إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (81)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان بعض قبائل العرب يتعاملون مع قضايا القتل والثأر بنوع من التميز، ويتخذون لأنفسهم مقاماً أعلى من مقام الناس، ظناً منهم أن ذلك يجوز لهم، فإن قُتل لهم امرأة قتلوا بها رجلاً ممن سواهم، وإن قُتل لهم عبد قتلوا به حراً من غيرهم، فجاء الإسلام مبطلاً لذلك، ومبيناً لهم ضوابط الاقتصاص والأخذ بحق الدم، فلا يقتل بالعبد حر ولا عبدان، ولا بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان، لكن من قتل إنساناً قتل به، إلا أن يتنازل أولياء الدم إلى الدية أو العفو فلهم ذلك.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- ندرس كتاب الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات من سورة البقرة:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:178-179].

    معاشر المستمعين والمستمعات! أذكركم بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، كما أذكركم بفضيلة أخرى هي لكم بإذن الله، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ).

    وهذه الآيات سبقت لنا دراستها في نداءات الرحمن؛ لأنها إحدى النداءات الإلهية، ولا بأس بتكرارها؛ إذ الشيء إذا تكرر تقرر، بهذا قال أهل العلم، فهيا إلى شرح هذه المفردات المباركة.

    شرح الكلمات

    قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]، من الذي كتب؟ الله جل جلاله، وهذا الكتب بمعنى الفرض، وكتب في أي كتاب؟ في القرآن وكتاب المقادير اللوح المحفوظ، إذ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، واذكروا قول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21-22]، ونزل في ليلة القدر، واستمر نزوله ثلاثاً وعشرين سنة.

    وسطية الأمة في استيفاء الولي حق دم وليه

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ شرح الكلمات:

    كتب: فرض، والقصاص: إذا لم يرض ولي الدم بالدية ولم يعف ]، أما إذا رضي ولي الدم بالدية أو بالعفو فلا قصاص، وقد عرفتم فضيلة هذه الأمة؛ إذ كان القصاص فرضاً على بني إسرائيل ولا دية ولا عفو، لو قال ولي المقتول: آخذ دية، لم يقبل الحاكم بذلك، ولو قال: نعفو لوجه الله، لم يقبل الحاكم بذلك؛ وذلك لحكمة علمتموها: أن القوم قست قلوبهم وتمردوا على شرع الله وفسقوا عن أوامره، فلما عتوا أغلظ الله الحكم عليهم تأديباً وتربية.

    وأما النصارى من عهد عيسى عليه السلام فقد استقلوا أيضاً بديانتهم، فرض الله تعالى عليهم العفو، فلا قصاص ولا دية، من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.

    وهذه الأمة أمة الوسط، وهي -في الحقيقة- البشرية اليوم كلها، وإنما من أجاب أصبح من أمة الإجابة، ومن أعرض أصبح من أمة الكفر والعياذ بالله، والكل نزل القرآن لهم، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ولهم.

    قال: [ في القتلى: الفاء سببية، أي: بسبب القتل ]، فقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] أي: بسببه.

    [ والقتلى: جمع قتيل ]، قتيل وقتلى كمريض ومرضى.

    [ وهو الذي أزهقت روحه فمات بأي آلة ] كان القتل، بحصاة أو بعصا، بسيف أو برمح، الكل واحد.

    قتل العبد بالعبد وبيان تشوف الإسلام إلى تحرير الرقيق

    [ الحر ] في قوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178] [ خلاف العبد ]، وهو كذلك، [ والعبد هو: الرقيق المملوك ].

