إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله تعالى أن من صفات المنافقين أنهم إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا ما ذهبوا إلى رفقائهم وأسيادهم ولاموهم كان جواب المنافقين أنهم ما يزالون باقين على كفرهم، وأنهم ما قالوا ذلك إلا استهزاء بالمؤمنين، وسخرية بالمسلمين، فكان أن جازاهم الله بالمثل، فالله يستهزئ بهم ويزيدهم حسب سنته أن السيئة تلد سيئة، فهؤلاء قد استبدلوا الكفر بالإيمان، فما ربحوا دنيا ولا أخرى.

    1.   

    القرآن نور ومنهج حياة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن ليلتنا هذه ليلة القرآن العظيم، ليلة الروح الإلهي والنور الرباني، وذلكم أن القرآن روح، ولا حياة بدون روح، وأن القرآن نور، ولا هداية بدون نور، والله كما تسمعون.

    قال تعالى في كون القرآن روحاً به تتم الحياة: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]. وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8].

    وها نحن نشاهد الواقع، فالبشرية في الشرق أو الغرب إذا لم تقبل على هذا الإسلام، وتأخذ كتابه وتقرؤه وتفهم ما يحمله، وتعمل بما فيه، والله ما سعدت ولا كملت، وحياتها حياة البهائم، ولا فرق بينها وبين البهائم، بل هي شر، واقرءوا قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6] والبرية الخليقة، بمعنى: المخلوقة. من شر الخليقة؟ القردة، الخنازير، الكلاب، الذئاب، السباع، القطط؟ لا لا، هم الذين كفروا بربهم، وأعرضوا عن ذكره وكتابه.

    ومن أراد أن يستقصي الخبر: أيخلقك، ويرزقك، ويهبك حياتك ثم تنكره وتكفر به، وتتعمد الفسق والفجور والعصيان عن أمره؟ هذا ينبغي أن يطحن طحناً، فأولئك الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15].

    فمن هنا وهب الله تعالى هذه الأمة القرآن الكريم الروح؛ الإلهي والنور الرباني، واحتال عليها خصومها وأعداؤها من أهل الشرك والكفر فزحزحوها وأبعدوها وتركوها تعيش في أغلب أحوالها كما يعيشون، بل بلغ بنا السحر والكيد والمكر حتى أصبحنا نتعشق حياة الكافرين، ونتسابق إليها، وأرقانا من تشبه وأصبح مثلهم.

    أليس هذا واقعاً يا بني الإسلام؟ فكيف المخرج من هذه الفتنة؟ كيف نعود؟

    1.   

    المخرج من الفتنة

    ليس هناك سحر، ولا طاقات، ولا قدرات، ولا ولا.. ليس هناك إلا أن نحقق إيماننا، أنت مؤمن؟ إي نعم مؤمن. صادق الإيمان؟ قال: نعم. إذاً فهيا بنا إلى مصدر قوتنا، وهيا بنا إلى الروح وإلى النور لنحيا ونهتدي إلى الكمال والإسعاد، فنأتي إلى بيت ربنا سواء كنا في رءوس الجبال أو في السفوح والوهاد، كنا في المدن أو القرى، في البادية أو الحاضرة، أردنا أن نقبل على الله ليقبل علينا فيكرمنا ويسعدنا، نجتمع بنسائنا وأطفالنا ومسئولينا في بيت ربنا كل ليلة من المغرب إلى العشاء، طول الحياة. الكفار، المشركون، المجوس، الدنيويون، إذا فرغوا من العمل ذهبوا إلى المراقص والمقاصف والملاهي والملاعب ودور الباطل يروحون عن أنفسهم كما يزعمون، ويخففون آلام النفس والتعب، وأين يذهب المسلمون؟ يجب أن يذهبوا إلى بيت ربهم، فيجتمعون ويتلقون الكتاب والحكمة؛ قال الله وقال رسوله، وما تمضي سنة ولا سنتان أو ثلاث إلا وقد تغير وضع المسلمين، وتغيرت نفسياتهم وآمالهم وأطماعهم واتجاهاتهم، وعادت كلها إلى اتجاه واحد: أن يرضى الله عز وجل ويكرمنا ويسعدنا، فلم يبق زنا، ولا خمر، ولا حشيشة، ولا كذب، ولا كبر، ولا رياء، ولا عجب، ولا نفاق، ولا تلصص، ولا خيانة، ولا ظلم، ولا اعتداء، فلا يبقى من هذا شيء، لأن العلاج قوي، فهو روح الله ونوره، وحينئذ تدين الدنيا كلها لنا، وتخضع بين أيدينا؛ لسمونا وارتفاعنا.

