إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (65)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ذكر الله عز وجل من أفضل العبادات وأجل القربات، فهو سبحانه وتعالى قريب من عباده الذاكرين، إذا ذكروه في ملأ ذكرهم في ملأ خير منهم، وإذا ذكروه في أنفسهم ذكرهم سبحانه وتعالى في نفسه، ومن ذكر الله لعباده المؤمنين الذاكرين الإحسان إليهم، وإسباغ النعم عليهم، ورفع درجاتهم، وإعلاء مقامهم في الدنيا والآخرة، فهو سبحانه الذي يعطي الكثير على العمل القليل، ويجازي بالجليل على الفعل الجميل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت -كعهدنا بها- سورة البقرة، وها نحن مع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:152-153] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] أليس هذا أمر الله؟ قوله: (اذكروني) أليس هذا أمراً؟ وهل يليق بالمؤمن أن يعصي لله أمراً؟! لك أن تقول: كيف أذكره؟ وبم أذكره؟ ومتى أذكره؟ علمني يرحمك الله.

    وإليك -يا بني- البيان: الله تعالى يذكر بأسمائه وصفاته، فإن لله تعالى مائة اسم إلا اسماً واحداً، فهي -إذاً- تسعة وتسعون اسماً، فبها تذكره، وبها تبجله وتناديه: يا رباه .. يا رباه، يا الله .. يا الله، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، يا متولي الصالحين، يا ذا الجلال والإكرام. وواصل دعاءك وأنت ذاكر لربك، ويذكر تعالى بما أحب أن يذكر به.

    فضل قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)

    وقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ذكر الله، فقد قال: ( خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير )، هذا الذكر الفاضل وضع رسولنا صلى الله عليه وسلم ورده بين أيدينا، فحوض الذكر الطاهر النقي نرده لنذهب ظمأ نفوسنا وعطش أرواحنا، وإليكم ما صح عنه صلى الله عليه وسلم.

    قال: ( من قال حين يصبح ) بعدما يطلع الفجر صليت الصبح أو لم تصل، ( من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة ) مائة مرة تعدها بالمسبحة، بالنوى، بالحصى، بأصابعك، حتى بآلة، الآن توجد آلة للعد، مائة مرة وأنت واع، وأنت تعرف ما تقول، قال: ( كانت له عدل عشر رقاب من ولد إسماعيل )، تعرفون قيمة الرقبة؟ هي كفارة الظهار، كفارة الصيام، كفارة القتل الخطأ عتق رقبة، ثمنها غال ورفيع، تكون أنت في هذا الصباح كمن أعتق عشر رقاب! ولو يعي أحد هذا ويفهمه لما استطاع أن يتخلى عن هذا الورد يوماً من الأيام قط، ما دام ينطق ويتكلم، فكأنما كان له عدل عشر رقاب من ولد إسماعيل حررهم في سبيل الله.

    قال: ( وكتب له مائة حسنة )، ولا ندري مقدار هذه الحسنات، ( وحط عنه مائة خطيئة )، كتبت له مائة حسنة، وحطت عنه مائة خطيئة، ( وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذاك حتى يمسي ) حماية، ما يستطيع الشيطان إغواءه أو إضلاله أو إفساده، أو إغراقه في الذنوب والآثام.

    ( ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه )، هذا الورد صاحبه لا يظمأ أبداً على شرط: أن يكون حال ذكره مع الله، يذكره بلسانه مع قلبه، ويكون فاهماً للكلمات التي يقولها، عارفاً بمعانيها، إذا استوفى هذا فالجزاء كما علمتم: ( كان له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، وحطت عنه مائة خطيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذاك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ).

    فهل أنتم متهيئون لهذا الورد؟ حتى ولو كنت تقود سيارتك، أو تأخذ بخطام فرسك، أو لجام بعيرك، حتى ولو كنت تضرب الأرض بفأسك أو معولك، ما يمنعك العمل أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

    هذا الورد العذب الصافي من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر لنا به قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي [البقرة:152].

    فضل الله على عباده بتيسير الذكر

    وهناك ورد آخر، ولا تقولوا: أكثرتم علينا، إذ هذا الذكر لا يتنافى معك إلا إذا كنت تسمع لأصوات المغنين، أو هرج المبطلين، أما أن تبني، أما أن تغرس، أما أن تصنع، أما أن تمشي فما يمنعك؟! لا يمنعك من هذه الأوراد العذبة النبوية إلا أنك تتكلم بالباطل، أو تصغي وتسمع الباطل، وأعوذ بالله من قول الباطل وسماع الباطل، فأولياء الله قال تعالى فيهم: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، يعطونه عرضهم، لا يلتفتون إليه، ولا يقبلون عليه، وما هو اللغو؟

    اللغو: هو كل قول أو عمل أو تفكير لا ينتج لك حسنة لمعادك يوم القيامة، ولا درهماً لمعاشك اليوم في هذه الدنيا.

