إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (51)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في بلدة بعيدة جثم فيها الشيطان وفرّخ، وأصبح الإنسان فيها يعبد حجراً، لم يكن الوضع سليماً، فقام نبي الله إبراهيم مبيناً الحق، رافعاً به صوته، ثم ما لبث أن اتخذ خطة أخرى، فغافل قومه وحطم الأصنام، جاء القوم فرحين، متبركين، فإذا بهم يصعقون لهول ما رأوا، وعرفوا الفاعل، وعزموا على عقوبته، لكن الله نجاه وحفظه وجعله إماماً للعالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها، وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    والآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    إبراهيم هو الأب الرحيم بالسريانية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    من هذا إبراهيم الذي ابتلاه الله واختبره وامتحنه فنجح حتى أصبح إماماً؟

    ألا إنه إبراهيم الخليل؛ الذي فاز بالخلة بينه وبين الله عز وجل.

    وهو الأب الرحيم؛ لأن كلمة إبراهيم باللغة السريانية هي الأب الرحيم، وقد تجلت رحمته في مواقف شتى، فحقاً كان أباً رحيماً.

    ومن مظاهر تلك الرحمة أنه لما سأل الله عز وجل قائلاً: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37]، فتتجلى حقائق الرحمة في هذا الكلام، وقبلها يقول من سورة إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36]، يا رب! إن هذه الأصنام التي عبدها البشر الجهال أضللن كثيراً من الناس، حيث عبدوها وتركوا الخالق المعبود الحق، ثم يقول: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وأنا منه: وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فلم يقل: فاضربه .. فانتقم منه .. فأنت العزيز الجبار .. أنت العزيز الحكيم وهو كذلك، ولكن قال: فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، كأنما قال: فاغفر له وارحمه.

    أما عيسى عليه السلام فقال ما سجل القرآن له في تلك الوقفة العجيبة في عرصات القيامة .. في ساحة فصل القضاء والله يقول له: أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:116-118]، فانظر ما بين الموقفين، فهنا ما قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ بل أنت العزيز القوي، القادر، الذي لا يعجزه شيء، الحكيم فتضع الشيء في موضعه؛ فالكافر الخبيث، المنتن، المجرم لا يضعه الحكيم بين أولياء الرحمن في دار السلام، بل يضعه في أتون الجحيم.

    والخلاصة أن الأمة التي سمت إبراهيم أباً رحيماً وفقت في ذلك الاسم، حقاً هو أب رحيم.

    إبراهيم هو أبو الضيفان

    هذا إبراهيم يكنى بأبي الضيفان، وهو ما ولد ضيفاً، ولكن كني بأبي الضيفان، والضيفان: جمع ضيف، يقال: ضيوف وضيفان.

    وإليكم سورة شاهدوا فيها كرم إبراهيم، فبعد هجرته واستقراره بدار القدس وأرض الطهر، شاء الله عز وجل أن يضرب المؤتفكات وبها قوم لوط عليه السلام؛ لأن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم، وهاجر معه أيام هجرته، فلم يخرج من أرض بابل سوى إبراهيم وزوجه الكريمة سارة وابن أخيه لوط.

    ونبأ الله لوطاً، وأرسله رسولاً إلى المؤتفكات: سدوم وعمورة، وهي مدن البحر الميت المنتن، فلما دعاهم إبراهيم إلى أن يعبدوا الله وحده، وأن يتخلوا عن الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين؛ وهي إتيان الذكور من العالمين، وتم وعد الله، وبذل لوط صلى الله عليه وسلم أقصى جهده، ولم يستجب له، فلم يسلم أحد ما عدا أهل بيت فقط .. أهل بيت لا غير، واقرءوا لذلك: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:31-34].. الشاهد: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:36].

