إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم هو النور الذي يهتدي به المتقون، لأنهم من يتدبر آياته ويعمل بها، ولهذا وصفوا في أوائل آيات سورة البقرة بجملة صفات يجب على كل مسلم أن يتحلى بها، وهي الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإنفاق في سبيل الله، والإيمان بالكتب المنزلة، والإيمان باليوم الآخر، وبيّن القرآن أن من تحلى بهذه الصفات كان على هدى من ربه، وحاز الفوز في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

    الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نراجع الآيات السابقة؛ إذ ما وفيناها حقها، ولا تدبرناها كما ينبغي، ولعل السر في ذلك اتباعنا للمكتوب، وهذا غير مجد؛ لأننا نريد أن نكتسب علماً ونوراً، ونريد أن نقف على تخلفنا وتأخرنا عن مسابقة السابقين؛ عل الله يدفع بنا فنسبق، والله يقول: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11].

    القرآن الكريم في واقع المسلمين

    قال ربنا تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ [البقرة:2] هذا تعظيم وتضخيم لشأن القرآن العظيم، فهل عظمناه وأعلينا من شأنه، ورفعنا من قدره، أو ما زلنا نقرأه على الموتى، ونكتبه في حروز يعلقها المرضى على أنفسهم؟ وهل دخل هذا الكتاب المحاكم وأصبح مصدر التشريع وإصدار الأحكام الإلهية؟ سلوني أجبكم: لقد هجر الكتاب من عشرات بله من قرون عديدة إلا ما رحم الله، فلا يتحاكم إليه اثنان، ولا يجتمع على تلاوته وتدبره اثنان، فهو مهجور، ومن يوم أن هجر الكتاب انقطعت صلة هذه الأمة بربها، وهي تتخبط تخبط المجنون، فما عرفت الطريق بعد؛ لأن القرآن هو الروح وهو النور، وهل تتم حياة بدون روح؟ لا والله. وهل تتم هداية إلى خير .. إلى سعادة .. إلى كمال بدون نور؟ لا والله.

    وهذا الكتاب فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] يهدي إلى أين؟

    بأوجز العبارة: يهدي إلى العز والكمال .. إلى السعادة في هذه الدنيا وفي الآخرة، فهل سعد المؤمنون والمؤمنات؟ نعم سعدوا وكملوا يوم ما تمسكوا به، والتاريخ شاهد، ولا ينكر هذا إلا جاحد ومكابر.

    والله ما عرفت البشرية منذ أن كانت أمة أكمل، ولا أطهر، ولا أرحم، ولا أعدل، ولا أصفى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قرونها الثلاثة الأولى: عهد الصحابة، وعهد أبنائهم، وعهد أحفادهم.

    فما سبب عزهم وسعادتهم وكمالهم حتى سادوا العالم وأضاءوا المعمورة وأنقذوها من وهدة لا تتصورونها؟

    هل كان ذلك بعلوم الكون والذرة، والهيدروجين، والفلسفة، والمنطق، وعلوم التقنية والصناعة؟!

    الجواب: والله ما هو إلا الوحي الإلهي: قال الله .. قال رسوله، الكتاب والحكمة، وإن جهل المسلمون هذا فقد عرفه أعداؤهم. نعم عرفوا أن هذه الأمة سعدت وارتقت وفازت بالقرآن والسنة، فصرفوا الأمة عنهما إلى الآن صرفاً كاملاً إلا من رحم الله، وما زال المسلمون ما أفاقوا، والقائلون بالصحوة نقول لهم: نحن ما رأينا آثارها، نعم توفرت عوامل وأسباب كانت غير موجودة ومعدومة، ومن ذلك أن الاتصال المباشر بالطائرات والإذاعات وما يبث عبر الأثير حوَّل العالم كله إلى بلد واحد، وأما الصحف والكتب فقد صارت في يد كل من هب ودب، وصار لها تأثير وأوجدت نوعاً من الإفاقة، وكذلك الدعوة التي نهض بها رجال كان لها أثرها، لكن وضع المسلمين ما زال كما هو، فما السبب؟ لا سبب إلا الإعراض عن الكتاب والسنة فقط .. عن الروح والنور، والله يقول: فِيهِ هُدًى لمن؟ لِلْمُتَّقِينَ.

