إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أعظم أن يدرك العبد أن كل ما في الكون يدل دلالة ظاهرة على عظمة الخالق جل في علاه، فهي مظاهر لقدرته وآثار لرحمته، ومن أظهرها ما بيَّنه الله في هذا السياق، من بسطه سبحانه للأرض، وتثبيته لها بالجبال الراسية، وإنبات النبات موزون الثمار، وجعله سبحانه الأرض محلاً لأرزاق الناس ومواشيهم وعبيدهم، فهذه كلها بيد الله يصرفها بين عباده كيف شاء، بمقادير معلومة، وأوقات محددة محسومة، وكذلك خزائن الماء وكيفية إنزاله، كلها مظاهر تدل على عظيم قدرة الله، وأن أمور العباد إليه فهو المحيي والمميت وإليه المرجع يوم الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والأرض ممدناها وألقينا فيها رواسي...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن ما زلنا مع آيات سورة الحجر.

    قال تعالى: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الحجر:19-25].

    تقرير الآية للتوحيد

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا الحديث وهذا الكلام، من صاحبه؟ من تكلم به؟

    لا جواب إلا أن نقول: الله. فقط. إذاً: الله موجود حي قيوم، وهذا كلامه وحواره سبحانه وكتابه.

    على من نزل هذا الكلام؟ على محمد بن عبد الله. إذاً: إنه والله لرسول الله، فمحمد رسول الله، وهذا الكلام كله يقرر المبادئ الثلاثة: لا إله إلا الله، والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان باليوم الآخر.

    وبالأمس قلت: والله الذي لا إله غيره لو يجتمع عقلاء البشرية على اختلاف علومهم وفهومهم وما هم عليه لن يستطيعوا أن ينقضوا هذه الجملة وأن يبطلوها لا بإبطالها بالكلية بأن يقولوا: (لا إله)، ولا بأن يثبتوا أن هناك إلهاً مع الله.

    لا إله في الأكوان يستحق أن يعبد إلا الله، فلا تنقض بكون الله غير موجود، وهذا كلام الهابطين العميان اللاصقين بالأرض، شر الخليقة، وما قالت البشرية بهذا في عصورها ودهورها أبداً إلا يوم ظهرت الشيوعية الحمراء التي أنشأتها الماسونية اليهودية.

    ومن ينفي وجود الله وهو موجود؟ من أوجدك أنت؟ فلم يبق إلا أن تقول: الله. أو تقول أمي؟ وأمك من أوجدها؟!

    (لا إله) أي: لا معبود بحق يستحق أن يعبد في الكون (إلا الله)، فلا ينفى، ولا يثبت مع إله آخر لا عيسى ولا مريم ولا فلان ولا فلان.

    معنى قوله تعالى: (والأرض مددناها)

    قال تعالى: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [الحجر:19] هذه آياته، هذه قدراته، هذه علومه، هذه رحمته، هذه حكمته.

    من القائل: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [الحجر:19]؟ الله.

    من يدعي أنه بسط ولو ألف كيلو متر من الأرض؟ لا أحد.

    الأرض من الشرق إلى الغرب من بسطها بسطاً للسير عليها والبناء فوقها والحياة عليها؟ آباؤنا أم أمهاتنا؟!

    إنه الله جلت قدرته.

    وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [الحجر:19] كالبساط لتستطيع البشرية أن تعيش عليها، وهنا لا حاجة إلى أن نقول: الأرض كروية أو مكورة، هذا كله يلهينا عن شكر الله ونعمته.

    الواقع أن الأرض مبسوطة ومن قال أنها غير مبسوطة فهو أحمق مجنون لا قيمة لكلامه، الأرض مبسوطة كالبساط.. كالفراش من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بسطها الله للعيش عليها والحياة فيها.

    وهؤلاء يريدون أن يبعدوا الناس عن الذكر والشكر بمسألة هل الأرض مكورة أم لا، حتى لا يشكروا الله عز وجل ولا يذكروه.

    والخالق جل جلاله وعظم سلطانه خالق الأرض يخبر ويمتن علينا ويقول: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [الحجر:19] أي: بسطناها.

    ومن قال: ليست بمبسوطة فقد كفر والعياذ بالله، هذه حماقة وجهل، والله يذكرنا بهذا لنحمده ونشكره، فالحمد لله لو كانت الأرض كلها جبالاً ومنعطفات فكيف سنعيش؟! لكنه سبحانه بسطها بساط الفراش على الأرض لنعيش عليها ونسير.

