إسلام ويب

تفسير سورة الحجر (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في صدر هذه السورة يقرر الله عز وجل عظمة هذا القرآن الحكيم وعظمة هذا الدين الحنيف الذي سيأتي يوم على كل من أعرض عنه، ولهث وراء دنياه، فيتمنى أن يكون من أهله ومعتنقيه، وذلك اليوم لا شك كائن لأن الله قد جعل لكل أمة أجلاً معلوماً ووقتاً محدوداً إذا جاء فإنه لن يتأخر ولن يتقدم، بل يعاجل الله فيه أولئك القوم، ولا يدع لهم فرصة للمراجعة أو التوبة.

    1.   

    وقفة مع حديث: (إذا كان النصف من شعبان يتجلى الرب تعالى ويغفر لكل مؤمن ومؤمنة)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألفٍ وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وبين يدي الدرس، بلغني أن بعض المستمعين تألموا لقولي: إن هذه الليلة ليلة النصف من شعبان فادعوا الله تعالى فيها بخير.

    وقالوا: ما سمعنا هذا من أحد إلا اليوم، ولم يقله فيما مضى، من عمره خمسة وأربعين سنة في هذا المسجد؟ واحتاروا وتبلبلوا، واضطربوا، فقلت لهم: غداً إن شاء الله إن أحيانا الله نبين لكم ذلك.

    أولاً: نحدثكم عن الصبا، فأنا كلما بلغني خير أجاهد نفسي لأعمله، وقد كنت وأنا طفل في السابعة أو السادسة من عمري، ووالدتي رحمة الله عليها تصلي ليلة النصف مائة ركعة أصلي إلى جنبها، هذه أحداث سبعين سنة أو زيادة، ولما ما وجدنا حديثاً صحيحاً يدعونا إلى الصلاة أو الصيام تركنا ذلك فما صمنا يوم النصف، ولا قمنا، كذلك وأنا طفل كنت أصلي إلى جنب شيخ كبير السن -مثلي الآن- يقرأ في الركعتين بعد المغرب بآية الكرسي في الركعة الأولى والصمد في الثانية، فقلدته وواصلت عمري أقرأ الركعتين بعد المغرب بالفاتحة والكرسي والفاتحة والصمد، حتى وقفت على حديث صحيح في هذا العام: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بـ(الكافرون والصمد) )، فأصبحت أقرأ بـ(الكافرون والصمد)، وتركت ما كنت عليه زمناً طويلاً.

    وكنت أيضاً أصلي أربع ركعات بعد صلاة العشاء خلاف قيام الليل، وفي هذه الأيام عثرت على حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فيه عائشة : ( كان إذا جاء إلى المنزل يصلي ست ركعات )، فأنا أصلي ست ركعات الآن.

    وفي هذه الأيام أهداني أحد الأبناء صحيح ابن ماجه ، إذ العلامة الكبير الشيخ الألباني صحح سنن ابن ماجه ففصل الضعيف على جهة وترك الحديث الصحيح في مجلدين أو ثلاثة في جهة أخرى، فقبل يومين أو ثلاثة كنت أطالع فوجدت هذا الحديث الصحيح، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كانت النصف من شعبان يتجلى الرب تعالى ويغفر لكل مؤمن ومؤمنة إلا لمن أشرك أو تشاحن مع أخيه )، ففرحت بالحديث الصحيح، فقلت ماذا؟ ندعو الله، ما دام الله يتجلى هذه الليلة لأهل الأرض ويغفر، ندعوه، وقد دعونا والحمد لله، فقلت ذلك من باب تقديم الخير للمستمعين، ما قلت لكم: تجمعوا ولا اذبحوا الشاة ولا أنشدوا الأناشيد ولا تغنوا ولا ارقصوا ولا ولا.. قلت ادعوا الله، ونحن ندعو الله الليل والنهار، والله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، أصليتم الليل؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، والذي نفيناه في التفسير ورددناه على أهله ومنهم السيوطي في تفسيره، هو أن ليلة القدر هي التي أنزل الله فيها القرآن، وهي التي يقضي الله فيها بين العباد، حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:1-3]، وكثير من أصحاب التفاسير يقولون: هي ليلة النصف من شعبان. وما ورد في ذلك حديث صحيح، بل وردت أحاديث ضعيفة ما تقبل.

