إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (59)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء وفد نصارى نجران اجتمعوا مع اليهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا يتجادلون في مجلسه، وقام بعضهم بتسفيه بعض، وكفر بعضهم بعضاً، فقالت يهود للنصارى: كونوا على اليهودية لتهتدوا، وقالت النصارى لليهود: كونوا على النصرانية تهتدوا، فجاء خطاب الله عز وجل لهم بأن من أراد الهداية الحقة والاستقامة على الدين القويم فعليه أن يؤمن بالله، وبما أنزل على النبيين والمرسلين دون تفريق بينهم ولا انتقاص من قدرهم.

    1.   

    مكانة المدينة النبوية وخصوصيتها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت -كعهدنا بها- سورة البقرة، وها نحن مع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:135-136]. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اذكروا أن هذه السورة مدنية، ومرحباً بالمدنيات والمكيات، والمدنية: هي التي نزلت في المدينة النبوية، وأين توجد المدينة النبوية؟ والله! إنها هذه لهي، فالحمد لله، لو كنتم في كندا أو في الصين أو اليابان وذكرت لكم المدينة النبوية فكيف يكون شعوركم وانفعالكم؟ ستتمنون لو كنتم فيها، ها أنتم الآن فيها، فهل أحسنتم قيامكم فيها؟ هل عرفتم أنها حرم؟ ( المدينة حرام من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل ).

    هل تعلمون أنكم مطالبون بآداب خاصة في هذه الديار؟ قد تقولون: نعم يا شيخ، ولكن غلبتنا الدنيا، غلبتنا الأهواء، غلبتنا الشهوات.

    فأقول: إذاً: انهزمتم، مشيتم وراء عدوكم، وقد حذركم الرحمن فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، فاحذري يا أمة الله

    احذر يا عبد الله أن ترتكب معصية في هذه البلاد، إنها قدس وطهر، ومن لم يعرف ما هي المعصية فليسأل أهل العلم، فإن هذا السؤال واجب؛ لقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    ومن هنا لم يبق بين المسلمين الجديرين بهذا الاسم جاهل من امرأة ولا رجل، ولا يحتاجون إلى قرطاس ولا قلم، وإنما قبل أن يقدم على الشيء يسأل أهل العلم، فإن قالوا: نعم هو مما أحب الله؛ فباسم الله يقدم عليه، وإن قالوا: هذا مما كره الله تركه، ولا نزال نسأل ونعمل حتى نصبح علماء رجالاً ونساء، لكن صرفونا، فماذا نصنع؟ هل من عودة؟ نحن عائدون إن شاء الله تعالى.

    1.   

    سبب هجرة اليهود من الشام إلى المدينة

    هذه المدينة عند نزول هذه الآيات كان فيها وفد نجران، واليهود مقيمون يعيشون في المدينة، ووفد نجران نصارى صليبيون مسيحيون والعياذ بالله، كانوا يسكنون في جنوب الجزيرة، واليهود يسكنون بالمدينة، فمن أين جاءوا؟ هل تعرفون من أين جاء اليهود؟ جاءوا من الشام، من القدس، فلم جاءوا إلى هذه المدينة وما فيها إلا السبخة وحبات التمر والعنب؟

    الجواب: لأنهم لاقوا الأمَرَّين من النصارى، النصارى هم الذين أسقطوا دولة بني إسرائيل، وهم الذين شردوا بني إسرائيل، ولم سلطهم الله عليهم؟ لأنهم فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعته، وهل لذلك صورة ينظر إليها؟

    الجواب: انظر إلى العالم الإسلامي اليوم ومنذ قرون وقد فسق عن أمر الله وخرج عن طاعته، فاستوجب النقمة، فسلط الله عليهم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا وهولندا، وما زالوا تحت النظارة أيضاً، مزقوهم وشتتوهم، أين الدولة الإسلامية التي أصبحت ثلاثاً وأربعين دولة؟ أين المذهب الإسلامي؟ سبعون مذهباً، أين الأمة؟ انتهت، بسبب ماذا؟ بسبب الفسق، ما معنى الفسق هذا؟ إنه الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعة أولي الأمر حكاماً وعلماء هداة مبينين.

