إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقص الله علينا خبر قوم لوط مع نبيهم وكيف أن شهوتهم إلى الفاحشة قد طغت على قلوبهم حينما انتكست فطرهم فأقبلوا على الذكور دون الإناث، حتى اقتحموا بيت نبيهم يريدون أضيافه، فحاورهم نبيهم وعرض الطيب عليهم ليفدي ضيفه، وهيهات لهذه القلوب أن تنتهي، كيف وقد سبق السيف العذل، فحق عليهم الوعيد ونزل بهم العذاب الشديد حين أخذتهم الصيحة مشرقين، وهوت عليهم حجارة من سجيل، ثم ذكر الله خبر أصحاب الأيكة المشركين وكيف نزل بهم العذاب المهين، حينما كذبوا رسولهم شعيباً، فكانوا كقوم لوط السابقين عبرة للمعتبرين، وإنهما لبإمام مبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء أهل المدينة يستبشرون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع آيات سورة الحجر، قال تعالى: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [الحجر:68-79].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زلنا مع ما قص الله تعالى علينا في كتابه من قصة قوم لوط، وقد عرفنا أن لوطاً صلى الله عليه وسلم ابن أخي إبراهيم، وجاء معه من أرض بابل بالعراق، وأرسله الله بعدما نبأه إلى سدوم وعمورة ديار قوم لوط، وعلمنا أن الضيف الكريم المكون من جبريل وإسرافيل وميكائيل هذا الضيف الكريم نزل أولاً عند إبراهيم بأرض الشام، وبشروه بما علمتم، بغلام عليم، الذي هو إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وأخبروه أنهم في طريقهم إلى قوم لوط؛ لإنهاء وجودهم وتدميرهم بإهلاكهم، لما ارتكبوا من أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، وهو الكفر بالله والشرك به تعالى ثم إتيان الفاحشة القبيحة الذميمة فاحشة اللواط.

    وها نحن نسمع الآن قول ربنا: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ [الحجر:67] أي: أهل مدينة سدوم وعمورة مدن قوم لوط، جاءوا إلى لوط عليه السلام في بيته، لما بلغهم من طريق الجاسوسية والوشاية أن في بيت لوط ضيوفاً، ثلاثة رجال من أحسن الرجال وجوهاً، لما بلغهم الخبر ولعله بواسطة عجوز السوء عليها لعائن الله جاءوا كالكلاب يهرعون، وأحاطوا بالبيت، وطالبوا لوطاً أن يسمح لهم بالدخول على هذا الضيف.

    وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر:67] يستبشرون فرحين مسرورين، لما بلغهم من أن ضيوفاً جمالاً حساناً دخلوا المدينة وهم في بيت رسول الله لوط.

    فرحين لأنهم كالكلاب، الغلمة سيطرت على نفوسهم، وعمتهم الشهوة وأصبحوا شراً من الكلاب، لا يتمالكون أبداً إذا شاهدوا الرجل الجميل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون)

    قال تعالى: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر:67] فأجابهم رسول الله لوط عليه السلام قائلاً: إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر:68] يا قوم! هؤلاء ضيفي نزلوا عندي، فلا تفضحوني، ولا تذلوني وتهينوني بأن تتسلطوا على الضيف وتفعلوا فيه الفاحشة قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر:68].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا الله ولا تخزون)

    قال تعالى حاكياً عن لوط عليه السلام قوله لقومه: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ [الحجر:69].

    وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجر:69]. أمرهم أن يتقوا الله، فلا شك أنهم يؤمنون بالله، وإلا ما أمرهم بهذا، لكنه إيمان صوري، فالذنوب غطت قلوبهم وغشيت نفوسهم، وما أصبحوا يعرفون شيئاً، أصبحوا كالبهائم.

    يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ [الحجر:69] في ضيفي وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجر:69] خافوه، واتركوا هذه الفاحشة، وتوبوا إليه، اعبدوه وحده، ولا تخزوني في ضيفي، فأجابوه عليهم لعائن الله، أجابوه قائلين: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أولم ننهك عن العالمين)

    قال تعالى حاكياً عن قوم لوط ردهم على نبيهم عليه السلام: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70].

    أي: ألم يسبق لنا أن نهيناك عن الضيوف وعن الرجال؟ فكيف تمنعنا منهم؟!

