أطاع الله، فهي عبادة لله، وآدم ما فاز به إلا للتحية والشرف، ولما رفض العدو أن يسجد لآدم وعليه فقد رفض أن يسجد لله ولكن كما علمتم تعلل بأن آدم خلق من طين وأنه خلق من نار فكيف يسجد لمخلوق دونه؟

    وبينا لكم أن هذا القياس فاسد، لأن النار لا تنتج إلا اللهب والحرارة والاحتراق، والطين ينتج البر والشعير.. وقل ما شئت من أنواع الأطعمة تنبت بالطين، فالطين أفضل، وإبليس أخطأ في تصوره وقاس قياساً باطلاً، وحمله على ذلك أمران: الحسد، والكبر، وبينا للصالحين والصالحات أننا يجب أن نعيش ولا نحسد أحداً أبداً، ولا نتكبر في حال من الأحوال أبداً، ننتزع من قلوبنا هذا المرض، فالكبر يمنع صاحبه من أن يعبد الله، ومن أن يذكر الله، والحسد -والعياذ بالله تعالى- يحمل صاحبه على تمني زوال النعمة من فلان لفلان، فهو يعترض على الله فيما أعطى هذا، والمعترض على الله شر الخلق.

    الله وهب فلاناً علمه أو ماله أو شرفه وأنت تحسده وتتمنى أن يزول ذلك عنه؟! من أعطاه؟ أليس الله؟ بلى.

    إذاً: فكيف تحسده؟ معنى هذا: أنك تعترض على الله، وليس من حقك أن تعترض، بل هذا من أكبر الذنوب والآثام.

    العدو حسد آدم حيث سجد له الملائكة وتكبر فقال: كيف يسجد من خلق من نار لمن هو من صلصال من فخار من حمأ مسنون؟! وهنا أخرجه الله تعالى بقوله: فَاخْرُجْ مِنْهَا [الحجر:34]، أي: من الجنة دار السلام.

    أين الجنة دار السلام؟ على أرضنا هذه؟ لا. فوق سبع سماوات، ولا تلتفتوا إلى من يهرف بما لا يعرف ويقول الباطل، والله لفوقنا سبع سماوات وما بين السماء والسماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، ولا تعجب.

    نحن نشاهد الشمس -كوكب أمامنا عند الغروب ينطفئ- وهي أكبر من الأرض بمليون ونصف المليون مرة.

    فهل بقي عجب بعد هذا؟

    سبع سماوات ما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق ذلك الجنة دار السلام، الجنة دار الأبرار، دار المتقين، والله لا يدخلها إلا من شاء الله أن يدخلها.

    هذه الجنة وصفت لنا بأوصاف عجيبة في القرآن الكريم، لو كنا نتدارسها لاطلعنا على عجائب النعيم الذي في الجنة دار السلام، هذه الجنة ارتادها سيد الأنبياء وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أسري به من دار أم هانئ بجوار المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات العلى.

    كان عند عمته فجاء جبريل ومن معه وأخرجوه من تلك الدار إلى زمزم -وبئر زمزم موجود إلى الآن- وشق صدره، وأجريت له عملية جراحة صدر قبل أن تعرفها البشرية، وغسل قلبه وحشي بالحكمة والإيمان حتى يقوى على أن يعايش أهل الملكوت الأعلى، ومن ثم أسري به إلى بيت المقدس وربط البراق في حلقة الباب، وجمع الله له الأنبياء فصلى بهم إماماً، ثم عرج به سماء بعد سماء إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى، وارتفع إلى مستوى وقف جبريل دونه، فقال: ما أذن لي أن أتقدم، حتى جلس بين يدي الله وناجاه ربه وكلمه كفاحاً وجهاً لوجهاً، يرى الكلام والنور، ولكن لا يرى ذاك الرب؛ لعجزه عن رؤية الله في الدنيا، وقد طلبها موسى وما استطاع، فأبصارنا ليست بأهل لذلك، ثم فرض الله عليه الصلوات الخمس، وكان هذا في السنة العاشرة من البعثة النبوية، فرضت الصلوات الخمس، فقولوا الحمد لله، حفظها الله لنا ألف وأربعمائة سنة، ونحن إن شاء الله من المقيمين للصلاة.

    نعود إلى الآية الكريمة، قال تعالى: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:34]. ومعنى رجيم: مرجوم، والمرجوم بالحجارة هو المعلون المطرود.

