إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبرنا الله عز وجل عن طريقة أهل الشرك في التعامل مع أنبيائهم، وذلك برميهم بما هم منه براء كالجنون وغيره، ولا يكتفون بذلك بل يحاولون تعجيز الأنبياء بمطالبتهم بما ليس إليهم كإنزال الملائكة لتكون أمارة على صدقهم، إلا أن الله يرد على هؤلاء الكفار مبيناً ما يترتب على تحقيق تلك المطالب، وقاطعاً عليهم سخريتهم بأنبيائه ورسله وكتبه، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي أنزل عليه، وذلك ببيان تكفّل الله بحفظه من بين سائر الكتب، وتعزية رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك ديدن المشركين مع كل من سبق من الأنبياء والرسل، فشأنهم الاستهزاء والسخرية فلا تجزع فإن العاقبة لك.

    1.   

    اهتمام السور المكية وعنايتها بأمور العقيدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الحجر المكية، والمكيات من سور القرآن الكريم يعالجن العقيدة، بإيجادها، وتركيزها وتقويتها، فإذا وجدت العقيدة الربانية وتركزت وثبتت أصبح صاحبها حياً، إذا أمرته يفعل، وإذا نهيته يترك؛ لكمال حياته، وأما فاقد هذه العقيدة فهو ميت لا يأتمر ولا ينتهي، وضعيفها كالمريض يطيق مرة ويعجز أخرى لمرضه.

    وأعظم أركان العقيدة التي تعالجها هذه السورة والسور المكية الأخرى:

    أولاً: التوحيد. أي: تقرير معنى (لا إله إلا الله).

    ثانياً: النبوة. أي: إثبات النبوة والرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.

    ثالثاً: البعث الآخر. أي: عقيدة الإيمان باليوم الآخر، بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء، إما بالنعيم المقيم، أو بالعذاب الأليم.

    يا معشر المسلمين والمسلمات! يا أهل القرآن! اعلموا أن السور المكية ليس فيها بيان حلال ولا حرام، ولا واجبات ولا أركان، ولا آداب ولا أخلاق، فهي تعالج أمور العقيدة فقط، أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين لا يدعو إلا إلى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وفي السنة العاشرة فرضت الصلاة فصلى ثلاث سنوات بمكة وهاجر إلى المدينة، ومن قرأ السور المكية وتدبرها عرف هذه الحقيقة: أنها تعنى بتقرير مبدأ التوحيد والبعث الآخر، إذ هذه أعظم أركان الإيمان الستة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ها نحن اليوم مع هذه الآيات الخمس، تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:6-11].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! كيف كان أهل مكة قبل مبعث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، كانوا كفرة مشركين كالصين واليابان، لا يؤمنون بالله إلا إيماناً تقليدياً أنه رب الكعبة، وأنه خالق السماوات والأرض، ولا يعرفون وراء ذلك شيئاً.

    كانوا يعبدون مع الله عز وجل أربع آلهة: اللات، والعزى، ومنات، وهبل، ويذبحون لها الذبائح في المواسم والأعياد، ويعكفون حولها يدعونها ويستغيثون بها، ويحلفون بها. هذه عبادتهم.

    وكانوا أميين قل فيهم من يكتب ويقرأ، إلا من تنصر، وأراد الله عز وجل أن يغير الواقع الذي هم عليه لتتحول الديار إلى أنوار إلهية ساطعة إلى عنان السماء فاختار من رجالهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد علمتم أن الله ناداه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7]، فبدأ يدعوهم إلى الله عز وجل بكلمة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومما يوضح لكم هذه الدعوة: أنه لما مرض عمه أبو طالب مرضه الذي توفي فيه في السنة التاسعة زاره وهو مريض فوجد عنده عواداً وزواراً من المشركين، على رأسهم أبو جهل وأمية بن خلف فعرض عليه كلمة التوحيد، فقال: ( يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ). وأبو طالب كان من خيرة الكفار وكان للرسول عضداً وسنداً، ولكنه لم يسلم، فكان كلما هم أن يقولها ينظر إلى من حوله، فيقولون له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ أترغب عن ملة آبائك وأجدادك؟ فيتألم وأخيراً قال: هو على ملة عبد المطلب ( فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضحضاح من النار يصل إلى كعبيه يغلي منها دماغه ).