    ألم ننهك فيما مضى عن ضيافة إنسان في بيتك وتحصينه وحراسته عندك؟

    لم تفعل هذا يا لوط؟! أولم ننهك فيما سبق عن العالمين من الرجال دون النساء؟

    فكيف اليوم تمنعنا من أن نتمكن من إتيان الفاحشة من هذا الضيف الذي عندك؟ وتقف في وجهنا وتصدنا؟

    وهذا الاستفهام معناه: التقريع والتوبيخ: قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70].

    بم يجيبهم رسول الله لوط؟ آه لو كان له ركن يركن إليه! أو قوة يفزع إليها، فماذا عساه أن يقول: قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين)

    قال تعالى حاكياً عن نبيه لوط في محاورة قومه: هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71]وبناته من صلبه وبنات القبيلة، كلهن بناته.

    أي: تزوجوا بالنساء، فهناك مئات آلاف من البنات موجودات، فلم تعرضون عنهن وتدبرون وتقبلون على الرجال فقط لترتكبوا أعظم فاحشة؟! قال تعالى في سورة هود: هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود:78].

    قوله: إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71] إن كنتم فاعلين أي: ممتثلين أمري، مجتنبين نهيي، إن كنتم تسمعون لما آمركم به وأنهاكم عنه.

    هذه كلمات لوط عليه السلام، فدى ضيفه ببناته كما أخبر تعالى عنه، هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود:78].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون)

    وهنا قال الله عز وجل: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] من الذي حلف؟ الله جل جلاله.

    حلف لمن؟ حلف للوط عليه السلام أو حلف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والسياق يدل على الوجهين، والكل جائز.

    الله قال: لَعَمْرُكَ [الحجر:72] للوط، أن الله يفعل بهم كذا وكذا، أو قال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم وهو يقص عليه هذا القصص: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] لا يستجيبون لك يا لوط! ولا يمتثلون أمرك، ولا يفقهون ما تقول، ولا يعقلون؛ لأنهم في سكرة، في غمرة من الشهوات العارمة يعمهون، مرهم أو انههم، أعطهم البنات وكذا لا يسمعون.

    لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] وهنا نعلم أن لله تعالى أن يحلف بما يشاء، وليس لغير الله أن يحلف إلا بالله، فلا يقولن قائل: ها هو الله تعالى حلف بعيش رسوله وحياته وعمره؛ لأن: لَعَمْرُكَ [الحجر:72] معناها: لعُمْرُك؛ ولكثرة الاستعمال خففت الضمة إلى فتحة: لَعَمْرُكَ [الحجر:72] أي: لحياتك.

    استمعوا يرحمكم الله: لا يقولن قائل: الله حلف برسوله صلى الله عليه وسلم لوط أو محمد صلى الله عليهما وسلم؛ فأنا أحلف بما حلف الله به؛ لأن الله تعالى له أن يحلف بما يشاء، فقد حلف بالشمس وضحاها، وحلف بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، فلله أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته، أما عبيده فلا حق لهم في أن يحلفوا بغيره عز وجل.

    ومن هنا في هذا المسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يعلم أصحابه ويقول: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).

    ومرة أخرى قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ).

    ومرة قال: ( من حلف بغير الله فقد كفر ).

    معشر المستمعين والمستمعات! خذوا هذه القضية العلمية؛ لأن إخوانكم تشاهدونهم وتسمعون منهم من يحلفون بما شاءوا، من النبي إلى الكعبة، فهذه الأيمان باطلة أبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن فيها لمؤمن ولا مؤمنة.

    ومن لطائف رحمته صلى الله عليه وسلم: أن الشخص إذا اعتاد زمناً طويلاً الحلف بغير الله، حتى أنه ما يشعر أنه يحلف بذلك الذي يحلف به، ففي هذه الحال أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أن يكفر عن يمينه بأن يقول: لا إله إلا الله!

    إذاً: يا عبد الله إذا جرى على لسانك: والنبي! ثم تنبهت وعرفت أنك أخطأت قل: لا إله إلا الله، فالسيئة تمحوها الحسنة، والحلف بغير الله سيئة، وكلمة: لا إله إلا الله حسنة تمحوها، وفي الحديث الصحيح ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ).

