إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله عز وجل خبر قوم صالح، وكيف أنهم كذبوه وأعرضوا عن المعجزات الظاهرة متعرضين بذلك لعقوبة الله، وهذا هو شأن الطغاة حين يركنون إلى قوتهم، ويميلون إلى ترفهم، إلا أن الله يمهل ولا يهمل، بل يعاقب أهل العناد ويقطع دابر الإلحاد، وهذا هو الذي وقع لقوم صالح بعد عقرهم للناقة وتماديهم في الغفلة دون إفاقة، ثم بين الله أنه حكيم لا يخلق عبثاً ولا يترك خلقه سدى، فهناك ميعاد للخلق يستوجب عليهم أن يعاملوا الناس كما يحبون أن يعاملوا فيه؛ لأن من أوتي القرآن وعلم ما فيه من أحكام فإنه يلزمه خفض الجناح ولا يلتفت إلى ما بدا من زهرة الدنيا ولاح.

    1.   

    الحكمة من ذكر القرآن للقصص

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع آيات سورة الحجر، قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:8-88].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه قصص قصها الله تبارك وتعالى على رسولنا وعلينا نحن أتباعه المؤمنين، فما السر في قص الله لهذه القصص؟

    بين تعالى السر في ذلك والحكمة والعلة، لما قص علينا مجموعة من القصص أولها قصة نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثم موسى.. وذلك في سورة تسمى سورة هود عليه السلام، لما قص تلك القصص قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] نقص عليك من أخبار الرسل والأمم السابقة الأمر الذي نثبت به قلبك على دعوتك، فلا تعجز ولا تفشل، بل تواصل دعوتك.

    وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] إذ كان صلى الله عليه وسلم وحده في مكة، ليس عن يمينه ولا عن شماله أحد يدعو إلى التوحيد وإلى إبطال الشرك ويجاهر بالدعوة ويقول: لا إله إلا الله، فلولا أن الله ثبته وقواه وشد عزمه ما استطاع، ولكنه لما يسمع ما حدث للرسل من مثله من أقوامهم الكافرة الفاجرة المشركة الطاغية، وكيف ثبتوا حتى تم النصر لهم، بذلك تقوى عزيمته ويثبت صلى الله عليه وسلم، ونحن لو كنا أهلاً للدعوة ودعونا إلى ربنا فسوف يصيبنا ما أصاب رسل الله وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحينئذ لما نقرأ هذه القصص تقوى عزائمنا وتثبت قلوبنا، ولا نبالي بما نصاب به من طعن باللسان أو بالسنان، ولكننا تركنا الدعوة وفشلنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين)

    قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [الحجر:80] من هم أصحاب الحجر؟ وما الحجر؟ ومن هم المرسلون؟

    المراد من الحجر: مدائن صالح، وهي شمالاً ما بين الحجاز والشام، وأصحابها عاد كفروا وحاربوا رسول الله هوداً عليه السلام فانتقم الله منهم وأنزل بهم عقوبته، وقد بينها تعالى في كتابه فقال: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:19-20] ريح في آخر الشتاء سبع ليال وثمانية أيام دمرت المباني، هدمت القصور، ما تركت شيئاً في تلك الديار قط، ونجا الله تعالى هوداً نبيه ورسوله ومجموعة من المؤمنين والمؤمنات، فلما نجاهم نزحوا إلى الحجاز، بعضهم في مكة وبعضهم اتجه شاماً، فنزلوا بهذه الديار المسماة بالحجاز، وواصلوا دعوة الله وعبادة الله ومات الرسول ومات العلماء، فاستغلهم الشيطان فأعادهم إلى الشرك -والعياذ بالله- والكفر والشر والفساد بعد قرون مضت.

    وهنا اقتضت رحمة الله وحكمته أن يبعث فيهم رسولاً كما بعثه في قوم عاد لعلهم يؤمنون ويسلمون فيكملون ويسعدون في الدنيا ويكملون ويسعدون في الآخرة، فأرسل إليهم رسوله واسمه صالح.

    وقوله تعالى: الْمُرْسَلِينَ لأن القاعدة الأصولية العقدية: من كذب رسولاً من ثلاثمائة وأربعة عشر حكم الله فيه أنه كذب كل المرسلين.