    إذاً: معنى قول الله تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6] كلمة استهزاء، وسخرية واحتقار وعدم مبالاة.

    يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر:6] أي: يزعم أن القرآن نزل عليه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6].. قالها رجالات قريش، وكم قيل مثل هذا القول وما أكثره؟!

    لكن كيف يكون موقف رسول الله من هذا ولا ناصر له إلا الله؟!

    وفي هذا عبرة وعظة للمؤمن إذا أوذي في سبيل الله عز وجل أن يذكر أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابه وحل به، فيصبر ويحتسب، فرسول الله كانوا يسخرون منه ويستهزئون به بهذه الكلمة: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]، والمجنون: فاقد العقل الذي لا عقل له، فيصبر ويحتسب ذلك في سبيل الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين)

    قال تعالى: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:7]أي: وقالوا: هلا أتيتنا بالملائكة نشاهدهم ويشهدون لك أنك رسول الله؟

    وهذا التحدي منشؤه ظلمة الكفر والشرك، فلا بصيرة ولا نور ولا هداية، لأنهم كفار، لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ [الحجر:7]، لتنزل من السماء وتشهد أنك رسول الله فنؤمن برسالتك.

    ثم ها هو ذا جبريل ينزل كل يوم، فهل آمنوا؟! والله لا يؤمنون إلا من شاء الله، وقد تقرر عندنا: أن المعجزات لا تستلزم الإيمان، فكم وكم جاءت من المعجزات، بالأمس شاهدوا القمر العظيم ينفلق فلقتين حتى يرى من بينهما جبل حراء، وقد سألوا السفار من بعيد، فقالوا: رأيناه انفلق، فوالله ما آمن أحد منهم، وإلى الآن لو تري معجزة من معجزات الله عز وجل تجد أن الناس لا يؤمنون إلا من كان قابلاً للإيمان، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا [الحجر:6-7]، أي: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:7] في دعواك أنك رسول الله مرسل إلينا.

    ماذا يقول لهم رسول الله؟ تولى الله الجواب، فقال تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين)

    قال تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8]. أي: القضية ليست لهواً وباطلاً فقط، ملائكة يعرجون ويهبطون وأنتم تضحكون، لا ينزل الملائكة إلا لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

    ومعنى هذا: أن الملائكة إذا نزلت ولم يؤمنوا فإنه سبحانه سيبيدهم عن آخرهم، كما أباد عاداً وثمود، فنزول الملائكة ليست قضية سهلة كل يوم ينزلون ليؤمنوا، والله بعد ذلك ليضحكون، وقالوا: نحن مجانين كيف تنزل الملائكة من السماء؟ ما هي بالملائكة هذه، وتكون هذه هي كلمتهم؛ لأنهم أصروا على الكفر ويموتون عليه.

    مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا [الحجر:8] أي: إذا نزلت الملائكة مُنْظَرِينَ [الحجر:8]، أي: مهملين، بل لن يبقوا دقيقة ولا ساعة حتى يبادوا عن آخرهم.

    وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8]، أي: ممهلين ومنتظر حالهم، بل على الفور يقلب عليهم البلاد رأساً على عقب.

    من أخبر بهذا الخبر؟ إنه الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    إذاً: مطالبتهم بالملائكة ليؤمنوا باطلة، ولو نزلت الملائكة فإنهم لا يؤمنون وحينئذٍ يبادون عن آخرهم، والله ما أراد إبادتهم، بل أراد أن يؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر ليلقى الجميع الجزاء في الدار التي أعدت للكافرين والمؤمنين، فالكافرون أعدت لهم جهنم وبئس المصير، والمؤمنون أعدت لهم الجنة دار النعيم.