    لَعَمْرُكَ [الحجر:72] الله يقول للوط عليه السلام أو لنبينا صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] ما استجابوا لما قال لوط ولا لما بين لهم، ولما نصحهم، ولما حذرهم وخوفهم أبداً؛ لأنهم في ظلمة وهي الشهوة شهوة الذكور والعياذ بالله عز وجل.

    لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] أكثر من العمى، عمى القلوب والأبصار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة مشرقين)

    قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:73] صيحة جبريل التي لما سمعوها خرجت نفوسهم من صدورهم.

    فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:73] أي: في الإشراق، من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، تلك الساعة هي التي أخذتهم بها الصيحة.

    فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:73] أي: داخلين في الإشراق، كما تقدم مصبحين أي: داخلين في الصباح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)

    وقال تعالى: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [الحجر:74] جعلنا عالي المدينة التي كانت مبان مشيدة ومعمورة أسفل، كالخسف، وما كان أسفل أصبح فوق، كل هذا بصيحة واحدة.

    وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74] والسجيل: الحجارة المحماة المحترقة، هذه الحجارة من الملكوت الذي يعرفه الله ويعلمه، فالذين كانوا خارج المدينة أهلكهم الله بهذه الحجارة الملتهبة المحرقة، وأما أهل المدينة فانقلبت عليهم رأساً على عقب. هكذا يقول تعالى في بيان إهلاك قوم لوط المجرمين، يقول: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74]، من جهنم.

    وجاء في سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل:1-4].

    كما أهلك قوم لوط بهذه الحجارة من النار، أهلك كذلك قوم أبرهة الحبشي بحجارة من سجيل، إلا أن حجارة أبرهة تحملها طير بمخالبها، وأما هذه فلم يذكر تعالى كيفية إرسالها عليهم بل قال: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74].

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ [الحجر:67] مدينة قوم لوط سدوم وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر:67] فرحين مسرورين، لما بلغهم من وجود ضيف حسن الوجوه في دار النبي لوط عليه السلام.

    قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر:68] من قال هذه الجملة؟ نبي الله لوط، قال لهم: إن هؤلاء الموجودين عندي في بيتي ضيفي، فكيف تهينونني وتفضحونني؟

    وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجر:69] خافوه واتركوا هذه الجرائم والموبقات وَلا تُخْزُونِ [الحجر:69] في ضيفي.

    قَالُوا [الحجر:70] أجاب اللائطون المشركون أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70] أما سبق أن نهيناك أن لا تتدخل في شئوننا، وأن لا تحول بيننا وبين ما نريد، وأن لا تدخل ضيفاً في بيتك وتحفظه عندك، فكيف تعود لمثل هذا؟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70]؟

    فأجابهم لوط عليه السلام، قال: هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78] تزوجوا النساء.

    لم الإقبال على الذكور وترك الإناث؟

    لم هذا الخروج عن الفطرة والغريزة البشرية، بل حتى الحيوانية، فالحيوان لا ينزو الذكر منها على الذكر أبداً؟!

    هنا انتهى الجدال بين لوط والقوم المسرفين، فقال تعالى: وعزتي وجلالي لَعَمْرُكَ [الحجر:72] يا رسولنا! إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:72-73] أقسم الله تعالى بحياة لوط أو حياة محمد صلى الله عليه وسلم، أو حياتك أنت أيها السامع! أن القوم في سكرة يعمهون، فهذه الغلمة -والعياذ بالله- سيطرت على نفوسهم فاستبدت بهم في الشهوات، فما أصبحوا إلا كالحيوانات لا يفهمون.

    فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر:73] مع الصباح والإشراق، فبين تعالى كيف كانت العاقبة: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74] من جهنم، وهي الحجارة المحترقة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين)

    كتاب الله كله كتاب هداية، كتاب رحمة وأخذ بيد البشرية إلى سبيل نجاتها، فهنا يعقب تعالى على هذه الأحداث كلها بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] إن في هذا الذي سمعناه من هذه الأحداث الجسام آيات، أي: علامات تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث حق، وأن الجزاء حق في الدنيا والآخرة.

    إن في ذلك المذكور الذي سمعتم من أحداث جسام وعجائب في الكون لآيات وعلامات تدل على أنه لا إله إلا الله، وأنه يجب أن يعبد الله، وأن لا نجاة إلا في عبادة الله.