    مثلاً: لو كان هناك إناء فيه لبن عذب ومغذي، لكن الشارب لم يشربه، فهل ينتقل إليه الغذاء والري والشبع لمجرد أن في الإناء لبناً؟ الجواب: لا. ولو أن قصعة من الثريد بين يدي آكل ولم يأكل فهل يشبع ويتغذى؟ الجواب: لا.

    وكذلك القرآن، والله إنه لهدى، وفيه هدى، وإذا لم يؤمن به الإنسان، ويقرأه، ويتعرف إلى ما فيه، ويعمل بما فيه فلن يجد هداية أبداً، ولن ينتفع، فقوله: فِيهِ هُدًى [البقرة:2] أي: فيه غذاء، ولكن لمن يتناوله، ولهذا قال تعالى: لِلْمُتَّقِينَ أي: الذين يخافون عذاب الله ونقمه، ويخافون غضبه وسخطه، فهؤلاء الذين خافوا من الله أسرعوا إلى طاعته، وهؤلاء هم الذين يقرءون القرآن، ويتفهمون معانيه وما فيه، ويعملون به؛ لأنهم طالبو الوقاية، ولأنهم يجرون وراء النجاة. أما المعرض الذي لا يخاف الله، ولا يخشاه، ولا يفكر في عذاب، ولا شقاء، ولا حرمان، ولا خسران فلا يقرأ القرآن.

    صفات المتقين

    لقد ذكر الله تعالى صفات ينبغي أن تكون لنا، وأن نكون متصفين بها، ولا ندعها تمر هكذا مرور الرياح.

    معاشر المستمعين! عرفتم وتقرر عندكم أن ولاية الله متوقفة على الإيمان والتقوى، ومن فكر هذا التفكير، ومن تساءل: هل نحن مؤمنون؟ وهات القرآن نستعرضه يقرر إيماننا ويثبته أم يدفعنا بعيداً كأننا غير مؤمنين؟

    ثانياً: ما هي التقوى؟ وكيف يتقى عذاب الله ويجعل بينك وبينه وقاية؟

    عذاب الله لا يتقى بالأسوار العالية ولا بالجيوش الجرارة ولا بالسلاح القوي ولا بالشعوب القوية. عذاب الله لا يتقى إلا بالإسلام إليه؛ إسلام القلوب والوجوه والانطرح بين يديه، وبهذا يتقى الله.

    أما أنواع الوقاية الأخرى التي تعرفونها وتقي من الحر والبرد والجوع والعطش والمرض والموت فإنها لا تنفع، ولا يتقى بها عذاب الله.

    والله يتقى بالإسلام إليه، أسلم تسلم. أعط قلبك لله فلا يدور ولا يتقلب إلا طلباً لرضا الله عز وجل، والتقوى فعل الطاعات، وترك المكروهات.

    من صفات المتقين: الإيمان بالغيب

    قال تعالى في صفات المتقين: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، ومعنى هذا أنه أراد أن يقول: المتقون كيف أصبحوا متقين؟ فقال: لأنهم يؤمنون بالغيب، والغيب: ما غاب عن حواسك، فلا العين تبصر، ولا الأذن تسمع، ولا اللسان ينطق، ولا الجوارح تحس أو تشعر، فهو غيب كوجود الله عز وجل، ووجود النار؛ عالم الشقاء والخسران، ووجود الجنة؛ دار السلام، وما فيها من نعيم مقيم.

    وإن كانت الأدلة والبراهين تغلب ما هو مشاهد، لكن الذي يقرأ كتاب الله ويتدبر فيه ويتأمله في صدق يصبح يرى عالم الغيب كعالم الشهادة أو أشد، فالملائكة عالم غيب، والجن عالم غيب.