    والله! لو أن أهل إقليم أو بلد حققوا هذا المبدأ لكان يأتي الكفار ويشاهدون الأنوار ويسلمون بالمشاهدة، وخاصة في هذا الظرف العالمي الذي أصبح الصوت يسمعه كل إنسان، والمنظر يشاهده كل إنسان، وتطير من الشرق إلى الغرب، في يومك وقد طفت بالعالم، فلو يدخلون فقط على أهل قرية وهم زي واحد، سمت واحد، نظام واحد، طهر كامل، صفاء، إخاء، محبة، نظام وعمل لبهرتهم هذه الأفعال.

    يا شيخ! ما الدليل؟

    الدليل أنه في خمس وعشرين سنة فقط اتسعت رقعة العالم الإسلامي من وراء نهر السند إلى الأندلس، فهل أجبروا الناس بالحديد على الإسلام؟ لا والله، لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ولا يوجد مسلم أسلم بالعصا والضرب والتجويع، والله ما كان.

    دخلوا في الإسلام لأنهم شاهدوا الربانية، وشاهدوا الأنوار تتلألأ، وشاهدوا الصفاء، الرحمة والإخاء، العدل والصدق، فانبهروا ودخلوا في الإسلام. وقد صح هذا، ولا يرده إلا مكابر معاند، نعم كانوا يتلصصون، يجرمون، يسرقون، يكذبون، يتكبرون و.. لكنهم شاهدوا العدل، الرحمة، الإخاء، الطهر، الصفاء، ومن يرفض هذا؟

    1.   

    الدعوة في البلاد غير الإسلامية

    بالمناسبة دعنا نقل: بكينا مرات، ومسحنا دموعنا وسكتنا وقلنا: لا تبك، أمة هابطة، من يرفعها سوى الله. وقلنا: هذه الجاليات الموجودة في قارة أمريكا، قارة أوروبا، في اليابان، في الصين، في كل مكان. هذه الجاليات لو نظمت لهم لجنة عليا عالمية إسلامية، وجمعت لهم الدينار والدرهم من المسلمين، ضريبة الإسلام علي وعليك، كل يوم ريال، وكانت ميزانية، ثم وضعت خارطة لتلك الجاليات: هنا مسجد، هنا مدرسة، هنا جماعة من المسلمين، هنا كذا.. ثم قدم لهم أئمة هدى ودعاة نور على حساب اللجنة، وأعطوا كتاباً واحداً لا مذهبية، ولا طرقية، ولا انتظام في حال من الأحوال، مسلم فقط، وأخذت تلك الجاليات تلتئم وتتجمع، والنور يغمرها، فلم يبق هرج ولا مرج، ولا شر ولا فساد ولا باطل، فما تمضي عليهم خمس وعشرون سنة وهم في تلك الأنوار إلا وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وجماعات.

    ما المانع من هذا؟ من الذي يمكن أن يقوم بهذا؟

    رابطة العالم الإسلامي تصدق وتزور العالم الإسلامي، وتكون هذه الجماعة، وتوحد الإمام الداعي والكتاب الذي يدرس، وما تمضي فترة إلا والنصارى بالذات يدخلون في دين الله.

    ومن قال: كيف؟ نقول: الآن دخل من النصارى مئات الآلاف، مع أن الدعوة ليست بشيء، وإذا شاهدونا يضحكون: مسلم يسرق، مسلم يشرب الخمر، مسلم يفجر ويزني، مسلم معلق صليب، كيف هذا الإسلام؟!