    إذاً: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، هي ليلة القدر وليس ليلة النصف من شعبان.

    فمن هنا: عرفتم اتجاهي وسلوكي، فأنا لا أبالي بأحد، المهم أن يبلغني عن ربي وعن نبيي ما أطمئن إليه فأقول به وأفعل، فلما بلغني هذه الأيام هذا الحديث الصحيح الذي صححه الألباني وهو أهل لهذا التصحيح في السنن.

    قلت: ما دام الرب يطلع في هذه الليلة على الخلق فندعوه عز وجل بهذه المناسبة، والمؤمن متهيئ إذا سمع الخير يعمل به ولا يرده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)

    والآن مع فاتحة سورة الحجر، وهي تسع وتسعون آية، والحجر: هي مدائن صالح، ما بين المدينة والشام، والآيات التي نتلوها ونتدارسها نصغي إليها مستمعين ترتل علينا وتجود ثم نتدارسها إن شاء الله:

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان، الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [الحجر:1-5].

    تفويض معاني الحروف المقطعة في فواتح السور إلى الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1] سبق أن عرف الدارسون والمستمعون أن القول الصحيح عند هذه الحروف المقطعة أن نقول: الله أعلم بمراده. هو الذي قاله وأنزله فهو أعلم بمراده منه، فنفوض الأمر إلى الله ونسلم.

    وهذه الحروف المقطعة جاءت في أكثر من ثمانية وعشرين سورة إما مفتتحة بحرف واحد مثل: ن [القلم:1]، و ص [ص:1]، و ق [ق:1]، أو بحرفين مثل: يس [يس:1]، طه [طه:1]، طس [النمل:1]، أو مؤلفة من ثلاثة أحرف مثل: طسم [الشعراء:1]، المر [الرعد:1]، أو من خمسة أحرف مثل: كهيعص [مريم:1]، حم * عسق [الشورى:1-2]، فكلها حروف مقطعة إذا سمعتها قل: الله أعلم بمراده، ونحن لا نعرف.

    فوائد الحروف المقطعة في فواتح السور

    وهناك فائدتان جليلتان عن أولي البصائر والنهى ذكرناهما غير ما مرة عند ذكر: (الم).

    الأولى: لما كان المشركون أصدروا أمرهم في مكة برئاسة أبي سفيان ، ممنوع على المواطنين أن يسمعوا هذا القرآن، قالوا: أفسد قلوب أبنائنا ونسائنا وفرق جماعتنا، إذاً: ممنوع أيها المواطنون أن نصغي ونسمع لمحمد إذا كان يقرأ أو أبي بكر أو عمر مثلاً.

    فكان من تدبير الله عز وجل أن بدأ بهذه الحروف الغريبة التي ما ألفوها ولا اعتادوها ولا سمعوا هذا الصوت أبداً، وهنا إذا سمع المستمع البعيد حم * عسق [الشورى:1-2]، يصغي ويسمع، الم [البقرة:1]، يصغي ويسمع، فجذبتهم، فكانت فائدة عجيبة أن جعلتهم يضطرون إلى أن يسمعوا.

    وأما كونهم أصدروا منع السماع فقد جاء في سورة فصلت: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، إذا كان أبو بكر يقرأ أو محمد فصيحوا أنتم وغنوا حتى لا يسمع هذا الكلام.

    الفائدة الثانية: تحداهم الله عز وجل والجن معهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن. ما دمتم كذبتم أن يكون كلام الله، وقلتم: مستحيل ولن يكون كلام الله، فاتفقوا أنتم والجن وأتوا بكتاب مثله.

    جاء ذلك في سورة بني إسرائيل الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، ففشلوا.

    وتحداهم بعد ذلك بعام أو عامين أن يأتوا بعشر سور فقط قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، والله ما استطاعوا ولن يستطيعوا.

    وأخيراً في المدينة نزلت سورة البقرة فتحداهم بسورة، قال تعالى من سورة البقرة: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:23-24]، فعجزت البشرية إلى اليوم.

    كلمة: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24] إلى يوم القيامة، وقد كان فيهم البلغاء الفصحاء الذين يأتون بالعجب في البيان والكلام، وينشدون من الشعر مئات القصائد، ولكن ألجمهم الله فلن يستطيعوا أن يأتوا بآية مثل آيات القرآن.