    فبنو إسرائيل كانوا أعز منا وأكرم، هم أبناء الأنبياء، فلما فسقوا عن أمر الله فشاع فيهم الزنا، وأصبحت المرأة تتبرج، تلبس الكعب الطويل هذا الذي يلبسه نساؤكم وبناتكم، هذا أخبرنا رسول الله به من بداية أمرهم، أكلوا الربا، هجروا كتاب الله، أعرضوا عن ذكر الله كحالنا، فاستوجبوا نقمة الله، فسلط عليهم الرومان، فشتتوهم ومزقوهم وعذبوهم، لم؟ لأنهم أعداؤهم قتلوا إلههم، من قتل عيسى في اعتقاد النصارى؟ اليهود هم الذين قتلوه، والذي يقتل إلهك تنظر إليه؟ أين إيمانك؟ الذي تعتقد أنه قتل ربك هل تحبه وترضى عنه؟ كانوا يقلونهم كالسمك في الزيت؛ لأنهم قتلوا إلههم، ووالله! ما قتلوه، أخبرنا العلام الحكيم بقوله من سورة النساء: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

    إلا أن الجريمة جزاؤها حاصل، لأنهم قتلوا من شبه وصلبوه وعلقوه، فكأنما قتلوا عيسى، أما عيسى روح الله فما قتلوه أبداً ولا صلبوه، إنه في الملكوت الأعلى، رفعه الله من روزنة البيت والبيت مطوق بالشرطة.

    إذاً: فهاجروا إلى هذه الديار لوجود الأمن فيها، فهنا أمة جاهلة أمية لا تعرف شيئاً وهم أهل كتاب وعلم يسودون بين الجهال، وإلى الآن العالم يسود بين الجاهلين أحبوا أم كرهوا، هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى: أنهم يتطلعون إلى النبوة المحمدية، عندهم من الأدلة القطعية في التوراة والإنجيل أن نبي آخر الزمان قد أظل زمانه، إنه يخرج من بين جبال فاران، جبال مكة، فقالوا: هذا الذي نعز به ونسود، متى ظهر في تلك الديار احتضنا دعوته ومشينا وراءه وأعدنا من جديد مملكة إسرائيل، فنزلوا المدينة وقبلها ديار متصلة كتبوك وخيبر وتيماء.. وما إلى ذلك.

    وشاهد ذلك يا أهل القرآن من سورة البقرة التي ندرسها، إذ قال تعالى عنهم: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89] ما معنى: يستفتحون عليهم؟ يقولون لهم: إن نبي آخر الزمن قد أظل زمانه وسوف نؤمن به ونمشي وراءه ونقاتلكم وننتصر عليكم، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ [البقرة:89] أي: من قبل ظهور الرسالة المحمدية والأنوار المحمدية يستفتحون على المشركين، يقولون: سوف نفعل ونفعل ونفعل، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    وكان بالمدينة ثلاث قبائل كبرى: بنو قينقاع في الوسط، بنو قريظة في الجنوب، بنو النضير في الشمال، وكانوا مسيطرين، فلما هاجر الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ارتجت المدينة تحت أقدامهم، ما إن كانت وقعة بدر في السنة الثانية وشاهدوا انتصار رسول الله والمؤمنين حتى تغيرت قلوبهم ووجوههم وعرفوا، وأخذوا يجادلون ويخاصمون ويدعون العلم فوق ما نتصور، ولو تتبعنا القرآن لوقفنا على ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ...)

    الآن جاء وفد نجران من النصارى وتلاعنوا، فكفَّر اليهود النصارى وكفَّر النصارى اليهود أمام الرسول والمؤمنين: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113]، كفَّر بعضهم بعضاً في مجالس العلم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن دون هذا وسجله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113] لا شيء من الدين الحق، وصدقوا في تكفير بعضهم بعضاً؛ إذ -والله- ما هم على شيء لا اليهود ولا النصارى، اليهود مشبهة، وقالوا: عزير ابن الله، وفسقوا عن أمر الله في كل مجالات الحياة، والنصارى ماذا فعلوا؟ قالوا: عيسى ابن الله وأمه مريم إله وروح القدس إله، وتاهوا، فهل هم على شيء؟ والله! لا شيء، سبحان الله! انتصر الإسلام وهم يشاهدون وكفر بعضهم بعضاً، وسجل الله هذا.

    وواصلوا الحجاج والجدال ومشينا معهم في هذه الآيات الكريمات، وانتهينا الآن إلى قوله تعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135].