    وقد فتح الله تلك البلاد فبدل ما نغزو وترسوا بواخرنا الحربية في الموانئ وندخل قال: لا .. لا، البلاد مفتوحة، ادخلوا. لكن كتب الله هذا الهبوط، لم ما يكون هذا؟ أليس واجباً على المسلمين أن يدخلوا الكفار في دين الله؟! من ينقذهم؟ من يهديهم؟ من المسئول؟ المسلمون، القرآن في أيديهم أو لا؟ إذاً هم المسئولون.

    لو كان لا بد من سلاح وقتال نقول: حتى نتجمع، وحتى نقوى، وحتى.. أما الآن لا، بالمال فقط، والكلمة الطيبة وتحكيم الكتاب والسنة، وإذا بالإسلام ينمو، ومع هذا فيه نماء، من كان يحلم أن فرنسا يوجد فيها ثلاثمائة مسجد؟! من كان يحلم أن بريطانيا عدوة الإسلام الأولى يوجد فيها مئات المساجد؟! وعلى هذا فقس.

    سمعتم هذه؟ بلغوها، قالوا: لا نستطيع.

    إذاً نعود إلى النواة الأولى كتاب (المسجد وبيت المسلم) فهيا يا علماء، ويا بصراء، ويا طلاب العلم، كل واحد يجمع كل أهل قرية في جامعها ومسجدها ويأخذ في تربيتها وتطهيرها، غاضاً الطرف عن الخلافات والصراعات والحزبية والجماعات، بل إخوة مؤمنون مسلمون في بيت الله، فتستنير تلك القرية ويستنير ذلك البلد، شيئاً فشيئاً وإذا النور يغمرها، أو ننتظر ماذا؟ عيسى عليه السلام! إذا نزل ابن مريم انتهى الإسلام وغير الإسلام، المسلم مسلم، والكافر كافر، فهو آية من آيات قرب الساعة.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    باسم الله! ما زال السياق الكريم في بيان عورات المنافقين، والصواب: في علاج مرض المنافقين، رجاء أن يشفوا ويبرءوا من سقمهم، ويدخلوا في رحمة ربهم.

    صنف المؤمنين المتقين

    أشير إلى ما سبق وهو: أن الآيات التي ندرسها صنفت البشرية ثلاثة أصناف: مؤمنون متقون، وهم المفلحون، وانظر إليهم وهم متمكنون من هداية الله، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5]. وهل الذي متمكن من هداية الله يسرق، يحسد، يبغض، يغتاب وينمم، يفجر ويقتل؟! كيف الهداية هذه؟ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ، هؤلاء هم المفلحون، سواء كانوا من البيض أو الصفر أو الحمر، العجم أو العرب، بل حتى من الجن.

    الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى [البقرة:1-2] لمن؟ لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] من هم؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:3-4] فدخل اليهود والنصارى أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] هؤلاء أسلموا لله القلوب والوجوه، منهم الكافر واليهودي، والنصراني، والعرب، والعجم. هذا صنف السعداء.

    صنف الكفار

    هناك صنف آخر قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لم؟ لأنهم توغلوا في الكفر، وضربوا في الفساد والشر، فطبع على قلوبهم فهم لا يعلمون ولا يفقهون، وبين تعالى العلة فقال: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7] فلا يدخلها إيمان ولا نور القرآن ولا حكمة محمد صلى الله عليه وسلم، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فما يسمعون أبداً، يدخلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا الأذان.

    وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7] غطاء أسود فما يشاهدون آية من آيات الله، وهؤلاء لا يؤمنون، وهم أصحاب النار، وأهل الجحيم والخسران.

    أما الكافرون الذين ما انتهوا إلى هذا المستوى فهم الذين يدخلون في رحمة الله، ويسلمون قبل أن يأتي الطبع والختم.

    صنف المنافقين

    الصنف الثالث: هم المنافقون، قال تعالى فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8].