    كم عدد الرسل يرحمكم الله؟ ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، فمن كذباً برسول منهم سواء كان موسى، عيسى، إبراهيم، محمد، صالح، يعقوب يعتبر شرعاً قد كذب بكل الرسل.

    ولهذا اليهود لما كذبوا عيسى كفّرهم الله، وما نفعهم الإيمان بموسى وهارون وسليمان وداود، والنصارى لما كذّبوا محمداً فهم كفار وكأنما كذبوا كل المرسلين.

    يقول تعالى مخبراً بالواقع: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [الحجر:80] يعني: صالحاً عليه السلام، والتعبير بالجمع المرسلين؛ لأن من كذب رسولاً يعتبر شرعاً كذب كل الرسل، وأصحاب الحجر: مدائن صالح، وهي وراءنا وقد أوتوا العجب في الصناعة والنحت، فنحتوا الجبال وسوروها قصوراً يسكنونها في الصيف إذا اشتد الحر، وفي الشتاء إذا اشتد البرد وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الحجر:82]، كفروا هذه النعمة فسلبها الله منهم وأنزل عقوبته بهم، وهذا هو شأنه وهذه سنته في عباده، من لم يشكر وكفر يسلب الله النعمة منه إلى يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم آيتنا فكانوا عنها معرضين)

    قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الحجر:80-81] أعطاهم الله الآيات الدالة على صدق رسول الله صالح، وعلى أنهم مشركون كافرون، الآيات الدالة على البعث الآخر والجزاء يوم القيامة، الدالة على التوحيد وأنه لا إله إلا الله.

    من تلك الآيات: آية الناقة، ولكنها ناقة ما ولدتها ناقة من جنسها، فقد قالوا وهم يتحدونه: يا صالح إن كنت نبياً رسولاً كما تزعم وتدعي أننا مشركون وكافرون فادع ربك يخرج لنا ناقة من هذا الجبل، فقام يصلي ويرفع كفيه إلى ربه، فما زال يصلي حتى تمخض الجبل عن ناقة عشراء لم تر الدنيا مثلها في كمالها وجمالها، جبل ينشق ويتصدع وتخرج منه ناقة عشراء لا أجمل منها ولا أحسن هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف:73].

    ثاني آية: أنها تشرب ماء المدينة كله وحدها يوماً، قسم الله تعالى بينهم وبينها ماء تلك المدينة، يوم للناقة تشربه كما تشاء، واليوم الثاني لأهل المدينة يشربون، ناقة تشرب ماء العين كله.

    ثالثاً: ذاك الماء الذي تشربه اليوم غداً يتحول لبناً خالصاً، وتأتي العجائز والرجال والأطفال والخدم، كلهم يحلبون طول النهار، فأي آية أعظم من هذه؟

    إذاً: من أجل ماذا أو جد الله هذه الآية؟ من أجل أن يؤمنوا، ولكنهم ما آمنوا، بل كذبوا.

    هل هناك أعظم من هذه الآية؟ ناقة يتصدع عنها جبل، تشرب ماء المدينة وحدها يوماً ويوم لهم، وفي اليوم الثاني يتحول كله إلى لبن، وجاء هذا مبيناً في سورة الشعراء وفي غيرها من السور، فقال تعالى: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:155-156] وما كان من أولئك الطغاة الجبابرة العتاة إلا أن عقروا تلك الناقة وذبحوها، واقرءوا من سورة والشمس وضحاها قول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11] لاحظوا هذه الباء كذبت ثمود بسبب ماذا؟ بسبب طغيانها، نعوذ بالله من الطغيان.

    كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:11-12] وهذا الشقي عليه لعائن الله سماه لنا رسول الله، عرفه وأوحاه الله إليه فقال: إنه قدار بن سالف ويشبهه رجل في مكة من طغاة مكة وجبابرتها وهو عقبة بن أبي معيط حتى كأنه هو، وسبحان الله يخلق ما يشاء، بعد أكثر من ألفين سنة أو ثلاثة آلاف سنة أوجد شخصاً يشبه قدار بن سالف وهو عقبة بن أبي معيط، وقد قتل اللعين عقبة بن أبي معيط في بدر.

