إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دائماً هم جنود إبليس على سنن واحد لأنهم من مدرسة واحدة، فهم على حذو إمامهم إبليس، لا يبالون بالآيات الكثيرة، ولو كانت أظهر من شمس الظهيرة، بل يغترون بقوتهم ويسعون إلى هلاكهم وحتفهم، هذا هو شأن أصحاب الحجر كما قصه الله على رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ ليتسلّى بما حصل لإخوانه الرسل، ويتذكر نعم الله عليه فقد أيده بأعظم الآيات، وحباه أجل الهبات، وهي القرآن العظيم، ولا سيما تلك السورة الجليلة التي تعتبر خلاصة لما ورد في الكتاب العزيز، فهي من أجل السور لما حوته من أخطر الأحكام وأعظم العبر، ألا وهي سورة الفاتحة.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الحجر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن ما زلنا مع سورة الحجر المكية، ومع الآيات التي تدارسناها بالأمس ولم نستوف دراستها، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88].

    تكذيب أصحاب الحجر للمرسلين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات: عرفنا في الدرس السابق من هم أصحاب الحجر؟

    وأنهم ثمود قوم صالح عليه السلام، وديارهم وراءنا ما بين المدينة والشام، والله تعالى أرسل إليهم رسوله صالحاً عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فطلبوا منه آية على أنهم إذا جاءتهم آية خارقة للعادة ومن المعجزات يسلمون ويؤمنون، وأن الآية التي طلبوها باقتراحهم هي خروج ناقة عشراء من جبل، قالوا: ادع ربك يخرج لنا من هذا الجبل ناقة عشراء، فقام صالح عليه السلام يصلي ويدعو، فما زال رافعاً يديه إلى ربه حتى تصدع الجبل وانشق وخرجت ناقة عشراء، آية في الكمال والجمال، فكانت آية من أعظم الآيات.

    وآية أخرى: وهي أنها ترعى في تلك المنطقة ولا يحل لأحد أبداً أن يمسها بسوء فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ [الأعراف:73] فما كان منهم إلا أن سلطوا من عرفتم وهو قدار بن سالف ذاك الذي أشبهه في خلقته عقبة بن أبي معيط عليهما لعائن الله، وعرفنا أنه عقرها بعد أن أخذ الموافقة من كل أهل البلاد، فكان يأتيهم ويعرض عليهم الفكرة: ترون أنني أعقرها؟ هل توافقون؟ فلما أخذ الموافقة من الجميع عقرها، فنسب الله العقر إليهم جميعاً؛ إذ قال تعالى: فَعَقَرُوهَا [هود:65] أي: قوم صالح وهم ثمود.

    ومن الآيات التي كانت لهذه الناقة: أنها تشرب ماء المدينة وحدها، قال تعالى: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155] يوم الأحد لها، ويوم الإثنين لكم، يوم الثلاثاء لها، ويوم الأربعاء لكم، وهذه من أعظم الآيات.

    وثالث الآيات: أن ذلك الماء الذي تشربه في يومها يتحول إلى لبن.. حليب، فتأتي النساء ويأتي الخدم والعبيد ويحلبون طوال النهار وضرعها يفيض باللبن. آية من أعظم الآيات.

    القرآن أعظم آية أعطاها الله لنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم

    إن قلنا إن الناقة من أعظم الآيات فإننا لا نعني بذلك أنها أعظم من الآية التي أعطاها ربنا عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطي معجزات بلغت الألف معجزة، لكن أعظم آية هي القرآن الكريم؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر ) أي: من المعجزات الخارقة للعادات ( وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، ألا وهو القرآن العظيم، فأنا أرجو أن أكون أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة، وهو كذلك، فإذا بعثت البشرية كل أمة وراء رسولها فأمة محمد أعظم الأمم، أعظم أمة، ويدلك على ذلك أنه مضى الآن على بعثته ألف وأربعمائة وثمانية عشر سنة تقريباً، والأنبياء والسابقون منهم من يهلك في قرن واحد.

    ويبقى معنا اليهود، كم عاشوا موحدين مؤمنين مع موسى؟ عدداً من الأيام فقط وانتكسوا، والنصارى عاشوا سبعين سنة فقط يعبدون الله ثم عبدوا عيسى، والشاهد عندنا هو أن القرآن من أعظم الآيات؛ إذ تحدى الله به الإنس والجن فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] أي: معيناً وناصراً.