    وَمِنَ النَّاسِ [البقرة:8] ناس عرفهم الله، ناس من أسوأ الناس يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، وقد عرفتم أن ركيزة الإيمان التي بها يقوى العبد على أن يفعل ويترك هو تحقيق الإيمان بالله وبلقاء الله. أما الإيمان بالرسالة، بالقدر، بالكتب، فأمرها أهون. لكن الإيمان بالله رباً وإلهاً لا إله غيره، يعلم ظاهرك وباطنك، بيده أمرك، حياتك .. مماتك، سعادتك .. شقاؤك، إن شاء أخذ أنفاسك وأماتك، وإن شاء أبقاك وأحياك، والذي لا يملك معه كائن ذرة بالكون. هذا الإيمان بالله، ثم الإيمان بلقائه وجهاً لوجه في ساحة فصل القضاء. ويؤمن بالدار الآخرة، وما يتم ويجري فيها من حساب دقيق وجزاء عظيم، إما نعيم مقيم، وإما جحيم وعذاب أليم.

    وهذا الإيمان إذا ضعف في النفس ما يستطيع صاحبه حتى يبصق في المزبلة.

    وهنا نذكر هذه الحقيقة: قوِ يا عبد الله إيمانك بربك، وتعرف إليه، واسأل عنه، وتصفح كتابه، واسمع ما يقول القرآن في صفاته، حتى تكتسب نوراً عظيماً يتولد منه حبك لله وخوفك من الله، فمتى أصبح الآدمي يحب الله أكثر من حبه لنفسه وماله وولده والناس أجمعين، وأصبح يرهبه ويخافه، أصبح يستطيع أن يغض بصره، ويستطيع أن ينطق بالكلمة الطيبة دون الخبيثة، يستطيع أن يموت جوعاً ولا يمد يده، يستطيع أن يعيش أربعين سنة عزباً، ولا يفكر في زنا ولا باطل.

    قوة الإيمان: حب الله والخوف منه.

    والإيمان بيوم القيامة وما يجري فيه إذا نماه العبد، وزاده بالنظر في الملكوت، بالنظر في الكتاب، بسماع كلام الله، صير صاحبه وجعله لا يدخل إلى بيته قشة أو إبره وهي حرام أبداً، وما يستطيع أن يسب مؤمناً أو يشتمه فضلاً على أن يذبحه ويمزق بطونه.

    فالإيمان بالله وباليوم الآخر هو الركن الركين في أركان الإيمان الستة.

    قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] فما استقر هذا الإيمان في قلوبهم، ولا صدقوا الرسول، ولا كتابه، ولا آمنوا. إذاً: كيف؟ قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] هؤلاء هم المنافقون.

    كان المنافقون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، أما مكة فلم يكن فيها نفاق، والمدينة كان فيها يهود، وفيها عرب مشركون قلوبهم ميتة، وضمائرهم ممزقة، يحبون الدنيا، ويحبون المال والسلطان، فلما وجدوا نور الإسلام غشى البلاد وغطاها أظهروا الإيمان فقط بألسنتهم، أما قلوبهم فليس فيها ذرة من إيمان، فينافقون ويقولون: نحن مؤمنون.

    كان عبد الله بن أبي يدخل الروضة ويعلن: والله إنك لرسول الله. حتى يزيل التهم عن نفسه، والله يقول: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المنافقون:1-2] أي: وقاية فقط، وهؤلاء عالجهم القرآن فأذهب تلك الأمراض من نفوسهم من يوم إلى آخر، ومن عام إلى آخر، وما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة منافق، فانتهوا. هذا علاج أو لا؟ هذا هو القرآن، هذا هو الشفاء: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82].

    اسمع ما يقول عنهم؟ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:8-10] يعني: سرطان؟! مرض القلب هذا هو مرض حب الدنيا والشهوات والأطماع الكاذبة، مرض الشرك والكفر، وحب الباطل، وهذا أخطر من الأمراض العادية.

    فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10] نعم، سنة الله أنه إذا استشرى الداء ينتشر بالجسم، وما دام وجد المرض فكل يوم يزدادون مرضاً جديداً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10] وفي قراءة: (يكذِّبون)، عرفتم العلة؟ بما كانوا يكذبون على الله ورسوله والمؤمنين بدعوى أنهم مؤمنون، وبما كانوا يكذبون في باطنهم لله ورسوله، فمنهم من يكذِّب ومنهم من يكذِب، والقرآن جمَّاع المعاني.