    كَذَّبَتْ ثَمُودُ [الشمس:11] بسبب ماذا؟

    الجواب: بسبب الطغيان، فلهذا والله ليس من صالحنا أن نرزق الأموال والعمارات و.. و..، فنتحول إلى جبابرة طغاة، ولكن اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين!

    إن النفس البشرية إذا استغنت وشعرت بالغنى طغت، وترفعت، وتكبرت، لا تبالي بالجرائم ولا الموبقات، لا الآثام ولا الذنوب، وهذا مشاهد بأعيننا لا يحتاج إلى دليل.

    كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:11-12] وهو قدار بن سالف انبعث واندفع لعقر الناقة فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ رسول الله صالح عليه السلام فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13] احذروها، لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم، وسقياها كذلك فاتركوا الماء لها يومها تشربه فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:14-15].

    وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا [الحجر:80-81] عرفتم هذه الآيات؟ الناقة، وكونها تشرب الماء وحدها، وكون الماء يتحول إلى لبن، وهذا مستحيل أن تفعله البشرية، عين تتحول إلى لبن، ولكن هذا فعل العزيز الحكيم، العلي العظيم، آية من آيات الله.

    قال: وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الحجر:81] والإعراض أن ينادي المنادي أن: حي على الصلاة، وأنت معرض.

    الإعراض: عدم الإقبال على الحق والأخذ به، والإقبال إلى الشهوات والأباطيل والمفاسد والقبائح.

    فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الحجر:81] فالإعراض: هو عدم المبالاة بدعوة الله عز وجل، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة، ولا تحريم ما حرم الله من خمر وزنا وباطل وشر وفساد، وإقبال على الشهوات والدنيا والتكالب عليها.. ذلكم هو الإعراض، وضده الإقبال على الحق والخير والمعروف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين)

    قال تعالى: وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [الحجر:82] وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين وآمنين.

    كيف ينحتون من الجبال؟

    النحت معروف، تنحت من الخشبة أو الحجر، وقد قدمت لكم أنهم ينحتون الجبال، وهي موجودة إلى الآن والقصور ما زالت فيها إلى الآن، لكنها محمية بفضل الله تعالى، ثم بهذه الدولة الإسلامية، لو كانت دولة كدولكم يا عرب لاتخذوها مجلباً للدينار.. للسياحة، للعالم كاملاً ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في طريقه إلى الشام ليغزو الروم بإذن الله، أوصى أصحابه أن لا ينزلوا في هذه الديار، وإذا مروا بها في طريقهم لا يشربون من مائها، ووالله لقد عجن الصحابة العجائن بالماء، فلما بلغهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم أطعموها الإبل ولم يأخذوا ذلك الخبز، وأمرهم إذا دخلوا أن يبكوا، ومن لم يستطيع البكاء فليتباكى.

    وهكذا كل ديار قوم ظلموا فأهلكهم الله يجب على المؤمن ألا ينزل بها وإن نزل للضرورة فليبك أو ليتباكى، لا يغني ويستصرخ ويرقص ويأكل ويشرب..

    أزيد فضيلة أخرى لدولة القرآن حفظها الله وأيدها وأهلك أعداءها، وخيب ظنونهم فيها: هذه الدولة حمت تلك الديار ديار ثمود، وهي موجودة وقد وقفنا فيها ورأيناها، وأقول على علم: والله لو كان الحكم لأمثال حكامنا العرب والمسلمين لاتخذوها داراً للسياحة، وحينئذ يدخلها الفجار الكفار، اليهود، المشركون، الفسقة.. ووالله لو دخلوها فإنهم يغنون فيها ويرقصون لكن الله حماها بهذه الدولة، ومن أراد أن يذهب فليذهب ليشاهد.