    المهم أن العبد إذا دخل في الإسلام ينبغي أن يصدق الله تعالى ورسوله في كل ما يخبران به، ولا ترد على الله وعلى رسوله خبراً أبداً، ذلكم الإيمان بالغيب.

    واعلم أن ما أخبر الله تعالى به، وما أخبر رسوله وصح الخبر عنه يستحيل أن يكون على خلاف ما أخبر الله، فالإيمان ركن الولاية، والإيمان كله إيمان بالغيب.

    إذاً في القرآن هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، وأركان الإيمان ستة أركان، فإن سقط ركن انهار البناء وانهدم ولم يبقَ إيمان، وقد جاءت مبينة في كتاب الله، وبيّنها حديث جبريل الصحيح في هذا المسجد؛ إذ جاء جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان من رجالات العرب وساداتهم، فجاء والرسول صلى الله عليه وسلم جالس جلوسنا هذا وأمامه أصحابه، فشق الصفوف، ودنا حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يديه على ركبتيه، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، بمعنى: يعلمهم كيف تتلقى العلم، ما هو أنت تلتفت أو نائم، وأخذ يسأله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وأمارات الساعة، والشاهد قوله: ( أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقت. قالت الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه ). وهذا معناه أنه عالم بالموضوع.

    وهذا الإيمان إذا امتلأ به القلب، وشعت أنواره، وخرجت على اللسان والسمع والبصر صير صاحبه أشبه بالملائكة في طهره، وصفائه، وكماله.

    من صفات المتقين: إقامة الصلاة

    قال تعالى بعد ذلك: وَيُقِيمُونَ الصَّلاة [البقرة:3].

    ما هو إقامة الصلاة عباد الله؟ إقامة الصلاة أن تؤدى على النحو والنهج والخطة التي وضعها الشارع، ومن ذلك أنها تؤدى في أوقاتها المنتظمة المحددة، فلا يحل تقديم لها ولا تأخير، وأن تستوفي شروطها من الطهارة الظاهرة والباطنة، وستر العورة، واستقبال القبلة، وأن تؤديها على نحو ما أداها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أداها على نحو ما علمه جبريل إياها، فلما فرضت في السماء ونزل الرسول بها نزل جبريل يومين علمه كيفيتها، وحدد له أوقاتها.

    فالصلاة إذا لم تؤدَ على النحو الذي شرع الله وبين رسوله فإنها لا تثمر، ولا تنتج، ولا تولد الطاقة النورانية، ومن أراد أن يقف على الحقائق يجد أن ملايين المسلمين يصلون، ومع ذلك يتعاطون كبائر الذنوب والآثام.

    يخرجون من المسجد فيلغون في أعراض بعضهم البعض، ويخرجون من المسجد ويتعاطون المحرمات والخبائث، أين آثار الصلاة؟!

    إذاً: صلاتهم باطلة، ولا تساوي فلساً ولا درهماً؛ لأنها ما أنتجت، وما ولدت النور، واقرءوا قول الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] ولو سائل قال: لم يا ألله؟ لقال تعالى مبيناً الحكمة في ذلك والعلة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]. والرسول صلى الله عليه وسلم وهو أستاذ الحكمة ومعلمها يقول: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ) أي: والله لا صلاة له، وسبب بطلانها أنه ما أداها كما بينها رسول الله، وما أنتجت الطاقة واختل تركيبها وما أدت ثمرتها، وهذا أمر معقول.

    وكثيراً ما نقول: تجد المصلي يصلي أمام فقيه، فيقول له الفقيه: يا فلان! صلاتك باطلة. فيقول: لم يا أيها الفقيه؟ يقول: لأنك ما خشعت فيها، رأيتك تلعب، وما اطمأننت لا في ركوع، ولا في سجود، ولا في قيام، ولا في اعتدال.

    والفقيه لا يعرف إلا أنها صلاة باطلة قد فسدت، ونحن نقول: إنها ما ولدت النور، وما أنتجت الطاقة، واختل تركيبها، واختل أداؤها، ولهذا يخرج من المسجد ليعاقر الخمر والحشيش.