    قال اليهود للنصارى: كونوا يهوداً تهتدوا، وقالت النصارى لليهود: كونوا نصارى تهتدوا، قالوا للمسلمين: كونوا يهوداً أو نصارى تهتدوا، هكذا يعرضون بضاعتهم الفاسدة، بعضهم ماكر خادع، وبعضهم مقلد جاهل تابع.

    وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة:135] أي: يهوداً أو نصارى؛ تهتدوا إلى سبيل الرشاد وطريق السلامة، إلى منهج الحق والعدل والخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

    معنى قوله تعالى: (قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)

    والله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فماذا قال تعالى ليفصل هذا النزاع؟

    قُلْ [البقرة:135] يا رسولنا، أيها المبلغ عنا، يا محمد صلى الله عليه وسلم، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة:135]، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وأنتم تزعمون أنكم إبراهيميون وأنكم على ملة إبراهيم، وتحبونه وتعتزون به، وتقولون: نحن على ملة إبراهيم، وقد عرفتم من إبراهيم.

    قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة:135]، ما معنى: حنيفاً؟ أي: كان موحداً، ما كان والله مشركاً، كان حنيفاً إذ أوجده الله في عالم ليس فيه من يوحد الله عز وجل، العالم يفيض بالشرك والكفر، فمال إبراهيم عن آلهتهم ودياناتهم ومعتقداتهم وأصبح وحده، فقالوا: هذا حنيف؛ لأنه مأخوذ من الحنف وهو التواء الرجلين وميلهما إلى بعضهما، نعم هو حنيف مائل عن ديانات الباطل واعتقادات الشر والفساد إلى الحنيفية ملته، وهي أن لا إله إلا الله.

    وقال بعضهم: حنيف من باب التفاؤل، لأن الجنف ضد الحنف، الجنف هو الميل، فمن باب التفاؤل قالوا: حنيف، ما قالوا: جنيف، ولسنا في حاجة إلى قول الناس في هذا الباب، حسبنا أن نعرف أنه كان موحداً ومن حوله من العالم كانوا مشركين، فالموحد منا هو الحنيف؛ لأنه على نهج إبراهيم وعلى طريقته وملته.

    فما كان إبراهيم -والله­- من المشركين أبداً، وها أنتم أيها اليهود والنصارى مشركون، فكيف تنتسبون إلى إبراهيم؟ إذاً: اتركوا الشرك وتخلوا عنه وابتعدوا من ساحته لتكونوا حنفاء على ملة إبراهيم، أما وأنتم مشركون بالله عز وجل تعبدون معه غيره وتقولون: نحن على نهج إبراهيم، نحن على ملة إبراهيم؛ فهذه الدعوى باطلة وكذب ولا تصح، ادعاها العرب المشركون وقالوا: نحن على ملة أبينا إبراهيم، فهل كان إبراهيم يعبد الأصنام والأحجار والأهواء والشهوات؟ كان موحداً، فوحدوا الله تكونوا مؤمنين وتكونوا إبراهيميين على ملة إبراهيم.

    فهذا كلام قليل، ولكن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجادلهم ويحاجهم فوق ما نتصور، لكن القرآن يذكر المسائل بإيجاز؛ لأنه كتاب يحفظ في الصدور.

    إذاً: لما قال اليهود للمسلمين: كونوا يهوداً، وقال النصارى: كونوا نصارى، وقال اليهود للنصارى: كونوا نصارى، قال تعالى: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:135] هي التي نكون عليها، هي التي ندين لله بها، هي التي ننضم إليها، أما تلك البدع من اليهودية والنصرانية والشرك فلا حاجة لنا فيها، باطل هذا كله، بل نتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفاً مائلاً عن كل الأديان الباطلة إلى دين الحق، حتى قالوا فيه: حنيف أو جنيف.

    عظم منة الله تعالى على العبد بالإيمان

    إذاً: وجههم رسول الله باسم الله، فمن أمر الرسول أن يقول هذا؟ الله عز وجل، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة:135]، هذا الذي نلتزم به، هذا الذي نتبعه، هذا الذي نعيش عليه، فلا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية ولا شرك ولا باطل، هذا هو الحق، من هداهم لهذا؟ الله جل جلاله، هيا نحمد الله لنا ولهم، الحمد لله .. الحمد لله، لولا الله ما كنا في هذا المجلس، ولا نعرف لله كلاماً، ولا نعرف لله ديناً ولا ملة، فالحمد لله.