    ولعل بعض المستمعين يشوش عليهم الهوى والجهل المركب فيقولون: لماذا يمدح هذه الحكومة؟ ويجيب أحدهم: لأنه عميل، لأنه ذنب، لأنه كذا! ووالله إن هذا كله باطل.. باطل.. باطل، والله ما نمدح إلا من أجل أن تبقى هذه البقية الباقية؛ إذ قد حرم العالم كله راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم تعد ترفرف على سمائه وسطوحه، لم يبق أبداً من يطبق حكماً من أحكام الله لا بقطع يد السارق ولا برجم الزاني، ولا.. ولا.. لم يبق في العالم الإسلامي من يأمر بمعروف أو ينه عن منكر، جيوش مكونة تنفق عليها الملايين ما فيها هيئة تأمر بالمعروف وتنهى عن منكر، هذه البقية الباقية إذا لم ندع الله أن يحفظها فوالله لنكوننَّ ظالمين، وفاسقين، وفاجرين.. ومع هذا تنهش ويؤخذ منها وتحطم من كل جهة؛ لأن الدنيا كلها عدوة لها الإنس والجن. فهمتم هذه اللغة أم لا؟

    أعيذ بالله مؤمناً أو مؤمنة خارج هذه البلاد أو داخلها أن يقول كلمة سوء من شأنها أن تحطم هذه الدولة أو تسقطها، والله الذي لا إله غيره لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة داخل هذه البلاد أو خارجها أن يقول كلمة سوء في رجال هذه الحكومة من أجل الطعن والنقد ومن أجل زلزلة الحكم وإسقاطه، ووالله إني لأرضى أن أذبح سبعين مرة ولا تسقط هذه البقية الباقية، فافهموا هذا وانقلوه.

    والجاهلون، والعميان، والضلال يتبجحون، ويكفّرون، ويسبون، ويشتمون، و.. و..، وينتقدون، وما جنوا سوى لعنة الله عليهم.

    وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الحجر:82] الجبال: جمع جبل وهو معروف، صخور ينحتونها ويوجدون في داخلها البيوت، وفي الشتاء تقيهم البرد، وفي الصيف تقيهم الحر، وفي الربيع والخريف يخرجون لبساتينهم.

    وفي آية أخرى وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:149] متكبرين متجبرين، وفي هذه الآية: وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [الحجر:82] آمنين من كل خوف، لا دولة تزعجهم ولا.. ولا جوع، ولا حر ولا برد، آمنين، وهذا من إفضال الله وإنعامه عليهم والذي يجب أن يشكروه ولا يكفروه، ولكنهم استبدلوا الشكر بالكفر فاستحقوا العقاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة مصبحين)

    قال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر:83] إذ قال لهم كما في آية هود: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، هذا بعد أن عقروا الناقة، والعجيب في عقر الناقة أن قدار بن سالف ما استطاع أن يتولى وحده ذبح هذه الناقة حتى طاف بالقرى والمدن والبيوت يستشيرهم: هل توافقون على عقر ناقة صالح؟ فوافقوا، إلا من آمن بالله والنبي صالح فإنهم لم يوافقوا.

    ومعنى هذا أن العذاب كان عاماً؛ لأنهم كلهم شاركوا في عقر الناقة، فلهذا قال تعالى: فَعَقَرُوهَا [هود:65] والعاقر واحد فقط، هو قدار بن سالف لكن موافقتهم تعتبر قتلاً للناقة، فالذي يوافق بالكلمة كالذي يفعل بالسيف وبيده.

    فقال لهم الله بعدما عقروها: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ [هود:65] كلوا واشربوا وانكحوا ثلاثة أيام تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65] أبداً، من اليوم الأول اصفرت وجوههم وهو يوم الأربعاء، فظهرت علامات الهزيمة والعذاب، ثم يوم الخميس احمرت وجوههم، ويوم الجمعة اسودت وجوههم، وصبيحة يوم السبت صاح فيهم ملك من ملائكة الجبار صيحة واحدة فخرجت قلوبهم إلى حلوقهم، وماتوا عن آخرهم وهم جاثمون على الركب، من اليوم الأول ما بقي من يسوق ولا يبني ولا يأكل ولا يشرب، انهاروا، اليوم الثاني والثالث جاثمون على ركبهم كالأموات، فلما نفخ إسرافيل تلك النفخة خلعت القلوب إلى الحلوق، وماتوا عن آخرهم، وما نجا منهم إلا صالح والمؤمنون فهربوا وتركوا ديارهم.