    إذاً: ما قال: يصلون، إنما قال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاة .

    وقد قررنا قبل عشرات السنين والحمد لله رب العالمين وقلنا: والله الذي لا إله غيره لو أن أهل قرية أو مدينة أو إقليم أقاموا الصلاة لاستغنوا عن البوليس والشرط، وإذا لم يقيموا الصلاة فوالله لا ينفعهم لا بوليس ولا شرط، ولابد من الخبث، والشر، والفساد، وظلم العباد.

    ولو أننا ذهبنا إلى المسئول عن الأمن في المدينة وقلنا له: من فضلك أعطنا قائمة بالمخالفين أو المرتكبين للجرائم. فقال لنا: عندنا خمسمائة جريمة ارتكبت في هذا الشهر، هذا لعن أباه، وهذا سرق جاره، وهذا غنى مع امرأة فلان .. وغيرها من الجرائم والذنوب. ثم نقول له: إن وجدنا نسبة المقيمين للصلاة في ذلك العدد تتجاوز خمسة في المائة اذبحوني، نتحدى دائماً وأبداً، والله ما يوجد، الخمسة والتسعون الباقية هم من تاركي الصلاة، ومن العابثين بها. وتفضلوا زوروا الشرط واسألوهم يعطوكم قائمة بالمجرمين، فإن وجدتم أكثر من خمسة في المائة -والشذوذ يقع ولا حكم له- هم من المصلين فلكم أن تذبحوني.

    إذاً لمَ لا نلزم المسلمين بإقامة الصلاة؟! ولمَ ما نفرض عليهم ما فرض الله؟ ولمَ ما نمنعهم من أن يتجولوا في الشوارع والصلاة قائمة؟ ولمَ ما نطالبهم أن لا يتخلف عنها إلا ذو عذر كمرض أو خوف؟!

    قالوا: دعهم من شاء يصلي ومن شاء يغني. فامتلأت الدنيا بالخبث والشر والفساد، ونحن شبه أحياء أو أموات.

    الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [المائدة:55] يا عباد الله! الصلاة ميعاد، ولقاء مع الله تعالى، فمولاك وسيدك وربك ينتظرك في بيته وأنت تغني وتلهو وتلعب!

    والعالم الإسلامي ليس فيه إلا هذه الديار يؤمر أهلها بالصلاة، ومع هذا فيها المكر والكيد حتى لا يبقى من يقول: قم صل. وهذه الكلمة يتألم وينقبض منها الهابطون والساقطون.

    وأنا أقسم بالله ما تحقق أمن ولا طهر في هذه الديار على دولة عبد العزيز ما تحقق في أي بلاد وأي إقليم إلا في القرون الثلاثة، والسبب أنهم أقاموا الصلاة إجبارياً.

    والعدو يعمل ليل نهار، ويهول من شأن الأمر بالمعروف وإقامة الصلاة حتى لا يبقى هذا النور.

    إذاً إقام الصلاة هي مواعيد منتظمة مع رب الأرض والسماء، فيقف عبد الله بين يديه، يتكلم معه ويناجيه: يا رباه! لكن هذا اللقاء ينساه عبد الله بعدما يخرج، وهذا لا ينفعه، فالذي يدخل وهو غير شاعر لماذا دخل! يكبر ويهلل لا يدري مع من هو يتكلم، فهذه الصلاة لا تنتج له الطاقة المطلوبة.

    من صفات المتقين: الإنفاق

    الصفة الثالثة: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] انظر: الصلاة والزكاة! الدنيا تحتاج إلى الزكاة، والآخرة تحتاج إلى الصلاة.

    نحن ما أمرنا أن نموت، وأن نذل ونهون حتى نمنع من عبادة الله، الدنيا والآخرة نعمل لهما معاً، وإن كنا نؤثر الآخرة عن الأولى لأنها خير وأبقى.