    أتظنون أن هذا رخيص وتفضلون عليه شيكاً فيه مليار دولار؟ أقسم لكم بالله جل جلاله على أن مؤمناً كهذا الشاب بيننا لو وضع في كفة ميزان ووضع العالم كله من أهل الشرك والباطل والكفر في كفة لرجح بهم، أما تعطون قيمة للإسلام والمسلمين؟

    إليكم هذا العرض السريع لنتأكد من صحة القضية: كان أبو القاسم صلى الله عليه وسلم جالساً مع بعض أصحابه في ظل جدار، فمر رجل من الفقراء المؤمنين دميم الخلقة، والله يخلق ما يشاء، فمر وسلم ومضى، فلما غاب عنهم قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقالوا: هذا حري -جدير- بأن إذا خطب لا يزوج، وإذا قال لم يسمع له، وإذا أمر لا يطاع، لم؟ لضعفه وعدم حاجة الناس إليه، فسكت أبو القاسم، وأخذ في تعليمهم وتزكية نفوسهم، حتى مر منافق من أعيان المنافقين في الأبهة والمنظر واللباس والصحة البدنية، فلما غاب عنهم قال: وما تقولون في هذا؟ وهذا من باب التعليم بواسطة السؤال والجواب، فقالوا: هذا حري إذا خطب أن يزوج، وإذا أمر أن يطاع، وإذا قال أن يسمع له.

    فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: والله! إن ملء الأرض من مثل هذا لا يعدل ذاك الذي قلتم فيه كذا وكذا. ملء الأرض من هذا المنافق لا يزن أبداً ذاك المؤمن الضعيف القصير الدميم الخلقة، فمن هنا عرفنا أن مؤمناً يزن ما على الأرض من الكفار من اليهود والنصارى والبوذيين والمجوس والمشركين.

    أزيدكم برهاناً: لم إذا قتل المؤمن كافراً لا يقتص منه بالقتل؟ وإن قال أبو حنيفة غير ذلك فدعنا من قوله؛ فقول المذاهب الصحيحة وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة: أن المؤمن لا يقتل بكافر، وهو حق، لا يقتل بكافر، لم؟ من يفسر هذه الظاهرة؟ هل لأن المؤمن أبيض، جميل، غني؟ لا، قد يكون أرمش أعمش أسود مثلي، وما يقتل بكافر، أتدرون ما هو السر؟

    لأن هذا الكافر كيف يقتل بمؤمن وهو ما يساوي ظفره أبداً؟ مادام أن ملء الأرض من الكافرين لا يزنون مؤمناً واحداً فكيف يقتل كافر بمؤمن، كيف يصح هذا؟

    وسر ذلك أن هذا المؤمن يذكر الله ويعيش على ذكره وشكره، وهذا لا يذكر الله ولا يشكره، هذا لا حق له في الحياة؛ لأنه خلق وأطعم وسقي وحفظ من أجل أن يعبد الله، فلما رفض فلا حق له في الحياة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فمن كفر بالله وترك عبادته لا حق له في الحياة، فلهذا ندعوه إلى الله، فإما أن يجيب وإما أن يقتل.

    وعمر رضي الله عنه على عهد ولايته تآمر سبعة أنفار على مؤمن فقتلوه، حادثة نادرة وقعت، فاختلفوا كيف نقتص: هل نقتل السبعة أو نقتل واحداً مقابل المقتول؟ فقال: اقتلوهم سبعتهم، والله! لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. لأن هذا كان يعبد الله ويذكره، فهل عرفتم سر الحياة أو لا؟

    شرك اليهود والنصارى

    إذاً: نعود إلى الحادثة: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135]، وأنتم أيها اليهود والنصارى -والله- مشركون، هل الذي يقول: الآلهة ثلاثة موحد؟ الذي يقول: عزير ابن الله ويعبده موحد؟ فاليهود ما هم بموحدين أبداً، بل مشركون، وإن لم يكن لهم صلبان أو أصنام، ولكن في نفوسهم آلهة يعبدونها: الدينار والدرهم، ( تعس عبد الدينار )، من قال هذا الكلام؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هناك عبد للدينار، من هو هذا؟ الذي يبيع دينه وعرضه وشرفه وكرامته من أجل الدينار ويعبده، فقد ذل له وخضع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ...)

