إسلام ويب

حسراتللشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قسوة القلوب.. نسيان الآخرة.. عدم الاستعداد ليوم الرحيل.. هجر كتاب علام الغيوب.. هذه كلها مظاهر لما آل إليه حال الأمة الإسلامية.

    ومع ذلك تجد إهمالاً شديداً لركيزة الوعظ والتذكير كركيزة تربوية مؤثرة، وتجد من يقلل من أهميتها.

    وفي هذا الدرس المبارك تجد إحياء لهذه الوسيلة بالكلام عن مواقف الحسرات في يوم القيامة.

    1.   

    أهمية الوعظ والتذكير

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    أما بعد:

    عباد الله: اعلموا أن المتأمل لحالنا -نحن المسلمين- اليوم، وحال زماننا وما ظهر فيه من الآفات والفتن، وما حصل فيه من انفتاح كبير على الدنيا وزخرفها حتى ظن أهلها أنهم قادرون عليها أو مخلدون فيها؛ ليشعر بالرهبة والإشفاق والخوف الشديد من مظاهر وعواقب هذه الحال؛ إذ قد قست منا القلوب، وتحجرت العيون، وهُجر كتاب علام الغيوب، بل قُرئ والقلوب لاهية ساهية في لُجَج الدنيا وأوديتها سابحة، كيف لا وقد زينا -غير متبعين- جدران بيوتنا بآيات القرآن، ثم لم نُزين حياتنا بالعمل بالقرآن، يقرؤه البعض منا -غير مقتدين- على الأموات، ثم لا يحكمونه في الأحياء، بل جعلت البركة في مجرد حمله وتلاوته، وتركت بركته الحقيقية المتمثلة في اتباعه وتحكيمه امتثالاً لقول الله: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] غفلنا ولم نشعر أننا غفلنا، وهذه -لعمر الله- أدهى وأَمَرُّ فينا؛ كثر القلق، وغلب الهم والحزن، وصَاحَبَ ذلك الأَرَق، مُكِر مكر شديد بالليل والنهار بأساليب ووسائل خبيثة ماكرة، تزين الفاحشة وتصدُّ عن الآخرة.

    فَشَتْ الفواحش والمظالم، ونيل من الأعراض، وأكلت الأموال، وظهرت صور صارخة من الحسد والبغضاء والفُرْقَة والخلاف حتى بين خبراء الفضل والإحسان، وعندها اسُتضعف المسلمون، وتبجح وتسلط الملحدون والمجرمون.

    قلنا ولم نفعل أمام عدونا     وعلى أحبتنا نقول ونفعل

    قلَّ الاهتمام والعناية بركيزة الوعظ والتذكير كركيزة تربوية مؤثرة مفيدة، فصرت تسمع من يقلل من أهمية كتاب أو محاضرة أو درس يُرَكِّز على هذا الجانب، فيقال: هذا كتاب وعظي، ومحاضره وعظية، ومقال عاطفي، وكبرت من كلمة:

    إن صح أن الوعظ أصبح فضلة     فالموت أرحم للنفوس وأنفع

    فلولا رياح الوعظ ما خاض زورق     ولا عبرت بالمبحرين البواخر

    عندها عُطلت طاقاتنا الإيمانية.

    وكيف يعيش في البستان غرس     إذا ما عُطلت عنه السواقي

    هبت رياح المعصية فأطفأت شموع الخشية من قلوبنا، وطال علينا الأمَدُ فَعَلا القلوب قسوة كما قست قلوب أهل الكتاب؛ فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

    أسأنا فهم الدين الذي هو سر تميُّزنا وبقائنا، فشُغلنا بالشكل عن الجوهر، وبالقالب عن القلب، وبالمبنى عن المعنى، بذكريات مجيدة وتواريخ تليدة، نحتفل غالباً مبتدعين غير متبعين، وأحياناً نهتم بطبع الكتب الشرعية مفتخرين، ثم نتمرد على مضمونها هازئين.