    لو أراد الله أن يخلق الإيمان في قلوبهم لخلقهم مؤمنين، ولكن أراد الابتلاء والامتحان بالاختيار فيعرض عليهم الهدى ويعرض عليهم الشرك وهم يختارون الإيمان أو الكفر، الخير أو الشر، وبذلك يتم الجزاء للعباد للحكمة الإلهية مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8]، أي: ممهلين، فلا يقبل قولهم: أنظرنا كذا ساعة أو يوماً أو شهراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)

    ثم قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    إِنَّا [الحجر:9] رب العزة والجلال نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9]، أي: القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    كيف نزل القرآن ؟ بالملائكة، كان القرآن ينزل يومياً آيات وسور، والملائكة هي التي تنزل به، فلم لم يؤمنوا؟ إنهم ما يريدون أن يؤمنوا، بل يقولون هذا هروباً من كلمة الإيمان.

    وهنا ذكر القرطبي في تفسيره لطيفة لا بأس أن نذكرها: ذكر أن عالمة ربانية تسمى: شهدة في القرن الخامس، روت عن مشايخها ما يلي: أن الخليفة المأمون رحمه الله تعالى كان له مجلس في العراق -دار السلام- للنظر، يحضر فيه العلماء وأهل البصيرة، فجلس يوماً في مجلسه وإذا برجل حسن الهيئة، حسن اللباس، طيب الرائحة، يجلس، وتمت المناظرة والمحادثة و.. و.. فبقي الرجل. فقال له المأمون أنت إسرائيلي؟ قال: نعم. أي: يهودي.

    فقال له المأمون: أسلم ونعلي من شأنك ونرفع درجتك. فقال: لا. فقال له: لم لا تسلم؟ قال: لا أترك ديني ودين آبائي، وخرج، فغاب سنة كاملة، وحضر المجلس النظري الذي يقيمه الخليفة المأمون ، فدخل في أحسن صورة ولباس وأطيب ريح، وأفقه كلام. فلما انقضى المجلس قال له المأمون: أسلمت؟ قال: أسلمت. فقال له: كيف أسلمت؟ قال: لما قلت لي: أسلم، قلت: لابد أن أمتحن هذه الأديان لأتأكد من صحة الإسلام أو غيره، فأتيت التوراة -وهو صاحب قلم بارع- فكتبت ثلاث نسخ بيدي وزدت فيها ونقصت، أزيد آيات وأنقص آيات، أقدم وأؤخر، ثم أتيت بها إلى البيعة فقبلوها وفرحوا ووضعوها إلى جنبهم. قال: فعدت إلى الإنجيل فكتبت منه ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت منها، وبدلت وغيرت، وقدمتها للكنيسة فقبلوها وفرحوا بها. قال: فعمدت فنسخت ثلاث نسخ من القرآن وزدت فيها ونقصت، وذهبت إلى الوراق الذي يبيع المصاحف فما إن رآها حتى رماها في وجهي، وقال: تزيد في القرآن وتنقص؟ قال: فعلمت أن القرآن حق، وأن الإسلام هو دين الحق، فأسلمت.

    وذلك لأن الله تعالى قال في أهل الكتاب: بِمَا اسْتُحْفِظُوا [المائدة:44]، الله استحفظ التوراة والإنجيل بأهلها. أي: أسند إليهم حفظها حتى لا يزاد فيها ولا ينقص منها ولا يبدل ولا يغير؛ فأضاعوها، الإنجيل كان كتاباً فأصبح خمسة وثلاثين إنجيلاً، ولما انفضحوا وانكشفت عورتهم اجتمعوا في الشرق والغرب وحولوه إلى خمسة أناجيل: لوقا ويوحنا وكذا.. خمسة أناجيل.