    وقد كانت هناك مدن في ذلك العالم لكن: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، ولا حرج، فنوح قبله دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وحصيلة الدعوة كانت نيفاً وثمانين رجلاً وامرأة لا أقل ولا أكثر، وتخيلوا في تسعمائة وخمسين عاماً وهو يدعو الليل والنهار، في السر والعلن، فلم يتابعه على ملة الإسلام إلا نيف وثمانون رجلاً وامرأة، فيا عجب!

    وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن النبي يبعث يوم القيامة ومعه النفر والنفران، ويبعث وليس معه أحد )، لأنهم ما استجابوا.

    فلما أراد الله إنهاء ذلك الوجود العفن الخبيث المنتن؛ أرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ فنزلوا ضيوفاً على إبراهيم؛ لأن فلسطين والأردن متصلتان، فلما نزلوا بإبراهيم أهلّ وسهّل ورحّب: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] فهم ثلاثة أنفار، فقام إبراهيم بذبح عجل سمين وقدمه مشوياً أيضاً، ثم قال: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27]، فتأدب معهم، فما قال: كلوا، كأنه أعلاهم يأمرهم، بل قال: أَلا تَأْكُلُونَ فأبوا أن يأكلوا: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات:28] لم لا يأكلون!

    وهذه إن شئتم قولوا: عادة بشرية، حتى في الإسلام، فإذا أراد الشخص بالآخر سوءاً لا يسلم عليه؛ لأنه لو قال: السلام عليكم أمنه، ولو أراد به خيراً لسلم عليه وأكل طعامه، فإذا رفض أن يأكل فهذا معناه أنه ما جاء للأكل، بل جاء ليذبحه أو يسلبه ماله، فإبراهيم أوجس في نفسه خيفة، لم؟ أَلا تَأْكُلُونَ .

    وكانوا في صورة رجال، كرام، حسان الوجوه؛ لأن الملك يتشكل كما أراد الله، فقال جبريل: إنا لا نأكل طعاماً إلا بحقه.

    وهل تأكلون طعاماً بدون حقه؟ وهل تدخل المطبخ فتأكل وتشبع ثم تخرج؟ هذا من غير المعقول.

    قال جبريل: إنا لا نأكل طعاماً إلا بحقه، فقال إبراهيم عليه السلام: كلوه بحقه. فقالوا له: وما حقه؟ قال: أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

    أيها المستمعون والمستمعات! هل بلغكم إنه لا حق لك في طعام الله ولا شرابه إلا بأن تذكر اسمه أولاً وتحمده أخيراً، وإلا فأنت آكل ما لا يحل لك.

    هل يفهم الواعون هذه؟

    هذا الطعام من خلقه .. من أوجده .. من وضعه بين يديك، أفتأكل بدون إذنه، وهل يحل لك أن تأكل طعاماً بدون إذن صاحبه، أسارق أنت أم لص؟

    فمن هنا لابد إذا أراد عبد الله أو أمته أن يأكل أن يقول: بسم الله، أي: باسمه إذ هو الذي أذن لي فيه، ولو لم يأذن لي فيه والله ما أكلته، كأنك تأكل ميتة أو خنزيراً أو مغصوباً محرماً؟

    إذاً: لا تأكل؛ لأنه ما أذن لك فيه، ولهذا أيأكل المؤمن ما حرم الله؟ لا يقدر، أما إذا أذن له فيه فإنه يقول: بسم الله، ويأكل.

    كذلك إذا فرغ من الأكل يحمد المنعم فيقول: الحمد لله.

    ومن الأسف أن ملايين المؤمنين لا يعرفون هذا، ومن عرفه عرفه تقليداً أعمى فقط، لا عن علم وبصيرة، فلهذا لا يبالي أسمى الله أم لم يسم، حمد أو لم يحمد.