    حالنا كالذي يقبِّل يد والده ولا يسمع نصحه، إنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين، وإنَّا لنخشى أن نصبح في زمرة من قال الله فيهم: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأعراف:51] وأسوأ ما تمرُّ به أمة، وأتعس ما تمرُّ به أمة أن يصبح اللهو فيها ديناً، والدين فيها لَهْواً، ثم لا تسمع نصحاً.

    بُحَّ المنادي والمسامع تشتكي     صَمَماً وأصبحت الضَّمَائِر تُشْتَرى

    تاهت سفائنها فما خاضت بها     بحراً ولا هي في الشواطئ تظهر

    لهذا كله كان لابد من الوقوف على بعض مشاهد الحسرة في الأخرى، لعل النفوس تستيقظ وتخشع وتذل فتبادر إلى الحسنى، فما هناك من أمر هو أشدُّ دفعاً للنفوس إلى فعل الخير من أمر الآخرة، والوقوف بين يديْ من له الأولى والآخرة. فكل ضعف من أسبابه الغفلة عن الآخرة، وفي ذكر اليوم الآخر سعادة وطمأنينة، وسدٌّ منيع دون الهم والحزن وعدم السكينة، وعلام يحزن طالب الآخرة؟ أَعلى أمر حقير يفنى عما قريب؟! كلا. فالآخرة خير وأبقى.

    المؤمن باليوم الآخر لا تؤثر فيه المصائب؛ لأنه موقن أن المصائب إن لم تَزُل عنه زال عنها بالموت لا محالة، فلا تذهب نفسه على الدنيا حسرات.

    ذكر اليوم الآخر يطهر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف. ذكره يهدد الظَلَمَة ليرعووا، ويعزي المظلومين ليسكنوا؛ فكل سيأخذ حقه لا محالة، حتى يقاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء، فلا ظلم ولا هضم:

    والوزن بالقسط فلا ظلم     ولا يؤخذ عبد بسوى ما عملا

    ذكر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين تسكن معه قلوبهم، ثم تثبت شماء وهي تتطلع لما أعده الله للصابرين من نعيم يُنسى معه كل ضرٍّ وبلاء وسوء وعناء، وتتطلع لما أعده الله للظالمين من بؤسٍ يُنسى معه كل هناء.

    1.   

    مشاهد من يوم الحسرة

    فهيا معي -يا عباد الله- إلى مشاهد من الحسرة، أسأل الله ألا تكونوا من أهل الحسرة، علَّ ذلك تصلح به القلوب، وتتجه إلى علام الغيوب، وتنقاد الجوارح إلى العمل الصالح.

    إنه يوم الحسرة وما أدراك ما الحسرة، يوم أُنذر به وخُوِّف، وتُوعِّد به وهُدِّد، قال الله عز وجل: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [مريم:39] إنذار وإخبار في تخويف وترهيب بيوم الحسرة حين يُقْضَى الأمر، يوم يُجمع الأولون والآخرون في موقف واحد، يُسألون عن أعمالهم؛ فمن آمن واتبع سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ومن تمرَّد وعصى شقي شقاء لا يسعد بعده أبداً، وخسر نفسه وأهله، وتحسر وندم ندامة تتقطع منها القلوب، وتتصدع منها الأفئدة أسفاً.

    وأي حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته، واستحقاق سخطه وناره على وجه لا يمكن معه الرجوع ليستأنف العمل ولا سبيل له إلى تغيير حاله ولا أمل، وقد كان الحال في الدنيا أنهم في غفلة عن هذا الأمر العظيم، فلم يخطر بقلوبهم إلا على سبيل الغفلة حتى واجهوا مصيرهم، فَيَا لَلندم والحسرة! حيث لا ينفع ندم ولا حسرة.

    وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:39]: ( يوم يُجاء بالموت -كما في صحيح البخاري - كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت. ثم يقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [مريم:39] ).

    آهٍ من تأوهٍ حينئذ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع.