    وإن كان ولابد فإننا نعطي للدنيا ما تتطلبه من أجل أن نحفظ وجودنا لنعبد ربنا، فالإنفاق مقابل إقام الصلاة، والصلاة إذا أهملت وتركت وضيعت وعبث بها العابثون هبطت الأمة ولصقت بالأرض، والزكاة إذا منعت ما أصبح للأمة قدرة على أن تظهر أو تتحرك.

    والأمة الآن ثلاث وأربعون دولة، من إندونيسيا إلى المغرب إلى موريتانيا، هل جبيت فيها الزكاة كما كانت تجبى على عهد رسول الله؟ واسألوا الحكام والمسئولين ووزراء المال والاقتصاد والدولة لمَ ما يجبون الزكاة؟ هل هم في غنى وما هم في حاجة؟! نعم لو كانت تحتك الذهب وفوقك الذهب فهذه عبادة وطاعة كالصيام والصلاة، فيجب أن تجبى الزكاة، هل جبيت في الشرق والغرب؟ الجواب: والله ما جبيت إلا هنا فقط. لمَ؟ لأن هناك من يديرنا ويتصرف فينا حتى نلصق بالأرض، ولن يصبح لنا وجود بين الشعوب والأمم، فعرفوا أن الزكاة وجبايتها ترفع من شأن الأمة وتعزها ولا تذلها، فأهملوا هذه القاعدة كما أهملوا إقام الصلاة.

    والشعوب الإسلامية ادخل واخرج من شاء أن يصلي ومن شاء لا يصلي، بل يسخرون من المصلين ويستهزئون بهم، وخاصة في الدوائر والمناطق الرفيعة، ونقول: مسلمون، وننتظر الكمال والإسعاد!

    وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] يشمل الزكاة وغيرها.

    وهل تريدون الوجه الحقيقي؟

    لو اجتمع أهل قرية خمس مرات في بيت ربهم، لأصبحوا متعارفين ما بينهم مجهول، ثم وضعوا في مسجدهم صندوقاً لجباية الزكاة والكفارات والصدقات التي يتملق بها المؤمنون إلى ربهم، ونحن ليس عندنا لصوص؛ فأهل القرية كلهم أولياء الله، وإن جاء لص من القرية الثانية فلا يستطيع، لأن نور الإيمان يمزق بطنه، ولا يقوى على أن يدخل المسجد، وإن قلتم: ها أنتم جعلتم حراساً على بيوت المال والبنوك، نقول له: أما بيت الله فلا يحتاج؛ لأن هذا البيت سيكون كخلية النحل هذا راكع وهذا ساجد.

    فهذا المال -والله الذي لا إله غيره- ليفيضن على أهل القرية، فيتسع لفقرائها، ويسد حاجتهم وخلتهم ويفيض، وما خرجنا أبداً عن مبدأ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، فكيف يوجد بينهم سارق، وكذاب، ومن يحلف بالباطل، ومن يستلف ولا يرد السلف ..؟! لا يوجد. لأنهم عرفوا الله، واجتمعوا في بيته طول حياتهم، يتلقون الكتاب والحكمة، أصبحوا كلهم علماء وحكماء وأولياء، ولا تسأل عن مظاهر السرف والترف والبذخ فهي لا توجد بينهم أبداً، وهذا المال إذا فاض حولوه إلى جهات أخرى، فلا تجد بينهم من يمد يده أبداً، ولا من تظهر عورته أو من لا يستره شيء، فهم متراحمون متعاونون؛ لأنهم جماعة يتهيئون للنزول في السماء السابعة.

    من صفات المتقين: الإيمان بالكتب كلها

    الصفة الرابعة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:4]، ومعنى هذا أنهم علماء، عقلاء، عرفاء، آمنوا بالوحي الإلهي سواء نزل على محمد صلى الله عليه وسلم أو على موسى أو على عيسى أو على داود أو على إبراهيم، وهاهنا أدخل الله أهل الكتاب المؤمنين في حظيرة الإسلام والمسلمين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهم نحن الذين ما سبق أن أعطانا الله كتاباً، والذين يؤمنون من قبل يعني: مؤمنو اليهود ومؤمنو النصارى، يؤمنون بالقرآن وبالتوراة والإنجيل.