    وتحداهم الله بعشر سور فقط فعجزوا، وأخيراً تحداهم بسورة واحدة، وإلى الآن ما استطاعت البشرية أن تحاد الله وتأتي بالقرآن أو بسورة من مثل سور القرآن؛ إذ قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] إذاً ماذا بقي عليكم؟ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    إعراض الكفار عن الآيات

    قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الحجر:80-81] قد عرفنا الإعراض بالأمس كيف هو، وأن إقبالك على الشيء بوجهك ليس بإعراض، فالإعراض: أن تعطيه عرضك وتلتفت إلى غيره.

    وهؤلاء شاهدوا هذه الآيات العظام وأبوا أن يؤمنوا وأصروا على الشرك والتكذيب والكفر والعياذ بالله.

    إذاً: فما كان من الله عز وجل إلا أن أهلكهم فأخذتهم الصيحة صيحة جبريل أو إسرافيل مصبحين، وقد عرفنا أنهم قيل لهم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود:65] لما أصروا على الكفر والشرك والعناد وعقروا الناقة، حينئذ قيل لهم بأمر الله: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65] فجثموا على ركبهم كالبهائم ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يشربون ولا يتحركون، وصبيحة يوم السبت أخرجت أرواحهم.

    جزاء المعرض المكذب بآيات الله

    ثم قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الحجر:83-84] لا المصانع، ولا القصور، ولا الأموال، ولا البهائم، ولا ما يملكون وما كانوا به يعتزون ويباهون ويفاخرون، ما أغنى عنهم شيئاً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الحجر:84] فالأموال والرجال والجيوش لا تغني شيئاً إذا أراد الله أن ينتقم من عباده.

    الذكر والشكر لله هما سر وجود هذه الحياة

    وقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر:85] علمنا أن هذه الحياة علة وجودها، سر وجودها هو أن يذكر تعالى ويشكر، وذكر الله وشكره هما عبادته، أراد أن يعبد فأوجد هذه الأرض كمائدة وأتى بآدم وذريته فعبدوه وشكروه، أما أنه يخلق السماوات السبع والأرضين وما فيهما وما بينهما لا لشيء بل عبثاً ولهواً باطلاً فهذا يستحيل على الله عز وجل وتعالى عما يقول الظالمون!

    وهؤلاء البشر هل رأيتم أحداً منهم يبني عمارة لا لشيء إلا ليلعب؟ هل يغرس أحدهم مزرعة لمجرد أن يلعب؟ مستحيل. إذاً: فكيف يخلق الله عز وجل هذه العوالم كلها لا لشيء؟ الجواب: خلقها من أجل أن يعبد بذكره وشكره، فمن ذكره وشكره أكمله وأسعده، ومن أنكره وكفره أخزاه وأذله، وآية ذلك قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فقط، ما خلقهم لشيء آخر، وخلق العوالم العلوية والسفلية من أجلهم، وفي الحديث القدسي الشريف يقول تعالى: ( يا ابن آدم لقد خلقت كل شيء من أجلك، وخلقتك من أجلي ).

    يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء تسمع به وتشاهده حتى الجنة والنار، خلقت ذلك من أجلك، وأنت خلقتك من أجل ماذا؟ من أجلي؛ أي: لتذكرني وتشكرني، بالعبادة التي أتعبد بها عبادي.

    ولهذا شر الخلق هم الكفار المشركون، وقد جاء هذا في كتاب الله في قوله تعالى من سورة البينة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] أي: شر الخليقة، خلقهم ورزقهم، وخلق كل شيء من أجلهم ثم أعرضوا عنه واستكبروا وكفروا، وأشركوا فهم شر الخلق.

    معنى قوله تعالى: (وإن الساعة لآتية)

    وأخبر تعالى بقوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ [الحجر:85] أخبر تعالى رسوله ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ [الحجر:85] أي: ساعة هلاك الظالمين والمشركين والكافرين في الدنيا -والله ليهلكن- وساعة جمع الخليقة كلها على صعيد واحد ثم حسابها ثم جزاءها إما بالنعيم المقيم فوق الملكوت الأعلى، وإما بالعذاب الأليم أسفل الملكوت الأسفل، إما جنة وإما نار.

    معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل)

    وأمر تعالى رسوله حينئذ بناء على أن الساعة آتية إذاً فَاصْفَحِ يا رسولنا الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] أي: اصفح عن قومك المجادلين لك المحاجين المعاندين المكابرين، اصفح عنهم ولا تؤاخذهم بقولهم ولا بفعلهم.