    أين كلام الله إذاً في هذه الخمسة؟ خمس والباقي هو كلام الباطل والشرك والهراء.

    أما القرآن فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، آمنا بالله، هذا الخبر خبر من؟ إِنَّا [الحجر:9] رب العزة نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9]، أي: القرآن، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، واليوم مضى عليه ألف وأربعمائة سنة وثمانية عشر، والله ما استطاع الإنس ولا الجن أن يسقطوا كلمة، والله ما قدروا على إسقاط كلمة أو زيادة كلمة فقط بل ولا حرف.

    وذكرت لكم ما روينا عن أهل العلم: أن مؤتمراً للكنائس.. لرجال الكنيسة، اجتمعوا في السودان من قديم، وحاولوا أن يسقطوا كلمة: (قُلْ) من القرآن، وهما حرفان (قاف) و(لام)، وحينئذٍ تصبح الآيات: (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) * (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، لا تقول: (قُلْ) بل (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، حتى يقال هذا كلام محمد من عنده، أما أن يؤمر ويقال له: (قُلْ)، فهو إذاً مأمور بأن يقول، والآمر هو الله عز وجل، ففشلوا فشلاً ذريعاً، وكيف لا يفشلون والله هو الذي تعهد بحفظ كتابه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وهذه أكبر آية ومعجزة.

    القرآن من أعظم الآيات الدالة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وذلك لأنه كلام الله، ومن نزل عليه لن يكون إلا رسول الله، ثم إن الله تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، وتحداهم بعشر سور فما استطاعوا، وتحداهم بسورة فما استطاعوا إلى الآن وإلى يوم القيامة ما استطاعوا.

    اجتمع البلاشفة الحمر الروس في العالم كله في الصين في كذا كذا.. فهل استطاعوا أن يسقطوا حرفاً من القرآن مع أنهم يقولون: لا إله والحياة مادة؟

    لا. كذبوا وافتروا وكتبوا وقالوا وقالوا.. والقرآن نور الله كما هو، حتى يرفعه الله إليه. هذه أكبر آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، أولاً: في صدور المؤمنين والمؤمنات، فالمصحف بكامله مخبأ بصدر أحدهم، ثانياً: في سطورنا في البادية والجبال والوهاد والأرض، إذاً: فهو موجود بين أيدينا، من يستطيع أن يسحبه أو ينسخه أو يبدله أو يغيره، وهو محفوظ بحفظ الله عز وجل؟ وهذه آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن البعث الآخر حق، فهيا نتهيأ للجزاء في يوم الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين)

    ثم قال تعالى مسلياً رسوله معزياً له حاملاً له على الصبر: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ [الحجر:10]، أرسلنا من قبلك في الطوائف والفرق الماضية رسلاً فما آمنوا بهم ولا اتبعوهم ولا صدقوهم فلا تكرب يا رسول الله ولا تحزن ولا تتألم.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ [الحجر:10] والشيع: جمع شيعة، وهي الطائفة المتلائمة المتفقة على مبدأ أو على شيء، تسمى: شيعة. والجمع: شيع. و(شِيَعِ الأَوَّلِينَ): أي: الطوائف التي كانت مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون)

    ثم قال تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:11]، والله العظيم وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:11]، وها هي ذي قريش تستهزئ بك يا محمد يا رسول الله، فلا تكرب ولا تحزن، فلست أول من استهزئ به أو سخر منه، وبهذا يثبت رسول الله ويتركز الإيمان في قلبه ويقوى، غير مبال بالشرق ولا بالغرب، والحمد لله ما هي إلا خمسة وعشرين سنة وإذا الإسلام قد انتشر في العالم.

    صبر رسول الله أو لم يصبر؟

    الجواب: صبر، فعلى الدعاة أن يصبروا مهما لاقوا من كرب أو هم أو حزن أو كذا.. عليهم أن يصبروا صبر النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو أسوتنا وقدوتنا، نقتدي به ونأتسي به، نتألم لما يتألم له ونفرح بما يفرح له.