    ولكن لمن هذه الآيات؟ من يراها؟ من يفقهها؟ من يفهمها؟ قال: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أصحاب الفراسة، أصحاب العقول الواعية، والرسول يقول: ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ). ويقول: ( وبفقه الله يفقه ).

    والشاهد عندنا في التوسم وهو: النظر الدقيق من صاحب العقل السليم، الذي يستطيع أن يدرك به الشيء ويعرف حقيقته.

    إذاً: هذه الآيات من يستفيد منها؟ أصحاب العقول الهابطة؟! أصحاب العقول البهيمية؟!

    الجواب: لا. بل أصحاب العقول النيرة، والقلوب الصافية والأنفس الزكية، هم الذين يجدون فيما ذكر تعالى آيات، كل آية تقرر الحق وتبطل الباطل، كل آية تدعو إلى الكمال وتنهى عن النقصان، كل آية تدعو إلى السعادة، وتنهى عن الشقاء.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [الحجر:75] لمن؟ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] جعلنا الله وإياكم منهم!

    والمؤمن الزكي النفس الطيب الروح الصافي العقل أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمعتم: ( اتقوا ) يا عباد الله! ( اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل ويفقه بتوفيق الله عز وجل ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنها لبسبيل مقيم)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76] وَإِنَّهَا [الحجر:76] أي: مدينة سدوم وعمورة، المدن التي أهلكها الله -وهي الآن بحيرة تسمى البحر الميت- لبطريق مقيم دائم من مكة إلى الشام، طريق العرب يمرون بهذه القرية، أو بهذه المدن الهالكة إلى الشام، طريق مقيم ثابت دائماً.

    وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76] لا يزول ولا يذهب ولا يتحرك، فكيف إذاً لا يتعظون؟

    كيف يسافرون ويمرون بهذه البحيرة الميتة ولا يذكرون الله، ولا يعتبرون ولا يتعظون، والله يقول: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76]؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية للمؤمنين)

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:77] المؤمنون أحياء، والكافرون أموات، فالمؤمن الحي هو الذي يشاهد ويلمس ويحس ويشعر، وأما الكافر فهو ميت.

    إذاً: في هذا المذكور آية للمؤمنين فقط، أما الكافرون فهم لا يرون في ذلك شيئاً، إذ هم لا يؤمنون!

    وهذه القصة من أولها إلى آخرها لو تقصها على كافر لا يستفيد، فما هو بمؤمن، لكن لو قرأتها على مؤمن يقوى إيمانه ويزداد انطلاقه في الأعمال الصالحة، والبعد عن الأعمال الفاسدة؛ وذلك لأنه حي والكافر ميت.

    واسمعوا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الحجر:77] علامة عظمى أكثر من علامة الشمس والقمر على وجود الله وعلمه وقدرته وتوحيده، وعلى نبوة رسوله ورسالته، وعلى أن دينه حق وأن اللقاء معه حق، وأن الجزاء في الدار الآخرة حق، لكن يرى هذا المؤمنون فقط لأنهم أحياء

    أما الكافرون فأموات إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:75-77].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين)

    ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [الحجر:78]. من أصحاب الأيكة؟ وما الأيكة؟

    الأيكة: الشجر المختلط ببعضه البعض، شجر الدوم، هنا كانت قبيلة أرسل الله تعالى إليها رسوله شعيباً عليه السلام، وشعيب العربي كما علمنا أرسل إلى أمتين: إلى أصحاب مدين، كما قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف:85]، وإلى أصحاب الأيكة، أرسله إلى أصحاب الأيكة وكانوا مشركين، يحتمل أنهم يعبدون الشجر، قال تعالى: وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [الحجر:78] وقد عرفنا أن أفظع أنواع الظلم الشرك بالله تعالى.

