إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (71)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أوجب الله على العلماء بيان العلم والهدى وحرم كتمانهما أخبر أنه الإله الواحد الرحمن الرحيم، وأن أول ما يجب على العلماء أن يبينوه للناس هو توحيده سبحانه وتعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، ثم أتى بالأدلة التي طلبها المشركون من رسوله على ذلك، وهي خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الفلك في البحر بأمره، وإنزال المطر من السماء وإحياء الأرض به، وتصريف الرياح التي يبعثها مبشرات بين يدي رحمته سبحانه.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع تفسير كتاب الله عز وجل، مع قوله تبارك وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:163-164].

    سبق هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:159-162].

    فهذه الآيات شرحناها ولم نقرأ شرحها في الكتاب، فإليكم قراءة شرح هذه الآيات وبيان هدايتها.

    شرح الكلمات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ شرح الكلمات ].

    أولاً: قوله تعالى: يَكْتُمُونَ [البقرة:159]] كل السامعين والسامعات يعرفون معنى الكتمان، كتم الشيء: إذا أخفاه.

    قال: [ (يكتمون): يخفون ويغطون ]، من هؤلاء؟ هؤلاء المغضوب عليهم اليهود، [ يخفون ويغطون حتى لا يظهر الشيء المكتوم ولا يعرف فيؤخذ به.

    البينات: جمع بينة، وهو ما يثبت به الشيء المراد إثباته ]، البينات: جمع بينة، والبينة ما هي؟ شيء يثبت به الشيء المراد إثباته، [ والمراد به هنا: ما يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من نعوت وصفات جاءت في كتاب أهل الكتاب ] في التوراة والإنجيل؛ لأن الآية يقول تعالى فيها: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]، ألا وهم اليهود.

    [ والهدى: ما يدل على المطلب الصحيح، ويساعد على الوصول إليه، والمراد به هنا: ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين الصحيح المفضي بالآخذ به إلى الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة.

    في الكتاب: التوراة والإنجيل.

    اللعنة: الطرد والبعد من كل خير ورحمة ]، لعنه: طرده، معلون: مطرود ومبعد من كل خير ورحمة.

    [ اللاعنون: من يصدر عنهم اللعن، كالملائكة والمؤمنين.

    (أصلحوا) ] في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:160] [ أصلحوا ما أفسدوه من عقائد الناس وأمور دينهم بإظهار ما كتموه، والإيمان بما كذبوا به وأنكروه ]. لا يتم إصلاحهم إلا بأن يبينوا للناس ما أفسدوهم به، وغرروا بهم، وساقوهم إليه من الباطل، وأن يؤمنوا بالحق، هؤلاء وعد الله بأنه يتوب عليهم، وكيف لا وهو التواب الرحيم؟

    وقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا [البقرة:162] أي: في نار جنهم.

    لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ [البقرة:162] كما تقدم ولو ساعة، لا يفتر عنهم ولا تنخفض درجته.

    وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:162] أي: يمهلون.

    إذاً: هذه المفردات لتلك الآيات التي شرحناها، فهذا تكرار لها، أما الشرح الموجود في التفسير فإليكموه:

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    عاد السياق بعد الإجابة عن تحرج بعض المسلمين من السعي بين الصفا والمروة ]، وقد سبق أن عرفنا: أن بعض المسلمين تحرجوا، خافوا من الإثم والحرج، قالوا: كيف نسعى بين صنمين؟ إذ كان إساف على الصفا ونائلة على المروة، فلما تحرجوا اقتضت رحمة الله أن ينزل هذه الآية، فأزالت خوفهم وتحرجهم: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    قال: [ عاد السياق ]؛ لأن السياق من أول السورة كان في اليهود إلى هذه الآيات، ثم كانت تلك الاستطرادات للحاجة، وعاد السياق مع بني إسرائيل مع أهل الكتاب.

    قال: [ عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب ]، اليهود علماؤهم يقال لهم: الأحبار، جمع حبر، وعلماء النصارى يقال لهم: القسس، أما الرهبان فهم العباد جمع راهب.

    قال: [ عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب ودعوتهم إلى التوبة ]، إذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأنزل الكتاب الكريم بهداية البشرية جمعاء، إذاً: فلا تعجب أن هذا التنديد هو عبارة عن دعوة لهم إلى أن يعودوا إلى الحق فيكملوا ويسعدوا.