    من صفات المتقين: اليقين بوعد الآخرة

    الصفة الخامسة: وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:4] المراد من الآخرة الحياة الآخرة، وهذه الحياة تسمى الأولى؛ لأنها سبقت الثانية، ولما تنتهي هذه الحياة بموتنا وانتهاء هذا الكون وتحويله إلى سديم وبخار هناك حياة أخرى وراء هذه تسمى الدار الآخرة، والحياة الآخرة، وتسمى الآخرة.

    وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فاليقين أكثر من الإيمان، علم طغى وعلت أنواره وأصبح يقيناً يرضى به العبد أن يمزق ويقتل ويصلب، ولا يستطيع أحد أن ينكره أبداً.

    (وبالآخرة) أي: بكل ما فيها من الحشر، والنشر، وتطاير الصحف، والميزان، والصراط، ودخول الجنة، ودخول النار.

    (هم يوقنون) ما قال: يؤمنون بل (يوقنون) فالنفس تهدأ وتستقر، ولا يبقى قلق ولا اضطراب ولا شك.

    الفلاح للمتقين

    اسمع البيان الأخير أُوْلَئِكَ أين هم أكمل الخلق وأعلاهم وأصفاهم؟ أشار إليهم بلام البعد، وما هم هابطين مثلنا، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] أصبح الهدى كالفرس وهم راكبون عليه، فلا يتزعزعون، ولا يتضعضعون أبداً، ولا يمكن أن ينحازوا أو يهبطوا أو يسقطوا، فهم متمكنون؛ لأن إيمانهم بالغيب، وإقامهم للصلاة، وإنفاقهم جعلهم متمكنين من عقيدتهم.

    قال تعالى: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] فأولئك هم وحدهم المفلحون، وما عداهم هم الخاسرون.

    والفلاح مأخوذ من فلح الأرض إذا شقها، والفلاح فسره تعالى بالفوز فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، وفسره في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] هذا إعلان، هل هناك من يقول: لا ..لا، إلا نحن ما نموت. وهل استطاعت البلشفية الحمراء -روسيا- أن تتعدى هذا وتقول: لا، عندنا قدرة على أن لا يموت الرئيس؟ مات ستالين أو لا! ومات لينين أو لا! ومات خروتشوف أو لا! مات مات .. ماتوا جميعاً، كيف يموتون؟ مع هذه الصناعة، وهذا التطور، وهذا الرقي يموتون؟! نعم؛ لأن حكم الله صدر كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] والموت يذاق أو لا؟ سوف تذوقونه، آلام ومرارة، ما تستطيع أن تدركها بأي شعور عندك أو إحساس.

    وقال تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:1-2] قطعة القماش الحريرية إذا أخذتها وألقيتها على شجرة السدر ذات الشوك وجذبتها فكل خيط يلصق، وهذا أهون من نزع الروح. مع أن أرواح أولياء الله المؤمنين المتقين تسيل كقطرة الماء من السقاية وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:1-2].

    والرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت يعاني، ويضع يده في ركوة ماء ويمسح على وجهه في اللحظات الأخيرة ويقول: ( إن للموت لسكرات، اللهم في الرفيق الأعلى )، وفاضت روحه وهو ينظر إليها.

    وخيرنا من يلازم باب الله حتى لا يبعد، بل يموت وهو يقول: لا إله إلا الله.

    كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185].

    أيها العمال! اعملوا ولا تطالبوا بالأجر اليوم؛ لأن الأجرة يستلمها العامل عند نهاية العمل، فإذا كانت مياومة ففي آخر المساء، وإذ كانت مشاهرة ففي نهاية الشهر، وإذا كانت معاومة ففي نهاية العام، فلِم تطالبون بالأجرة مع الله في يومها؟ أكملوا يومكم! وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185] فمن عمل خيراً أو عمل شراً فإنه لا يستلم الأجر هاهنا، فهذه دار عمل ولا تطالب بالأجر أبداً؛ لأن الأجر ليس في هذه الدار. قالوا: ما نعمل ولا نأخذ أجراً. تضحكون على من أدار الكون كله، وأوجد الحكمة!