    الادعاء الكاذب من صفات المنافقين

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] من يقول لهم: لا تفسدوا في الأرض؟ أي: لا ترتكبوا المعاصي. مؤمن وتشرب الخمر سراً؟! مؤمن وتغتاب أبا بكر وفلاناً وفلاناً؟! مؤمن وتؤخر الصلاة؟! ما لك! لا تفسد في الأرض، قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] لسنا بمفسدين، وفعلنا كذا وكذا من أجل الإصلاح، لأنهم يبيتون مع الزملاء، فيتآمرون على الحق ودعوته، وإذا قيل: لم هذا؟ يقول: نحن مصلحون، هذا من أجل الإصلاح.

    أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة:12] هذا البيان ممن؟ من الله.

    أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة:12] من هم المفسدون اليوم وغداً؟ هم الذين يعملون بمعاصي الله، والله العظيم لهم المفسدون، وما من نعمة تزول إلا بعصيانهم وفسقهم وفجورهم.

    فهمتم هذه أو لا؟!

    ولهذا نقول للمسلمين: يا عباد الله! لا ينجيكم من نقم الله وعذابه وسلب نعمه إلا أن تعتصموا بحبله، ما ترضى أبداً أن يكون في بيتك فاسق، ولا أن يكون جارك فاسق ولا مع فاسق، اعمل على تطهير القرية والحي والبلاد، وبهذا تستطيع أن تفرح بنعمة الله ولا تزول.

    فالذين يعملون بالمعاصي دعوني مع واحد منهم: أنا في حيرة، ما فهمت، هنا مقابل المسجد النبوي بيت متهشم، ما هو عمارة، فيه دش عرض وطول كذا، فما استسغنا أن يكون هذا أمام الرسول، أمام مسجده، في طريق المؤمنين، لم هو عامل ذلك الدش؟ ما بلغه أنه حرام! صدرت الفتيا من كبار العلماء، من أعلم أهل الأرض ولا فخر سماحة الشيخ عبد العزيز وقرأتموها أن الدش حرام، لم؟ لأنه يورث مفاسد عظاماً.

    فكتبنا له رسالة، وكلما مررنا الدش منصوب، قلنا له: أنت تتحدى رسول الله، كأنك تقول: رغم أنفك يا محمد! أنت كنت تغضب للصورة، أنا آتي بصور الكفار والعواهر في بيتي أمامك، فهل هذا يبقى له إيمان أو وجود؟ أنت يا محمد! تضطرب لما تشاهد الصورة لأن المصور يغاضب ربك عز وجل، وتقول لـعائشة : ( أخرجي، أبعدي عني هذه؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة )، وأنت تتحدى رسول الله؛ لأنه ميت. تصورتم هذا أو لا؟

    إذا كان يستفيد ريالاً واحداً في اليوم نقول: معذور، فقير يأكل بالريال، والله ما يفيده ريال، لو كان يهذب أخلاقه وأخلاق بناته وامرأته وأولاده فيسمون ويرتقون، ويصبحون أصفياء نقول: نعم، ولكن -والله- ما يزيدهم إلا دماراً فقط.

    لعل الشيخ واهم! إن النظرة فقط تدخل على النفس أو على القلب ظلمة قد يهلك معها.

    إذاً: ما ندري لم؟ إلا إذا أراد الله أن يزيل هذه النعمة وأسبابها، فننتحر بأيدينا، فهم ما يحضرون الدروس، وما يطلبون العلم، ما يسألون، بهائم أو ماذا؟ نحن عشنا على مبدأ: لا يحل لمؤمن أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. هل سأل أهل العلم؟ يقولون: لا بأس، كيف يقولون: لا بأس؟ ما هي النتيجة إلا أنه يترك الصلاة؟ ما هي النتيجة إلا أنه يحب الزنا والفجور؟ ما هي النتيجة إلا أن تصاب بيته بالخراب والدمار؟ كيف؟ إلا أنه يتحدى رسول الله، هذا الواقع.