    إذاً: هو يقول لهم: هذا القرآن الذي أعجزكم مؤلف ومركب من المر [الرعد:1]، المص [الأعراف:1] الر [يونس:1]، يس [يس:1]، طه [طه:1]، فأتوا بمثله، فعجزوا.

    هذا الذي نقوله في فاتحة هذه السورة المفتتحة بالحروف المقطعة بعد أن نفوض الأمر إلى الله، فالله أعلم بمراده بهذه الحروف، وما ذكرناه من الفائدتين قال بهما أهل العلم سلفاً وخلفاً.

    معنى قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)

    قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1]، ابن جرير على جلالته يقول: الكتاب هنا التوراة والإنجيل، وأنا عدلت عن هذا، وعدل عنه غيره.

    والقرطبي يقول: صالح للتوراة والإنجيل، وللقرآن الكريم.

    والذي يبدوا أنه هو الصواب: الر [الحجر:1]، هي التي تكونت منها آيات الكتاب.

    هل هناك آية ليس فيها هذه الحروف؟ لا توجد آية بدون حروف: (أ، ب، ت، ث).

    الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1]، تألف منها آيات الكتاب وهو القرآن الكريم، فمن هذه الحروف تألفت الكلمات، وتألفت الآيات فإذا بها قرآن مبين.

    الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1]، والمبين بمعنى: البين، أبان يبين إبانة إذا بين الشيء وأظهره، فالقرآن مبين.

    وسمي الكتاب: من الكتب الذي هو الجمع، وسمي القرآن من القرن الذي هو الجمع، تجمع أنت الحرف والحرف فتصبح كلمات، وتجمع آيات فتصبح سوراً عديدة.

    وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1]، يبين الحق من الباطل والهدى من الضلال.

    بصورة عامة: القرآن يبين للناس الحق من الباطل، ليعرفوا الحق فيعملوا به، والباطل فيجتنبوه، ويبين لهم الهدى ليتبعوه، والضلال ليبتعدوا عنه، فهو مبين لأمة الإسلام كل طريق لسعادتها وكمالها إذا هم آمنوا به وقرءوه تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: (ربما)، قراءة سبعية، أو رُبَمَا [الحجر:2]، بالتخفيف، ورب للتقليل، وتأتي -كما هو الحال هنا- للتكثير، وإذا زيدت لها الميم يصلح أن تدخل على الأفعال، والأصل دخولها على الأسماء نحو: رب زيد، رب عمرو، رب مطر، رب كذا.. لكن إذا أريد إدخالها على الفعل يضاف إليها (ما)، (رُبَمَا)، (ربّما)، وهنا هي للتكثير وليس للتقليل.

    رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2]، رُبَمَا يَوَدُّ: يحب الَّذِينَ كَفَرُوا: في يوم من الأيام أن لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.

    وهذا له ثلاث مجالات أو مظاهر:

    أولاً: في الدنيا إذا عز المسلمون وسادوا وطهروا وصفوا فالمعرضون عن الإسلام يقولون: آه لو دخلنا في الإسلام، يودون لو أسلموا. وهذا حصل على عهد الرسول والقرون الذهبية الثلاثة.

    ثانياً: لما يكونون في عرصات القيامة ويساق أهل الجنة إلى الجنة وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73]، يقول الكفار: آه لو كنا مسلمين، في هذه الساعة؟!

    المظهر الثالث: عندما يخرج الله الموحدين من النار، أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول أهل النار: آه يا ليتنا كنا موحدين، مسلمين، إذ يشاهدونهم معهم في النار كذا ألف سنة كذا مائة سنة كذا.. ثم يخرجون من أجل أن كلمة لا إله إلا الله التي في قلوبهم، إذ من مات يشهد أن لا إله إلا الله بصدق يدخل الجنة، وإن عُذب في النار ما شاء الله وامتحش فيها كالفحم، ولكن يعود إلى الجنة ويغسل في نهر أمام الجنة، فيعود أطيب ما يكون.

    إذاً: قول ربنا: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2]، له ثلاثة مظاهر:

    الأول: في الدنيا لو عز الإسلام وساد أهله. وهذا مظهر واضح.