    وقد علمنا بالأمس أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية الجهاد: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123].

    وبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة لم يكن له جيش ولا رجال ولا عتاد، فكيف يقاتل المشركين، فأمر بالصفح عنهم إذا سبوا.. إذا شتموا.. إذا ضربوا، لكن لما أتى به الله إلى المدينة وهيأ أهلها وأوجد فيها رجالاً صالحين وأصبح لهم شوكة وكلمة حينئذ أمرهم الله بالجهاد.

    إذاً: مثل هذه الآية وغيرها منسوخ بآية الجهاد.

    معنى قوله تعالى: (إن ربك هو الخلاق العليم)

    ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:86] الخلاق: الذي خلق كل شيء.

    والعليم: الذي علم بكل شيء.

    ومعنى هذا: أنه سبحانه قادر على إبادتهم واستئصالهم من الوجود، عليم بنياتهم.. بسلوكهم.. بأفعالهم، يجزيهم بحسب ما كانوا يكسبون.

    وهذه عبرة لكل العقلاء فإن ربنا خلاق عليم لا يخفى عليه من أمرنا شيء، فكل شيء هو خالقه، فكيف إذاً يخرج من بين يديه ويسلم وينجو؟!

    امتنان الله تعالى على رسوله بالسبع المثاني والقرآن العظيم

    وامتن تعالى على رسوله بقوله: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [الحجر:87] فلا تكرب ولا تحزن ولا تتألم لأذى هؤلاء المشركين فلهم ساعة سوف تأتي وهي آتية فاصبر وتحمل، واذكر ما آتاك الله.

    وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] السبع المثاني هي الفاتحة، وقد وعدناكم بالأمس أن نتكلم عنها بعض الشيء.

    سبب تسمية الفاتحة بالسبع المثاني

    أولاً: لم سميت الفاتحة بالسبع المثاني؟

    الجواب: لأن آياتها سبع، وتتلى في الصلاة دائماً وأبداً، فهيا بنا نعدها لنعرف أنها سبع آيات:

    بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] هذه الأولى.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هذه الثانية.

    الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] الثالثة.

    مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] الرابعة.

    إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] الخامسة.

    اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] السادسة.

    صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] السابعة. سبع آيات.

    مسألة: هل البسملة آية من الفاتحة؟

    ثانياً: للسائل أن يقول: هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة؟

    الجواب: هذا الموضوع يحتاج إلى علم، أولاً: اختلف أئمة القرآن والإسلام في هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من سورة الفاتحة أو ليست بآية، وإنما افتتحت بها كما افتتحت كل السور في القرآن إلا براءة؟

    فالجمهور كـمالك وأحمد وأبي حنيفة ذهبوا إلى أنها ليست آية من الفاتحة وإنما هي جزء آية من سورة النمل في وسط السورة.

    وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أنها آية، وحينئذ تصبح الآيات سبعاً كما حسبنا، إليكموها.

    بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] هذه الأولى.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] الثانية.

    الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] الثالثة.

    مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] الرابعة.

    إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] الخامسة.

    اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] السادسة.

    صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] السابعة.

    سبب الاختلاف في كون البسملة آية من الفاتحة

    والسؤال الآن: كيف يقول هذا أنها آية، وهذا يقول ليست آية؟

    الجواب: نعم. الفاتحة نزلت مرتين، نزل بها جبريل عليه السلام لعظمها وجلالها مرتين، مرة نزلت ببسم الله الرحمن الرحيم، ومرة بدونها، فمن هنا بعضهم قال: (بسم الله) آية، وبعضهم قال: لا ليست آية.

    تأملوا هذه: كثير من القرآن يتكرر نزوله، عند الحاجة يتكرر نزول الآيات، فالفاتحة نزلت مرتين: مرة مع بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] ومرة بدونها، فمن هنا أصبحت الآيات سبع إن قلنا أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية، وإن قلنا بدونها فهي ست آيات.

    سبب تسمية الفاتحة بهذا الاسم

    والسؤال: لم سميت الفاتحة بهذا الاسم؟

    الجواب: لأن فيها الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    أولاً: نحمد الله تعالى فنقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    ثانياً: نثني عليه فنقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3].

    ثالثاً: نمجده فنقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4].