    إنها حسرة بل حسرات! أنباء مهولات، ندامات وتأسفات ورد ذكرها في غير ما آية من الآيات، تصدر عن معرضين عن الآيات ولاهين ولاهيات عن يوم الحسرات، نذكر بعضاً منها في هذه الخطبة.

    من رسالة: قل هو نبأ عظيم بتصرف يسير، إنها تذكرة وعظات، علَّنا أن نحاسب أنفسنا ما دمنا في مهلة من أعمار وأوقات، وقبل أن نندم حيث لا ينفع ندم ولا حسرات.

    1.   

    من حسرات يوم الحسرة

    الحسرة على أعمال صالحة شابتها الشوائب

    فمن هذه الحسرات -أجاركم الله من الحسرات-: الحسرة على أعمال صالحة شابتها الشوائب، وكدَّرتها مبطلات الأعمال من رياء وعُجْب ومِنَّة؛ فضاعت وصارت هباءً منثوراً في وقتٍ الإنسان فيه أشد ما يكون إلى حسنة واحدة: وَبَدا لَهُم مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر:47-48].

    فكيف تقيك من برد خيامٌ     إذا كانت ممزقة الرواق

    الفضل عند الله ليس بصورة الـ     أعمال بل بحقائق الإيمان

    القصد وجه الله بالـ     أقوال والطاعات والشكران

    فبذاك ينجو العبد من حسراته     ويصير حقاً عابد الرحمن

    الحسرة على التفريط في طاعة الله، وتصرُّم العمر القصير في اللهث وراء الدنيا حلالها وحرامها، والاغترار بزيفها مع نسيان الآخرة وأهوالها: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:56-59]

    واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به     ولا حصلت على علم من الباقي

    بلى علمت وقد أيقنت وا أسفا     أني لكل الذي قدمته لاقي

    الحسرة على التفريط في النفس والأهل

    الحسرة على أعمال صالحة ذهبت في المظالم

    الحسرة على أعمال صالحة كان الأمل بعد الله عليها، ولكنها ذهبت في ذلك اليوم العصيب إلى من تعديت حدود الله فيهم؛ فظلمتهم في مال أو دم أو عِرْض، فكنت مفلساً حقاً: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [طه:111] فيأخذ هذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، ثم تفنى الحسنات، فيطرح عليك من سيئات من ظلمتهم، ثم تُطْرح في النار، أجارك الله من سامعٍ من النار، وجنَّبك سخط الجبار بفعل ما يرضي الواحد القهار.

    الحسرة على مجالسة أهل السوء

    حسرة جلساء أهل السوء يوم انساقوا معهم يقودونهم إلى الرذيلة، ويصدونهم عن الفضيلة، إنها لحسرة عظيمة، في يوم الحسرة يعبرون عنها بِعَضِّ الأيدي، يوم لا ينفع عضُّ الأيدي؛ كما قال ربي: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا [الفرقان:27-29].

    حسرة الأتباع المقلدين لكل ناعق

    حسرة الأتباع المقلدين لكل ناعق، يوم يتبرأ منهم من تبعوه بالباطل، فلا ينفعهم ندم ولا حسرة: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:165-167].

    حسرة الظالمين المفسدين في الأرض الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً حين يحملون أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم بغير علم، وحين يسمعون عندها قول الله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وهم بالآخرة كافرون [الأعراف:44-45].

    ومن أعظم المشاهد المخزية حسرة في يوم القيامة يوم يكفر الظالمون بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، محتجين ومتبرئين، فذاك قول الله: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم من الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً منَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف:38-39].

    فيا حسرة الظَلَمَة وأعوانهم، يوم يعلمون فداحة جريمتهم في تنفيذ رغبات الظالمين، لكن حيث لا ينفعهم علم العالمين، وعندها لسادتهم يقولون: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً منَ النَّارِ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ [غافر:47].