    ونكرر القول فنقول: الظلم أنواع، إذا كنت تسبني فقد ظلمتني.. تصفعني فهذا ظلم أشد من السبة.. تقتلني فهو أشد من الصفعة، فالظلم طبقات، وأشد أنواع الظلم وأعظمه: الشرك بالله عز وجل، وقد قال تعالى في كتابه على لسان لقمان الحكيم: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    كيف كان الشرك ظلماً عظيماً؟

    الله عز وجل خلق هذا الإنسان ورزقه ووهبه حواسه سمعه وبصره ولسانه، وخلق هذا الكون الذي يعيش فيه من أجله، ثم دعاه إلى أن يعبده من أجل أن يكمل ويسعد بهذه العبادة، وينجو من الخسران، ثم هو يتعامى ويتصامم، ويغمض عينيه ولا ينظر إلى الله، ويعبد معه غيره، فأي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ أسألكم بالله أي ظلم أفظع من هذا الظلم؟!

    إذاً: الشرك هو أن تشرك مع الله غيره ِإما في ربوبيته بأن تقول: فلان يرزق ويخلق ويعطي ويمنع ويضر وينفع، أو تشركه في عبادته التي اختص بها وحده، فتعبد معه غيره.

    وهنا معاشر المؤمنين! الأمر عظيم، علمنا أن الله عز وجل توعد، أخبر، أعلن أنه لا يغفر للمشرك أبداً، كل الذنوب موضوعة تحت النظر إلا الشرك لا يغفر، وذلك في آيتين في كتاب الله من سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    إذا زنيت أو سرقت ما أهنت الله عز وجل ولا ظلمته، لكنك إذا التفت إلى حجر أو إلى بشر تقبل عليه بقلبك ووجهك، تدعوه وتحلف به فقد أعرضت عن الله إعراضاً كاملاً، وصرت بذلك كافراً بالله مشركاً به.

    والقضية قضية يجب أن نفقهها، ومن مظاهر الشرك يا عباد الله! اعتقاد أن فلاناً يعطي ويمنع، ويضر وينفع، إذ هذه صفات الله عز وجل، وهذا قد جعل هذا المخلوق شريكاً لله في هذا التدبير والخلق! فهذا يسمى بشرك الربوبية.

    وأما الشرك في العبادة -وهو أكثر انتشاراً والعياذ بالله- أن ندعو مع الله غيره نحو: يا رب! ويا فلان! وتسمعون من العامة: يا ألله! يا سيدي فلان! وهذا شرك في الدعاء، دعاء غير الله شرك من أعظم أنواع الشرك، ومن سأل غير الله والله ما يعطى، فلا أحد يملك مع الله شيئاً في الكون، ولكن الشياطين تزين وتحسن للبشرية أن يشركوا بربهم ويعبدوا غيره.

    وهنا أحذر نفسي وكل مؤمن ومؤمنة أن يسمعك الله تنادي غير الله عز وجل! لا ملك ولا نبي ولا ولي ولا عبد.. أبداً، فلا إله إلا الله!

    ومظهر آخر من مظاهر الشرك كما قلت لكم: الحلف، يحلفون بالطعام، بالليل، بالنهار، بالرأس، بالعين، بالنبي، بالكعبة، بالمصحف، كل هذا والله من الشرك ولكنهم ما عرفوه.

    وقلت لكم: إذا كان يجري على لسان أحدكم هذه الأيمان ولا يدري، فجأة يقول: (والنبي) فليقل بعدها: (لا إله إلا الله)، فإن الحسنة تمحو السيئة.

    هؤلاء أصحاب الأيكة كيف دمرهم الله؟

    الجواب: جاء ذلك مبيناً في سورة الشعراء، أرسل عليهم عواصف من الحر شديدة لا نظير لها، دخلوا في الكهوف فما أغنت عنهم شيئاً، دخلوا في البيوت فما أغنت عنهم شيئاً، تلتهمهم النار من شدة الحر، ثم أرسل الله تعالى ظلة.. سحابة باردة فأخذوا يتجمعون تحتها بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، حتى انتظمهم ظل تلك السحابة، ثم كانت صاعقة فأهلكتهم أجمعين، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189] فشدة الحر ألجأتهم إلى أن يجتمعوا تحت هذه السحابة لوجود الظل فيها والبرد، فلما انتظمتهم السحابة وكانوا كلهم تحتها أخذتهم الصاعقة فهلكوا عن آخرهم.

    ما سبب هلاكهم؟ شركهم بالله عز وجل، رفضوا أن يستجيبوا لعبد الله شعيب، وأن يعبدوا الله وحده، وآثروا الدنيا والشهوات على الآخرة، فقال تعالى: وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [الحجر:78].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين)

    ثم قال تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [الحجر:79].