    قال: [ عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب ودعوتهم إلى التوبة بإظهار الحق والإيمان به ]، أولاً: يظهرون الحق الذي كتموه وغطوه وأخفوه، ودلسوا على العرب وعلى العجم وعلى أنفسهم، لا تقبل لهم توبة حتى يظهروا ما أخفوه ويعلنوا في صراحة، ثم يؤمنوا به.

    [ فأخبره تعالى: أن الذين يكتمون ما أنزله تعالى من البينات والهدى في التوراة والإنجيل من صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بالإيمان به، وبما جاء به من الدين ]؛ لأن التوراة والإنجيل فيهما نعوت الرسول وصفاته بحيث إنك حين تقرأها تكاد تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يحرفونها ويؤولونها كما يفعل بعض إخواننا في التأويل والتحريف للأحاديث والآيات، أما قال الروافض في البقرة: هي عائشة ؟ قالوا في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، قالوا: هذه عائشة ، وعلموا نساءهم ورجالهم وأطفالهم جيلاً بعد جيل، هذا هو التحريف والتغطية، فمن تاب منهم فعليه أن يعلن أنه كان كاذباً وأن المراد من الآية هي البقرة المعروفة، هذا مثال.

    قال: [ هؤلاء البعداء ] عن كل خير وكل كرامة؛ لأنهم مسخوا [ يلعنهم الله تعالى وتلعنهم الملائكة ويلعنهم المؤمنون ]، هذا ما يفهم من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].

    قال: [ وفي الآية الثانية استثنى تعالى من المبعدين من تاب من أولئك الكاتمين للحق بعد ما عرفوه فبينوه وأصلحوا، فهؤلاء يتوب عليهم ويرحمهم وهو التواب الرحيم ]، هنيئاً لمن تاب منهم، فإنه فاز بهذه المغفرة والرحمة.

    [ وفي الآية الثالثة والرابعة أخبر تعالى أن الذين كفروا ] أي: جحدوا الحق، وكذبوا به [ من أهل الكتاب وغيرهم بنبيه ودينه ] أي: بنبي الله ودينه [ ولم يتوبوا، فماتوا على كفرهم أن ] هؤلاء [ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161]؛ ولذا فهم مطرودون مبعدون من الرحمة الإلهية وهي الجنة، خالدون في جهنم لا يخفف عنهم عذابها، ولا يمهلون فيعتذرون، ويوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، فاللعنة كاملة يوم القيامة.

    هداية الآيات

    كان ذلك شرح هذه الآيات، وهذه هدايتها:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: حرمة كتمان العلم ]، كتمان العلم حرام، كأكل لحم الخنزير وكالزنا والربا، فلا يحل لمؤمنة ولا مؤمنة أن يعلم عن الله ورسوله ويكتم ذلك العلم.

    قال: [ وفي الحديث الصحيح: ( من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار )، وقال أبو هريرة رضي الله عنه في ظروف معينة: لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم حديثاً ]، ما هذه الآية التي يعنيها؟

    هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]. قال: لولا هذه الآية ما حدثتكم حديثاً أيها المسلمون، هذا أيام الفتنة واضطراب المسلمين.

    [ ثانياً: يشترط لتوبة من أفسد في ظلمه وجهله: إصلاح ما أفسد ببيان ما حرف أو بدل وغير، وإظهار ما كتم، وأداء ما أخذه بغير الحق ]، هذه شروط التوبة، أما قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [البقرة:160]، كيف تابوا؟ نريد أن نعرف كيف يتوبون؟

    فمن هنا اذكر أنه [ يشترط لتوبة من أفسد في ظلمه وجهله ]، أيام كان ظالماً جاهلاً، يشترط فيه لتوبته: [ إصلاح ما أفسد ]، فإن هد بنياناً فإنه يبنيه، أو أحرق بستاناً فإنه يعيده، أو أخذ مالاً فإنه يرده، هذا إصلاح ما أفسد.

    [ إصلاح ما أفسد ببيان ما حرف أو بدل وغير ]، يظهر أنه حرف الكلمة الفلانية، أنه أول القرآن في كذا وكذا؛ ليرجع الناس إلى الحق والصواب.