    فإذا بالسادة أذلة قد عنت وجوههم للحي القيوم، لا يملكون لأنفسهم شيئاً ولا يستطيعون. يقولون: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:48]

    إن لله غضبة لو وعاها من     بغى ما غدا يمض اللسانا

    كم من ظالم يردد: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم من شَيْءٍ إِنهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت:12-13].

    فالعقلاء بمقولتهم لا يغترون، وإن فعلوا فإنهم يومئذٍ في العذاب والحسرة مشتركون.

    تصور معي -أخي- ذلك الجو من الحسرة والخزي والندامة المخيِمة على المستضعفين والمستكبرين.

    أتباع ضعفاء يتهمون زعماءهم بالحيلولة بينهم وبين الإيمان، ومستكبرون يقولون لأتباعهم: أنتم المجرمون، دعوناكم فكنتم مجيبين.

    لو رأيتهم إذ وقفوا عند ربهم من غير إرادة ولا اختيار -مذنبون ترهقهم ذلة في انتظار الجزاء- لرأيت أمراً مهولاً، يتراجعون، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يلوم بعضهم بعضاً، ويؤنِّب بعضهم بعضاً، ويُلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض. يقول أتباع الضلال الذين استُضعفوا؛ لقادة الضلال الذين استكبروا: لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31] يقولونها جاهرين بها، صادعين في وقت لم يكونوا في الدنيا بقادرين على هذه المواجهة؛ كان يمنعهم الذُّل والضعف والاستسلام وبيع الحرية التي وهبها الله لهم، والكرامة التي منحهم الله إياها، أما اليوم -يوم الحسرة0- فقد سقطت القيم الزائفة، وواجهوا العذاب، فهم يقولونها غير خائفين: لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، حُلْتُم بيننا وبين الإيمان، زيَّنتم لنا الكفران فتبعناكم فأنتم المجرمون، وبالعذاب أنتم جديرون، وله مستحقون، ويضيق الذين استكبروا بهم ذرعاً، إذ هم في البلاء سواء، ويريد هؤلاء الضعفاء أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء، عندئذٍ يردون عليهم ويجيبونهم في ذلة مصحوبة بفظاظة وفحشاء: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:32] الله أكبر! كانوا في الدنيا لا يقيمون لهم وزناً، ولا يأخذون منهم رأياً، ولا يعتبرون لهم وجوداً، ولا يقبلون منهم مخالفة بل حتى مناقشة، أما اليوم -يوم الحسرة- فهم يسألونهم في استنكار الأذلاء: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ [سبأ:32] زيَّنا لكم الإجرام؟ نعم، لكننا لم نقهركم عليه، فما لكم علينا من سلطان.

    أما إنه لو كان الأمر في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة، لكنهم في الآخرة حيث سقطت الهالات الكاذبة، والقيم الزائفة، وتفتحت العيون المغلقة، وظهرت الحقائق المستورة، فلم يسكت المستضعفون ولا هم يخنعون، بل يجابهون من كان لهم يذلون، فيقولون: بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً [سبأ:33].

    مكركم لم يفتر ليلاً ولا نهاراً للصد عن الهدى، تزينون لنا الضلال، وتدعوننا إلى الفساد وتقولون: إنه الحق، ثم تقدحون في الحق، وتزعمون أنه باطل، فما زال مكركم بنا حتى أغويتمونا وفتنتمونا.

    ويا عباد الله! إن صور المكر تتنوع وتختلف من عصر لآخر، ففي وقت نزول القرآن كانت تتخذ أشكالاً من الأشعار في المنتديات الجاهلية، تُوَجَّه فيها التهم الباطلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، أو بصد الراغبين عن سماع الحق وتفويته عليهم، أو بإثارة نعرة الآباء والأجداد والتهويل من خطر تركها.