    ومعنى هذا: أننا أغلقنا أبواب الكلام الباطل، ما أصبحت تسمع في مدينتنا، في قريتنا، في بيوتنا إلا الحق، وهذا المطلوب؛ لأننا أمة راقية، لأننا أولياء الله، لا تسمع في سوقنا ولا في بيوتنا ولا شوارعنا طول حياتك كلمة نابية، كلمة لا فائدة منها، أي: لا تحقق حسنة ليوم القيامة، ولا درهماً لمعاشنا اليوم.

    فالذين يجلسون أمام شاشة التلفاز أو الفيديو وينصتون ويقبلون على تلك الشاشة يسمعون من الباطل، ويسمعون من الكفر أحياناً، ويسمعون من الكذب ومن دعاوى الباطل، ويرون صور الخلاعة والدعارة، وينصتون، وتنطبع تلك الصورة في قلوبهم فتنعمي، ويذهب نور الله، ويصبحون كالبهائم قد ينزو بعضهم على بعض، هؤلاء هل عرفوا معنى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]؟ ما عرفوا، ما سمعوه، ما فهموه، ما عرفوه، يقضي الساعة والساعتين والثلاث لا يستنتج حسنة واحدة، ولا درهماً واحداً في ساعات الراحة، أو في ساعات مناجاة الرب بالليل، وهو منصت ومع بناته ونسائه، وقد يكون مع أبويه أيضاً! فهذا شر من اللغو، هذا يدمر القلب تدميراً، ويحوله إلى قلب حيوان، والحيوان أقدس وأطهر.

    هذا الورد هو المراد من قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي [البقرة:152] بم نذكرك يا رب؟! رسولنا يبين لكم بم تذكرون وكيف تذكرون، ها هو ذا صلى الله عليه وسلم قد أعلن عن هذه المسابقة العظيمة: ( من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة؛ كان له عدل عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة، وحط عنه مائة خطيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه )، أي أجر أعظم من هذا؟! عدل عشر رقاب، ويكتب له مائة حسنة، ويمحى عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بمثل ما أتى به حتى ولو كان يقاتل الكفار، إلا من قال مثلما قال وزاد، ومعنى (وزاد): أنه لا تكتفي بالمائة إن شئت، اذكر مائتين وثلاثمائة وألفاً، أو اشغل ساعاتك كلها بذكر الله.

    فضل قول: (سبحان الله وبحمده)

    وذكر آخر: يقول صلى الله عليه وسلم فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( من قال حين يمسي أو حين يصبح: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ).

    ( من قال حين يصبح أو حين يمسي ) أي: يدخل في الصباح أو يدخل في المساء، ماذا يقول؟ سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده مائة مرة، حطت عنه خطاياه ولو كانت في الكثرة مثل زبد البحر!

    أية جائزة هذه؟ بم تقدر؟ وقد حرمها المؤمنون والمؤمنات، ما سمعوا بها ولا عرفوها، ومن سمعها وهو غافل ومعرض لا يبالي لم ترتسخ في نفسه، ولم تثبت في قلبه.

    أي ورد هذا؟ إنه عظيم، ما هي الكلفة؟ سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، بشرط: أن تكون ذاكراً لله بقلبك، أنت تقول: أنزه الله عز وجل عن كل النقائص، أنزهه عن الشريك والنظير والشبيه، وعن الولد والصاحبة، وعن كل نقص، فـ(سبحان): مصدر سبح يسبح، أنزه الله تنزيهاً عن كل النقائص.

    (وبحمده): أي: مع حمده. أنزهه وأحمده، أجمع بين نفي ما ينفى عنه وما يجب له تعالى، بهذا التركيب العجيب، هذا ما يعرفه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يستطيع ذو عقل أن ينتجه.

    تقول: سبحان الله وبحمده، تنزهه، كأنك تقول: الله ليس كمثله شيء، تعالى الله أن يكون له ولد، سبحان الله أن يكون له زوجة، تعالى الله أن يكون كذا، كل النقائص تنفيها، ثم تقول: الله العلي الكبير الغني الحميد الرب الذي لا إله إلا هو، فكل المحامد تطلقها عليه في هذه الجملة، ما أيسرها، ما أعذبها! جربها فقل: سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، وأنت مع الله؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: ( يقول الله تعالى: أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه )، فالملائكة خير من البشر قطعاً.