    كلنا عبيد الله، ولكن فيما تعارفت عليه البشرية أن العبد من مُلِك وتُصرِف فيه، ولملكه عوامل وأسباب أظهرها: أن الحرب إذا أعلنت وانتصر فريق على آخر فسبيهم من الذراري والنساء والأطفال يسترقون، فإذا ما استرقوا ووزعوا على المجاهدين أو المقاتلين يصبح كل واحد مالكاً لعدد من أولئك العبيد، جاء الإسلام والحال هكذا في العالم بأسره، فلم يشأ الله أن يبطله رأساً وفوراً؛ لما في ذلك من تبعات ومسئوليات وقضايا قد لا يتمكن ولاة المسلمين من تنفيذها، لكنه عمل على تحرير الأرقاء.

    واذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة حين يصبح كان له عدل عشر رقاب )، ففيه الترغيب بتحرير العباد المسترقين.

    واذكر لذلك: أن من حلف بالله لا أعطيك، أو بالله لأعطينك وحنث فعليه كفارة، بم يكفِّر هذا الذنب الذي علق بنفسه؟ وسبب الذنب هو أنه نسي أو غفل عن أنه لا يملك أن يعطي ولا يأخذ، أنفاسه مملوكة لله، فمن أين لك القدرة على أن تفعل أو لا تفعل، أتملك ذلك أنت؟ المفروض أن تقول: إن شاء الله، أو: إلا أن يشاء الله، فإذا ما قلت هذا وتجاهلت وقلت: والله! لأفعلن، ثم عجزت تعلق بك إثم لا يمحى ولا يزول أثره إلا بما حدد الشارع وعين، إذاً: فمن حنث فليكفِّر أولاً بعتق رقبة، فإن لم يجد فبإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام، هذه دعوة إلى تحرير العبيد أم لا؟

    ومن ظاهر من امرأته وقال: أنت عليَّ كأمي أو كأختي، فعليه كفارة، لم؟ لأنه كذب، لأنه حرم ما أحل الله، كيف تكون كأمك أو كأختك؟ فتعلق به إثم عظيم، بم يزول هذا الإثم؟ هل بالتوبة؟ لا تكفي التوبة هنا، شاء الله أن يكون المزيل لهذا الأثر هو أن تعتق رقبة وتحررها لتعبد الله عز وجل، فإن عجزت فصيام شهرين متتابعين، فإن عجزت فإطعام ستين مسكيناً، هذا من عوامل تحرير العبيد أم لا؟

    والشاهد عندنا في اصطفاء الله لهذه الأمة وتفضيله لها على غيرها من الأمم، ومن ذلك هذه التي نعالجها وهي القصاص، فالحر بخلاف العبد، والعبد هو الرقيق المملوك.

    حكم قتل المسلم بالكافر

    وقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، هناك لطيفة في كلمة: (من أخيه)، هل هو أخوه ابن أبيه أو ابن أمه؟ هذه أخوة الإسلام، والسر فيها: أن الكافر لا يقتل بالمؤمن، ليس الكافر بأخينا حتى إذا قتلناه نُقتل بسببه، وهذا الذي عليه جماهير العلماء والأئمة من الصحابة والتابعين؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون تتكافؤ دمائهم )، ثم قال: ( ولا يقتل مسلم بكافر )، لو قتل مسلم كافراً من أي جنس فهل يقتل هذا المسلم؟

    الجواب: لا؛ لأن دمه لا يتكافأ مع دم المؤمن، والسر وراء ذلك: هو أن هذا المسلم لما أبقي على حياته يبقى يذكر الله ويشكره، والذكر والشكر سر الحياة كلها ووجودها، فإذا قتلناه عطلنا هذا الخير، وحرمناه منه، وعطلنا الملائكة الذين كانوا يكتبون؛ فلهذا من الحكمة أن المسلم لا يقتل بكافر: ( لا يقتل المسلم بكافر )، ما السر في هذا؟