    هذا جلُّ ما عند الجاهلية الأولى من مكر الليل والنهار، ووالله! إنه لعظيم، لكن ماذا يساوي ذلك المكر الأول عند مكر الليل والنهار في زماننا الحاضر في أكثر ديار المسلمين اليوم، والذي ينطبق تماماً -بلفظه ومعناه- على المكر الموجود الآن الذي يعمل على مدى الأربع وعشرين ساعة؟! فما يكاد المذياع يفتر من مكره حتى يأتي دور التلفاز، وما يكاد التلفاز يفتر حتى يأتي دور الفيديو، ثم يأتي دور البث المباشر، ثم المجلة الهابطة، فالقصة الخليعة، وهكذا.. دواليك دواليك، مَكْرُ بالْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

    هل يُعذر المسلم في فتح فكره وبيته لمكر الليل والنهار؟

    كلا والله لا يعذر؛ لأن المفسدين المتسلطين لن يعذروه بين يديْ الله يوم القيامة بقولهم: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ [سبأ:32] ويرد هؤلاء المستضعفون: بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ:33]، ثم يدرك الجميع أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء إلا براءة بعضهم من بعض.

    علم كل منهم أنه ظالم لنفسه، مستحق للعذاب، فندم حين لا ينفع الندم، وتمني أن لو كان على الحق والإيمان والهدى سراً: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33].

    قطاة غرَّها شَرَك فباتت     تجاذبه وقد علق الجناح

    فلا في الليل نالت ما تمنت     ولا في الصبح كان لها براح

    قُضِيَ الأمر، وانتهى الجدل، وسكت الحوار، وهنا يأتي حادي الغواء، وهاتف الغواية يخطب خطبته الشيطانية القاصمة، يصبها على أوليائه: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22] -طعنة أليمة نافذة لا يملكون أن يردوها عليه وقد قُضى الأمر وفات الأوان- وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم من سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22] ثم يؤنبهم على أن أطاعوه فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] نفض يده منهم، وهو الذي وعدهم ومنَّاهم ووسوس لهم، وأما الساعة فلن يلبيهم إن صرخوا، ولن ينجدوه إن صرخ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] فيا للحسرة والندم.

    الحسرة على أعمال محدثة وعبادات لم يأذن الله بها ولم يُتَّبع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحسب أهلها أنهم يحسنون صنعاً، لكنها تضيع في وقت الحاجة الماسة إليها، فهم الأخسرون أعمالاً، وساءوا أحوالاً، أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.

    يا أيها اللاهي الذي افترش الهوى     وبكل معنىً للضلال تدثَّرَ

    إن كنت ذا عقل ففكر بُرهة     ما خاب ذو عقل إذا ما فكَّرَ

    الحسرة على أموال جمعت من وجوه الحرام

    الحسرة على أموال جمعت من وجوه الحرام؛ ربا ورشوة وغش وغصب وسرقة واحتيال وغيرها.

    فيا لله! أي حسرة أكبر على امرئ من أن يؤتيه الله مالاً في الدنيا فيعمل فيه بمعصية الله، فيرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله، فيكون وزره عليه وأجره لغيره؟!

    أي حسرة أكبر على امرئ أن يرى عبداً كان الله ملَّكه إياه في الدنيا، يرى في نفسه أنه خير من هذا العبد، فإذا هذا العبد أفضل منه عند الله يوم القيامة؟!

    أي حسرة أكبر على امرئ أن يرى عبداً مكفوف البصر في الدنيا قد فتح الله له عن بصره يوم القيامة، وقد عَمِيَ هو؟!

    إنَّ تلك الحسرة لعظيمة عظيمة!

    أي حسرة أكبر على امرئ علَّم علماً، ثم ضيعه ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلَّمه منه فنجيَ به؟!

    أي حسرة أعظم من حسرات المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. يوم تُبلى السرائر، وينكشف المخفي في الضمائر، ويعرضون لا يخفى على الله منهم خافية، ثم يكون المأوى، الدرك الأسفل من النار، ثم لا يجدون لهم نصيراً.

    أما الحسرة الكبرى فهي عندما يرى أهل النار أهل الجنة وقد فازوا برضوان الله والنعيم المقيم، وهم يقولون: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:44].

    وحسرة أعظم حين ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِما رَزَقَكُمْ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50].