    المظهر الثاني: لما يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فيتمنى الكافرون المشركون لو كانوا مسلمين.

    المظهر الثالث: يتمنون أن لو كانوا مسلمين إذا أخرج أهل النار من النار وأدخلوا الجنة، فإنه يتحسر من بعدهم ممن في النار ويقول: آه ليتني كنت مسلماً، ليتني كنت موحداً. هذا معنى قوله تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2].

    وأنتم مسلمون فاحمدوا الله إذاً، قولوا: اللهم أحينا على الإسلام وتوفنا على الإسلام!

    كم وكم من مسلم زاغ قلبه وتهتك، فاللهم أحينا على الإسلام وأمتنا على الإسلام!

    ودعوة يوسف الصديق ابن الصديق لما جلس على أريكة الملك وحضرت أسرته بكاملها، والداه وإخوته... رغب عن الدنيا وعزف عنها، وقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يوسف:101] أي: خالقهما أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، هذه الدعوة ندعو بها دائماً وأبداً، وهي أن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون)

    قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].

    قال تعالى لرسوله ومصطفاه المبلغ عنه: ذَرْهُمْ [الحجر:3] أي: اتركهم يا رسولنا يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].

    والآيات في سياق حمل الرسول على الثبات ومواصلة دعوته إلى نهايتها ونجاحها، وقد نجحت، فالله يقول له: اتركهم يا رسولنا، اترك هؤلاء الكفار، هؤلاء المشركين، هؤلاء الفسقة المعاندين المحاربين، اتركهم يأكلون الأطعمة، اللحوم، الخبز، كذا.. ويتمتعون بالشهوات والملاذ كما أحبوا.

    وهذه تحتاج إلى وقفة، من منكم يرضى أن يكون كـأبي جهل يقول الله تعالى له: كل وتمتع واله؟ ما يرضى بهذا أحد.

    إذاً: يجب أن يكون أكلنا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نأكل ما حرم الله علينا، لا مالاً مغصوباً ولا مسروقاً ولا مراباة فيه، ولا نأكل طعاماً محرماً كلحم الميتة ولحم الخنزير وما إلى ذلك، بل نأكل ما هو طيب طاهر ولا نأكل ونشرب حتى نتخم ونصاب بالمرض، فالله يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، فلماذا تضع بين يديك عشرة أصناف من الطعام أو خمسة أو ستة؟ ما الداعي إلى هذا؟

    كل بقدر ما تحفظ حياتك لتعبد ربك، واشرب بقدر ما تبقي عليك حياتك لتعبد ربك، فالأكل والشرب ليسا لذاتهما ولكن من أجل أن يحفظا للإنسان حياته، ليعبد ربه.

    وكذلك التمتع بأنواع اللباس والطعام والشراب والمراكب لا يليق بنا أبداً، فنحن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن نتورط فنصبح مع هؤلاء الذين تمتعوا بملاذ الدنيا ومطاعمها.

    معنى قوله تعالى: (ويلههم الأمل)

    قوله: وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ [الحجر:3]، الأمل: هو طول العمر.

    الأمل: هو الازدياد في متاع الحياة الدنيا، فمن عنده منزل يريد عمارة، ومن عنده سيارة يريد طائرة، ومن عنده امرأة يريد ثلاث، ومن عنده ألف ريال يريد عشرين ألفاً، ولا يفكر في الدار الآخرة أبداً ولا الموت بحال من الأحوال وهو لا يدري متى تقبض روحه.

    الأمل: التفكر في الدنيا وطلبها والإقبال عليها والغفلة عن الدار الآخرة، والإعراض عنها. هذا هو الأمل المذموم والعياذ بالله تعالى.

    ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، أي: سوف يعلمون عاقبة أكلهم وشربهم وتمتعهم وأملهم الباطل الذين يعيشون عليه.

    المؤمن الصادق يعمل للدار الآخرة، يبني لها، يهدم لها، يتزوج لها، يطلق لها، همه كله أن يسعد يوم القيامة.