    الكافر لو قُتل أو ترك هل يعبد الله؟ هل يذكر الله ويشكره؟ لولا رحمة الله والرجاء أن يسلم لم يكن له حق أن يأكل ولا يشرب ولا يتنفس الهواء، لولا رجاء أن يسلم ويعبد الله لم يكن له حق في الحياة، إذ خلق الله كل شيء من أجلنا وخلقنا نحن من أجل أن نعبده، وكثيراً ما تترد هذه الجملة، لو سئلنا عن سر الحياة وعلة الوجود ما هي؟ فإنا نقول: ذكر الله وشكره، أراد الله أن يذكر ويشكر فأوجد هذا الكون وأوجد هذه البشرية، فمن عطل ذكر الله وشكر الله فكفر بالله ونسيه لا حق له في الحياة، فلم يأكل ويشرب؟ وهل هناك سر غير هذا؟ والله! لا وجود له فيما نعلم.

    فمن هنا هذه اللطيفة في الآية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] أي: في الإسلام والإيمان، أما إذا كان ليس بأخ فلا قصاص.

    الواجب على الولي والقاتل حال العدول عن القصاص

    قال: [ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178] فمن تنازل له ولي الدم عن القود إلى الدية أو العفو ].

    ما معنى: ولي الدم؟ إذا قلت لأخيك: أنت ولي الدم، قتل عمك فأنت ولي الدم.

    قال: [ فمن تنازل له ولي الدم عن القود ] وقال: لا أقتادك إلى المجزرة حيث القصاص، تنازل عن القود إلى الدية أو العفو، عفونا عنك، اعبد الله والأجر لنا ولك، أو: قال: أعطونا المبلغ الذي أعطانا الله.

    [ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:178]: فالواجب أن تكون مطالبة الدية بالمعروف ]، أي: [ بالرفق واللين ].

    [ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]: وأن يكون أداء الدية بإحسان خالياً من المماطلة والنقص ] وما إلى ذلك، فهذه تعاليم ربانية، هذا هو الأدب الإلهي، الله يؤدب عباده في هذا الكتاب وعلى لسان من أنزل عليه هذا الكتاب.

    فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] المؤمن شَيْءٌ [البقرة:178] تنازل عن القصاص عن القود ورضي بالدية، فيا من وجبت عليك الدية! تأدب عند أدائها لا تماطل ولا تنتقص منها

    لا تأتي بأشياء غير سليمة كالإبل يأتي ببعض الأبعرة المريضة أو لا تساوي شيئاً، وأنت أيها المطالب بالدية وقد عفوت ورضيت بالدية أيضاً اطلبها بالتي هي أحسن، لا تعنف وتؤذي هذا المؤمن وقد عفوت عنه، هذه الآداب أين توجد في غير القرآن العظيم؟ والمسلمون عنه معرضون.

    [ ذَلِكَ [البقرة:178] ] أي: ما سمعتم من الأحكام [ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:178] أي: ذلك الحكم العادل الرحيم وهو جواز أخذ الدية بدلاً من القصاص تخفيف عنكم من ربكم؛ إذ كان في شرع من قبلكم القصاص فقط أو الدية فقط، وأنتم مخبرون بين العفو والدية والقصاص ].

    أي توسيع أعظم من هذا؟ فقولوا: الحمد لله، الحمد لله.

    حكم قتل القاتل بعد أخذ الدية

    وقوله تعالى: [ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ [البقرة:178] يريد ] أن [ من أخذ الدية ثم قتل فإنه يتعين قتله لا غير ].

    رجل قتل آخر فأهل القتيل أخذوا الدية وقالوا: نتنازل عن قتله إلى الدية، ولما أخذوا الدية قتلوه، اعتدوا وقتلوه، فما الحكم؟

    قال: [ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ [البقرة:178] يريد: من أخذ الدية ثم قتل فإنه يتعين قتله لا غير ] عند بعض أهل العلم.

    قال في الهامش: [ اختلف فيمن قتل بعد أخذ الدية:

    فقال مالك والشافعي وكثير من العلماء: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة ].

    مالك والشافعي قالا: هذا كالذي قتل ابتداء، أولياء المقتول مخيرون: إن شاءوا عفوا وإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدية، وهذا مذهب الجمهور في هذه القضية.