    قوله: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الحجر:79] انتقم الله منهم لما كفروا به وأشركوا، وحاربوا رسوله، وما استجابوا لدعوته، فعبدوا غيره.

    وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [الحجر:79] وإنهما أي: سدوم وأصحاب الأيكة كذلك في طريق الشام، وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ [الحجر:79] أي: طريق مُبِينٍ [الحجر:79] الآتون من مكة ومن المدينة الذاهبون إلى الشام والله يمرون بالقريتين سدوم وذي الأيكة.

    وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ [الحجر:79] والإمام: الطريق الذي يأتم الناس فيه ويمشون عليه دائماً، وهو أمامهم، والمبين: الواضح البين.

    وَإِنَّهُمَا [الحجر:79] أي: المدينتان اللتان أهلكهما الله بطريق واضح بين للسالكين والسائرين.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    معاشر المؤمنين! نتأمل الآيات مرة ثانية، قال تعالى: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر:67] أهل مدينة سدوم، هؤلاء قوم لوط جاءوا يستبشرون فرحين؛ لأن ضيفاً في بيت لوط؛ ليرتكبوا الفاحشة معه، وهؤلاء وحوش وبهائم، والله إنهم لشر الخليقة.

    قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر:68] دافع لوط عليهم السلام عن ضيفه، وواجب كل مؤمن أن يدافع عن نفسه وعن دينه وشرفه، ولا يسكت.

    إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر:68] اذهبوا عني، واتركوني، ولا تخزوني ولا تذلوني وتهينوني.

    قالوا.. واسمع كلمة الكفار الفجار: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70]؟

    أي: أتقول هذا وما تذكر أننا نهيناك من قبل أن تمنع منا الرجال إذا أردناهم؟

    قال: هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71] ضحى ببناته مقابل أن يصون ضيفه ويحفظه ويحميه.

    والمراد من عرض البنات: عرض زواج، لا عرض زنا كما جاء في آية أخرى: هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ [هود:78].

    ثم قال تعالى له: لَعَمْرُكَ [الحجر:72] يا لوط! إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] ما يستجيبون ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يفهمون، فهذه الغلمة -والعياذ بالله- وهذه الغريزة والشهوة بسببها ما يفقهون ولا يسمعون ولا يفهمون!

    فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ [الحجر:73] في أي وقت أخذتهم؟ مُشْرِقِينَ [الحجر:73] لأن لوط سرى بالليل فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [الحجر:65] وتم هذا الحوار في الليل، ومشى لوط مع بناته وأهله والمؤمنين وتولى الله عز وجل سحق وقتل هؤلاء المجرمين.

    فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:73-74] من جهنم، هذا عذاب الله استوجبه القوم الكافرون.

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الحجر:75] الذي سمعتم لَآيَاتٍ لمن؟ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] العقلاء البصراء العارفون، أما الذين لا بصيرة لهم ولا نور ولا هداية فلا يشاهدون الآيات أبداً.

    والآن العلمانيون بالملايين بل مئات الملايين لا يشاهدون السماء ولا الكون أبداً، كالبهائم! يقولون: لا إله، أين عقولهم؟

    أسألكم بالله الذي هو موجود مخلوق يقول: أنا لست بمخلوق؟! ما أنا بموجود؟! الكون كله موجود ولا ينظر إليه، يقول: لا إله والحياة مادة، فأين العقل؟!

    لم لا يشاهدون الآيات؟ لو رفعوا رءوسهم إلى السماء لقالوا فقط: من سماها؟ من أسماها؟ من رفعها؟ من أوجدها؟ من أوجد كواكبها؟ من أوجد شموسها؟ من أوجد أقمارها؟ من؟ من؟ من؟

    إذا ما عرفتم فاسألوا العارفين، اطلبوهم إذا قالوا: هم في الهند أو في السند!

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [الحجر:75] لمن؟ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] أمّا هم فلا بصيرة لهم أبداً، ولا يشاهدون شيئاً، وإلا فقط قف يا عبد الله! قف أسألك: أنت موجود أم غير موجود؟ فإن قلت: أنا غير موجود فلا يصلح أن أتكلم معك، فأنت أحمق مجنون. إذا قلت: موجود. قلت لك: من أوجدك؟

    إذا ما عرفت اسأل، يوجد من يعرف من أوجدك في الشرق والغرب، ارحل إليهم واسأل: أنا أسأل عن من أوجدني؟ ما اسمه؟ أين يوجد؟ كيف يكون؟ كيف قدرته؟ لكنهم لا يسألون أبداً، وصدق الله العظيم: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] العقلاء البصراء.