    ثم قال تعالى: قُولُوا [البقرة:136] أيها اليهود والنصارى، ونحن أيضاً نقول معهم وسبقناهم، قولوا ماذا؟ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136] بالله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، الله خالق السماوات والأرض وما بينهما، الله ذو الجلال والكمال، ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى، الله رب إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والعالمين، هذا الذي نؤمن به، لا نؤمن بعيسى إلهاً ولا بجبريل إلهاً ولا بأن العزير ابن الله.

    قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136] الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وإن لم تعرفوا فسلونا نعرفكم به، حتى تعرفوا معرفة يقينية.

    إعجاز القرآن الكريم وسعة علومه

    قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136]، ما الذي أنزل إلينا؟ القرآن الكريم، القرآن العظيم، أنزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم من أجلنا، فهو أنزل إلينا، هذا الكتاب العظيم القرآن الكريم ماذا تعرفون عنه؟

    اعلموا أنه اشتمل على علوم ومعارف تعجز العقول البشرية حتى عن إدراكها على حقيقتها، ما ترك شيئاً تحتاج إليه البشرية في الحياتين في الدنيا والآخرة إلا ذكره وبينه، حوى علوم الأولين والآخرين، يحدثكم عن الملكوت الأعلى كأنكم حاضرون فيه، يحدثكم عن الماضي، عن القرون ذات الآلاف من السنين كأنها شاهدة، يتحدث عن المستقبل فيزيل الغشاء عنه ويظهره كأنه بين يديك، فلهذا كان هذا الكتاب القرآن الكريم هو الكتاب المعجز، ما أعجزت التوراة أحداً ولا الإنجيل ولا الزبور، هذا القرآن الكريم هو المعجز، أعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، بل بسورة من مثله، واقرءوا تلك الآية الكريمة، إذ يقول تعالى من هذه السورة البقرة المدنية؛ يقول: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، أي: إن كان فيكم شك وعندكم شك في القرآن الذي أنزلناه على عبدنا بأحكامه وشرائعه وقوانينه وآدابه وعلومه ومعارفه؛ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، من مثل القرآن ومن مثل محمد صلى الله عليه وسلم في أميته، وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] أن لكم شهداء ينصرونكم ويقفون إلى جنبكم من الإنس والجن.

    ثم قال لهم: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، أي: إن لم تستطيعوا أن تأتوا بسورة فقط من مثل هذا القرآن، وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، هل أدركتم معنى: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]؟ هذه (لن) الزمخشرية التي تفيد التأبيد في نظر هذا المعتزلي، لن تفعلوا، ويمضي العام والأعوام والقرن والقرون فهل فعلوا؟كلا؛ لأن الله قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24].

    قالت العلماء: هل في إمكان اليابان الصناعية التي تفوقت الآن في الصناعة، هل في إمكانها أن تصنع آلة أو توجد مصلاً من الأمصال ودواء من الأدوية من تحليلها للكون، وتقول: أتحدى العالم مدة سبعين سنة إذا أنتجوا مثل هذه القطعة أو مثل هذا الدواء، هل يمكن؟ أو أمريكا التي هيمنت على العالم، هل تستطيع أمريكا أن تصنع قطعة أو آلة أو سيارة أو كذا، وتقول: أتحدى العالم لمدة خمسين سنة إذا كان في إمكانهم أن يوجدوا مثل هذه؟ هل يمكن أن تقول أمريكا ذلك؟ ما يستطيعون، أما الله تعالى فقد قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، فهل فعلوا؟

    قالت العلماء: جملة (ولن تفعلوا) هذه تدل على أنه كلام الله، إذ لا يقول هذا إنسان أبداً، فهي دالة دلالة قطعية أن هذا الكلام كلام الله، هل فهم السامعون هذه؟

    إذاً: هذا الكتاب العظيم تحدى الله به الإنس والجن، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] معيناً وناصراً، وتحداهم بعشر سور في سورة هود، إذ قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [هود:13]، يعني: اختلقه وكذبه؟ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، تفضلوا، ما دمتم تقولون: محمد افترى هذا القرآن واختلقه وكذبه فتفضلوا أنتم هاتوا عشر سور. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:14]، وتحداهم بسورة، فهذا هو الكتاب الذي يجب أن نؤمن به.