    معنى قوله تعالى: (وألقينا فيها رواسي)

    قوله: وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [الحجر:19] الجبال من ألقاها على الأرض؟ من أوجدها؟ بنو فلان أم بنو فلان أم الدولة الفلانية؟!

    من أوجد هذه الجبال؟ وما السر وما الحكمة فيها؟

    حتى لا تميد بكم وتضطرب، ولو كانت تضطرب يومياً فإنكم لا تعيشون عليها، لكنه ثبتها بهذه الدعائم والقواعد والركائز التي هي الجبال، قال تعالى: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات:32].

    من يتكلم مع الله في هذا؟ لا أحد، فهو وحده سبحانه وتعالى يخبر بالواقع.

    معنى قوله تعالى: (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون )

    قوله: وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر:19] أنبت في الأرض ما أنبت من هذه النعم.. الخضروات والفواكه، كل ذلك وهي بمقادير موزونة، ما فيها أبداً زيادة ولا نقص، كما وزنها الله تكون، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27] كما أن الجبال فيها ما شاء الله من الذهب والفضة والحديد والنحاس.. موجودة في الجبال لا توزن لكنها موزونة عند الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)

    ثم يقول تعالى في بيان قدرته وحكمته وألوهيته وربوبيته ورحمته بخلقه يقول ممتناً: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [الحجر:20] أنتم جعلنا لكم معايش من الحبوب والثمار باختلاف أنواعهما ومن لم ترزقوه أنتم كالأطفال والإيماء والعبيد والبهائم على اختلافها، كل ذلك جعل الله له الرزق ورزقه.

    الطفل يستطيع يرزق نفسه؟ لا يستطيع.

    والعبد والأمة كذلك لا يملكان شيئاً.

    أيضاً: البهائم على اختلاف أنواعها من إبل وبقر وغنم من رزقها؟ الله.

    وَجَعَلْنَا [الحجر:20] نحن أي: رب العزة لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الحجر:20] جمع معيشة وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [الحجر:20] كذلك جعلنا لهم معيشتهم يعيشوا عليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه...)

    ثم يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:21] ما من شيء قل أو كثر من ذهب أو فضة أو ماء أو .. كل شيء خزائنه عند الله ينزله كما يشاء وبالمقدار الذي يشاء، فلم يبق من نفزع إليه ونسأله أو نطرح بين يديه إلا هو، فلهذا من يسأل غير الله جن وفسد عقله، إذ لا يملك العطاء إلا الله الذي بيده خزائن السماوات والأرض فلنجمع قلوبنا على أن لا نسأل إلا الله.

    وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:21]، عند الله وليس عند فلان أو فلان حتى تدعوهم من دون الله، بل الله اسأله يعطيك ويغنيك، ولا تدع إلا الله فقط.

    وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ [الحجر:21] كائناً ما كان، وكيفما كان نوعه ولونه في الحياة بكاملها إلا وخزائنه عند الله عز وجل، هو الذي يبسطها ويزرق العباد بها، لا اللات ولا العزى ولا عبد القادر ولا عيسى ولا مريم ولا فلان أو فلان ولكنه الله، فلا إله إلا الله.

    وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21] الماء من السماء والله موزون، ما ينزل المطر إلا بكمية معلومة عند الله، وأنواع الأطعمة وأنواع الأشربة موزونة بمقادير، ليس فيها أي فوضى أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ...)

    ثم يقول مخبراً عن جلاله وكماله ووجوب عبادته: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:22].

    من يرسل الرياح؟ هل هي أمريكا أم الصين؟ من يحرك الرياح هذه؟

    إنه الله جل جلاله.

    كيف تتكون هذه السحاب وتتحمل المياه؟

    وكيف تتبخر وكيف وكيف؟

    من يفعل هذا غير الله؟ إذاً: والله لا يعبد بحق إلا الله.

    قوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:22] تنقل اللقاح من شجرة إلى شجرة، وتلقح السحب حتى تحمل المطر، ولولا الرياح ما كان السحاب يحمل مطراً، والرياح على اختلافها من جنوب وشمال هي التي تلقح السحب.

    قوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:22] من فوائد الريح أنها تنقل اللقاح من ذكر الشجرة إلى أنثاها فتلقحها.