    وَإِنَّهَا [الحجر:76] أي: هذه المدينة لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76] وهي البحر الميت إِنَّ فِي ذَلِكَ [الحجر:77] الذي سمعتم لَآيَةً [الحجر:77] وأعظم آية، ولكن لمن؟ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:77] لا للملاحدة، لا للشيوعيين، لا للعلمانيين، والله ما هي بآية لهم ولا يبصرونها أبداً!

    وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [الحجر:78] الأيكة: قرية فيها شجر دوم، وبها قوم يعبدون الشجر مع الله عز وجل، فبعث الله إليهم شعيباً عليه السلام بعدما أهلك الله أمته، فعرض عليهم التوحيد أيضاً، فلما تكبروا واستكبروا أخذتهم الظلة وهي عذاب عظيم، أرسل الله عليهم حراً ما عرفته الأرض، يقول أهل العلم: دخلوا الكهوف فما منعوا، فعلوا ما استطاعوا، فما منعوا، ثم أظهر الله تعالى سحابة في السماء فلجئوا إليها لأن تحتها البرد والهواء الطيب، فلما اجتمعوا كلهم أخذتهم الصاعقة فأهلكهم الله عن آخرهم.

    وَإِنَّهُمَا [الحجر:79] أي: المدينتين الهالكتين بطريقك يا عربي إلى الشام لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [الحجر:79] هذا كلام الله.

    إذاً: فلنقل: لا إله إلا الله، ولنبحث عما يحب الله فنفعله، ولنبحث عما يكره الله فنتركه، فهذا سبيل نجاتنا وسبيل سعادتنا وكمالنا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ هداية الآيات] وقد قدمنا أن لكل آية هداية تهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وهذه الآيات فيها هدايات[ من هداية الآيات: أولاً: بيان إهلاك قوم لوط ] وقد عرفنا كيف أهلكهم الله.

    [ ثانياً: إنكار الفاحشة وأن أقبح فاحشة تعرفها الإنسانية هي إتيان الذكور ] وقد قلت لكم: الحيوانات والله العظيم! لا ينزو الذكر منها على الذكر! هل رأيتم الجمل ينزو على الجمل؟ أو الكلب على الكلب؟ لا والله، فكيف الآدمي ينزو على الآدمي؟! من أعجب ما يكون.

    إنكار هذه الفاحشة، وأنها أقبح فاحشة تعرفها الإنسانية وهي إتيان الذكر الذكر، وقد بلغكم أن في أوروبا يوجد ما يسمى بأندية اللواط، فهل هؤلاء عقلاء ؟ هل هؤلاء يفهمون؟ والله إنهم لشر من القردة والخنازير، وإن طاروا في السماء وغاصوا في الماء، وإن لبسوا الحرير وأكلوا اللحم والشحم، فهم بهائم بل شر من البهائم!

    [ ثالثاً: بيان دفاع لوط عليه السلام عن ضيفه حتى فداهم ببناته ] وهذا واجب كل مؤمن، ينزل عندك ضيف فتدافع عنه وتحميه بنفسك.

    [ رابعاً: شرف النبي صلى الله عليه وسلم حيث أقسم الله بحياته في قوله: لَعَمْرُكَ [الحجر:72] ] أي: لحياتك ولعيشك.

    شرف كبير أن يحلف الله بك، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم سيد العالمين، وكان إمام المتقين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

    [ خامساً: الحث على النظر والتفكر والاعتبار والتفرس، فإنه أنفع للعقل البشري ] الحث على النظر وعلى التفكر والاعتبار والتفرس فهذا أنفع للعقل البشري وقد قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75].

    [ سادساً: بيان نقمة الله تعالى من الظالمين ] وقد بينها تعالى [ للاعتبار والاتعاظ ] إذا مررنا بديار أهلكها الله نتعظ ونبكي ونذكر الله.

    [ سابعاً: تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مثل هذه الأخبار لن تكون إلا من وحي الله عز وجل، ومن أوحاها إليه لن يكون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.