    وهل يجوز لعبد من عباد الله أن يتناول كأس الخمر ويقول: بسم الله ويشرب؟

    والله لا يجوز، كَذِب، كَذَبَ على الله وزَوّر، آلله أذن له بذلك، كيف يكذب على الله ويقول: بسم الله؟ ومن أذن لك حتى تقول: بسم الله، فتكون قد كذبت على الله مرتين: الأولى حين تشرب ما حرم أو تأكل ما حرم والثانية حين تقول: بسم الله.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان بين يديه غلام صغير يأكل الطعام فقال له: ( يا غلام! سم الله )، فيعلم هذا الطفل وهو في السادسة من عمره أو أقل: ( يا غلام! سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك )، فهل علمنا أطفالنا هذا؟ آه.

    وا حر قلباه! هل علم المسلمون غلمانهم أن يبتدئوا طعامهم: بسم الله، وأن يتناولوه بأيديهم اليمنى لا اليسرى، وإذا فرغوا أن يحمدوا الله.

    أي فلانة! أي بني! أي بنيتي! فرغت من الأكل؟ قالت: نعم أبتاه، قال لها: قولي: الحمد لله.

    ومن قص هذه القصة؟ وهل عاصر النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم ولوطاً وبينهما أربعة آلاف سنة؟

    إنه الوحي الإلهي.

    فلما قالا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بحقه، قال: كلوا بحقه، قالوا: فما حقه؟ قال: أن تذكروا اسم الله في أوله وتحمدوه في آخره، فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقالا: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلاً. فمن ثم عرفنا أن إبراهيم كان خليلاً للرحمن.

    والشاهد عندنا في أبي الضيفان فهو حقاً أبو الضيفان.

    إبراهيم هو أبو الأنبياء

    ويكنى إبراهيم أيضاً بأبي الأنبياء، فإذا سئلت: من أبو الأنبياء؟ فقل: إبراهيم، لأنه ما من نبي ولا رسول نبئ وأرسل بعده إلا من ذرية إبراهيم، وما من نبي نبأه الله بعد إبراهيم إلا من ولد إبراهيم.

    إذاً إبراهيم هو أبو الأنبياء .. أبو الضيفان .. خليل الرحمن.

    استجابة الله لدعاء إبراهيم

    إبراهيم عليه السلام دعا الله عز وجل دعوة مباركة واستجابها الرحمن، ولو تذكرونها من سورة الشعراء؛ حيث قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:78-89].. عجب هذه الكلمات! دعوه إلى أن يعبد الأصنام والأوثان والأوهام، فرفض وقال: أعبد الذي خلقني فهو يهديني، والذي هو يطعمني ويسقيني.

    يطمعني ويسقيني؟ وأنتم الآن من يطعمكم ويسقيكم؟ أمهاتكم وآباؤكم!

    أيها الغافلون! من الذي يطعم ويسقي سوى الله خالق المادة، ومسخر أسبابها.

    وإياك أن تفهم أنك تطعم نفسك، وتسقي نفسك، فمن خلق الماء، ومن عرفك أنه يرويك، ومن خلق الطعام وهداك إلى أكله، وعلمك كيف تأكله؛ لتعرفوا أننا لاصقون بالأرض.

    من منا يعرف هذه الحقيقة: أنا آكل .. أنا أشرب .. أنا أطعم .. أنا كذا!! أنت أنت؟! وأنت ما كنت شيئاً يذكر.

    عجب هذا الكلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَِ [الشعراء:78-79] لا غيره يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:79-84] واستجاب الله، فاليهود والنصارى والمجوس .. وكل أهل العالم يعترفون لإبراهيم بالمقام الأسمى، والمنزلة العليا، وأنه أبو الأنبياء؛ استجابة الله له.