    [ وأداء ما أخذه بغير الحق ]، شاة، بعير، دينار، مليون ريال يرده، وإلا فلا توبة، هذه توبة العلماء الذين يكتمون الحق ويخفونه لمصالحهم، فإن تابوا فإنه يجب أن يبينوا، أفسدوا يجب أن يصلحوا، أخذوا يجب أن يردوا، وإلا فتوبتهم لا تصح.

    واسمعوا الآية الكريمة: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [البقرة:160]، أي: رجعوا إلى الحق بعد أن شردوا منه وكفروا به.

    وَأَصْلَحُوا [البقرة:160] ما أفسدوه من العقائد، من الآداب، من الأموال، كل شيء أفسدوه يصلحونه.

    وَبَيَّنُوا [البقرة:160]، فما كانوا يخفونه يظهرونه، هؤلاء يعدهم الله عز وجل بقوله: فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:160]، والحمد لله.

    [ ثالثاً: من كفر ومات على كفره من سائر الناس يلقى في جهنم بعد موته خالداً في العذاب مخلداً فيه لا يخفف عنه ولا ينظر فيعتذر، ولا يفتر عنه العذاب فيستريح ]، من أين اهتدينا إلى هذا؟ من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا [البقرة:161-162]، تلك اللعنة هي النار، أبعدوا من ساحة الخير من الجنة، لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:162]، أي: لا يمهلون فيعتذرون حتى يتوبوا، لا توبة.

    قال: [ ثالثاً: من كفر ومات على كفره ] ما أسلم [ من سائر الناس ]، العرب والعجم وأهل الكتاب والمشركين على حد سواء، [ يلقى في جهنم بعد موته خالداً في العذاب مخلداً لا يخفف عنه ولا ينظر فيعتذر، ولا يفتر عنه العذاب فيستريح.

    رابعاً: جواز لعن المجاهرين بالمعاصي ]، كأن تقول: لعن الله شراب الخمور، لعن الله آكل الربا، باللفظ العام، لعن لله المتشبهين من النساء بالرجال، لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، هذا لعن عام، لكن لا تقل: لعن الله أبا فلان لأنه كذا؛ فإنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن المؤمن، وقال: ( لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم )، لا تقل: فلان ملعون، لكن اللعن العام، كأن تقول: لعنة الله على من يتشبه بالكافرين، فلا حرج، لعن الله آكل الربا، لعن الله السارق، لعن الله عاق الوالدين مثلاً. من أين أخذنا هذا؟ أما قال تعالى: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161]؟ بعد أن أخبر تعالى عن لعنهم من قبله والملائكة والناس أجمعين، فكيف تتحرج أنت؟ الممنوع أن تقول: خالد لعنة الله عليه لأنه فعل كذا وكذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)

    والآن مع قوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، هذا بيان، هذا إعلام، هذا إعلان من الله، يا بني الناس! إلهكم إله واحد، فاعرفوه وتوبوا إليه، واستقيموا على شرعه ودينه تكملوا وتسعدوا.

    وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163]، لا ثاني له، ولا ثالث ولا رابع، وهو إله واحد في ذاته، في صفاته، في أفعاله، لا شبيه له، لا نظير له، لا كفؤ له أبداً، وعندنا سورة تعدل ثلث القرآن جاءت بهذا المعنى: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1-3]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    ومعنى إله: معبود، وكلمة: (إله) وردت في القرآن، وأطلقت على غير الله، كآلهة المشركين المتعددة، لكن لفظ (الإله) لم يكن إلا لله، لفظ (الإله) لا يكون إلا الله، لكن (إله) بالتنكير: إله معبود من سائر المعبودات، أما الإله الحق فهو الله الذي لا إله إلا هو، ولهذا فكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، يقول العلماء: هذه الجملة أولها كفر وآخرها إيمان، وهذه لطيفة، يعني: حين تقول: (لا إله) وتسكت فإنك تكفر، لكن حين تقول: إلا الله تكون آمنت، أولها كفر وآخرها إيمان، فلهذا لا يحل لك أن تقول: لا إله وتسكت، إلا إذا شرقت مثلاً، أو غلبك التثاؤب فما استطعت، فيعفى عن هذا، أما أن تقول: لا إله وتسكت، وبعدها تقول: إلا الله؛ فيا ويلك؛ لأنك لو قلت: لا إله ومت فإلى جهنم.