    وهنا لطيفة فقهية: لا يجوز بيع اللقاح.

    إنسان عنده جمل أو تيس أو كبش لا يقول: نبيعك لقاحه حتى يلقح غنمك أو إبلك. ممنوع هذا.

    وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا [الحجر:22] من الذي أنزل؟ الله بما شاء وكيفما شاء من الأسباب.

    فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ [الحجر:22] قولوا الحمد لله، الحمد لله، من أسقانا الماء؟ الله جل جلاله، هو خالقه ومنزله، وهو الذي هدانا إلى معرفته وإلى شربه، ولولا الله ما عرفنا أبداً أنه ينفعنا، فهو سبحانه الذي علمنا وأسقانا من آدم إلى آخر إنسان في الكون.

    وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22] ما كان بخزائنكم وأرسلتموه، بل كان مخزوناً عند الله عز وجل وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [الحجر:23] هذا خبر عظيم، (وإنا) أي: رب العزة والجلال والكمال، الله لَنَحْنُ نُحْيِي [الحجر:23] من أردنا إحياءه ونميت من أردنا موته وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [الحجر:23].

    من أوجد آدم وأحياه؟ الله.

    من أمات آدم وأفناه؟ الله.

    تلك الأجيال وتلك الأمم كلها من أحياها وأماتها؟

    الله هو الذي يحي ويميت وهو الوارث للخلق كلهم.

    البشرية كلها، أجيال ماتت فمن أوجدها؟ ومن أماتها؟ إنه الله.

    ونحن الآن وارثون لمن سبق وسنورث أيضاً، بعد أيام نموت ونورث فمن الوارث لنا؟ هو الله عز وجل.

    لا إله أبداً مع الله، والله لا وجود له، ولو كان هناك إله مع الله لذكره تعالى.

    وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ [الحجر:23] لو تجتمع البشرية كلها على إحياء شيء والله ما استطاعت!

    لو تجتمع البشرية كلها على إماتت شيء والله ما استطاعت أبداً؛ إذ الحياة والموت بيد الله، فهو الذي يحيي ويميت.

    لو تجتمع مصانع العالم لإيجاد جثة من حديد أو نحاس أو من ذهب أو من حليب ولبن لا يستطيعون أن ينفخوا فيها الروح وتحيا، مستحيل.

    إذا لم يرد الله أن يموت الشخص لأن أجله ما زال، فإنهم والله لا يقتلونه ولا يسخرون لقتله ولا يأتون إليه حتى يموت بأجله.

    ومريض يعالج في السماء وفي الأرض إذا تم أجله لابد وأن يموت، وإذا ما تم أجله والله لا يموت.

    لمن الحياة والموت؟ لله، هو الذي يحيي ويميت.

    إذاً: ما بقي من نناديه أعطني كذا وكذا إلا الله، حقاً لا إله إلا الله!

    وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ [الحجر:23] إلى يوم القيامة جيلاً بعد جيل ونحن الوارثون للبشرية كلها والخليقة أجمع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)

    يقول جل جلاله: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر:24] هذه الجملة شاملة لخيرات وبركات:

    أولاً: علم الله لمن تقدم منا وحيي ثم مات، وعلمه المستأخرين.

    من آدم إلى يوم القيامة أجيال ماتت وأجيال حية علمها الله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر:24].

    وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر:24] في صفوف الجهاد والمستأخرين في الوراء!

    وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر:24] في فعل البر والخير والمستأخرين في فعل الباطل والشر.

    وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر:24] في صفوف الصلاة والمستأخرين فيها!

    تشمل الآية هذه المعاني كلها، فحياتنا كلها بين يدي الله وهو خالقها وموجدها ويعلم ما ظهر منها وما بطن.

    ومعنى هذا: أنه يجب أن نخاف الله وأن نستحي منه، وأن ترتعد فرائصنا وتوجل قلوبنا عند ذكره إذا كنا ملازمين لمعصيته!

    وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر:24] الذين صدقوا، والمستأخرين إلى يوم القيامة!

    المستقدمين في صفوف الجهاد والمستأخرين.

    المستقدمين في صفوف الصلاة والمستأخرين عنها!