    أي: اخرج منها فإنك مرجوم مطرود ومحروم -والعياذ بالله- وملعون: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:34].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر:35] أي: إلى يوم القيامة، لا ترفع عنك لعنة الله ولعنة الملائكة والمؤمنين إلى يوم القيامة.

    وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ [الحجر:35] وهي: الطرد والبعد من كل خير وكمال إلى يوم القيامة الذي هو يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    لم سمي يوم القيامة بيوم الدين؟ وما هو الدين؟ أليس الجزاء؟ دان يدين له بكذا جزاه، الجزاء على صيامنا وجهادنا ورباطنا نتلقاه يوم القيامة.

    وقد قررنا هذه الحقيقة وكررناها: لو سئلت عن سر هذه الحياة لقلت: العمل. خلقنا للعمل فقط، وأما الجزاء فهناك في الدار الآخرة.

    هناك داران: دار أولى وهي هذه الحياة الدنيا، وهي دار العمل. ودار ثانية: هي دار يوم القيامة، دار جزاء، ولكن من شؤم المعاصي أن صاحبها يعاني المشقة في هذه الدنيا وآلاماً وأتعاباً، ومن بركة الحسنات أن صاحبها يعيش في أمن ويمن وسعادة، أما الجزاء فوالله ليس هنا، بل الجزاء في يوم القيامة، وها هو تعالى يقول لعدوه: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر:35] ألا وهو يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون)

    وقوله تعالى: قَالَ رَبِّ [الحجر:36] أي: إبليس يقول: يا رب فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36].

    من القائل هذا؟ هذا إبليس يتكلم مع الله: رَبِّ . أي: يا رب، وما قال: يا رب؛ لأن الله معه، ونحن في الدنيا لسنا بعيدين عن الله، فنقول: ربنا اغفر لنا وارحمنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة.. لأننا بين يديه يسمعنا ويرانا ويقدر على الجزاء، أما الياء فتكون للمنادى البعيد، تقول: يا فلان! ليسمع.

    رَبِّ فَأَنْظِرْنِي [الحجر:36] أي: أمهلني ولا تحكم علي بالموت إلى يوم القيامة.

    لماذا يطلب هذا الطلب؟

    الجواب: حتى يواصل فجوره وباطله وأذيته للبشرية، لا يشفى صدره إلا إذا قامت القيامة عليه حتى لا يتوبون في يوم من الأيام.

    إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36]، يوم يبعثهم الله من القبور.. من الأجداث إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36]. طلب العدو هذا ليستمر على إفساد بني آدم إلى يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم)

    يقول تعالى رداً على إبليس وجواباً على طلبه: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الحجر:37] ولكن إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:38].

    فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الحجر:37] استجاب الله له لحكمة؛ ليواصل جرائمه إلى يوم الوقت المعلوم، وهو النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل فتهلك البشرية كلها، ثم يموت مع البشرية.

    عدو الله طلب أن لا يموت ويبقى حياً إلى يوم القيامة، فقال الله له: لا، لابد وأن تموت يوم ينفخ إسرافيل نفخة الفناء، فالبشرية كلها تسقط، ثم هو هالك معهم.

    إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:38] عند الله المعروف، ونحن عندنا ليس بمعلوم، ولكن عرفنا أننا نقترب منه، والله إننا لقريبون منه، وقد تقدم معنا ما حدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم به عما بقي من عمر الحياة الدنيا، والشمس أمامهم تغرب، ما بقي إلا مقدار أصبعين أو ثلاثة، فقال: (هذه حياتكم الآن). نحن قريبون من الدار الآخرة قرب الشمس من الغروب، وهي عبارة عن شبر أو أصابع، وكيف والإعلان الإلهي سبق: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] وهذه أعظم آية.

    إذاً: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:37-38] فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ...)

    ثم قال تعالى حاكياً قول العدو: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39].

    هل يصح يا راضي ويا عدنان أن تقول: هذه الباء باء القسم، كما أقسم في سورة (ص) فقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]؟

    الجواب: لا. فحرف القسم هنا هو اللام، قال: بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [الحجر:39]، فاللام لام القسم، ويصح -كما فسرناه وهو المشهور- أن يكون الباء سببية، رب بسبب إغوائك لي أن أفعل معهم كذا وكذا، فالباء للسبب قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:39] أي: بسبب إغوائك لي.