    وفي السياق الكريم تقدم لنا ما قال اليهود، وما قال النصارى، وما قال المشركون، وهم يتشبثون بالنسبة إلى إبراهيم، فكلهم يقول: إبراهيم منا، وإبراهيم بريء منهم؛ وإبراهيم يقول تعالى عنه من آخر سورة آل عمران: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران:67] ويقول عنه من سورة النحل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، فتمزقت تلك الخيوط الباطلة التي يتشبث بها المشركون في مكة، ويدعون أنهم أتباع إبراهيم وما هم في حاجة إلى محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135]، ومن سورة آل عمران قالت اليهود: إن إبراهيم كان يهودياً، والنصارى ادعت نفس الدعوى: إن إبراهيم كان نصرانياً، فأبطلها الله، ورد هذا وأبطلهم.

    إذاً: إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً، مائلاً عن كل الباطل وضروبه، وأنواعه، وعباداته، وآلهته إلى الحق مسلماً قلبه ووجهه لله رب العالمين، فأبطل دعواهم، وهم ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمشركون من العرب.

    وفاء إبراهيم

    وهاهو ذا تعالى يريهم صورة حقيقية لإبراهيم، فقال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124]، ابتلاه: امتحنه واختبره، (بكلمات) جمع كلمة، وهي كما يقولون: أوامر ونواهي؛ لأن الأمر يكون بالكلمة: افعل، والنهي يكون بالكلمة: لا تفعل.

    إذاً: فإبراهيم امتحن ونجح.

    قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة:124] أي: واذكر يا رسولنا لهؤلاء الطوائف الضالة من اليهود والنصارى والمشركين اذكر لهم ليسمعوا ويعوا ويشاهدوا: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] وفاهن: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37] تمام التوفية في كل ما أسند إليه، وأمر به، ودعي إليه، ولم يثبت من أتم ما عهد إليه ووفاه سوى إبراهيم، ولهذا أثنى الله عليه بقوله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى .

    إبراهيم يحطم الأصنام

    من الكلمات الشاقة الصعبة التي لا ينهض بها إلا مثل إبراهيم ذلك الموقف الذي وقفه في بابل العراق، يوم هاجم الأصنام والأوثان بمعول .. بفأس، فحطمها وكسرها وتركها شذراً مذراً، ومن يقوى على هذا؟

    فإبراهيم عرف أن قومه سيخرجون في الربيع إلى عيد الفصح كما يسميه النصارى اليوم، فعرضوا عليه الخروج معهم فاعتذر وقال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89].

    قال تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:83-89]، فأوهمهم أنه ينظر إلى النجوم؛ لأنهم يعبدون الكواكب، وقال: إني سقيم، لا أستطيع الخروج معكم.

    نعم عرضوا عليه الخروج للفصح؛ للأكل، والشرب، والقصائد الماجنة، فلما تركوه جاء بمعول أعده من قبل، ودخل بهو الآلهة وصالونها الفخم وكسرها وحطمها، وعلق المعول في عنق أكبرها وانصرف.

    فإبراهيم خرج عن نظام الدولة بكامله، فحارب الأمة وسلطانها، وهو وحده.

    عشنا وما زال العرب في جاهليتهم في بعض البلاد، هناك في يوم من الأيام وخاصة أيام الخريف عندما توجد الحمى الفصلية ينادي المنادي في القرية: إن إخواننا من الجن قد عسكروا عندنا فكيف نتقيهم؟

    يقولون: بالنشرة.

    لكن ما هذه النشرة؟

    يقولون: اذبحوا، واطبخوا الطعام واللحم، وضعوه في البيوت، وأغلقوا الأبواب حتى يأكل إخواننا من الجن ويرحلون، وبذلك نسلم نحن وأولادنا ونساءنا من أذاهم.

    والله العظيم!

    فإذا وضعت السيدة طعامها وأغلقت باب الغرفة، وبعد ساعة يأخذون الطعام ويأكلونه بما فيه من البركة، وهذا موروث عن البابليين من ستة آلاف سنة.