    وإياك أن تفهم أنك إذا ذكرت الله فأنت بعيد عن الله، أنت مع الله، ولكن انتبه أن تذكره بلسانك وقلبك مع ليلى وسلمى، أو مع القدر وما فيه! أو في السوق وما فيه من بضائع، اجمع القلب مع اللسان، كأنك بين يدي الله، وإلا فالغافلون لا يستفيدون، إلا أن من تدبير الله أن من أخذ يذكر الله بقلبه ينطلق لسانه، ما يشعر إلا ولسانه ينطق، ومن أخذ يذكر الله بلسانه وواصل فما يشعر إلا والقلب يذكر ويتفق مع اللسان.

    هذا الورد معاشر المستمعين والمستمعات لو كنا سمعناه وما عرفناه، وكنا مؤمنين صادقين، وقام قائم وقال: أيها الناس! هل لكم في ورد من الذكر تحط به جميع خطاياكم ولو كانت مثل زبد البحر؟! فقلنا: نعم، فقال: لا بد أن تدفعوا خمسة آلاف ريال لكل من يريده؛ فوالله العظيم! لو كنا عالمين عارفين موقنين لهانت الخمسة آلاف والعشرة آلاف، ووالله! ليست بشيء أمام هذا، وها أنتم أخذتموه مجاناً، فهل يراكم ربكم غداً مع الصباح ترددونه؟ قولوا: إن شاء الله.

    إذاً: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] ما زلنا، فأين نذهب؟ الآن وردنا حوضين فقط، فاسمعوا ذكر الله، ولو لم يكن ذكر الله بهذه المثابة لما أمر الله به، ولما دعانا إليه، ولما رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

    فضل الذكر دبر كل صلاة

    إليكم ذكراً آخر، فإن شاء الله فسنستوفي الأوراد، أيها الظمآى، يا معشر العطاش! إليكم حياض النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ذكر الله، فردوها صباح مساء خير من الدنيا وما فيها.

    معاشر المستمعين والمستمعات! لما هاجر المؤمنون من مكة إلى المدينة ومنهم من هاجر من غيرها، لكن أغلب المهاجرين كانوا من مكة، إذ اضطرتهم جماعات الضلال والشرك إلى الهجرة، وكتب الله عليهم الهجرة فهاجروا، فنزلوا المدينة النبوية هذه، وأنتم تعرفون مستوى المهاجرين، فعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، عمر ، عثمان ، علي ، عبد الرحمن بن عوف ، سعد ، زمرة الأنوار هنا.

    ولم يكن في المدينة مصانع ولا بها متاجر، والحصار مضروب عليهم من أعداء لا إله إلا الله، فكان الأنصار من الأوس والخزرج من سكان المدينة يؤاخون بينهم وبين المهاجرين، فيقول الأنصاري للمهاجري: أنت أخي، ويقاسمه الطعام والشراب والكساء والسكن.

    فتألم المهاجرون، وقالوا: كيف نطعم ونسقى ونسكن، ذهب بالجنة أهلها، فماذا بقي لنا؟ فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون شكواهم إليه عسى الله أن يفرج عنهم ما في نفوسهم، فقالوا: ( يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم ) ولا نتصدق، ففازوا، فما لنا نحن؟! فقال صلى الله عليه وسلم: ( أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟! ) فزتم وتفوقتم على غيركم، وما أرحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم بإذن الله وبوحي الله وباسم الله، فقالوا: دلنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة ).

    معاشر المستمعين والمستمعات! هل هذا الذكر عندكم؟ هل هذا الورد من أورادكم؟ إنه لا يحرمه إلا شقي، كيف يحرم هذا الورد مؤمن يرجو الله والدار الآخرة، مؤمن غذاؤه الروحي ذكر الله؟

    أنبه إلى أن العدو أبا مرة إبليس الذي أخرج أباكم وأمكم من دار السلام، قد يستغفلنا ويعبث بنا، ويفوت علينا أجر هذا الورد، فنرد ونخرج عطاشاً، فكيف ذلك؟ يجعلك تتكلم بلسانك وقلبك ليس مع الله، وتختزل الحروف، وإليكم ما يفعل بنا:

    يقول أحدنا: سبحان الله سبحان الله سبحان الله بسرعة شديدة، فيمكر بنا حتى لا يصل إلى قلوبنا نور، وكأننا سبحنا وما سبحنا، فما يجوز هذا وما ينبغي، ولكن العدو بالمرصاد، إذا لم تستعذ بالله وتتحصن بحصن الله، وتعرف عدوك إبليس؛ فسوف يفقدك عباداتك، فهو قد حاول ألا يسمح لنا لنذكر الله فما نجح، أبينا إلا أن نذكر، إذاً: فحاول محاولة أخرى أن نفقد الأجر والمثوبة، فالذي يقول: سبحان الله سبحان الله بسرعة شديدة لا يصح ذلك منه، بل ينبغي أن يقول: سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله، الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله، الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر، يذكر بالقلب واللسان.