    ما هي العلة؟ النفاق، إيمان صوري فقط، مؤمن .. مسلم، تعال نستعرض إيمانك على ضوء ونور الكتاب والسنة، وانظر أنت مؤمن أو لا؟

    إذاً: هذه الآية ما هي خاصة بتلك الجماعة على عهد الرسول، هذه آيات هداية للبشر إلى يوم القيامة، نماذج حية وباقية.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ [البقرة:11-13] فلان وفلان، أنت مؤمن؟ لم فلان ما يفعل كذا وكذا؟ آمن إيمانه. قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] هؤلاء رجعيون، متخلفون، متأخرون. منهم هذا الشيخ الذي يتمنطق ويتمشدق في المسجد النبوي، ويسمع له البهاليل، الأمم رقت وطارت في السماء وحلقت في كذا وهو يرجع بنا إلى الوراء، يقول: الصور حرام وكذا. والله لهذا منطقهم: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:13] ما السفيه؟ خفيف الإرادة، قليل العلم، الذي يتخبط في أودية الشر والفساد، ويظن أنه مترقي، ناجح، خفة العقل والحلم، وقلة العلم هي عناصر السفه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ...)

    ثم يقول الله تعالى عن المنافقين: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] فقط، هذه الحلقة موجودة الآن أيضاً ولا تنقطع، يبقى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:14] إذا جمعهم مجلس فيه مؤمنون قالوا: نحن مؤمنون، آمنا.

    وَإِذَا خَلَوْا إِلَى [البقرة:14] من؟ شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] من هؤلاء الشياطين؟ الشيطان إنسي أو جني، من بعد عن الخير وساحاته كلها، وانغمس في الشر بكله، سواء كان من الآدميين أو من الجن، مأخوذ من شطن الحبل في البئر إذا بعد، فكل من بعد عن الخير، وأصبح لا يميل إلى الخير، ولا يدعو إليه، ولا يفكر فيه، وأصبح همه الشر، والشر هو الذنوب والمعاصي والجرائم، فالذي يغتاب مؤمناً ويمزق عرضه هذا خير؟! الذي يفجر بامرأة أخيه وإلا بنته فيفسد عليها هذا خير؟!

    إذاً: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] الذين لا خير فيهم، ولا يفكرون في الخير، ولا يعملون على إيجاده، ولا على العيش فيه بل يكرهون رؤيته، هؤلاء إذا اجتمعوا معهم قالوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]. أنت كنت مع الجماعة الفلانيين؟ قال: نعم ولكن الظروف فقط، الظروف فقط وإلا نحن كما عهدتمونا على المبدأ ملتزمون، وإنما للظروف جلسنا معهم، قلنا مثل ما يقولون ونحن نسخر منهم، هل يقع هذا اليوم؟ والله ليقعن، لم؟ لأن القضية قضية إيمان وكفر فقط، فإذا ذهب الإيمان واضمحل أو ما آمن من أول ما عرف الإيمان، هل سأل عن الله أو عن لقائه؟ إذاً فالوضع هو هو.

    وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] أي: من الإنس لا من الجن، هل هناك شياطين الجن يعقدون اجتماعات؟ لا، هؤلاء إخوانهم في بيوتهم، وفي مجالسهم الخاصة، وفي البساتين، إذا خلوا إليهم أي: أفضوا إليهم، وما قال: خلوا بهم، بل ذهبوا إليهم فعدى بـ(إلى) قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)

    ثم ماذا قال تعالى لهم؟ قال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] يا ويلهم! يستهزئون بأولياء الله فيتركهم الله! وهو القائل: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) يستهزئون بأوليائه فيسكت؟ بل يعاملهم بالمثل، إلا أن استهزاء الله كما هي ذاته وصفاته، فلا نشبهه بصفات المحدثين وأخلاق الهابطين.

    قوله: وَيَمُدُّهُمْ [البقرة:15] أي: يغمسهم ويدفعهم في بحر الضلال والظلام.

    فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] العمه يكون للقلوب، والعمى يكون للعيون، وعمى القلب أخطر من عمى العين.

    وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ [البقرة:15] والطغيان هذا هو العصيان، وعدم الطاعة لله والرسول وللمؤمنين، هذا هو الطغيان، أي: مجاوزة حدهم، فبدل أن يؤمنوا ويستقيموا وينهجوا منهج الله كسائر المؤمنين يحتالون ويفكرون، ويعدون العدد، ويتصلون باليهود والنصارى في الشرق والغرب، فيدبرون المؤامرات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)

    ثم يقول تعالى: أُوْلَئِكَ [البقرة:16] البعداء من ساحة الإيمان والمؤمنين أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] أعطوا الهدى، وتسلموا الضلالة. والهدى هو الإيمان بالله ولقائه، والاستقامة على منهجه، نهوضاً بالتكاليف، وابتعاداً عن المحرمات والمنهيات، هذا هو الهدى، لكنهم باعوه بالكفر -والعياذ بالله- وبغض الإيمان والمؤمنين، وحرب الإيمان والمؤمنين في الخلوات والجلوات. هل هذا البيع يصلح؟! هذه هي التجارة: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] أعوذ بالله! كالذي يشتري الموت بالحياة؛ يعطي الحياة ويأخذ الموت.

    قوله: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16] هذا التعقيب فمن عقب؟ الله العليم الخبير، خالق كل شيء، ما ننطق حتى يأذن لي فأنطق، هذا الذي أخبر بهذا الخبر، هذا هو التوقيع الأخير.

    قوله: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ [البقرة:16] أو ربحت؟ والله لقد عاشوا على عهد الرسول في ذل وكرب، وهم وغم حتى أسلموا، والذين ماتوا على همهم ومصائبهم إلى جهنم، فلا يعرفون السعادة أبداً، لكن الآن الذي نأسف له أنه ما عندنا دعوة في قرانا ومجتمعاتنا تعالج أمراض المنافقين، أمراض العلمانيين، أمراض الشهوانيين. لا يوجد علاج! هذه هي المحنة.

    أيام كان الرسول موجوداً، والقرآن ينزل، والمؤمنون ينقلون هذا، تنزل آية ما تبيت إلا في كل بيت، عجب! ينزل خبر تجده في كل بيوت المدينة.

    فلهذا قلنا: ما في إلا كتاب (المسجد وبيت المسلم) سيقال: لعل الشيخ مصاب بشيء من الجنون؟! والله إني لعلى عقل كامل والحمد لله، ووالله لن يرتفع لهذه الأمة راية ولا شأن إلا إذا عادت من جديد إلى العلم بمعرفة الله، ومعرفة ما يحب، وما يكره، ونهضت بذلك. ما الطريق؟ المدارس والكليات! دلوني على بلد إسلامي ليس فيه مدارس وكليات، هل أجدت شيئاً؟ هل نفعت؟! فقط كل ما تقول: هي خير من لا شيء، لكن إذا أردنا أن يحبنا الله، وأن نكون أولياء الله وأن يرهب أعداءنا ويفزعهم بنا فهذا عندما نرجع الرجعة الحقة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أهل القرية في المسجد بانتظام لا يتخلف أحد إلا إنسان مريض أو امرأة حائض أو نفساء، من المغرب إلى العشاء يتلقون الكتاب والحكمة؛ أنوار الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، عاماً أو عامين إلا والدنيا كلها أنوار، وينتهي الفقر والبلاء والمحائن والجرائم، وتنمحي، هذه سنة الله، القرآن روح أو لا؟ أحيوا. القرآن نور أو لا؟ اهتدوا.

    مَن مِن العلماء من يفكر هذا التفكير؟ وكلنا الأمر إليكم يا علماء، يا طلاب العلم! دلونا على قرية جمعتم أهلها فنزورها لله تعالى، ودلونا على بلد نسافر لنشاهد هذا النور، ونأتي بالكفار ليشاهدوه: انظروا إلى الإسلام كيف تتلألأ أنواره، انظروا إلى العدل، والصفاء، والرحمة، والطهور، والإخاء.

    قلتم: ما استطعنا. إيه، تكليف عظيم هذا! بدل أن تلهوا وتلعبوا بين المغرب والعشاء اجتمعوا في بيت الله، ابكوا فقط ولا تقرءوا، فقط البكاء والنحيب بين يدي الله حتى يرفع هذا البلاء. قالوا: ما نستطيع. إذاً ما الذي نستطيع؟ نرد الأمر إلى الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    قال: [شرح الكلمات: لَقُوا [البقرة:14] اللقاء والملاقاة المواجهة وجهاً لوجه.