    معنى قوله تعالى: (وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط)

    قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة:136]، عرفتم أن إبراهيم أبو الأنبياء، أبو الضيفان، إبراهيم: الأب الرحيم، هل أنزل عليه كتاب؟ نعم، أنزل عليه عشر صحف، والدليل على أن إبراهيم نزل عليه صحف تحمل الشريعة قوله تعالى من سورة الأعلى: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:19]، لا بد أن ينزل الله عليه شرعاً وقانوناً، فهو أسلم ودخل الناس في الإسلام وراءه، فكيف يسوسهم، كيف يحكمهم؟ لا بد من هداية، فهذه مسألة ضرورية.

    وصحف: جمع صحيفة، وليس معناه ورقة فقط، بل ما كان عندهم ورق، كانوا يكتبون في الجلود والعظام، المهم أنها وحي إلهي يحمل القوانين والشرائع ليسوس بها إبراهيم المؤمنين.

    وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:136]، من إسماعيل هذا يرحمكم الله؟ معنى إسماعيل بالعبرية: سمع الله، دعا إبراهيم فأعطاه الله تعالى إسماعيل.

    إذاً: إسماعيل أنزل عليه وحي ونبئ وأرسل في بلاد العرب، ولا بد من وحي ولا بد من إنزال كلام الله عليه.

    وهنا لم قدم إسماعيل على إسحاق؟ أما قال: وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة:136]، لم قدم إسماعيل؟ لأن إسماعيل ولد -والله- قبل إسحاق، وقد مر بنا وبينا خطأ وغلط من يقول: إسحاق كان قبل إسماعيل، واليهود مصرون على أن الذبيح هو إسحاق، وأن إسحاق قبل إسماعيل، وإنهم -والله- لكاذبون، والذي يؤسف له أن بعض علماء التفسير تورطوا في هذا، ويقلد بعضهم بعضاً، ويقولون: الذبيح إسحاق! والله! ما هو بإسحاق، إسحاق أين ذبح: في مكة أو في الشام؟

    أما إسماعيل فخرج به إبراهيم من حجره حول الكعبة إلى منى، ومن ثم شرع الله لنا النحر والذبح في منى، فكيف يكون إسحاق؟

    ثم إن إسحاق عرفنا أنه دعوة الله لما نزل الضيوف على إبراهيم فبشروه وهو في فلسطين وبشروا زوجته بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب؛ لأنه كبرت سنه وما ولد إلا إسماعيل، وامرأته سارة عقيم عاقر أيضاً، أما دفعتها الغيرة حتى غارت من هاجر ؟

    والحمد لله؛ فالسياق هنا يثبت أن إسماعيل كان قبل إسحاق، أما قال تعالى: وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [البقرة:136]، أتدرون من إسحاق هذا؟ هذا ابن إبراهيم ابن سارة عليه السلام، وولد لإبراهيم أيضاً من غير سارة ، لما ماتت تزوج غيرها؛ فولِد له مدين.

    قال تعالى: وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة:136]، الأسباط جمع سبط، الأسباط في اليهود كالقبائل في العرب؛ لأن أولاد يعقوب عليه السلام الاثني عشر ولداً على رأسهم يوسف وبنيامين ويهوذا، أولئك الاثني عشر رجلاً، كل واحد تزوج وأنجب وتناسلت ذرية منهم، فأصبحوا قبائل يعرفون بالأسباط، والعرب عندهم قبائل، واليهود عندهم أسباط، إذ كل نبي كان يوحى إليه وينزل الله تعالى عليه وحيه لهداية الخلق وتربيتهم.

    معنى قوله تعالى: (وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم)