    هذا الورد العظيم خمس مرات في اليوم والليلة، ومعنى هذا: أنك تذكر الله خمسمائة مرة، فهذا كنز عظيم لا حد له، والعدو لا يسمح، لكن فاعصه واخرج عن طاعته، وتفطن له، واملأ فاك بذكر الله وتلذذ به، قل: سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله، الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله، الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر، حتى تستوفي هذا الورد العذب الفرات دبر كل صلاة، فإن منعك العمل فقله وأنت ماش، وأنت راكب، ولا حرج.

    ويجوز أن تجمعها في كل مرة فتقول فيها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر وتعقد أصبعاً، سبحان الله والحمد لله والله أكبر وتعقد أصبعاً، سبحان الله والحمد لله والله أكبر وتعقد أصبعاً، لا فرق، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون، ما قال: كلمة كلمة! والكل جائز، اجمع أو أفرد، إلا أن القلب ينبغي أن يكون حاضراً مع الله.

    هذا الورد معاشر -المستمعين والمستمعات- لا يحرمه إلا محروم، فالآن سبق لنا الذكران الأولان بمائتي مرة، وهذه خمسمائة، فالجميع سبعمائة، ونتدرج إلى أن نصل إلى الألف، وبذلك نفوق عبد القادر الجيلاني .

    فضل التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم

    ولتعرفوا -يا معاشر المستمعين والمستمعات- قيمة ذكر الله وثمرته وفائدته، إليكم الصورة الآتية:

    زوج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، زوجها من ابن عمه علي المهاجر، وهي مهاجرة في المدينة، فكانت رضي الله عنها وهي أم الحسنين امرأة علي وبنت محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تطحن الشعير بيديها، أنتم الآن في جنة، أمي كانت تطحن وأنام على ركبتها والدقيق علي، ففاطمة كانت تطحن بالرحى، وتكنس المنزل وتخيط الثوب وتغسله، وتطبخ، هذه امرأة جنرال لا راتب له، فتورم كفاها من التعب والعمل، وهي ساكنة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت عليها خمارها وخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه حاجتها إلى خادمة تساعدها على شئون البيت، فوقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف حاجتها، ولا يملك ما يعطيها، فسكت وخفض رأسه وتألم، وعرفت أنه لا يملك شيئاً، فعادت إلى بيتها، فما حصلت على شيء، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألمه، حتى جن الظلام واختلط ونامت العيون، فدخل على فاطمة وهي على فراشها مع بعلها علي ، فأرادا أن يقوما فقال: لا، فدخل في الفراش بينهما، هذا الذي يملكه لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى يده اليمنى لأحدهما واليسرى للآخر، هذا الذي عنده، ثم قال لهما: ( هل أدلكما على خير من خادم؟ ) ما هذا؟ أيكتب لهما شيكاً بمليون دولار؟ ماذا سيعطيهما؟ اسمع لتعرف قيمة الذكر، ذكر الله الذي أحبه الله وأمر به، ورفع أولياءه من أجله.

    قال: ( إذا أويتما إلى فراشكما ) إذا جئتما إلى فراشكما لتناما ( فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين )، فذلك يعين على أتعاب الحياة وآلامها.

    هذا الورد لما بلغنا وعرفناه صار عندنا أعز وأحلى من الحلوى والعسل، أعذب من أي عذب في هذه الحياة، والمسلمون غافلون، تائهون، لا يذوقون ولا يطعمون، هذا ورد أعطاه رسول الله لأحب الناس إليه، وأفضل العباد بين يديه: فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وفي أية ساعة أعطاهما هذا؟ وفي أي مكان هذا؟ ومن أجل ماذا؟

    وقبل وفاة علي قال رضي الله تعالى عنه: فوالله! ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له جنراله ابن الكواء : ولا ليلة صفين؟ قال: نعم، ولا ليلة صفين! ما تركه ولا ليلة صفين التي شاب منها الأطفال، الحرب التي دارت بينه وبين خصومه، ولا تلك الليلة.