    وحسرة أَجَلُّ حين ينادي أهل النار مالكاً: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنكُم ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78].

    ومنتهى الحسرة وقصاراها حين ينادون ربهم عز وجل وتبارك وتقدس: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107] فيجيبهم بعد مدة: اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] فلا تسل لا ينبسون ببنت شفة، وإنما هو الشهيق والزفير.

    طال الزفير فلم يرحم تضرعهم     هيهات لا رقَّة تغني ولا جزع

    فيا حسرة المقصرين! ويا خجلة العاصين! لذَّات تمر، وتَبِعات تبقى، تريدون نيل الشهوات والحصول في الآخرة على الدرجات!

    جمع الاضداد غير ممكن يا تُرَى .

    هواك نجد وهواه الشام     وذا وذا يا خيُّ لا يلتام

    فدع الذي يفنى لما هو باقِ، واحذر زلل قدمك، وخفْ فلول ندمك، واغتنم شبابك قبل هِرَمِك، واقبل نصحي ولا تخاطر بدمك، ثم تتحسر حين لا ينفع ندمك.

    إذا ما نهاك امرؤ ناصح     عن الفاحشات انزجر وانتهي

    إن دنياً يا أخي من بعدها     ظلمة القبر وصوت النائح

    لا تساوي حبة من خردل     أو تساوي ريشة من جانح

    لا تسل عن قيمة الربح وسل     عن أساليب الفريق الرابح

    جعلنا الله وإياكم من الرابحين السعداء، يوم يخسر المبطلون الأشقياء، ويتحسر المتحسرون التُّعساء، إن ربي وليُّ النعماء، وكاشف الضُّر والبلاء.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    هل آن الأوان للتوبة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأصلي وأسلم على محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتَّابعين.

    أما بعد:

    عباد الله: وبعد هذا البيان من كتاب الرحمن عن صور الخزي والحسرة والخسران، هل آنَ لنا أن نُعِدَّ لهذا الموقف العظيم عُدَّته، ونعمل جاهدين على الخلاص من صفات أهل هذه المواقف المخزية.

    آنَ لنا أن نخلص العبادة لله وحده، ونجرد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    آن لنا أن نحذر من كل ناعق ملبِّسٍ خائن، يمكر في الليل والنهار قبل أن تقول نفس: يا حسرتاه، ولات حين مَنَاص. آن الأوان للضَّعَفَة الأتباع أن يتبرءوا من متبوعيهم الظالمين المفسدين، فلا يكونوا أداة لهم في ظلم في دماء أو أموال أو أعراض؛ طمعاً في جَاهٍ أو حطام.

    آنَ الأوان للإنابة والبراءة من الظالمين قبل أن يتبرءوا من تابعيهم بين يديْ الله، يوم ينقلبون عليهم فيلعن بعضهم بعضاً حيث لا ينفع لعن ولا ندم.

    آن الأوان للمرأة المسكينة في زماننا اليوم أن تتنبه لهذه المواقف، فتتبرأ في دنياها اليوم من كل ناعق لها باسم الحرية والتَّمدُّن ومتابعة الأزياء والموضات، حتى لا تحقّ عليها الحسرة الكبرى عندما يتبرأ منها شياطين الإنس والجن الذين أضلوها، ثم لا يغنوا عنها من عذاب الله من شيء إلا الخصام والتلاعن المذكور في كتاب الله: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:67-68].

    آن الأوان لأتْبَاع الطوائف الضالة المبتدعة أن يفيقوا ويدركوا خطر هذه المتابعة، التي ستنقلب حسرة كبرى وعداوة ولعنة بينهم وبين متبوعيهم يوم القيامة: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم من ناصِرِينَ [العنكبوت:25].

    آن الأوان لمن أعطوا قيادهم لجلساء السوء والمفسدين في الأرض ومن هم دعاة على أبواب جهنم يسوقونهم إلى الرذيلة، ويفتحون قلوبهم للمكر والألاعيب والصَّد عن الفضيلة.