    [ وقال آخرون: عذابه أن يقتل، ولا يمكِّن الحاكم الولي من العفو ]، لو قال ولي الدم: أنا عفوت، يقول الحاكم: لا بد من قتله، من أجل هذه الجرأة والوقاحة، كيف يقبل الدية وبعد ذلك ينتقم ويقتل؟

    [ وقال عمر بن عبد العزيز ]، وعمر بن عبد العزيز كان أميراً على المدينة، وجاء الحر في مثل هذه الأيام، وكان مولاه يروح عليه حتى ينام؛ إذ ما هناك حيلة، فالمرأة تروح على زوجها، والولد على والده، والصديق على صديقه، والعبد على مولاه، فأخذ النعاس العبد فنام أيضاً، فاستيقظ عمر وإذا بمن يروح عليه نائم، فأخذ المروحة وأخذ يروح عليه، فاستيقظ العبد فقال: لا تخف، ما الفرق بيني وبينك؟ أنت عبد الله وأنا عبد الله، نم أروح عليك، فمن يرقى إلى هذا المستوى؟

    وكان والياً لعمه الخليفة بالشام، ولما ولي الخلافة انكسرت درجة من درج بيته، فقالت المرأة أو الخدم: يا سيدي! الدرجة الفلانية لا بد من إصلاحها، قال: لا أصلحها، ما دمت قد وليت أمر المسلمين فلا أضع لبنة على أخرى، لا أبني بيتاً ولا منزلاً ولا أصلح درجة! هذا الزهد الحقيقي.

    إذاً: عمر بن عبد العزيز ماذا قال في هذه القضية؟ قال رحمه الله: [ أمره إلى الإمام ]، أمر هذا القاتل الذي أخذ الدية وقتل إلى الإمام، فينظر الإمام هل تحدث هذه القضية اضطرابات بين القبائل.. بين الأفراد.. بين الأسر، فالأمر الذي يراه يحقق الأمن والاستقرار يطبقه، ويجوز اجتهاداً منه ومن أئمة العلم.

    المساواة في القصاص

    وما معنى القصاص في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]؟

    قال: [ القصاص: المساواة في القتل والجراحات وفي آلة القتل أيضاً ].

    المساواة في القتل، قتل واحد فلا يقتل به اثنان، والجراحات تقدر حتى بالمعاير والمقاييس وتتساوى، وفي آلة القتل كذلك، هذا قتل برصاص فما تقتله أنت بعصا، فالمرء مقتول بما قتل، قاعدة وضعها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

    وقد ورد أن يهودياً قتل جارية مسلمة رضخ رأسها بين حجرين، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقتل كذلك، وهذا هو معنى القصاص.

    تحقق حياة الناس بالقصاص

    قال: [ حياة ] في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] أي: [إبقاء شامل عميم، إذ من يريد أن يقتل يذكر أنه سيُقتل فيترك القتل فيحيا ] إذاً، [ ويحيا من أراد قتله، ويحيا بحياتهما خلق كثير وعدد كبير ].

    وصدق الله العظيم: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] عظيمة كثيرة، وجهها: [ إبقاء شامل عميم، إذ من يريد أن يقتل ] أول مرة [ يذكر أنه سيُقتل فيترك القتل فيحيا، ومن أراد قتله يحيا ]، وهكذا يحيا بحياتهما أيضاً آخرون، وهذا معنى قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179].

    وقوله: [ أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179] ] في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، أولي وأولو مثل: ذو وذي بمعنى صاحب، هذا ذو المصحف الفلاني، هذا ذو السيارة الفلانية، بمعنى صاحب، هذا ذو الدار أو ذو الخلق العظيم، هؤلاء أولو الدار الفلانية، بمعنى: أصحابها، أولو: بمعنى أصحاب.