    لعل بعض الصالحين لا يفهمون، إذا كنت نريد أن تتزوج فتزوج من أجل الله؛ لأنك في حاجة إلى زوجة، وكذلك إذا أردت أن تطلق فلا تطلق لأجل هواك أو شهوتك بل لأجل الله، وتأكل وتشرب من أجل الله لتحفظ حياتك، وتبني البناية أو تهدمها من أجل الله، من أجل أن تعبد الله؛ لأن قلوبنا مرتبطة بالله، أسلمنا قلوبنا ووجوهنا لله، لا تسيطر علينا الشهوات والأهواء والأطماع والدنيا والتكالب عليها فننسى الله والدار الآخرة والعياذ بالله، والآية صريحة في هذا: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، الآمال البعيدة هي التي تشغل في الغالب الناس عن عبادة الله تعالى وذكره وطاعته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم )

    ثم قال تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:4]. أي: ما من قرية. أي: أهل قرية.

    واصطلاح الجغرافيين الماديين اليوم: أن القرية خلاف المدينة، والقرآن على أن القرية هي الجامعة للأمة.

    قوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الحجر:4]، أي: من عاصمة، والعواصم في عاد مدن عاد الضخمة العالية أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:6-7]. أي: عمارات أعمدتها إلى السماء، ستون ذراعاً، ومع هذا دمرها وأبادها الله.

    ولثمود مدن في الجبال، عجب، يتخذون من الجبال بيوتاً وقصوراً، ومع هذا أهلكهم الله.

    وهكذا يقول تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الحجر:4] أي: من أهل قرية إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:4]، معلوم عند الله. والمراد من الكتاب هنا: كتاب المقادير.

    يا معشر المستمعين! تعلموا هذه المسألة يا زوارنا الأوفياء! القدر والقضاء هو الركن السادس من أركان الإيمان، أركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة.. أركان الإيمان ستة، وقواعد الإسلام خمسة، والتعبير الصحيح، قواعد الإسلام خمسة ينبني عليها دينك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.

    هذه هي أركان الإسلام التي ينبني عليها فإن انهدم ركن انهدمت كل الأركان، لو قال شخص: أنا لا أصوم؛ كفر ولا تقبل منه صلاة ولا حج، إذا انهدمت قاعدة يسقط البناء والأركان كذلك، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

    اعلموا! أن الله عز وجل خلق الخلق، فالخلق مخلوق وما سمي خلقاً إلا لأنه مخلوق، فما كان هناك شمس ولا قمر ولا سماء ولا أرض ولا ولا.. قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:9-12]، قولوا آمنا بالله.

    أغمض عينيك وانظر في هذا الكون، من أوجده؟

    انظر فقط في الخلقة انظر إلينا هل تجد اثنين شكلهما واحد لا يميز بينهما؟

    لو تقف البشرية كلها ما تجد اثنين لا يفرق بينهما أبداً.

    فأي علم أعظم من هذا؟ أي قدرة أعظم من هذه القدرة؟

    إذاً: القدر، أول ما خلق الله القلم، فخلق القلم، قلم الله ليس قلم زيد أو عثمان، يعلم هو سبحانه كيف يكون ( فقال له: اكتب؟ قال: ربي ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة )، فكتب مقادير كل شيء.

    أقسم لكم بالله! جلستنا هذه والله مكتوبة، ولولا أنها مكتوبة والله ما جلستموها ولا كانت أبداً.

    إذاً: كتب الله الشقي شقياً، والسعيد سعيداً، والفقير فقيراً، والغني غنياً، والعزيز عزيزاً والذليل ذليلاً، ولكن ربط ذلك بأسبابه، يسعد هذا لإيمانه وصلاحه، ويشقى هذا لكفره وباطله، ويمرض هذا لأكله ما لا ينبغي، ويصح هذا لفعله كذا فينتفع به.

    إذاً: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:4] بالساعة بل باللحظة والدقيقة يتم هلاكها فيه.

    قال هذا لرسولنا ليخوف أهل مكة، وما يدريكم يا أهل مكة أن لكم ساعة كما كانت لعاد وثمود وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ [الحجر:4]، من القرى، إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:4]، عند الله، معروف بالدقيقة.