    آن لهم أن ينتهوا ويقطعوا صلتهم بهم، وطاعتهم لهم ما داموا في زمن من مهلة وإمكان، وإن لم يقطعوها في الدنيا فهي لا شك منقطعة يوم القيامة، وستنقلب عداوة وخصاماً وحسرة: الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    آن الأوان للمجاهرين عموماً بالمعاصي، والمجاهرين خصوصا برفع أطباق القنوات فوق البيوتات غير معظمين لشعائر الله والحرمات، مَن أشرعوا بيوتهم للضلال والمكر واللهو والعفن والتُّراهات بحجة الأخبار والمباريات .

    يستقبل الأفكار في عُلَب الهوى     والشر فيها لوَّع المستقبلُ

    عُلَب يغلِّفها العدو وخَتْمُه     فيها الصليب ونجمة والمنجلُ

    آن لهم أن يعلنوها توبة عاجلة نصوحاً قبل الممات، وقبل يوم الحسرات بلا مبررات واهيات، فالحقائق ساطعات غير مستورات وإن تَعَامَتْها نفوس أهل الشهوات.

    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد     وينكر الفم طعم الماء من سقم

    وكل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر معافى إلا المجاهرين، وما من راعٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لهم، إلا حرم الله عليه الجنة، وكلكم راع ومسئول، وما كل راعٍ براع .

    ما كل ذي لُبَدٍ بلَيْثٍ كاسر     وإن ارتدى ثوب الأسود وزمجرا

    يستخدم الشيطان كل وسيلة     لكنَّه يبقى الأذل الأصغرا

    وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27].

    آن الأوان لمضيع وقته أمام ما تبثُّه هذه القنوات من محرمات أن يتوب ويئوب.

    آن الأوان لمن عَقْله في أذنيه، ولُبّه في عينيه، من أَثَّر البهتان فيه، وانطلى الزور عليه، أن يتوب قبل أن يقف أمام الله، فتشهد الأعضاء والجوارح، وتبدو السوءات والفضائح، فيُخْتم على فمه، وتتكلم يده، ويشهد سمعه وبصره وجلده بما كان يكسب، ثم لا تكون إلا الحسرات، فما تغنِ الحسرات وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مما تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم منَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:22-24].

    يا ابن سبعين وعشر وثمان كاملات     غرضاً للموت مشغولاً ببث القنوات

    وَيْكَ لا تعلم ما تُلقى به بعد الممات     من صغارٍ موبقات وكبارٍ مهلكات

    يا بن من قد مات من آبائه والأمهات     هل ترى من خالد من بين أهل الشهوات

    إن من يبتاع بالدين خسيس الشهوات     لغبي الرأي محفوف بطول الحسرات

    عباد الله: في يوم القيامة يبحث كل إنسان عن أي وسيلة مهما كانت ضعيفة واهية لعلها تصلح لنجاته من غضب الله، ولذلك تكثر المناقشات والمحاورات بين الأباء والأبناء والأزواج والزوجات، والكبار المتسلطين والصغار التابعين، بين الأغنياء الجبَّارين والفقراء المنافقين، كل يحاول إلقاء التَّبعة على غيره، لكن حيث لا تنفع المحاورات، ولا الخصومات، ولا التَّنصُّل من التَّبِعات، ثم لا يكون إلا الحسرات.

    إلى الله يا قومي فما خاب راجع     إلى ربه يوماً وما خاب صابر

    اللهم آنس وحشتنا في القبور، اللهم آنس وحشتنا في القبور، اللهم آمن فزعنا يوم البعث والنشور، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين.

    اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسْمع.

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المجاهدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم كن للمستضعفين والمظلومين والمضطهدين. اللهم فرِّج همَّهم، ونفِّس كربهم، وارفع درجتهم، واخلفهم في أهلهم، اللهم أَزِلْ عنهم العناء واكشف عنهم الضُّر والبلاء، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا سميع الدعاء.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.