    فإن سأل سائل: كيف نقل إلينا؟

    الجواب: مضى في الدرس الماضي أن قلوب الكافرين متشابهة عرباً وعجماً؛ لأن الداعي إلى الباطل واحد، وهو إبليس. وإبراهيم بيننا وبينه أربعة آلاف سنة أو ستة آلاف فقط، وعندنا في قرية من قرانا الإسلامية يعبد يعوق ونسر من عهد نوح، أما قال نوح لما أمرهم بعبادة الله: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، جبلان رأيناهما: هذا يعوق وهذا نسر، وإذا انقطع المطر وأجدبت الأرض خرج أهل البلاد بالنساء والرجال، فيذبحون ليعوق ونسر، ويأكلون الزاد والطعام حتى يسقوا.

    كيف نتخطى أكثر من ثلاثة آلاف سنة؟ كيف يتم هذا؟!

    لأن الداعي إلى الشرك والباطل هو إبليس، فلا عجب ولا غرابة أن ينتقل هذا إلى العالم الإسلامي من عهد البابليين؛ إذ يخرجون ويتركون أطباق الطعام والحلويات بين يدي الآلهة لتباركها، فإذا رجعوا من عيد الفصح أخذوها.

    وأظن أن النصارى يعملون هذا إلى اليوم، فيضعون أطباق الحلويات عند الآلهة.

    فإبراهيم استغل الفرصة وحطم الأصنام والآلهة الباطلة، وعاد إلى بيته، فجاء المغرورون؛ المخدوعون ليتناولوا الأطعمة المباركة، فوجدوا الآلهة متناثرة: قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:59-60]، (سمعنا فتى) أي: شاباً (يذكرهم) أي: بالسوء، وعدم الرضا، والغضب، فما هو راضٍ عنه: قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:61]، هناك نوع من الحق أو العدالة ما هم هابطين تماماً: فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أن هذا الذي فعل هذه الفعلة، وجيء به، واستنطقوه: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:62-63]، وهذه كذبة من الكذبات الثلاث، فهو قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63] يشير إلى يده، وهم ظنوا أنه يشير إلى الإله الذي ما حطم: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63] فبكتهم، فَاسْأَلُوهُمْ إله لا يجيب؟ كيف ترجو أن يرحمك وأن يدفع العذاب عنك، وهو ما ينطق؟ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:64-67]؟!

    توكل إبراهيم

    فهذا الغلام الشاب هو إبراهيم، قالوا: إذاً حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ [الأنبياء:68]، فلما عجزوا عن البيان والحجة والبرهان رفعوا الهراوة عليه، وهذا واقع البشر، تجده يجادل يحاج بالمنطق، فإذا فشل: آه اقتلوه، فهذا النوع من البشرية هي هي، وإياك أن تفهم أننا في القرن العشرين، والله إن الأخلاق والأفكار والسياسة التي منذ سبعة آلاف سنة هي الموجودة الآن، فما تغير الآدمي، فالبشر ما تغيروا، وما صار هناك مخ جديد أو عقل آخر.

    إذاً: إبراهيم الخليل وقف هذا الموقف فألقوا القبض عليه وسلسلوه وغللوه ودعوه وتركوه في السجن أكثر من أربعين يوماً وهم يجمعون الحطب ويؤججون النار، وهذا الأسلوب معروف من أجل إرهاب الشعب حتى لا يقلد إبراهيم أو يمشي وراءه أو يرحمه، انتبه.

    وبلغنا عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الوزغ الملعونة كانت والله تنفخ في النار لتتقد وتشتعل، فهي تكره التوحيد والموحدين.

    وكانت المرأة تنذر النذر للآلهة بحزمة حطب إذا نجح ولدها أو حصل له كذا حتى تساعد على إشعال النار، فأججوها كذا يوماً وأصبح الطير لا يستطيع أن يطير فوقها للهبها؛ وكل ذلك من باب الإرهاب والتخويف لعل إبراهيم يتراجع، فأبى.