    والذي فعل بقوم صالح هكذا قادر على أن يفعل بقوم محمد هكذا فهو على كل شيء قدير سبحانه، فلم لا ترتعد فرائص قريش وتنهزم؟

    قريش علم الله منهم خيراً فأسلموا وآمنوا، والذين هلكوا مشركين عددهم محدود محصور، وأما البقية فنفعهم الله بهذه الآية.

    قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر:83] صيحة من؟ صيحة إسرافيل أو جبريل.

    مصبحين أي: في الصباح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون)

    ثم قال تعالى: فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الحجر:84] من الجيوش الجرارة والأموال الطائلة، والقوات وكذا.. ما أغنى عنهم من الله شيء.

    ولولا أن رسول الله جعله الله رحمة للناس لكانت هذه البشرية بمدنها وقراها أهلكت من زمان بعيد، لكنه سبحانه جعله رحمة للناس، ما ينزل العذاب بالإبادة والاستئصال أبداً، بل قد ينزل بهم العذاب آية من آيات الله كخسف.. كجدب.. كقحط.. كمرض.. كوباء.. لكن الإبادة الكاملة لا تحصل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا يتنافى مع قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فلهذا المشركون.. الكفار.. المجوس.. الكل تراهم يعيشون ما دمروا ولا أبيدوا، ولكن جزاؤهم يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق...)

    إن قلت: لماذا فعل الله هذا؟ لماذا فعل الله بثمود قوم صالح هذا الفعل؟ ما السر؟ ما العلة؟ ما الحكمة؟

    إن سألت فاسمع الجواب من الله تعالى وهو قوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر:85].

    أعيد إلى أذهانكم معاشر المستمعين والمستمعات: اعلموا أن الرب تبارك وتعالى خالقنا ورازقنا، وموجد الحياة كلها، الرب تبارك وتعالى واسمه الأعظم الله جل جلاله وعظم سلطانه أراد أن يذكر ويشكر في خلق غير الجن والملائكة، فذكره وشكره في الملائكة بالبليارات ولكن أراد أن يخلق خلقاً آخر يسمع ذكرهم ويرى شكرهم، فأوجد هذه الأرض، وأوجد ما فيها من جبال راسيات وما فيها من البحور والأنهار، وأوجد فيها من ألوان الأشجار والثمار وأعدها وجاء بآدم وزوجه حواء فأسكنهما فيها، فعلة خلق هذه الكائنات في هذه الأرض هي أنتم يا بني آدم.

    وبارك في نسل آدم وتناسل وتناسل أولاده، ووجدت هذه البشرية، وذلك من أجل عبادة الله.

    لم يا رب خلقتهم؟ الجواب: ليعبدوني، أردت أن يعبدوني، بطاعتي وذكري وشكري. هذا هو السر، هذه هي الحكمة، هذه هي العلة، إي والله، واقرءوا قوله تعالى من سورة الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فقط، فهو ليس في حاجة إليهم، ولكن من أجل أن يعبدوه فقط، فمن عبده أعزه وأكرمه، ومن كفره وأعرض عنه أذله وأشقاه.

    قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر:85] ما خلق الله السماوات والأرض وما فيهما وبينهما للهو والباطل واللعب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل خلقهم لعلة وهي: أن يسمع ذكره وأن يرى شكره، فمن كفر الله وجحد شرعه فما ذكر ولا عبد الله فهو عدو الله ويا ويله يوم يلقاه، ساعة الموت، فالذين صليتم عليهم الآن لقوا الله.

    هذا هو السر في خلق هذا الكون كله، أن يعبد الله بالذكر والشكر، فما خلق السماوات والأرض وما بينهما لاهياً أو لاعباً، ما خلقهما إلا بالحق.

    معنى قوله تعالى: (وإن الساعة لآتية)

    قوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ جائية لا محالة، فلا تقل: متى، فساعة الموت عرفتموها، فمن منكم يحلف ويقول: والله لأعيشن غداً ويملك هذا؟ والله لا يقولها عاقل.