    [ أولو الألباب: أصحاب العقول الراجحة ]، الألباب: جمع لب، ولب الخبزة وسطها اللذيذ منها، ولب الإنسان أيضاً قلبه، أعظم جزء في الإنسان وأبركه وأطيبه القلب: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ).

    إذاً: أصحاب الألباب أي: أرباب العقول، ذوو العقول.

    قال: [ أصحاب العقول الراجحة ]، أما العقول المرجوحة التائهة فلا قيمة لها، أولو الألباب: أصحاب العقول الراجحة الثقيلة الوزن التي لا تتحرك بسرعة فتخطئ.

    قال: [ واحد الألباب: لب، وهو في الإنسان العقل ].

    وقوله: [ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] ليعدكم ]، هذه (لعل) ليست للترجي، بل للإعداد، قال بعض أهل العلم -وأصابوا-: هذه لعل الإعدادية.

    أي: [ ليعدكم بهذا التشريع الحكيم لاتقاء ما يضر ولا يسر في الدنيا والآخرة ].

    لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، شرعنا هذا الحكم بالقصاص لماذا؟ لنعدكم للتقوى فتتقون ما يؤذيكم ويضركم في دنياكم وفي آخرتكم، ولله الحمد والمنة. هذا شرح الكلمات، فهيا بنا إلى معنى الآية الكريمة.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه الآية نزلت في حيين من العرب كان أحد الحيين يرى أنه أشرف من الآخر، فلذا يقتل الحر بالعبد والرجل بالمرأة تطاولاً وكبرياء، فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]، أجمله تعالى وتركه هكذا، وأهل العلم والحكم يوفقهم الله لما فيه الخير، فما قالوه لا يخطئون؛ لأن اللفظ عام.

    فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:178-179]، ليعدكم بذلك إلى التقوى، نتقي ماذا؟ البلاء والشقاء الخسران والعذاب في الدنيا والآخرة.

    قال: [ هذه الآية نزلت في حيين كان أحد الحيين يرى أنه أشرف من الآخر؛ فلذا يقتل الحر بالعبد والرجل بالمرأة تطاولاً وكبرياء، فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية تبطل ذحل الجاهلية وتقرر مبدأ العدل والمساواة في الإسلام ].

    تبطل ذحل الجاهلية: الذحل هو يجمع على ذحول، أي: الثأر الذي كان في نفوس أهل الجهالة؛ ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة )، اللهم لا تجعل واحداً منا منهم، ( إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله )، قتل ابن عمه أو أباه أو أخاه، قتل غير الذي قتل، ( رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم )، في حرم مكة أو المدينة، ( ورجل أخذ بذحول الجاهلية ) جمع ذحل، أي: بعاداتها الباطلة من الثأر إلى غير ذلك.

    الله أكبر! هكذا إذاً نطوي الكتاب، العرب والمسلمون اليوم كلهم من أعتى الناس على الله يوم القيامة، يطبقون شرائع الغابات، لا قصاص أبداً يعرفونه.

    فالآن العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى موريتانيا لا يطبق شريعة الله ويأخذ بقوانين الشرق والغرب وهم أجهل الجاهلين، لا إله إلا الله!

    قال: [ فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، فلا يقتل بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان، ولا بالعبد حر ولا عبدان، فمن تنازل له أخوه ]، أخوه في الإسلام، [ فمن تنازل له أخوه -وهو ولي الدم- عن القصاص إلى الدية أو العفو مطلقاً فليتبع ذلك، ولا يقل: لا أقبل إلا القصاص، بل عليه أن يقبل ما عفا عنه أخوه ]، لو أن القاتل قال: اقتلوني، وأولياء الدم قالوا: لا نقتل، سنأخذ الدية، عفونا عنك، فلا يؤخذ برأيه.