    لكن كيف يلقون إبراهيم في هذا الجحيم؟ ومن يقوى على الوصول إليه؟

    فما كان منهم إلا أن وضعوه في منجنيق، ورموا به بالآلة؛ لأنهم ما يستطيعون أن يصلوا إلى النار.

    واسمع كأنك حاضر تشاهد كلام الرب؛ رب العالمين، فيبينه رسول رب العالمين، فلما وضعوه في المنجنيق أو في العقال ورموه وفي الطريق قبل أن يصل وصلت برقية عاجلة، فقد اتصل به جبريل عليه السلام وقال: هل لك يا إبراهيم حاجة؟ وبالمصري: عاوز خدمة يا إبراهيم؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل. يكفيني الله، ما أنا في حاجة إلى غيره، ونعم وكيلي هو الله.

    وهذه الكلمة أول من قالها إبراهيم، وقالها الطيبون الطاهرون، من صفوة هذه الأمة، من الأنصار والمهاجرين قالوها هنا، في هذا البلد، فإنهم لما عادوا من أحد وكانت هزيمة مُرَّة، فقد سقط فيها سبعون قتيلاً، واستشهد حمزة ، وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم، وشج وجهه، ولصق المغفر برأسه، وسببها لا أقول ذنب، بل ذنيب، وهو بالنسبة إلى ذنوبنا ليس بشيء، ولا واحد إلى مليون، وهذا الذنب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا رماة! الزموا الجبل، ولا تهبطوا، وإن رأيتم ما رأيتم. فلما أن شاهدوا الهزيمة تمت للمشركين وفر نساؤهم ورجالهم، واندفع المسلمون يجمعون الغنائم هبطوا من على الجبل، فرآهم خالد قائد القوات الكافرة يومئذ -وهو آية من آيات الله في قيادة الحروب- فاحتل الجبل وصب البلاء على المسلمين، وكانت هزيمة، وانتهت المعركة، فما عادوا إلى المدينة إلا جرحى، دماؤهم، ودموعهم، وآلامهم تسيل، ومن يضحك، ومن يأكل والرسول جريح؟

    وفجأة جاء خبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان عزم على أن يعود إليهم ليصفي حسابهم، وينهي وجودهم بالمرة، وقد عسكر على نحو ثلاثين كيلو متر خارج المدينة.

    فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن أعلن التعبئة والخروج وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، واقرءوا ذلك في قوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:171-173] فقال الرسول: ( قالها من قبل إبراهيم ).

    أيها المسلمون! يا أبطال الدنيا! تريدون أن تنتصروا على إسرائيل؟ كم ذنباً عندنا؟

    إن أصحاب رسول الله كان معهم ذنب واحد .. مخالفة واحدة، ونحن خالفنا الله، ورسوله، وشرع الله، وما أبقينا شيئاً إلا وعكسناه، ونريد في الأخير أن ننتصر؟! كيف يمكن هذا؟ نغالط أنفسنا، هذه فكرة عابرة فقط.

    والشاهد: في البرقية أن جبريل اتصل بإبراهيم باللاسلكي: ( هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل ) ويصدر أمر الله إلى النار المتأججة: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] وهذه آية من سورة الأنبياء، ولولا أنه ألحق الأمر بكلمة (سلاماً) لتحولت تلك النار إلى كتلة من الثلج، ومات إبراهيم من شدة البرد، لكن لما قال: وَسَلامًا والله ما أتت النار إلا على رجليه ويديه، ولم تمس النار جسمه.

    وقد ذكرت لكم كرامة أخرى: أن أحد الصالحين الربانيين داهمه الدرك الفرنسي وهو على كرسي الدرس، وأدخل يديه في الحديد، وأخذ يضغط عليه، فقال الشيخ رحمة الله عليه: لقد وسعه الله، ولن تستطيع أن تضيقه، ويحلف ما مس يده.

    فهذا ولي من أولياء الله، وعالم رباني، وخريج هذا المسجد، قد تربى وتنشأ في هذا المكان الطاهر، وما عرف قومه وأهله حقه ولا قيمته، كصالح في ثمود.