    المستقدمين في فعل الخيرات والبر والمعرضين عنها! والفاعلين للباطل والشر، كل هؤلاء علمهم الله عز وجل وسوف يجازيهم الجزاء الأوفى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم)

    ثم يقول: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ [الحجر:25] يا رسولنا ويا أيها المؤمنون وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ [الحجر:25] أي: يحشر هذه الأجيال وهذه الأمم من آدم إلى آخرهم، جيلاً بعد جيل، يميت ويحيي، هذا متقدم وهذا متأخر ثم تنتهي حياتهم، فيحشرهم جميعاً في صعيد واحد للسؤال والجواب والجزاء.

    وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ [الحجر:25] لا سواه ولا غيره يحشرهم ويجمعهم هذا الجمع إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الحجر:25] الحكيم يضع كل شيء في موضعه، والعليم كذلك.

    وقد علمنا مما سبق: أن علة هذا الوجود: أن يعبد الله عز وجل، فالحياة الدنيا سرها وعلة وجودها من أجل أن يعبد الله فيها، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    وفي الحديث القدسي: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك وخلقت من أجلي )، أي: لتعبدني.

    والحياة الآخرة لماذا خلقها الله وأوجدها؟

    هل خلقها ليعبد فيها؟

    الجواب: من أجل أن ينعم على العابدين في هذه الدنيا ويعذب المعرضين في هذه الدنيا، فهذه الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء والله العظيم، قال تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]. وقال: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105].

    وإن ربك هو جل جلاله وعظم سلطانه يحشرهم في صعيد واحد على أرض بيضاء نقية لأجل السؤال والجواب والميزان، ثم بعد ذلك الجزاء إما بالنعيم المقيم في دار السلام الجنة دار الأبرار، وإما في دار البوار النار وجهنم وبئس المصير، وتنتهي هذه الحياة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المؤمنين! أقرأ عليكم شرح الآيات من الكتاب: قال المؤلف عفر الله لنا وله: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ] ذبابة فقط بعوضة تتجلى فيها قدرة الله وحكمته وعلمه ورحمته فكيف بالخلائق كلها؟! قال: [ وهي موجبات الإيمان به وعبادته وتوحيده، والتقرب إليه بفعل محابه، وترك مساخطه ومكارهه ]. إذاً: سياق الآيات ما زال في ذكر مظاهر قدرة الله وعلاماتها ومظاهر علمه وحكمته ورحمته، وهذه هي موجبات الإيمان به وعبادته وتوحيده والتقرب إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره ويسخط. قوله تعالى: (( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ))[الحجر:19] أي: بسطناها ] من يرفع يده ويقول: لا لا لا ما هي مبسوطة بل مكورة؟ من يرفع يده؟! التكوير ما رأيناه، والبسط رأيناه، فنؤمن بما رأيناه! هل نكذب ما رأيناه؟ مجانين نحن إذاً. أسألكم بالله! الذي ما رأيناه أبداً نؤمن به والذي رأيناه ما نؤمن به؟ هذا جنون والله. البسط وامتداد الأرض مشاهد لنا، نعيش عليه، ونمشي عليه فكيف ننكره ونؤمن بشيء ما رأيناه؟ وقد قلت لكم لطيفة: وهي أن علماء المادة عملوا على أن ينتزعوا عقيدة الإيمان من قلوب البشر، والله العظيم، وقد فعلوا، فأين المسيحية والمسيحيون الذين كانوا يعيشون على الرحمة والعطف والإحسان؟ من مسخهم؟ انتزعوا الإيمان من قلوبهم وحولوهم إلى فلاسفة شيوعيين بلا إيمان، مبدأهم: (لا إله والحياة مادة)، والآن لما انفضحوا حولوا إلى العلمانية: العلم، العلم كل شيء، لا تقل الله ولا كذا.. العلم كل شيء. من فعل هذا؟ إنهم بنو عمنا اليهود عليهم لعائن الله. ستقولون: يا شيخ! لم هذا؟ فأقول: من أجل أن يعيدوا مملكة بني إسرائيل من الشرق إلى الغرب كما كانت على عهد سليمان وداود عليهما السلام. كيف يصلون إلى هذا؟ بمسخ البشرية والهبوط بها، ونزع الإيمان من قلوبها حتى تتحول إلى بهائم يستطيعون الركوب عليها وذبحها، وهو الواقع وقد نجحوا. قال: [ قوله: (( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ))[الحجر:19] أي: بسطناها (( وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ))[الحجر:19] أي: جبالاً ثوابت تثبت الأرض حتى لا تتحرك أو تميد بأهلها فيهلكون (( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ))[الحجر:19] أي: مقدر معلوم المقدار لله تعالى. وقوله: (( وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ))[الحجر:20]، أي: عليها تعيشون، وهي أنواع الحبوب والثمار وغيرها. وقوله: (( وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ))[الحجر:20]، بل الله تعالى هو الذي يرزقه وإياكم من العبيد والإماء والبهائم. وقوله: (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ))[الحجر:21] أي: ما من شيء نافع للبشرية هي في حاجة إليه لقوام حياتها عليه إلا عند الله خزائنه، ومن ذلك: الأمطار، لكن ينزله بقدر معلوم حسب حاجة المخلوقات وما تتوقف عليه مصالحها، وهو كقوله: (( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[الملك:1]. وكقوله: (( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ))[الشورى:27]. وقوله: (( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ))[الحجر:22] أي: تلقح السحاب فتمتلئ ماءً (( فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ))[الحجر:22] بقدرتنا وتدبيرنا. (( فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ))[الحجر:22]، أي: لا تملكون خزائنه فتمنعونه من تشاءون وتعطونه من تشاءون، بل الله تعالى هو المالك لذلك فينزله على أرض قوم ويمنعه آخرين. وقوله: (( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ))[الحجر:23-24] أي: الذين ماتوا من لدن آدم. (( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ))[الحجر:24] ممن هم أحياء وممن لم يحيوا وممن سيحيون ويموتون إلى يوم القيامة، الجميع علمهم الله وغيره لا يعلم، فلذا استحق العبادة وغيره لا يستحقها. وقوله: (( وَإِنَّ رَبَّكَ ))[الحجر:25] أيها الرسول (( هُوَ يَحْشُرُهُمْ ))[الحجر:25] أي: إليه يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم، وهذا متوقف على القدرة والحكمة والعلم، والذي أحياهم ثم أماتهم قادر على إحيائهم مرة أخرى، والذي علمهم قبل خلقهم وعلمهم بعد خلقهم قادر على حشرهم. والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، لم يخلقهم عبثاً بل خلقهم ليبلوهم ثم ليحاسبهم ويجزيهم (( إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ))[الحجر:25] ].