    أغواه الله: أفسده، وانمسح الخير منه تماماً، لعنه، والغاوون هم المفسدون الذين فسدت قلوبهم وطباعهم وأخلاقهم وأصبحوا شر الخلق، والإغواء هو الإفساد، والغاوي فاسد.

    قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39]، ما أترك واحداً غير كافر، هذا عدوكم يقولها بصراحة وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39]، أي: لأفسدن قلوبهم فتنطمس أنوار الإيمان منها، وتصبح كقلوب البهائم همها النكاح والأكل والشرب كما تشاهدون الكفار اليوم.

    واستجاب الله لإبليس لحكمة، ومن هنا قال العلماء: من الجائز أن يستجيب الله لكافر، أو فاسق، فلهذا أكثروا من الدعاء فقط؛ لحكمة أن يستجيب الله لهم، وإن كان الله عز وجل يستجيب للمؤمنين الصالحين، أما الفاسقين والفاجرين والمشركين فلا يستجيب لهم، لكن لحكمة قد يستجيب كما استجاب لإبليس؛ لأمر يريده هو سبحانه.

    قوله: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [الحجر:39]، يزين لهم ماذا؟ البطاطس والبقلاوة والتمر والحلاوة؟ قولوا ما شئتم، فقد عرفنا من هذه الكلمة الإلهية التي نزلت في كتاب الله أنه لا يوجد أبداً أخبث ولا أنتن ولا أكثر عفونة من أن ينزو الذكر على الذكر، ومع هذا تجد أندية مخصصة للواط في أوروبا.

    لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [الحجر:39] اللواط، ولا أفحش منه أعوذ بالله من منظره وفعله، ومع هذا زينه للكافرين والهابطين، وبلغنا أن أندية اللواط في العالم، وقبل ذلك قوم لوط عليه السلام فدمرهم الله عن آخرهم، وأرسل عليهم حجارة من طين مسومة؛ لأنهم ارتكبوا هذه الجريمة، وحملهم عليها إبليس.

    ويقول العلماء العارفون: لما أراد أن يزين هذا لقوم لوط كان يأتي هو في صورة كذا، ويقول له: افعل كذا، أمامهم في النادي حتى فعلوها!

    والخمر التي تذهب عقل الإنسان ومروءته، وقد يقول السكران الكفر، وقد يفعل الفاحشة، وقد يقتل، هذه الخمر لولا أنه زينها للناس يشربونها والله ما كانت تشرب، فهي منتنة عفنة، ولكن زينها حتى تذهب العقول وتفسد القلوب ويرتكبون المحرمات و.. و.. وقل ما شئت.

    والغيبة والنميمة من يزينهما؟ إنه عدو الله إبليس. هل فيهما خير؟ لا والله.

    وهكذا والكفر بأنواعه من زينه؟ إنه هو، لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39] اللهم إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40] اللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم.

    المخلصين باسم المفعول: الذين استخلصهم الله لعبادته، وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلين والصالحين من هذه الأمة ومن غيرها، فهؤلاء عصمهم الله، فهم محفوظون بحفظ الله.

    وهنا لطيفة: كنت في بيروت مسافراً إلى شمال إفريقيا، فجئت لأركب المصعد فركبت معي عاهرة، وأرادت أن تبقى وأبقى معها في المصعد، فضغطت على الزر فخرجت أنا وتركتها، ونجاني الله من أن أجلس معها عشر دقائق أو خمس دقائق. والشاهد عندنا: أن الله يحفظ أولياءه، وهذه آية من آياته.

    قوله: الْمُخْلَصِينَ أي: الذين استخلصهم الله له، ليعبدوه لا ليعبدوا الشيطان والهوى.

    إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40] وهم الذين يعملون الصالحات ولا يريدون أن يثني عليهم أحد بخير أبداً، فالمخلص هو الذي يعمل الخير ولا يود أن يمدح عليه أو يذكر به، هذا هو المخلص، حيث لا يريد إلا الله فقط، إذ قلبه لله، فهو لا يريد بعمله إلا الله عز وجل، فلا يبالي بالناس ذموا أو مدحوا، هذا هو المخلص، والمخلص -باسم المفعول- الذي حفظه الله واستخلصه لعبادته ولم يسمح للشيطان أن يلعب به أو يعبث بعقله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هذا صراط علي مستقيم)

    ثم قال تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر:41]، هذا صراط إلي مستقيم وأنا حافظه إلى يوم الدين، أحفظه عليكم حتى لا يضيع.