    إذاً: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:69-70] خسروا ونزلوا. وهذا الموقف امتحن فيه إبراهيم فنجح، وأتم الأمر كما أراد الله.

    ابتلاء إبراهيم بالهجرة

    هنا أمر آخر: إلى أين يذهب إبراهيم؟ فلا مواصلات ولا ولا ولا، ولا عرف البلاد، إلى أين يذهب؟

    وكانت أول هجرة عرفتها البشرية، فأول من هاجر في سبيل الله إبراهيم بشهادة أبي القاسم الحفيد الكريم، فأول هجرة كانت لله في العالم هجرة إبراهيم، وهاجر من أرض بابل في العراق ومعه زوجه الطاهرة سارة بنت عمه، ومعه ابن أخيه لوط عليه السلام فقط، فترك الأهل، والمال، والآباء والإخوان، والدنيا وخرج، لا يملك شيئاً.

    وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] وهذه كلمة من الكلمات، أو الهجرة لا تعدونها شيئاً؟

    المهاجرون الأولون أثنى الله تعالى عليهم، فيخرج الرجل ويترك أهله، وماله، ومعارفه، ويخرج لا يملك شيئاً، إلى أين يذهب؟ كيف يعيش وهو لا يعرف أحداً؟ ولكن لوجه الله .. طلباً لمرضاة الله .. فراراً بدينه، حتى لا يعبد غير الله.

    وعندما تقدم المسلمون نحو جنوب أوروبا حصلت معركة فاستشهد فيها من استشهد، فجيء بهم إلى مدينة دخلت في الإسلام على ساحل البحر، فخرج أهل البلاد مع المجاهد، ولم يخرج مع المهاجر إلا عدد قليل في الجنازة، فقام أحد المؤمنين وقال: أما أنا فو الله! لا أبالي أن أقبر في قبر مجاهد أو قبر مهاجر، إذ لا فرق بين المهاجر والمجاهد، وقرأ هذه الآية من سورة الحج: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج:58] أي: في الجنة، فما هناك فرق بين المهاجر والمجاهد.

    فقوله: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [الحج:58] قتلوا مجاهدين أو ماتوا على فرشهم كما مات هذا، ثم قال: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59] فليرزقنهم وليدخلنهم الجنة.

    فالهجرة ليست لأن العيش ضاق، وما وجدنا شغلاً، الهجرة في الله هي أنك تحرم من أن تعبد الله، فأنت خلقت لهذه العبادة، فإذا عرض عارِض ومنعك أن تعبد الله فيجب أن تهاجر، ولتترك كل شيء؛ لأنك لم تخلق إلا لأن تعبد الله، فإذا منع مانع من العبادة وجبت الهجرة، وقد هاجر أصحاب الرسول من مكة، وتركوا أهليهم وذريتهم وأولادهم، وخرجوا بأيديهم ونزلوا على أهل المدينة، فآووهم ونصروهم، واقرءوا القرآن، فالهجرة لها شأنها لو كنا نفقه ذلك.

    واسمع يا عبد الله! واسمعي يا أمة الله! لو نزلت في عمارة ووجدت نفسك لا تستطيع أن تستقيم في هذا المنزل، وقد تصاب بارتكاب معصية فيجب أن تهاجر.

    وإن نزلت منزلاً وعرفت أنك ستنظر بعينيك إلى ما لا يحل لك، وأنك ستسمع ما لا يجوز لك أن تسمعه، وأنك سترتكب معصية من المعاصي، وما هناك سبيل إلا أن تغشى هذا الذنب فيجب أن تهاجر من هذا المنزل إلى آخر.