    إذاً: قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:6-11].

    معاشر المستمعين والمستمعات! هل فهمتم مراد الله من هذا؟

    إن المراد بهذه الآيات: تقرير لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ لنعبد الله بما شرع، فنفعل الواجب ونترك الحرام، ونتخلق بالأخلاق، ونتأدب بالآداب التي أنزل بها القرآن وبعث بها رسوله من أجل أن نكمل في الدنيا ونسعد في الآخرة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن إليكم شرح الآيات من التفسير لتزدادوا بصيرة. ‏

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ معنى الآيات:

    قوله: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر:6] ] المراد بالذكر -يرحمكم الله- القرآن، فمن قرأ آية ذكر الله، لأنك لا تستطيع أن تقرأ آية حتى تعرف أن الله أنزلها فأنت مع الله، فاقرأ القرآن تكن عند الله من الذاكرين، وقد سمي القرآن ذكراً؛ لأن صاحبه يذكر الله فسبحان الله العظيم!

    [ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر:6]، أي: قال الكافرون] والمشركون في مكة [ للوحي والنبوة: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]، أي: غير عاقل وإلا لما ادعيت النبوة] وقلت: إني نبي الله [ وفي قولهم هذا استهزاء ظاهر بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهو نتيجة ثمرة ظلمة الكفر التي في قلوبهم ]. فلهذا الكافر سواء كان ملحداً أو علمانياً أو مسيحياً أو يهودياً نفسه مظلمة، يقول الباطل ويفجر فلا يُرجى منه خيراً أبداً؛ لظلمة قلبه، فقد قال المشركون للرسول الله: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6].

    [ وقوله: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ [الحجر:7]، (لَوْ مَا) هنا بمعنى هلا التحضيضية] كما قدمنا [ أي: هلا تأتينا بالملائكة فنراهم عياناً يشهدون لك بأنك رسول الله ]. وقد علمتم والله أنه لو نزلت الملائكة ما آمنوا، فبالأمس انفلق القمر وما آمنوا، وجبريل كان ينزل وما آمنوا، وحادثة الإسراء والمعراج وقعت وما آمنوا، شاهدوا العجب فما آمنوا.

    [ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:7] في دعواك النبوة والرسالة فأت الملائكة تشهد لك.

    قال تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر:8]، أي: نزولاً ملتبساً بالحق. أي: لا تنزل الملائكة إلا لإحقاق الحق وإبطال الباطل لا لمجرد تشهي الناس ورغبتهم، ولو نزلت الملائكة ولم يؤمنوا لنزل بهم العذاب فوراً]وأبادهم الله كما أباد قوم عاد وثمود [ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8]، أي: ممهلين بل يهلكون في الحال] بلا انتظار.

    [ وقوله تعالى في الآية التاسعة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9]، أي: القرآن ]، وسمي القرآن بالذكر لأنه يذكرك بالله ورسوله والدار الآخرة وبما فيها وبكل ما تحتاج إليه، فسبحان الله العظيم! سماه الذكر، فتالي الحرف الواحد منه يعطى عليه عشر حسنات، ليست الكلمة أو الآية بل الحرف الواحد تعطى عليه عشر حسنات.

    [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9]، أي: القرآن، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، أي: من الضياع ومن الزيادة والنقصان؛ لأنه حجتنا على خلقنا إلى يوم القيامة ] القرآن حجة الله على الناس إلى يوم القيامة، الآن وبعد الآن وقبل الآن من سأل عن الله تعالى فكتاب الله موجود.

    إذا قال: لا نعرف الله. نقول له: هذا كتاب الله. من كتبه؟ من قاله؟ فيذل وينكسر. فنقول له: آمن إذاً، فالله هو الذي أنزله إلى يوم القيامة، القرآن حجة الله، لو نسخ القرآن أو استحفظ الله به المسلمين لأضاعوه وما بقيت آية، فيكفر الناس، لكن حجة الله قائمة ما دام القرآن موجوداً، ولن يرفع إلا في آخر أيام هذه الحياة.