    وَمَا أُوتِيَ مُوسَى [البقرة:136]، من موسى هذا؟ كلمة موسى أصلها: موشي، ونحن نعرف موشي ديان الذي مات عليه لعائن الله؛ وسر هذه التسمية أنه لما صدر أمر ملكي على عهد فرعون بأن المرأة من بني إسرائيل إذا حملت يجب أن تبلغ أقرب مركز في المدينة بأنها حملت وإلا فستعاقب، ثم بعد ذلك إذا قرب وضعها لا بد أن تعلم المسئولين، وتأتي القوابل ورجال فرعون ينتظرون، فإذا خرج من بطن المرأة ذكر ذبحوه، أو دفنوه في التراب، وإذا كانت أنثى تركوها، لم؟ لأن الساسة أوعزوا إلى فرعون أن سلطانك ودولتك وملكك يزول على يد بني إسرائيل، لم؟ قالوا: هذا شعب كريم له أصالة وله شرف، فما يمكن أن تبقى مسوداً تحكمهم، لا بد أن يطالبوا يوماً ما بالملك والحكم ويسودون. فقال: إذاً: ماذا نصنع أيها الساسة؟ قالوا: الطريق أنك تذبح الذكران، وتترك الإناث للخدمة؛ لأنا في حاجة إليهن، أما الذكور فيذبحون، فمضى عام وعامان وثلاثة وأربعة فقالوا: قلت اليد العاملة، ماذا نصنع الآن؟ قال: إذاً: سنة تذبحون وسنة تعفون عن مواليد بني إسرائيل، شاء الله أن السنة التي فيها العفو ولد فيها هارون، والسنة التي فيها الذبح ولد فيها موسى، والله الحكيم العليم يدبر ما يشاء كيف يشاء: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، بشراك يا أم موسى: وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، لا ينجو من فرعون فقط، وقد تحققت البشرى، إذاً: أوحى الله إلى أم موسى أنها إذا وضعته تجعله في صندوق، فهيأت تابوتاً من خشب وجعلته في التابوت وقالت لأختيه: ارميه في النيل، فجاءوا فما وجدوا شيئاً، وأخذ الماء يلعب به ويعبث حتى وصل إلى القصر، وحول القصر أشجار كما تعرفون، فقالوا: (موشي) أي: بين الماء والشجر، هذا موشي، وجد بين الماء والشجر، فالـ(مو) بالعبرية: بمعنى ماء، و(شي) شجر، واليهود الآن يسمون موشي، لكن في العربية وفي كتاب الله: موسى.

    فموسى ماذا آتاه الله؟ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى [البقرة:136]، ما قال: وما أنزل على موسى، أوتي من المعجزات الخارقات، ويكفي التسع الآيات، من أعطاه هذه الآيات التسع؟ تسع آيات تعجز البشرية عن أن تأتي بواحدة منها.

    وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى [البقرة:136] أيضاً ما قال: وما أنزل على عيسى، أوتي عيسى زيادة على الإنجيل كزيادة موسى على التوراة، أعطاه الله الآيات

    فكان ينادي الميت فيقول: لبيك يا روح الله ويخرج حياً.

    وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ [البقرة:136] وما أكثرهم، هؤلاء هم الذين نؤمن بهم وبما أنزل عليهم، لا نفرق بين هذا وذاك، ولا نقول: هذا نؤمن به وهذا لا نؤمن به، فذلك الكفر بعينه، وهذا تسجيل على اليهود والنصارى أنهم كافرون، ما آمنوا، دعوا إلى أن يؤمنوا، فهل آمنوا بهذا؟

    وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:136] من المعجزات الخارقة للعادة، ومن الوحي الإلهي والكلام الرباني.

    معنى قوله تعالى: (لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)

    لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة:136]، اليهود ما آمنوا بعيسى، بل ما آمنوا حتى بسليمان، وقالوا: هو ساحر وما هو بنبي، والنصارى فرقوا أيضاً، آمنوا بموسى وعيسى، وما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    والحقيقة هي أن الإيمان لا يتجزأ، لا يقبل التجزئة أبداً، الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، لو قلت: فلان لا أؤمن بنبوته خرجت من الإسلام، والرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، لو قلت: أنا مؤمن بكل أولئك، إلا أن هذا الرسول نفسي ما اطمأنت إليه، ولا أستطيع أن أؤمن به؛ فوالله! ما بقيت في الإسلام، وكذلك ما أوحاه الله وأنزله من صحف وكتب، لو قلت: صحف فلان فيها كذا وما نؤمن بها، فوالله! ما أنت بالمسلم، لا بد من الإيمان بكل ما أنزل الله وبكل من أرسله الله ونبأه الله، ومن فرق فما آمن ولا أسلم، وهذه الآية تعليم إلهي: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:136] قولوا: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]، ونحن له، لمن؟ لله، مسلمون قلوبنا ووجوهنا وكل ما طلب منا قدمناه وطرحناه بين يديه، إذ هذا معنى الإسلام.

    اللهم اجعلنا مسلمين، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.