    ومن هنا انظر إلى الخبط والخلط والضلال في العالم، وتجد مع ذلك مؤمنين صادقين عارفين إلى يوم الدين كما قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة منصورة لا يضرها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون )؛ لتقوم الحجة لله بهم، فلو انتهت تلك الفئة لقالوا: ما عرفناك، من دعانا إليك؟ ما عرفنا أحداً. وهذا هو السر في بعثة الرسل عامة، فلم يبعث الله الرسل والأنبياء إلا لهذا الغرض.

    إذاً: هذه الأمة المباركة مهما كثر الخبث والفساد وعبث بها اليهود والنصارى والمشركون، تبقى فيها بقية إلى يوم القيامة.

    قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر:41]، الصراط الموصل إلى الله عز وجل هو: الإسلام بعقائده وعباداته وآدابه وأخلاقه، طريق: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، ألا وهو الصراط الموصل إلى باب الجنة، فالعبد الصالح ما إن تخرج روحه إلا وهو في دار السلام، من حفظه؟ ربه تعالى.

    قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر:41]، والصراط المستقيم هو القائم على أمرين:

    أولاً: العقيدة الربانية؛ عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم التكاليف البدنية؛ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الفقراء والمساكين.

    ثانياً: تجنب الشرك -والعياذ بالله- وسائر المعاصي والذنوب.

    وأنت ماشٍ في وسط هذا الطريق، عبادات تقوم بها، ومحرمات تتجنبها، فامش في طريقك إلى الجنة، فهذا صراط الله المستقيم، وقرئ: (هذا صراط إلي مستقيم)، وقد قلت لكم، صراط إلى الله مستقيم، على الله أن يحفظه حتى النهاية، ما يغيب الإسلام أبداً عن أهله، والأمم السابقة كلها كان يبقى منهم مؤمنون حتى يبعث النبي والرسول، تعهد الله بهذا، لا ينمحي الإسلام أبداً إلى قيام الساعة، فالطريق يبقى واضح للسالك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)

    ثم قال تعالى لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42].

    إن عبادي الذين استخلصتهم لنفسي ليعبدوني ويطيعوني وأحبهم ويحبوني وأكرمهم ويأتون إلي يوم القيامة؛ هؤلاء عبادي ليس لك عليهم سلطان، ليس عندك قدرة على إفسادهم أبداً. وأنتم تشاهدون: يزين لك الشيطان زينة باطلة فتعرض عنه وتلعنه فلا يتمكن منك أبداً.

    لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42] ليس لك عليهم قدرة.

    هل يستطيع إبليس بالقوة أن يرميك على الزنا أو على شرب الخمر، أو على عقوق الوالدين، أو على السرقة أو الكذب؟ والله ما يقدر، فكل ما يملك أنه يزين الباطل ويحسنه.. كل ما يملك أنه يوسوس في الصدر ويغريك بوسواسه، أما أن له قدرة عليك فلا يملك هذه القدرة أبداً.

    من أخبر بهذا؟ الله جل جلاله إذ قال: إِنَّ عِبَادِي المستخلصين الخالصين الذين أحفظهم لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42] أي: قوة ولا قدرة على أن تكفرهم أو تفسقهم أو تضلهم بحال من الأحوال.

    لا يستطيع، فدعوته التزيين والتحسين للقبائح، أما المحاسن فلا يزينها بل ينفر منها، مثلاً: الزواج، تزوج يا عبد الله تنجب ولد أو بنتاً يعبدان الله وتثاب على ذلك، يقول لك: ليس هناك حاجة! فيسخر له الزنا ويدعوه إليه ويمنعه عن الزواج ويقبحه له، فيقول: تتحمل نفقات، وتتحمل كذا وكذا، اقض حاجتك من العواهر. والعياذ بالله.

    إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42] اللهم إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] الذين فسدوا، فسدت قلوبهم وعقولهم وأفكارهم وحياتهم، هؤلاء يسوقهم كالبقر إلى المجازر، لا سلطان لهم إلا سلطانه.