    وجدت نفسك في بلد لا تستطيع أن تقيم به دهراً، أياماً أو ليالي إلا وقد تركت واجبات أو فعلت محرمات، فيجب أن تهاجر إلى بلد آخر، ولو خمسين كيلو، وليس بشرط أن يكون إقليماً آخر أو من بلد إلى بلد، أما هاجروا من مكة إلى المدينة؟ هما بلد واحد، ولا تقل الهجرة: الانتقال من بلد إلى بلد أو من دولة إلى دولة أو من إقليم إلى إقليم. فالهجرة أن تترك مكاناً وجدت نفسك لا تعبد الله فيه، ولا تستطيع أن تقيم على منهجه، فارحل.

    وهذه الهجرة -كما علمتم- كالجهاد، فلا فرق بين المهاجر والجهاد: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:58-59].

    والسر هل خلقنا لأن نأكل ونشرب وننكح؟! لا، إنما خلقنا لأن نعبد الله، فإذا منعت من عبادة الله يجوز أن تبقى في ذلك المكان؟

    والعلة التي خلقت من أجلها تعطلت فيجب أن تهاجر.

    إذاً: إبراهيم هاجر مع سارة ومع لوط من أرض العراق إلى أرض الشام. فهذه كلمة ابتلاه الله بها وهي أعظم ابتلاء.

    ابتلاء إبراهيم بأمره بذبح ابنه إسماعيل

    يأتي ابتلاء آخر، وهذا الابتلاء جاء بحكم رقة قلب إبراهيم، وفيضان رحمته على حواسه ومشاعره وأحاسيسه، فيبتليه الله تعالى بأن يذبح ولده، وأي امتحان أعظم من هذا؟ فلو كان قاسي القلب، شريراً من أهل الشر لذبح أمه وأخاه ولا يبالي، ما هناك شيء أن يذبح طفلاً ويرفسه، لكن قلب إبراهيم المفعم بالرحمة، يوحي إليه تعالى امتحاناً له أن اذبح ولدك، وفعلاً يقول لـهاجر: أعديه، وطيبيه، وطهريه، ونظفيه ويخرج به من حجره ملاصقاً للبيت إلى منى ليريق دمه هناك: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] فقال الغلام: فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102] افعل ما تؤمر يا أبتاه، وخرج به، وتله للجبين على الأرض، والمدية في يده، ووضعها، فلم تقطع، ووقف الحديد، وبطلت سنة الله، وهذه آية من آيات الله، فناداه مناد: أن اترك هذا وخذ هذا يا إبراهيم وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107] وهذه أصعب من الأولى.

    ابتلاء إبراهيم وابنه إسماعيل بأمرهما ببناء البيت

    وأخرى: لما أخذ إسماعيل يقوى على العمل في الثامنة أو التاسعة من عمره أمره الله أن يبني له بيتاً.

    وكيف أن الدولة تكلف فرداً يبني بيتاً؟ فأين الأموال، وأين الرجال، وأين وأين؟

    وأيضاً في صحراء، وفي وادٍ خال: ابن لنا بيتاً.

    فينهض إبراهيم، والله كأنكم تشاهدونه وهو يضع اللبن، حجرة فوق الأخرى، وهو يتقاول مع ولده: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:127-129] فهما يتقاولان هذا الكلام وهما يبنيان البيت، فإبراهيم يأخذ الحجر من إسماعيل ويبني.

    معنى قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما)

    هنا لم يبق إلا الجائزة العظمى، فقد نجح إبراهيم، قال تعالى: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124] لما نجح أعطاه جائزة لم تحلم الدنيا بمثلها: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا أي: قدوة يقتدي بك الأبيض والأسود طول الحياة.

    ثم قال تعالى: قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124] أيضاً قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] فما نعطيك عهداً مطلقاً، فيأتي من أولادك المشرك، والكافر والظالم، والفاسق، ويصبحون -إذاً- أئمة، لا، قال: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]. قالت العلماء: من هذه الآية أخذ ما يعرف بولاية العهد.

    وغداً إن شاء الله نواصل الحديث. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.