    رابعاً: نتملقه ونتزلفه فنقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ثم بعد ذلك ندعوه ونسأله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    أولاً: نحمد الله تعالى، ثم نثني عليه؛ لأن قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] مدح الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] ثناء عليه سبحانه مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] تمجيد.

    ثم بعد ذلك نقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أي: لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك، وهذا تملق وتزلف إليه سبحانه.

    لما تقول لشخص: أنا أحبك، والله أنا كذا، وكذا.. تتملقه ليرضى عنك مثلاً، فكونك تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] هذا هو التملق والتزلف إلى الله عز وجل.

    وبعد ذلك الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

    المراد بالصراط المستقيم

    معاشر المستمعين! بهذه السورة نحمد الله، نثني عليه، نمجده، نتزلف إليه ونتملقه، ثم نسأله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    والصراط المستقيم هو: صراط الذين أنعم عليهم، ونحن نسأل الله أن يهدينا صراطهم؟

    والذين أنعم الله عليهم هم: الذين آمنوا بالله وبلقائه.. آمنوا برسول الله وبما جاء به.. آمنوا بقضاء الله وقدره.. آمنوا بلقاء الله والوقوف بين يديه.. آمنوا حق الإيمان ثم عرفوا محاب الله ومكارهه.

    أي: عرفوا ما يحب الله من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات والذوات، عرفوها من طريق الطلب، من طريق السؤال، من طريق الرحلة لطلب العلم، عرفوا محاب الله محبوباً بعد محبوب، ثم ضبطوا أنفسهم وجاهدوها وفعلوا كل محبوب لله عز وجل، فعلوا محاب الله.

    ثم عرفوا مكاره الله.. مساخط الله عز وجل، وهي موجودة في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عرفوها من طريق السؤال والطلب، يرحلون من بلد إلى بلد، والله يرحلون من الأندلس إلى المدينة ليتعلموا أحاديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عرفوا ما يكره من الاعتقادات الباطلة والأقوال السيئة والأعمال الفاسدة، والصفات الذميمة فتركوها وتخلوا عنها وابتعدوا عنها كل البعد إيماناً واحتساباً.

    هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، والعمل متوقف على العلم، علموا ما يحب الله ففعلوه، وعلموا ما يكره الله فاجتنبوه وابتعدوا عنه وتركوه، فهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، وجاء بيانهم من سورة النساء في قول الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] سواء كان ذكراً أو أنثى، عربياً عجمياً، أبيض أو أصفر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69] أي: المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] اللهم اجعلنا منهم!

    اغتنموها فرصة وأمنوا: اللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم يا رب العالمين!

    لاحظ قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] فقط، لا يطيع غيره كيف ما كان ولا من كان فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69].

    ما سر ذلك؟ سر ذلك أنهم زكوا أنفسهم، أي: طيبوها وطهروها وصفوها فأصبحت كأرواح الملائكة.

    اعلموا يرحمكم الله أن طاعة الله وطاعة الرسول ثمرتها: تزكية النفس وتطهيرها، فإذا زكت النفس وطابت وطهرت فلا يرفضها الله ولا يلعنها الله ولا يبعدها، حاشا وكلا، وإنما يدنيها ويقربها منه تعالى فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] هؤلاء الذين أنعم الله عليهم ونحن نقول: نحمدك، ونثني عليك، ونمجدك، ونتملقك.. نسألك لتهدينا الصراط المستقيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7].

    وقد علمنا غير ما مرة: أن المراد من الصراط المستقيم: الإسلام، والله إنه الإسلام، والإسلام طريق إلى الله، فماذا عليك؟

    أولاً: آمن بأن هذا الطريق يسعدك وتصل به إلى الجنة، آمن ثم امش فعن يمينك الواجبات والتكاليف التي يجب أن تنهض بها، وعن يسارك المحرمات التي يجب أن تنتهي عنها، وامش بين ذلك إلى باب الجنة، طريق مستقيم ليس فيه انحراف ولا اعوجاج، بل أوامر تفعلها، ونواه تتركها.

    طاعة الله وطاعة الرسول هي فعل أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك نواهيهما، فإذا فعل العبد تلك العبادات وتجنب تلك المحرمات والله لتزكو نفسه وتطيب وتطهر حتى تصبح كأرواح الملائكة، وحينئذ لا يرفضها الله، حاشا وكلا، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فما داموا قد طهروا أرواحهم وأصبحت مشرقة نقية يقبلها الله عز وجل وينزلهم بجواره في الملكوت الأعلى.

    لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب

    إذاً: الفاتحة وهي السبع المثاني لها أحكام، فمن أحكام هذه السورة معاشر المستمعين: أنه لا تصح صلاة امرئ إلا بها، ولا يقبل الله صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب إلا في حالة استثنائية وهي: أنه أسلم عبد الآن، وما استطاع أن يحفظ الفاتحة، ودخل وقت الصلاة، فهل نقول له: لا تصل حتى تحفظ؟ الجواب: لا. بل نقول له: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، واركع.

    يسلم الرجل بين يديك، ويحين وقت الصلاة، والفاتحة كما علمتم ركن من أركان الصلاة ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، لكن في حال العجز كأن أسلم أخونا البارحة أو اليوم وحان وقت الصلاة ولا يستطيع أن يحفظها أبداً، فلا بد من ساعات أو أيام لحفظها، حينئذ يجزئه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ إذ هذه الكلمات كلها من القرآن، أربع كلمات من القرآن، أما القادر على قراءتها وحفظها فلا تصح صلاته بدونها لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ).

    ثم مع الأسف لما ساد الجهل وعمينا في ديارنا فتجد رجالاً ونساء يعيشون الخمسين والستين سنة لا يحفظون الفاتحة، ويقرءونها بلحن عجب، ومما كنا نسمعه أنهم يقرءون: (يا كان نعبده ويا كان نستعين)، بدل قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وآباؤهم أو أبناؤهم لا يعلمونهم، بل يتركونهم كذلك، يقرءونها قراءة لا تصح أبداً.

    إذاً: لا بد من حفظ الفاتحة، ولو أن ترحل إلى عالم يحفظها بينك وبينه المسافات البعيدة، فلا بد من حفظها؛ إذ لا صلاة بدونها.

    قراءة الإمام قراءة للمأموم

    وكما استثنينا الحالة الأولى نستثني من صلى وراء الإمام، فالذي يصلي وراء إمام يصلي بالمسلمين لو ما قرأ الفاتحة فصلاته صحيحة؛ لأن قراءة الإمام قراءة له وهو مرتبط معه، فلا نقول ببطلان صلاته أبداً وقد صلى وراء إمام يقرأ بالفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاته، ومع هذا نجتهد أن لا نفوت ركعة من الركعات، إذا كانت الصلاة سرية كالظهر والعصر فلا نزاع أنك تقرأ الفاتحة وسورة في الركعتين الأوليين والفاتحة في الركعتين الأخيرين، وفي صلاة العشاء في الركعتين الأخيرتين تقرأ الفاتحة، وصلاة المغرب الركعة الأخيرة تقرأ وجوباً الفاتحة، لكن في الجهرية فقط؛ إذ قرأ من قرأ وراء رسول الله فقال: ( ما لي أنازع القرآن ) أنا أقرأ وهو يقرأ ورائي، فمن ثم لا يجوز أن تقرأ بصوتك والإمام يقرأ أبداً، ولكن اقرأ بها في نفسك، حرك شفتيك فقط بها، وإن كان الإمام يسكت سكتة ما بين تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة فاغتنم تلك السكتة أو بعدما يقرأ الإمام الفاتحة يسكت سكتة، اغتنمها أنت بسرعة ولكن لا يسمع لك صوت أبداً، تحرك بها شفتيك فقط؛ لأن الرسول نهى عن ذلك وقال: ( ما لي أنازع القرآن ) فقراءة الفاتحة -السبع المثاني- ركن من أركان الصلاة فريضة أو نافلة، أما الآيات بعد ذلك أو السور فالحكم في ذلك أنها من السنن المؤكدة أو الواجبات.

    معنى قوله تعالى: (الحمد لله)

    قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] من معارف هذه السورة أن كلمة الحمد لله لو تريد أن تقدرها بمقدار خاص ما استطعت، فلو تضع الدنيا كلها في كفة الميزان وهي في الكفة الأخرى لرجحت كلمة الحمد لله.

    هذه كلمة (الحمد لله) لا يعادلها شيء، بدليل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن من أنعم الله عليه بنعمة فكان قوله: الحمد لله كانت أفضل مما آتاه الله وأعظم ). فلهذا ينبغي أن لا تفارق كلمة الحمد لله ألسنتنا.. الحمد لله.