    بمعنى: إذا العبد مشى وراء الشيطان واسودت نفسه وأظلم قلبه وعمي وضل أصبح مسخراً للشيطان، يستطيع أن يقوده حيث شاء، من مخمرة إلى مزناة.. إلى ريبة.. إلى باطل.. إلى شرك، هذه هي الحقيقة: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42] اللهم إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42].

    أما إذا اتبعه أحد من المهتدين فإنه يفيق ويستغفر الله ويرجع إلى الله، لكن الذين غووا وفسدوا له سلطان عليهم يقودهم حيث شاء بالتزيين والتحسين.

    إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ من الغاوين، وقد يحدث للمرء أن يعصي الله مرة في عمره، لكن بمجرد ما يشعر بأنه عصى وفسق يتوب إلى الله وتعود طهارة روحه وزكاة نفسه كما كانت، فلا يمشي وراء الشيطان، لكن إذا توالت الذنوب صعب عليه ذلك، والرسول الكريم بين لنا ذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: ( إذا أذنب العبد ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء )، إذا أذنب العبد ذنباً صغيراً أو كبيراً نكتت نكتة سوداء على قلبه (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله عز وجل: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] )، صاحبه هلك ما عاد يقبل التوبة، والتوبة تقبل لما تكون الخطيئة في اليوم في العام في كذا، وتستغفر بعدها ويزول أثرها، لكن إذا توالت الذنوب، فلان معروف بالكذب، بالخيانة، بشرب الخمر بالزنا كذا.. لا يكاد يرجع، انتهى، ما بقي مجال؛ لأنه أصبح من عباد إبليس وعبدته: إلا من اتبعك ومشى وراءك فيما تقول له من الغاوين لا من المستقيمين.

    ومعنى هذا: أن العبد ليس معصوماً دائماً وأبداً، فقد تزل قدمه فيقول كلمة أو ينظر نظرة، أو يرتكب معصية، ولكن بإيمانه على الفور يستغفر الله ويبكي ويتوب فينمحي ذلك الأثر.

    أما من واصل الجرائم والموبقات واسود قلبه وعفنت نفسه وتلطخت فذلكم الران، فحينئذ لا يستجيب أبداً للدعوة، تقول له: صل! فيضحك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين)

    ثم قال تعالى في وعده الشديد: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:43]، جهنم عالم الشقاء، ومن أراد أن يفكر فيه فلينظر إلى الشمس ذات المليون ونصف المليون مرة، لو جمعت البشرية كلها فيها ما سدت زاوية منها، عالم اسمه جهنم، وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجنة طبقات ولها ثمانية أبواب، وأن النار دركات لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ [الحجر:44].

    وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ [الحجر:43] موعد الغاوين أجمعين سواء كانوا أشرافاً أو ضعفاء، كيفما كانت حالهم، بيض أو سود، فالغاوي غاوٍ.

    وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ [الحجر:43]. الموعد معروف واللقاء هناك، يلتقون في جهنم وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:43].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم)

    ثم قال تعالى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]، كل باب له جزء من البشرية، والشياطين والجن؛ لأننا قد علمنا أن عالم الملائكة كله عالم طهر وصفاء في الجنة، وعالم الجن منهم الصالحون وهم أهل الجنة، ومنهم الفاجرون الغاوون وهم أهل النار، وعالم الإنس كذلك منهم المؤمنون المتقون أهل الجنة، ومنهم الغاوون الضالون المشركون أهل النار.

    لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]، أصحاب الربا لهم باب، أصحاب اللواط لهم باب.. وكذا، هو يعلم هذا.

    لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]، أي: نصيب معين، وطبقاتها هي: جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية. وأبو جهل في الجحيم، وكل دركة أقبح من التي فوقها.

    والجنة أبوابها ثمانية يدخلونها والنار يهبطون دركات سفلى عالم تحت عالم، كل دركة لها باب وتسمى باسمه،وأولها: جهنم.

    ثانياً: لظى: كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى [المعارج:15-18].

    ثالثاً: الحطمة التي تحطم وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:5-8].

    رابعاً: السعير الملتهبة إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

    خامساً: سقر والعياذ بالله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:27-30].

    سادساً: الجحيم، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]وهي دار أبي جهل أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في الجحيم.

    سابعاً: الهاوية، قال تعالى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:9-11].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.