    قال: [ ولا يقل: لا أقبل إلا القصاص، بل عليه أن يقبل ما عفا عنه أخوه له من قصاص أو دية أو عفو، وليطلب ولي الدم الدية بالرفق والأدب، وليؤد القاتل الدية بإحسان بحيث لا يماطل ولا ينقص منه شيئاً ]، هذا كله تقرر عندنا زادنا الله وإياكم علماً.

    [ ثم ذكر تعالى منته على المسلمين ] ولله الحمد والمنة، [ حيث وسع عليهم في هذه المسألة فجعل ولي الدم مخيراً بين ثلاثة: العفو، أو الدية، أو القود ] أي: [ القصاص، في حين أن اليهود كان مفروضاً عليهم القصاص فقط، والنصارى الدية فقط.

    وأخبر تعالى بحكم آخر في هذه القصة، وهو: أن من أخذ الدية وعفا عن القتل ثم تراجع وقتل، فقال: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]، واختلف في هذا العذاب الأليم هل هو عذاب الدنيا ] بالقتل [ أو هو عذاب الآخرة؟

    ومن هنا قال مالك والشافعي : حكم هذا المعتدي كحكم القاتل ابتداء: إن عفي عنه قبل، وإن طولب بالقود أو الدية أعطى. وقال آخرون: ترد منه الدية ] التي أخذها [ ويترك لأمر الله ]، نقول له: أعطنا الدية واذهب، نتركك لله عز وجل.

    [ وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: يرد أمره إلى الإمام يحكم فيه بما يحقق المصلحة العامة.

    ثم أخبر تعالى: أن في القصاص الذي شرع لنا وكتبه علينا مع التخفيف حياة عظيمة؛ لما فيه من الكف عن إزهاق الأرواح وسفك الدماء، فقال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] ].

    واضح معنى الآيات، ولو درسنا القرآن هكذا ما بقي مؤمن غير عالم.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآية الكريمة ]، كل آية فيها هداية تحملها، كما أن كل لقمة فيها مادة مغذية.

    قال: [ من هداية الآية الكريمة:

    أولاً: حكم القصاص في الإسلام وهو المساواة والمماثلة، فيقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، والمرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ويقتل القاتل بما قتل به مماثلة ]، فالسكين بالسكين -كما علمتم- والرصاصة بالرصاصة؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ ( المرء مقتول بما قتل به )، ولما كان العبد مقوَّماً بالمال فإنه لا يقتل به الحر ]، وهذا عرفناه وتقرر عندنا؛ لأن الحر إذا قتل العبد فالعبد هذا يباع في السوق وقيمته معروفة، إذاً: يعطى هذا المبلغ لمولاه وسيده ينتفع به ولا يُقتل هدراً، وهذا الذي عليه الجمهور، وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن العبد يُقتل بالحر والحر يُقتل بالعبد، فخالف الجمهور.

    قال: [ وعليه الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، وخالف أبو حنيفة ] رحمه الله، [ فرأى القود، فيقتل الحر بالعبد أخذاً بظاهر الآية ]، فـأبو حنيفة احتج بآية المائدة: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].

    [ ثانياً: محاسن الشرع الإسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو والدية بدل القصاص.

    ثالثا: بلاغة القرآن الكريم ]، ما وجه ذلك؟ [ إذ كان حكماء العرب في الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل ].

    حكماء العرب في الجاهلية أطلقوا هذه الحكمة وقالوا: القتل أنفى للقتل، ما معنى: القتل أنفى للقتل؟

    أي: إذا قتل قيل: اقتلوه، فهذا يجعل حداً للقتل، فالقتل أنفى للقتل، فماذا قال القرآن الكريم؟ [ فقال القرآن: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] ]، ما ذكر القتل؛ لأن لفظ القتل مزعج.

    [ فقال القرآن: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179]، فلم يذكر لفظ القتل بالمرة، فنفاه لفظاً وواقعاً ]، فقال: فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] لأننا إذا تركنا القتل فهذا المؤمن يعبد الله عز وجل.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم دائماً بما ندرس ونتعلم ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.