    وَإِلَهُكُمْ [البقرة:163]، أي: معبودكم الحق، الذي لا معبود بحق سواه. لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:163]، لا معبود يستحق أن يعبد لما يتفضل به ويعطي ولأنه يحيي ويميت إلا الله.

    وقال: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فلولا أنه الرحمن الرحيم لكان يمسخ أو ينزل بلاء بكل من كفر به، لكن من صفاته الرحمن الرحيم، يسبونه، يشتمونه، يكذبون، يكفرون، ويسقيهم المطر، وينزل عليهم الغيث، ويأكلون ويشربون، فمن يشك في أنه هو الرحمن الرحيم؟

    يعبدون غيره، لا يبالون به وهو خالقهم، رازقهم، بل ويسبونه وينسبون إليه ما لا ينبغي، ومع هذا يطعمهم ويسقيهم، لو كان من يملك غير الله فأنكره أهل إقليم فقط وجحدوه، وحاربوه، فإنه سيمسحهم من الأرض، إذ لا يملك هذه الرحمة إلا الله.

    وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، لم هاتان الصفتان: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]؟

    يخلق أهل إقليم من عنده تفضلاً، ويخلق أرزاقهم ويخلق ما يحفظ حياتهم، ثم يظلون ويبيتون يسبونه، ويشتمونه، وينكرون فضله وإحسانه، لو لم يكن رحيماً رحمة ذاتية فهل سيمهلهم؟ سيحولهم كلا شيء، لكن ها هم البشر، يكفرون به، يسبونه، قالوا: له ولد، أوجدوا معه آلهة عبدوها معه، ومع هذا لا يأخذ إلا إذا تعين العذاب، هذا سر قوله: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].

    لوازم الشهادة لله تعالى بالوحدانية

    إذا عرفت هذا يا عبد الله فاعبده وحده، ولا تشرك في عبادته غيره، فإن أنت ما عبدته فقد ضحكت وسخرت، كأنك تقول: عرفنا أنه لا معبود إلا أنت، ولكن تركت عبادته استخفافاً وعدم مبالاة، أو تقول: لا أؤمن بأنك تعذب، فهذا موقف.

    ثم حين تعبده كيف تعبد غيره؟! هل تستهزئ به؟ علمت أنه لا إله إلا هو وحده وعبدته، فكيف تعبد معه غيره؟!

    فلهذا قررنا هذه الحقيقة مئات المرات، وهي: من قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) لا تصح شهادته ولا تقبل منه ولا يدخل بها الجنة إلا إذا التزم بما يلي:

    أولاً: يعبده؛ لأنه أقر وأشهد على أنه لا معبود إلا الله، فإذا لم يعبده فما معنى شهادته؟ إنه يكذب، لم تقول: لا معبود إلا هو ولا تعبده؟

    ثانياً: أن يعبده وحده، فإن عبد معه غيره تناقض، وأبطل فعله قوله، فشهادتك باطلة، كيف تقول: لا معبود إلا الله، وها أنت تعبده وتعبد معه غيره؟ إذاً: شهادتك باطلة منقوضة.

    ثالثاً: ألا يعترف ويقر بعبادة غيره، فإذا رأى من يعبد الأصنام وسكت ورضي وابتسم فقد تناقض، فيقال له: قل -إذاً- من أول مرة: لا إله إلا الله وفلان وفلان! لا إله إلا الله وما يعبده الفلانيون!

    من قال: لا إله إلا الله لزمه أن يعبد الله وإلا فهو كاذب ما عرف لا إله إلا الله، قالها بلسانه وما يعتقدها، كيف يعتقد أن لا معبود إلا الله ولا يعبده؟! كالذي يعتقد أن هذه سيارتك ثم يقول لك: والله! لا تركبها، فماذا تقولون فيه؟ قال: هذه سيارتك، إذاً: انزل ودعني أركب، فهل اعترف؟ ما اعترف، بل كذب، فمن قال: لا إله إلا الله وجب أن يعبد الله.

    وكيف يعبده يا شيخ؟!