    هداية الآيات

    هيا ننظر إلى هداية هذه الآيات، ماذا يستنبط منها من أنواع الهداية!

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ من هداية الآيات:

    أولاً:بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته المتجلية فيما يلي: ] بيان المظاهر وهي جمع مظهر حيث يعرض الشيء [ مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته المتجلية ] أي: الظاهرة [ فيما يلي:

    أ- خلق الأرض ومدّها وإلقاء الجبال عليها، وإرسال الرياح لواقح للسحب ] هذا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية التي بها يستحق أن يعبده وحده دون سواه، خلق الأرض ومدها وإلقاء الجبال فيها، وإرسال الرياح لواقح للسحب.

    [ ب- إنبات النباتات بموازين دقيقة، وإحياء المخلوقات ثم إماتتها ] وهذا من مظاهر القدرة والعلم والحكمة.

    [ ج- إنزال المطر بمقادير معينة، وعلمه تعالى بمن مات ومن سيموت ] علم الله تعالى بمن مات وبمن سيموت من الخليقة.

    قال: [ ثانياً: تقرير التوحيد وهو أن من هذه آثار قدرته فالواجب أن يعبد وحده دون سواه ] من هذه مظاهر قدرته يجب أن يعبد وحده دون سواه، فكيف يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادة؟!

    قال: [ ثالثاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء ] وقد دلت الآيات على ذلك، فيحشرهم في ساحة واحدة.

    قال: [ رابعاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هذا الكلام كلام الله أوحاه إليه ] وهو يقول له: إن ربك يا رسول الله يا محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: خرجنا بعلم لا إله إلا الله، لا ترهب ولا تحب إلا الله، لا تعطي ولا تمنع إلا لله، وحافظ على الصلوات واترك المحرمات، واصبر على المرض، اصبر على الجوع، اصبر على التعب فإنها أيام فقط محدودة وساعات معدودة وتلقى ربك ونفسك زكية طاهرة، ما إن تخرج نفسك إلا وهي في الملكوت الأعلى خير من الدنيا مليون مرة.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وسلم.