    ففي الآية تخويف لأهل مكة؛ ليتراجعوا عن كفرهم وشركهم وعنادهم وحربهم لرسول الله والمؤمنين، وهي في نفس الوقت إلى الأبد، فما من قرية يريد الله إهلاكها ودمارها إلا وقد كتب ذلك وعين وحدد وحتى اليد الفاعلة له، والبشرية تعيش ولا تدري ماذا يحدث لها غداً، وما كتبه الله هو الذي يتم.

    هكذا يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:3-4] عند الله ألا وهو كتاب المقادير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)

    ثم قال تعالى: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [الحجر:5] هذه سنة الله مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا [الحجر:5] بأن تهلك قبل أجلها أبداً، ولا تستأخر أبداً عن وقتها.

    وليس الأمة فقط فأنا وأنتم أيها المستمعون لا نستطيع أن نستقدم فنموت قبل أجلنا بساعة أو لحظة، والله ما يكون ذلك!

    وهل لما وجدنا وجدنا قبل ما كتب الله لنا بيوم أو ساعة؟ والله ما كان ذلك؛ إذ لولا هذا النظام الأزلي لارتطمت الحياة واختلطت وفسدت ولم تعش عاماً واحداً لولا هذا النظام الدقيق.. كتاب المقادير.

    ضربت لكم مثلاً لكتاب المقادير، قلت: المهندس المعماري يجلس على كرسيه والطاولة بين يديه ويضع ورقة ويرسم فيها ما شاء أن يرسم عمارة، فلة، مدينة، قرية، باخرة...، يرسمها بقلمه ويعطيها للمنفذين فينفذونها كما هي حتى النوافذ، حتى ألوان النوافذ. هذا موجود.

    فالله عز وجل كتب في كتاب المقادير كل شيء، ولن يتم إلا إذا حان وقته وتمت ساعته، فقولوا: آمنا بالله، آمنا بالله ولقائه. ‏

    ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر

    وفائدة الإيمان بالقضاء والقدر:

    أن المؤمن لا يكرب ولا يحزن كما يكرب ويحزن الكافر بالقدر الجاهل به، وهذا مجرب ومشاهد، فالمؤمن الصادق إذا أصيب بمصيبة لا يكرب ولا يحزن حزن الكافر والجاهل؛ لأنه عرف أن هذا كتبه الله وقدره ولا يرد أبداً، فلهذا لا ينتقم ولا يبطش ولا يثأر، بل يفوض أمره لله.

    هذا معنى قول الله تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [الحجر:1-5].

    ولو كنتم كل ليلة تسمعون آيات كهذه كيف سيكون حالكم؟

    الجواب: والله لكنتم علماء ربانيين، لا تظهر المعصية في بيوتكم ولا في دياركم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    معاشر المؤمنين! سبق أن عرفنا أن كل آية لها هداية وهذه الآيات لها هدايات فتأملوا! قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: القرآن الكريم مبين لكل ما يحتاج إليه في إسعاد الإنسان وإكماله ]. القرآن الكريم مبين لكل ما يحتاج إليه في إسعاد الإنسان وإكماله والله العظيم، وأخذنا هذه الهداية من قوله تعالى: (( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ))[الحجر:1]. [ ثانياً: إنذار الكافرين وتحذيرهم من مواصلة كفرهم وحربهم للإسلام فإن يوماً سيأتي يتمنون فيه أن لو كانوا مسلمين ]. الآن هم معرضون عن الإسلام ويحاربونه ولا يريدونه، وسيأتي يوم والله يتمنون أن لو كانوا مسلمين، وهذه مأخوذة من قوله تعالى: (( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ))[الحجر:2]. [ ثالثاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر ]، الركن السادس من أركان الإيمان. ما معنى قضاه؟ أي: قضى وقدر الوقت المعلوم والساعة والهيئة والكيفية في كل جزئيات الموجود، قدره بعد أن قضى به وحكم فيتم كما قدره، ويستحيل أن يتغير شيء عما في كتاب الله عز وجل كتاب المقادير. إذاً: [ تقرير عقيدة القضاء والقدر فما من شيء إلا وسبق به علم الله وكتبه عنده في كتاب المقادير: الحياة، الموت، الربح، الخسارة، السعادة الشقاوة] كل هذا مدون ومكتوب، فلهذا لا قيمة للآمال الكاذبة [ جميع ما كان وما هو كائن وما سيكون سبق به علم الله تعالى وكتب في اللوح المحفوظ ].