    يذل له ويخضع وينقاد، كما يفعل العبيد مع ساداتهم، إذا قال: قف وقف، إذا قال: امش مشى، إذا قال: اجلس جلس، إذا قال: احمل كذا حمله، إذا قال: ضع وضع، أليست هذه هي العبادة؟ قال: صوموا صمنا، حجوا حججنا، اخرجوا الزكاة أخرجناها، صلوا صلينا، امسكوا عن الباطل واللغو لا تتكلموا لم نتكلم؛ لأننا عبيده، هذه هي العبادة.

    إذاً: وبم نعبده؟ بما شرع، من طريق رسول الله، فلهذا قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن قلت: لا أعترف بأن محمداً رسول الله، ولكن أقول: لا إله إلا الله، قلنا: إذاً: كيف تعبد الله؟ دلنا؟ لا تستطيع، فلا بد من رسول يعلمك كيف تعبده وبم تعبده، فلهذا كانت الشهادتان مقترنتين، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله ولكن لا أشهد لمحمد بالرسالة حتى أفكر سنة فهو كافر.

    مظاهر رحمة الله تعالى المتجلية في المخلوقات

    وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، ورد أن (الرَّحْمَنُ): هو رحمان الدنيا والآخرة، لأن هذه الصغية صيغة مبالغة، كظمآن وعطشان، وهو كذلك رحمان الدنيا والآخرة.

    و(الرَّحِيمُ) بأوليائه في دار السلام، ولكن لا مانع أنه الرحيم بنا، ومظاهر الرحمة تتجلى في مخلوقاته، هل تعرفون الدجاجة؟ إذا فقس بيضها وخرجت الكتاكيت فماذا تصنع معها؟ والله! إنها لتفرد جناحها وتدخلها تحتها، تكاد تدخلها في بطنها، وتأخذ تعلمها كيف تنقر الحب.

    أما العنز فوالله إنك تراها وهي تنخفض حتى يصل وليدها إلى ثديها، ثم تأخذ تناغية مناغاة خاصة؛ حتى يرتاح ويشرب اللبن.

    والطائر رأيناه يزق أفراخه، يحمل الطعام والماء من بعيد ويأتي به ويصبه في أفواه أفراخه، هذه مظاهر الرحمة، وأجل منها أن لبن المرأة أو البهيمة كان دماً خالصاً فاستحال إلى لبن أبيض.

    ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى خلق مائة رحمة، فرحمة بين خلقه يتراحمون بها، وادخر لأوليائه تسعة وتسعين )، قسم الله تعالى الرحمة مائة قسم، فتسعة وتسعون قسماً ادخرها لأوليائه في دار السلام يرحمون بها، وقسم واحد للخليقة كلها تتراحم بها، ( حتى إن الفرس لترفع حافرها مخافة أن تطأ مهرها )، وهذا مشاهد، ترفع رجلها خشية أن تطأ مهرها الذي يرضع منها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ...)

    تقول الروايات: لما سمع بعض المشركين المتوغلين في الإلحاد وفي الشرك قوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]؛ قالوا: ما هي الأدلة على أنه لا إله إلا الله؟ نريد أدلة تثبت أنه لا إله إلا هو؛ لأن الآية تقول: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163]، قالوا: ما الدليل على أن الإله واحد فقط؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية الثانية فقط وفيها ستة أدلة. ‏

    الآيات الستة الدالة على وحدانية الله تعالى

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ الدليل الأول: خلق السماوات والأرض، وهو خلق عظيم لا يتأتى إلا للقادر الذي لا يعجزه شيء ]، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:164]، أكبر دليل، فهل الذي يخلق السماوات والأرض وحده يحتاج إلى أن يكون معه إله آخر؟

    [ ثاني الأدلة: اختلاف الليل والنهار بتعاقبهما، وطول هذا وقصر هذا ] طول العام، فمن أوجد الظلمة والضياء؟ أوجد الليل والنهار يختلفان، إذا جاء الليل رحل النهار، وإذا جاء النهار رحل الليل لصالح العباد، هذا مظلم وهذا مضيء منير، يطول هذا ويقصر هذا، كيف يطول ويقصر؟ الآن دخل في النهار ساعتان تقريباً من ساعات الليل، وعما قريب يدخل من النهار ساعتان في الليل، باللحظة والدقيقة.