    ويدلك لذلك: أن المؤمن إذا أكل يقول: الحمد لله، وإذا شرب يقول: الحمد لله، وإذا نزل منزلاً يقول الحمد لله، وإذا ركب دابة أو سيارة يقول: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإذا سئل عن حاله قال: الحمد لله.

    ومن هنا قالت العلماء: الحمد لله، هذه النعمة فازت بها أمة الإسلام، لم توجد في الأمم السابقة وإنما وجدت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    اسأل الكافر بريطانياً أو فرنسياً عن حاله فسيجيبك أنه بخير أو بتعب، ولكن اسأل المؤمن فسيقول لك: الحمد لله وهو يعاني من سكرات الموت، حتى عرفت هذه الأمة في كتب الأولين بأمة الحمد، وعرف المسلمون بالحمادين؛ لأن كلمة الحمد لله لا تفارقهم، فأول ما تلقى المؤمن تسأله: كيف أنت؟ فيقول: الحمد لله، وهو يعاني من التعب أو من المرض أو الجوع، فلهذا لا ننسى كلمة الحمد لله.

    إذاً: الحمد لله هو الحمد لله لا لغيره، والحمد هو الوصف بالجميل، جميع صفات الجمال والكمال لله، وتترجم في كلمة الحمد، جميع صفات الجلال والكمال لله عز وجل، وكلها تؤدى بكلمة: الحمد لله.. الحمد لله.

    معشر المستمعين والمستمعات ينبغي أن لا تفارق ألسنتنا هذه الكلمة، وقد سن لنا ذلك رسول الله وبينه لنا، وفعله أمامنا وعلمناه إذا أكلنا، إذا شربنا، إذا نزلنا، إذا ركبنا أن نقول: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.

    سبب تسمية الفاتحة بأم الكتاب

    ثم الفاتحة لماذا تسمى بأم الكتاب وكأن القرآن وما فيه كله ولدته سورة الفاتحة، فهي أمه؟

    الجواب: كأن ما في القرآن من شرائع وأحكام كلها مأخوذة من فاتحة الكتاب، ولهذا امتن الله على رسوله بها فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] فالقرآن أولاً من أوله إلى آخره يقرر التوحيد: لا إله إلا الله، ويثبت الربوبية لله عز وجل وأنه خالق كل شيء ورب كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وحينئذ يجب أن يعبد وحده ولا يعبد معه سواه، واقرأ القرآن وتتبع أكثر الآيات فإنه تقرر لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن البعث الآخر حق.

    والآيات في القرآن هي الشرائع، بيان الحلال والحرام، بيان الواجبات، بيان المستحبات.. هذه كلها منوطة بكلمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] بسائر أنواع العبادات، أوامر الله ونواهيه، نفعل الأوامر ونترك النواهي، كل ما في القرآن من أوامر ونواهي داخل تحت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    قصص الأنبياء والأولين، وقد اشتمل القرآن على القصص العجب من آدم وكيف كان في الجنة وكيف نزل.. إلى بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم، هذا القصص كله دل عليها قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] فعرفنا النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    وأما الكفار والمشركون والمغضوب عليهم والضالون فالقرآن جاء ببيانهم في مئات الآيات والكل داخل تحت قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فالمغضوب عليهم كل من عرف الله وتعمد عصيانه، كل من عرف ما أوجب لله وتركه، وكل من عرف حق الله وأهانه.. هذا مغضوب عليه وعلى رأس هؤلاء: اليهود؛ لعلمهم ومعرفتهم، ومع هذا أكلتهم الدنيا ومسخت قلوبهم، فكفروا حتى بالأنبياء والرسل من أجل المادة الخسيسة الدنيا، فهم مغضوب عليهم لأنهم عرفوا وتنكروا، فالشخص الذي تعلمه ثم يتحداك تغضب عليه، والذي لا يعرف لا تغضب عليه،بل تعلمه أولاً.

    إذاً: كل من عرف محاب الله ومكارهه واستزله الشيطان فعصى الرحمن فترك الواجبات وفعل المحرمات فهو والله من المغضوب عليهم.

    والضالون هم: الذين ضلوا وما وصلتهم رسالة، ما بعث فيهم نبي منذ قرون، عصور وجدت، فهذا ضلال ما عرفوا كيف يعبدون الله فهم ضالون، فلهذا كانت الفاتحة أم القرآن، والسبع المثاني منها وفيها.

    نكتفي بهذا القدر، والله تعالى نسأل أن ينفعني وإياكم بما ندرس ونسمع؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصل اللهم على نبينا محمد.