    آمَنُوا [البقرة:14] الإيمان الشرعي: التصديق بالله وبكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، وأهله هم المؤمنون بحق.

    خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] الخلو بالشيء الانفراد به.

    شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14] الشيطان: كل بعيد عن الخير قريب من الشر، يفسد ولا يصلح من إنسان أو جان، والمراد بهم هنا: رؤساؤهم في الشر والفساد.

    (مستهزئون) الاستهزاء: الاستخفاف والاستسخار بالمرء.

    (الطغيان): مجاوزة الحد في الأمر والإسراف فيه.

    (العمه): للقلب كالعمى للبصر، عدم الرؤية، وما ينتج عنه من الحيرة والضلال.

    اشْتَرَوُا [البقرة:16]: استبدلوا بالهدى الضلالة، أي: تركوا الإيمان وأخذوا الكفر.

    تِجَارَتُهُمْ [البقرة:16] التجارة: دفع رأس مال لشراء ما يربح إذا باعه. والمنافقون هنا دفعوا رأس مالهم وهو الإيمان لشراء الكفر آملين أن يربحوا عزاً وغنىً في الدنيا فخسروا ولم يربحوا، إذ ذلوا وعذبوا وافتقروا بكفرهم.

    (المهتدي): السالك سبيلاً قاصدة تصل به إلى ما يريده في أقرب وقت وبلا عناء، والضال خلاف المهتدي وهو السالك سبيلاً غير قاصدة، فلا تصل به إلى مراده حتى يهلك قبل الوصول والعياذ بالله].

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات: ما زالت الآيات تخبر عن المنافقين وتصف أحوالهم، إذ أخبر تعالى عنهم في الآية الأولى (14) أنهم لنفاقهم وخبثهم إذا لقوا الذين آمنوا في مكان ما أخبروهم بأنهم مؤمنون بالله والرسول وما جاء به من الدين، وإذا انفردوا برؤسائهم في الفتنة والضلالة فلاموهم عما ادعوه من الإيمان قالوا لهم: إنا معكم على دينكم وما آمنا أبداً، وإنما أظهرنا الإيمان استهزاءً وسخرية بمحمد وأصحابه.

    كما أخبر في الآية الثانية (15) أنه تعالى يستهزئ بهم معاملة لهم بالمثل جزاءً وفاقاً، ويزيدهم حسب سنته في أن السيئة تلد سيئة في طغيانهم؛ لتزداد حيرتهم، واضطراب نفوسهم، وضلال عقولهم.

    كما أخبر في الآية (16) أن أولئك البعداء في الضلال قد استبدلوا الإيمان بالكفر، والإخلاص بالنفاق، فلذلك لا تربح تجارتهم، ولا يهتدون إلى سبيل ربح أو نجح بحال من الأحوال ].

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات: أولاً: التنديد بالمنافقين والتحذير من سلوكهم في ملاقاتهم هذا بوجه وهذا بوجه، وفي الحديث الشريف: ( شراركم ذو الوجهين ) ] يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وإن شاء الله لا يكون بيننا واحد من هذا النوع.

    [ ثانياً: إن من الناس شياطين يدعون إلى الكفر والمعاصي، ويأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف ].

    موجودون هؤلاء.

    أعيد فأقول: من هداية الآية: إنها تخبر أن من الناس شياطين يدعون إلى الكفر والمعاصي، ويأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ينهون عن الصلاة، أبداً: كيف تغلق دكانك أنت وتصلي؟ أليس هذا نهياً عن المعروف؟ الذين يهربون الحشيش والمسكرات ويبيعونها في مدينة الرسول أليسوا هم؟ الذين يوردون الصور الخليعة ويبيعونها أليسوا هم؟

    قال: [ ثالثاً: بيان نقم الله وإنزالها بأعدائه عز وجل ] طال الزمان أو قصر.

    والله أسأل أن يعافينا، ويحفظ ديارنا من هذه المحنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.