    واسمع هذا البيان العجيب: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، فلا دينار ولا درهم، ولا ذهب ولا فضة، والذي يزحزح عن النار بعيداً ويدخل الجنة فهذا هو الذي أفلح وفاز، وهل هناك فوز أعظم من أن تنجو من مرهوبك ومخوفك، وقلقك وحيرتك، وتستقر في دار السلام؟! اللهم اجعلنا من أهلها!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذي كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)

    قال تعالى بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لِم؟ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] من هؤلاء؟ والله لا ندري، ولعلنا منهم ونحن لا ندري؟!

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وهذه هي البلية والمحنة، فقد جاءتهم من كفرهم، ومعنى كفروا: لم يؤمنوا، فجحدوا، وكذبوا، وما صدقوا، لا بتوحيد الله ولا بنبوة رسول الله. أي: ما قالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وهناك صنف آخر ما توغلوا في الكفر والعناد والتكذيب والجدال واللجاج والخصومة، وهؤلاء بالإمكان أن يؤمنوا، فواصل أيها الداعية دعوتك، ولا تلتفت لا يميناً ولا شمالاً! وامض في طريق الدعوة.

    واعلم أن الذين تواجههم الدعوة صنفان:

    صنف حرموا الإيمان، عملوا .. عملوا وليس فيهم بقية تقبل الإيمان، ولو وضعت بين أيديهم ما شئت من المعجزات لم يؤمنوا، بل يسخرون ويضحكون.

    وآخرون .. لا، كفروا حقاً ولكن ما توغلوا في الكفر، وما فعلوا عجائب الذنوب والآثام، فهؤلاء مستعدون لأن يقبلوا الدعوة ويدخلوا في الإسلام.

    لكن هناك نوع آخر هم الذين قال تعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ خوفتهم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، وليس معنى هذا: اترك دعوتهم يا رسولنا .. لا، فقط: حتى لا تكرب، ولا تحزن، ولا تتألم إذا واجهوك بالعناد والمكابرة والتكذيب، وأنت معهم ليلاً ونهاراً، تنذرهم وتخوفهم وهم يزدادون في طغيانهم طغياناً، فهؤلاء يستوي إنذارك لهم وعدمه. فاعرف هذا النوع؛ حتى لا تحزن، ولا تترك الدعوة، وواصلها.

    سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] وقد عرفنا منهم: أبا لهب ، أبا جهل ، الوليد بن المغيرة ، العاص بن وائل وفلاناً وفلاناً، فهؤلاء كلهم ماتوا على الكفر، وكم دعاهم رسول الله؟ وكم أنذرهم؟ أكثر من عشر سنوات وهم مصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ...)

    قال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7]، فسبب الإعراض وعدم الإيمان أن الله ختم على قلوبهم.

    والختم ليس بختم غلاف البريد، وأصل الختم كان بالطين .. بالحديد .. على الكيس وعلى الإناء حتى ما يدخله شيء، والآن الختم يكون على الظرف حتى لا يفتح، لكن الأصل أن أي إناء فيه عسل .. فيه زيت .. فيه مال يختم، ويصب عليه نوع من الرصاص أو من النحاس حتى لا يدخل إليه شيء، فهذا هو الختم.

    خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7]، فهم لا يسمعون، فهؤلاء الذين قد ختم الله على قلوبهم وأسماعهم تجد أنهم قد ألفوا الأغاني، والباطل، والهرج، والعبث، والسخريات، فلا يسمعون الحق، ولا يبصرونه أبداً، والذين ألفوا الباطل وتمرنوا عليه وعاشوه لا تستطيع أن تردهم إلى الحق والخير، ففقدوا هذه الحاسة، وما أصبحوا يتلذذون إلا بسماع الباطل، لكثرة المران والرياضة، فهم سنوات عديدة لا يسمعون شيئاً اسمه حق أو معروف، كأنما ختم على أسماعهم، فلا يدخل أبداً الكلام الطيب، يضحكون ويسخرون.

    وقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7] هذا أولاً، حتى ما ينفذ إليها نور الإيمان، ولِم ختم الله عليهم؟! هل ظلمهم؟ لا والله، إنما هي سنته في من يألف الباطل والشر، حتى يمتلئ قلبه، وينطبع بطابع، فلا يقبل المعروف، وهذه سنة الله؛ لأن الله ختم على قلبه.

    وَعَلَى سَمْعِهِمْ والختم على السمع كذلك، فيسمع الشر والفساد والخبث ويضحك، ويعبث سنيناً، ثم لا يقبل الهدى.

    وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ أما الأبصار فعليها غشاوة، كالبياض على العين فلا يبصر؛ لأنه أصبح لا يفكر ولا ينظر في الحياة أبداً، ولا يعرف إلا شهوته وأطماعه وغرائزه، وما يريد أن يصل إليه من أمور الدنيا.

    وهنا محطة أننا إن أردنا أن ننجو من هذه الفتنة فعلينا:

    أولاً: أن نفتح قلوبنا لذكر الله، وأن نروضها لتصغي وتسمع كلمات الهدى، وتنفر من كلمات الضلال، خشية أن نصاب بهذه الفتنة، ويصبح قلب أحدنا لا يرتاح لذكر الله أبداً، ولا يرتاح إلا إذا ذكرت الباطل والشر والفساد.

    إذاً هذه القلوب لابد من رعايتها، ولابد من رياضتها، حتى تسلم من أن ينزل بها ختم كهذا فنهلك.

    ثانياً: علينا أن نروض أسماعنا على سماع الخير والمعروف والهدى، ونجنبها سماع الباطل من الكذب والأغاني وأي باطل. وكل ما لا يحقق لك درهماً لمعاشك ولا حسنة لمعادك فهو لغو وباطل، وأولياء الله عن اللغو معرضون، فما عندنا أبداً وقت لا يرانا الله تعالى فيه عاملين على رضاه.

    إذاً: أسماعنا نحفظها من أن تسمع الباطل.

    وهنا محنة أن يوجد بيت مجاور لنا فيه من يدعي أنه مسلم وفي مدينة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعنده تلفاز تظهر فيه امرأة عاهرة ترقص وتغني في بيته، وهو يسمع وامرأته وأولاده كذلك يسمعون، فتيان وفتيات يشاهدون امرأة عاهرة ترقص وتغني في بيته! فكيف يسلم قلب هذا! ومن يضمن أنه يموت على الإيمان؟ هذا أمر عجب. وقد كتبنا إلى صاحب هذا البيت كتاباً ولو كان في قلبه إيمان لأغمي عليه، لكنه ما تحرك أبداً، وبقي الدش هكذا! كأنه يقول: أتحداك يا محمد.

    أتظنون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضى لكم بهذا؟ هل يرضى أن تسمع عاهرة تغني في بيتك، ويسمعها ابنك وهو يتقزز ويتألم، وتسمعها امرأتك، كيف يمكن هذا؟!

    هذا والله العظيم يخشى أن يموت على سوء الخاتمة، فيموت وهو غافل لا يدري أو يغني أو السيجارة في يده، فما عرف الله ولا ذكره؛ لأن هذا الختم الإلهي هو حسب سنة الله، ليس فجأة أن تجد الإنسان يصلي ثم يختم على قلبه، حاشا لله، ولكن بعد الاستمرار على المعصية ومواصلتها يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، فيأتي الختم الإلهي، ويصبح يتقزز من كلمة الله.

    وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، يعني: أفراداً بأعيانهم علمهم الله، والرسول لا يعلمهم، ولكن يهون الله على رسوله من الكرب والحزن إذا ما استجابوا له؛ بأن الله سبق أن ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ والعياذ بالله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.