    ثانياً: الساعة العظمى الكبرى، فبعد نهاية هذه الحياة الزائلة الفانية تأتي الساعة العظمى؛ حيث تجد البشرية نفسها موجودة بين يدي ربها، الخليقة كلها على صعيد واحد، على تربة واحدة، أبيضهم وأسودهم، أولهم وآخرهم، يقفون موقفاً في يوم مقداره خمسون ألف سنة، فكيف ستعيش خمسين ألف عام وأنت جائع؟ كيف تعيش ألف سنة وأنت عطشان؟ وأنت عار؟ كيف تعيش خمسين ألف سنة واقفاً بين يدي الله؟ قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4-5] البشرية مقبلة على العظائم والعجائب، ولكنها عمياء صماء لا تبصر ولا تفهم ولا تذكر: لماذا خلقنا؟ لم خلق هذا الكون كله؟ لم هذه الشمس تطلع وتغيب؟ لم هذا القمر يظهر ويغيب ويختفي؟ لم هذا يموت وهذا يحيا؟ لم.. لم.. لم؟

    أعبثاً أو لهواً أم باطلاً؟ لا والله ما هو إلا تقدير العزيز الحكيم، وتدبير العليم الخبير.

    معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل)

    هكذا يقول تعالى: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ يا رسولنا فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85].

    من هو المأمور بالصفح الجميل؟

    الجواب: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعاني ويقاسي من الشدائد شيء ما عرفناها ولا سمعنا بها، فما بالكم بالذي يعلن الحرب وحده على أمة كاملة.. على البشرية جمعاء، يعصيها ويخالف أمرها ويدعو إلى دعوته.

    إذاً: أمر تعالى بعد هذا بناء على ما علمت وبينا لك فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] الذي لا جزع فيه ولا أذية تؤذي به أحداً، وعليه فأي شخص يتعرض للأذى قل له: اصبر ولا تجزع فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:85-86].

    اصفح عن هؤلاء المشركين المعرضين المتكبرين، الهابطين إلى الأرض كالبهائم، اصبر واصفح ولا تجزع ولا تؤذيهم أيضاً!

    فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] إن ربك هو الذي يتولاهم، وهو الذي يجزيهم، وهو الذي يصدر حكمه عليهم، أما أنت فليس ذلك لك، وهذه الآية بالذات نزلت قبل قول الله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] هذه الآية منسوخة أي: العمل بها انتهى لأنه لما هاجر رسول الله إلى المدينة، وأصبح له جيش وقوة، أمره الله بقتال المشركين في مكة وخارجها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123]، وآية أخرى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5].

    فالأمر بالصفح الجميل في بداية الدعوة: اصفح واصبر ولا تسب ولا تشتم ولا تؤذي أحداً، وادع إلينا فقط بلسانك وفوض الأمر إلينا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:86].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)

    ثم قال له الرب تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] هذا والله خير من الدنيا وما فيها.

    وهذه بشرى للمؤمنين: أيما عبد حفظ كتاب الله عز وجل وعمل به فوالله إن ما أعطاه الله خير مما أعطى أكثر الأغنياء من مال في الدنيا.

    وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي سبع آيات تثنى وهي آيات الفاتحة وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] بكامله، فلهذا لا تبالي بغناهم ولا أموالهم ولا ما عندهم أبداً؛ وأنك فقير وفي بيت على قدر حاجتك والآخرون في قصور وفي أموال وكذا وتجارات، فأنت معك قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم ...)

    ثم قال تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:88] لا تنظر إلى أموالهم ولا ما عندهم أبداً وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88] الذين كانوا معه كـ أبي بكر وعمر وفلان وبلال .. وكذا ، اخفض وألن جناحك لهم، ولا تبالي بأموال الكفار وبيوتهم وتجاراتهم وما عندهم.

    هذه التربية تربية الله لرسوله وأتباعه مثله، ولو كنا على نهجه ونمشي في طريقه، في عبادة الله والدعوة إليه لكانت الآيات تشرح صدورنا فقد قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:86-87].

    ومن أهل العلم من يقول: السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأعراف، والأنفال، والتوبة..

    والقول الصحيح وهو عن علي وغيره: سبعاً من المثاني هي: الفاتحة، والقرآن العظيم بعدها.

    وغداً إن شاء الله نتعرض للسبع المثاني وهي تعدل القرآن وتوازيه.

    والله تعالى نسأل أن ينفعني وإياكم بما نتعلم ونسمع.