    والآن ما أظن أن عشرة في المائة يحافظون على هذا، واسمحوا إن قلت: كيف يترك هذا الورد إذا كان المبشر بالجنة علي ما تركه في أصعب الليالي وأظلمها، ونحن ننام على الحرير على الأسرة، على الأنوار، ولا نقول هذا الورد، أين يذهب بنا؟ فسبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله ثلاثاً وثلاثين، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أربعاً وثلاثين، صارت مائة.

    واذكر سواء كنت متوضئاً أو محدثاً، جنباً أو غير جنب، الممنوع على الجنب القرآن كتاب الله، أما الذكر والدعاء فلا يمنع.

    الآن كم عندكم ثمانمائة، فمتى نصل إلى الألف؟! نحتاج إلى مائتين فقط لنكمل الألف، والذي يذكر الله ألفاً في اليوم والليلة ارتقى ووصل مستوى عالياً.

    فضل قول: (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)

    هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وتعرفون عمر بن الخطاب ، عمر يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه )، والفج مفرد فجاج، وهو الشارع الواسع، وما يطيق الشيطان أن يمشي مع عمر ، ما يقدر، أما لو كان الشارع ضيقاً فإنه يحترق الشيطان: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه )، وقال: ( لو كان في أمتي محدثون -أي: من تحدثهم الملائكة كالأنبياء- لكان منهم عمر ) ، لو كان في أمتي من عهدي إلى يوم القيامة؛ إذ لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ( لو كان في أمتي محدثون لكان منهم عمر )، أي: متهيئ لأن تحدثه الملائكة.

    فإليكم هذا المنظر الكريم أيام خلافته رضوان الله عليه: فقد دعاه أحد الولاة أو الأمراء إلى طعام فوضع له سفرة لا أحسبها كسفرتكم أنتم الآن أو سفرنا نحن الفقراء، نحن الآن نعد الفول، البيض، الحليب، الشاي، الخبز، الجبن.. نجد تسعة أنواع، وضعوا له تلك السفرة، فقال: أخشى أن أكون ممن قال الله تعالى فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] وترك الطعام، فهذه وحدها تكفي.

    إن فقراء المؤمنين الآن مائدتهم فيها نوعان وثلاثة، والسلطة وحدها نوعان، أما عمر فانتفض كالأسد وما أطاق، وعلل لتلك القومة بقوله: أخشى أن أكون ممن قال الله فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ [الأحقاف:20] يوم القيامة تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأحقاف:20] عذاب الإهانة؛ لأنكم كنتم متكبرين بغير حق، بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20].

    فولده عبد الله يقول: (كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: نحسب- في الجلسة الواحدة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة )، هو معهم يعلمهم، يزكيهم، يربيهم، ولكن حين يترك الكلام يعود إلى الذكر بين الفينة إلى الأخرى: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، وهم يعدون، قال: فنجدها مائة مرة، فهل عرفتم؟

    هذا الورد أغلى الأوراد: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، هذا خللوا به مجالسكم عندما تتحدثون، عندما تأكلون، عندما تطعمون، عندما تجلسون، بين الفينة إلى الأخرى: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فيتم لك المائة والمائتان والثلاث، وتصل إلى الألف بحمد الله ذاكراً شاكراً.

    جزاء الذاكرين في الدنيا

    معاشر المستمعين والمستمعات! قد تزودتم بهذه الأوراد إن شاء الله، ويبقى السؤال: ما هو الجزاء في الدنيا؟

    قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] ذكر الله لك يا عبده كم يساوي؟ والله! لو كنت تملك الدنيا بكاملها وتريد أن يذكرك الله وهو لا يريد فوالله ما استطعت، فكيف تجعل الله يذكرك؟ ما أنت ومن أنت؟

    وها أنت يذكرك الله، كلما ذكرته ذكرك، أما ترغب في أن يذكرك الله؟ أفي المؤمنين من لا يحب أن يذكره الله؟ لا يوجد، فلم -إذاً- لا نذكر الله حتى يذكرنا.

    وذكر الله لك يا بني كيف يكون؟ يثني عليك في الملكوت الأعلى، يحسن إليك، يغدق النعم، يواليها، يرفع درجاتك، يعلي مقامك، ينعم عليك في الحياة والممات، لا تسأل عن فوائد ذكر الله، وويل لمن غفل عن الله فلم يذكره الله، فالله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.