    [ ثالثاً: جريان الفلك -السفن- في البحر على ضخامتها وكبرها وهي تحمل مئات الأطنان من الأرزاق وما ينتفع به الناس في حياتهم ]، السفن بواخر تحمل ألف طن من البر، تحمل ألف شاة، تحمل كذا.. تمخر البحر من الشرق إلى الغرب، هذه السفن على سطح الماء كيف لا تغرق؟ من دبر هذا؟ من أوجده؟ هذا العليم الحكيم، لم أوجد هذا؟ رحمة بعباده؛ حتى يرزقوا وينتفعوا بما خلق الله من الأطعمة، والغافل ما يهتدي لهذا، وإلا فلو تفكر في سفينة تمخر البحر من أقصى المحيط الجنوبي إلى أقصى المحيط الشمالي لقال: من أوجدها؟ كيف تسير فما تغرق؟

    [ رابعاً: إنزاله تعالى المطر من السماء لحياة الأرض بالنباتات والزروع بعد جدبها وموتها ]، من ينزل الماء من السماء؟ الله. وأشيع من سنوات أنهم الآن يصبحون في غير حاجة إلى المطر، استطاعوا الآن أن ينزلوا المطر، سموه: المطر الصناعي، واندهشنا وقلنا: كيف هذا؟ هل يأتون بالسحب ويسوقونها ويعصرونها؟ ووالله! إنهم لكاذبون، ولا قطرة يستطيعون خلقها أو إيجادها، كل ما في الأمر أن الماء يرتفع بالرش، فقالوا: مطر صناعي، وهذا كذب، أما يستحون من الله؟

    فإنزال المطر من السماء لحياة الأرض بالنباتات والزروع بعد جدبها وموتها أكبر دليل على أنه لا إله إلا الله.

    [ خامساً: تصريف الرياح، حارة وباردة، ملقحة وغير ملقحة، شرقية، غربية، شمالية، جنوبية، بحسب حاجة الناس وما تطلبه حياتهم ]، من أين الرياح؟ كيف تأتي؟ من أين تخرج؟ من أوجدها؟ لن تجد من يقول: أبي ولا أمي، هنا لا عبد القادر ولا اللات ولا عيسى، ما هو إلا الله، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [الأعراف:57].

    [ سادس الأدلة: السحاب المسخر بين السماء والأرض، تكوينه أولاً، وسوقه من بلد إلى آخر ليمطر هناك ولا يمطر هنا حسب إرادة العزيز الحكيم ]، سمي السحاب سحاباً لأنه يسحب كما تسحب الشاة في الأرض من مكان إلى مكان، من يسحبه؟ خالقه، وإن رأيت سنة من سننه تسوقه فمن خلق تلك السنة حتى انسحب بها السحاب؟

    إذاً: فكان ذلك رداً مفحماً للذين قالوا: ما الدليل على أنه لا إله إلا الله؟ فالقادر على خلق هذه المخلوقات هل يوجد معه إله آخر؟

    ثم إن القادر على خلق هذه المخلوقات لن يكون إلا عليماً أحاط علمه بكل شيء، قديراً لا يعجزه شيء، رحيماً رحمته تغلغلت في كل شيء.

    ونقرأ الآيات: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ [البقرة:163-164]، يا من طلبت الدليل اسمع: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164].

    معنى قوله تعالى: (لآيات لقوم يعقلون)

    (لَآيَاتٍ): علامات، أدلة، براهين على وجود الله وعلمه، وحكمته، وقدرته، وربوبيته، وألوهيته، وتنزهه عن مخلوقاته، وصفات من أحدثهم، ولكن من يشاهد هذا؟ العقلاء، فالذي لا عقل له يكذب أمامك، وينكر الشمس؛ لأنه يتبع هواه وشهوته وما يمليه عليه الشيطان.

    لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164] أي: فيما ذكر تعالى، إن في كذا وكذا لآيات لقوم يعقلون، فقوله تعالى: (لآيات) هو اسم (إِنَّ)، إن في هذه المخلوقات لآيات لقوم يعقلون، أما الذين لا يعقلون فليس لهم في هذا شيء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ شرح الكلمات:

    الإله: المعبود بحق أو بباطل، والله سبحانه وتعالى هو الإله الحق المعبود بحق ]، وسبق أن قلت: لا تقل: الإله في غير الله عز وجل، أما كلمة (إله) فلما عبد من دون الله، كتأليه النصارى لعيسى وأمه، كعبادة المشركين الأصنام، فهذا يقال فيه: إله، أما الإله بحق فلا يكون إلا الله.