    [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9]، أي: القرآن، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، أي: من الضياع ومن الزيادة والنقصان؛ لأنه حجتنا على خلقنا إلى يوم القيامة.

    أنزلنا الذكر هدى ورحمة وشفاء ونوراً.

    هم يريدون العذاب والله يريد الرحمة] يريدون العذاب لما قالوا هذا يطالبون بالملائكة، والله يريد الرحمة [ مع أن القرآن نزلت به الملائكة، والملائكة إن نزلت ستعود إلى السماء ولم يبق ما يدل على الرسالة إلا القرآن ] الملائكة تنزل وتعود إلى السماء ولم يبق من دليل إلا القرآن، فلهذا هو الدليل.

    [ والملائكة إن نزلت ستعود إلى السماء ولم يبق ما يدل على الرسالة إلا القرآن، ولكن القوم لا يريدون أن يؤمنوا، وليسوا في ذلك الكفر والعناد وحدهم، بل سبقتهم طوائف وأمم أرسل فيهم فكذبوا وجحدوا.

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ [الحجر:10]، أي: في فرقهم وأممهم وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر:11]، لأن علة المرض واحدة] لأن علة المرض في الأولين والآخرين واحدة [ إذاً: فلا تيأس يا رسول الله ولا تحزن، بل اصبر وانتظر وعد الله لك بالنصر فإن وعده حق: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] ]، وقد تم هذا كله في ظرف خمس وعشرين سنة.

    هداية الآيات

    معاشر المؤمنين! الآن مع دلائل هذه الآيات أو هداياتها، وكل آية لها هداية فتأملوا!

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان ما كان يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من استهزاء وسخرية من المشركين ] أخذنا هذا من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6].

    [ ثانياً: مظهر من مظاهر رحمة الله بالإنسان يطلب نزول العذاب والله ينزل الرحمة ]. مظهر من مظاهر الرحمة، هم يطالبون بنزول العذاب والله ينزل القرآن والهداية والرحمة. لم؟ لأنه الرب الرحيم وهؤلاء عبيده، أما هم فجهلة يتخبطون في حيرتهم فلهذا لا يعرفون، فيطالبون بالعذاب.

    [ ثالثاً: بيان حفظ الله تعالى للقرآن الكريم من الزيادة والنقصان ومن الضياع ] وهذه الآية قائمة، وقد مضى ألف وأربعمائة سنة وثمانية عشر عاماً فهل ضاع القرآن؟

    الجواب: لا. وقد علمتم أن ذلك الإسرائيلي أضاف إلى الإنجيل كتابين وإلى التوراة كتابين بزيادة وتقديم وتأخير وقبلت، ولم يبق عشر الكلام لله عز وجل، وأما القرآن فما استطاعوا أن ينقصوا منه حرفاً واحداً.

    في هذه الظروف استعمروا العالم الإسلامي وعلوا فوقه فهل استطاعوا أن يغيروا شيئاً من القرآن أو يبدلوه؟

    والله ما استطاعوا. لماذا؟ لأن الله تعالى تولى حفظه بنفسه، ما وكله إلى العلماء ولا إلى الحكام، والتوراة والإنجيل أسند حفظها إلى العلماء والحكام فأضاعوها فضاعت، زادوا وأنقصوا وبدلوا وغيروا فضلوا.

    [ رابعاً: بيان سنة الله تعالى في الأمم والشعوب وهي أنهم ما يأتيهم من رسول ينكر عليهم مألوفهم] وما اعتادوه [ويدعوهم إلى جديد من الخير والهدى إلا ويتنكرون ويستهزئون ]. هذه سنة، ادخل إلى قرية من القرى وادعوا إلى الله تجد من يقاوم هذه الدعوة. هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    وصل اللهم على نبينا وآله وسلم.