    [ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163] في ذاته وصفاته، وفي ربوبيته، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون والحياة إلا هو، وفي ألوهيته، أي: في عبادته، فلا معبود بحق يستحق العبادة سواه.

    وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة:164] بوجود أحدهما وغياب الثاني؛ وذلك لمنافع العباد، بحيث لا يكون النهار دائماً ولا الليل دائماً.

    وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة:164]، وفرق في الأرض ونشر فيها من سائر أنواع الدواب.

    وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ [البقرة:164]، باختلاف مهابها: مرة صبا، ومرة دبور، ومرة شمالية، ومرة غربية، أو مرة ملقحة ومرة عقيم ]. هذا معنى المفردات.

    معنى الآيات

    إليكم شرح هذه الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيتين:

    لما أوجب الله على العلماء بيان العلم والهدى وحرم كتمانهما أخبر أنه الإله الواحد الرحمن الرحيم، وأن هذا أول ما على العلماء أن يبينوه للناس، وهو توحيده تعالى في ربوبيته وعباداته، وأسمائه وصفاته، ولما سمع بعض المشركين تقرير هذه الحقيقة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163]، قالوا: هل من دليل؟ يريدون: على أنه لا إله إلا الله، فانزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:164].. إلى قوله: لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، مشتملة على ست آيات كونية كل آية برهان ساطع ودليل قاطع على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهي كلها موجبة لعبادته وحده دون من سواه ].

    وقد بينا هذه الآيات الست أو الأدلة الستة.

    هداية الآيات

    الآن مع هداية هاتين الآيتين:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ أولاً: لا إله إلا الله، فلا تصح العبادة لغير الله تعالى ]، لم؟ [ لأنه لا إله حق إلا هو.

    ثانياً: الآيات الكونية في السماوات والأرض تثبت وجود الله تعالى رباً وإلهاً موصوفاً بكل كمال منزهاً عن كل نقصان.

    ثالثاً: الآيات التنزيلية القرآنية تثبت وجود الله رباً وإلهاً، وثبوت النبوة المحمدية، وتقرر رسالته صلى الله عليه وسلم ]. كيف ذلك؟

    الجواب: نقول: هذا الكلام كلام من؟ كلام الله. إذاً: الله موجود، وهل يوجد كلام بدون متكلم؟ وهذا الكلام يحوي العلوم والمعارف، إذاً: الله ذو علم، والذي نزل عليه لن يكون إلا رسول الله، وهل يعقل أن ينزل عليه كتاب الله ولا يكون رسولاً ولا نبياً، كيف يعقل هذا؟

    [ رابعاً: الانتفاع بالآيات مطلقاً ] آيات الكتاب أو آيات الكون [ خاص بمن يستعملون عقولهم ]، آيات الكون: وجود الليل والنهار والشمس والقمر والمطر، والحياة والموت، هذه آيات أم لا؟ فمن ينتفع بها؟ العقلاء؛ إذ الله تعالى قال: لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، آيات التنزيل، آيات القرآن المختلفة، وفي القرآن ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والله العظيم! إن كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    كيف دلت على أنه لا إله إلا الله؟ لأنها أنزلها الله عز وجل الموجود الحق، وهو يخبر أنه لا إله إلا هو، وكيف تثبت أن محمداً رسول الله؟ لأنها نزلت عليه، فكيف تنزل عليه ولا يكون رسولاً؟! لا وجود لهذا أبداً.

    فالانتفاع بالآيات مطلق، سواء كانت آيات الكتاب أو آيات الكون، فالشمس آية وعلامة على وجود خالق عليم حكيم، والمطر آية دالة على وجود خالق عليم رحيم حكيم ذي قدرة وعلم لا يعجزه شيء، وهكذا كل ذرة في الكون آية من آيات الله، لكن من ينتفع بهذه الآيات؟ أصحاب العقول.

    أما الذين فسدت عقولهم أو تعطلت وما أصبحت تعقل بسبب التأثيرات والمؤثرات من الشيطان عليه لعائن الله، فهؤلاء يشاهدون الشمس وينكرون وجود الله، أما قال علماء الاتحاد السوفيتي في مؤتمرات كثيرة: لا إله أبداً والحياة مادة؟ أين عقولهم؟

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا دائماً بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.