إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (38)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يكشف القرآن عن صفة قبيحة لازمت اليهود، وهي التعصب المطلق، فبدلاً من قبول الحق، وهو الإسلام والقرآن، عاندوا وجحدوا لا لشيء إلا لأن التوراة أنزلت عليهم، وأنها كتابهم، بخلاف القرآن الذي أنزل على غيرهم! وتصرفهم هذا ليس مستغرباً فقد عبدوا عجلاً صنماً رغم معايشتهم لمعجزات موسى، وكان أخذهم للتوراة والتسليم بما فيها بعد أن رفع جبل الطور على رءوسهم، لكن رءوسهم هذه لم تعقل!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91-93].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق الكريم في الحديث مع بني إسرائيل، وهو حديث التأنيب والتقريع إلى جانب الدعوة إلى الحق والانخراط في سلك المؤمنين، والله يدخل في رحمته من يشاء.

    فقول ربنا جل ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ [البقرة:91] القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم، إذ هم الذين كانوا مع اليهود في المدينة، وإلى الآن لو قلت ليهودي: آمن بما أنزل الله، فإنه يقول لك: أنا مؤمن بما أنزل الله، أي: بالتوراة، وأنا لست في حاجة إلى غيرها، وإلى أن تقوم القيامة؛ لأن شأنهم واحد .. كلمتهم واحدة .. وجهتهم واحدة، فلهذا تخاطب هذا بما تخاطب به الأولين من أربعة آلاف سنة، وهذا شأن بني إسرائيل.

    قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [البقرة:91] أي: بالقرآن، وهم يعرفون أن القرآن أنزله الله، ويعرفون أن النبي أمِّي، والأمي أنى له أن يتكلم بالعلوم والمعارف، ثم إن القرآن قد احتوى على ما في التوراة من حقائق الشرع والدين، كالإيمان بالله، ولقائه، والبعث الآخر، والجزاء بالنعيم المقيم والعذاب الأليم، فكل هذا حواه القرآن وهو في التوراة.

    ولا ننسى أنهم لحسدهم لبني إسماعيل، وللخوف من أن يذوبوا في روح الإسلام كرهوا الإسلام وحاربوه وحاربوا أهله إلى اليوم، وتقدم هذا في السياق الكريم، وكل ذلك بغياً وحسداً من عند أنفسهم: كيف نصبح أتباعاً لولد إسماعيل، ونحن أشرف أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

    قال: قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا [البقرة:91] انظر إلى العصبية في قولهم: (علينا) أي: نحن بني إسرائيل، أما عليكم يا أبناء إسماعيل فلا وألف لا. والدين لا يرضى بالعصبية، فالبشرية كلها نسبتها إلى الله واحدة، وهم عبيد لمالك واحد هو الله، والتحيز من اليهود ظاهر: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا .

    قال: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة:91] لم ما قال: وكفروا أو ونكفر بما وراءه؟ الجواب: لأن كفرهم مستمر فيقولون هذه الكلمة، ويكفرون بما وراء القرآن.

    قال: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:91] القرآن حق، ومصدق للذي معهم في التوراة كما قدمنا من عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة .. من وجود عالم شقاء وعالم سعادة .. من التوحيد وألا يعبد إلا الله .. من الإيمان بكتب الله ورسل الله، فهذه كلها موجودة في التوراة.

    إذاً: كفرهم بالقرآن يلزم منه كفرهم بالتوراة؛ لأن القرآن يقرر ما في التوراة ويثبتها، وهم يقولون: القرآن باطل لا نؤمن به، فإذاً كفروا حتى بالتوراة، وهكذا السيئة تجر سيئة، والخطأ يقود إلى خطأ.

    قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا فقط وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة:91] أي: بما ادعوه أنه أنزل عليهم من التوراة وهو القرآن الكريم، كأنهم قالوا: نكفر بالقرآن، ولا نعترف به، ولا نأخذ به في هدايتنا وصلاحنا.

    قال: وَهُوَ الْحَقُّ والحال أنه الحق مُصَدِّقًا من ربهم، وكررنا القول في مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أن الذي معهم في التوراة لا إله إلا الله، وأن الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل مقرر في التوراة .. وأن الإيمان بالبعث الآخر في التوراة .. وأن الحق، والعدل، والخير، والمعروف، والإحسان، والبر كلها موجودة في التوراة، فالقرآن مصدق لما معهم، فالمفروض لا يكفرون به، إذ ما فيه منافاة بين ما يؤمنون به وبالقرآن الذي دعوا إلى الإيمان به، ولو كان هناك تصادم أو تعارض فقد يعذرون، فالقرآن مصدق لما معهم.

    إذاً: بكّتهم، وأخزهم، وقل لهم: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة:91] فهل التوراة فيها الإذن بقتل الأنبياء والعلماء؟ والله ليس فيها، فلم -إذاً- تقتلون الأنبياء، وقد قتلوا زكريا وولده يحيى، وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وادعوا أنهم قتلوا عيسى، وبالفعل صلبوا من شبه لهم، بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في بعض الأيام كانوا يقتلون سبعين نبياً، وفي المساء كانت أسواقهم قائمة للبيع والشراء كأن شيئاً ما وقع.

    إذاً فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة:91] وهم يعترفون بأنهم قتلوا عيسى؛ لأنه ساحر وكذا وكذا، وقتلوا زكريا، وقتلوا يحيى، وقتلوا غيرهم، فهل الإيمان الحق بكتاب الله التوراة النورانية يسمح بقتل الأنبياء؛ إذاً ما أنتم بالمؤمنين بالتوراة، وحقاً هم كفار بالقرآن وبالتوراة؛ لأن إيمانهم صوري، فهم مؤمنون بالتوراة لكن هل صدقتم الله فيما جاء فيها؟ وهل امتثلتم أوامر الله فيها؟ وهل امتثلتم نواهي الله فاجتنبتموها في التوراة؟

    إذاً ما معنى هذا الإيمان بالتوراة؟

    فهذا هو التقريع والتوبيخ، فقل لهم يا رسولنا: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ...)

    مجيء موسى بالبينات

    هنا الآن جولة أخرى أيضاً مع اليهود، قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ [البقرة:92] ولك أن تقول: قل يا رسولنا لهم: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ [البقرة:92] أي: بالمعجزات، ومعجزات موسى عليه السلام تسع آيات.

    وأولى تلك الآيات أن العصا تستحيل إلى حية تهتز كأنها جان، وأما يوم المباراة العظمى فإن تلك العصا ابتلعت وتلقفت كل ما ألقاه السحرة في تلك الساحة من الثعابين والحيات، فتلقفتها بكاملها، ويده يدخلها في جيبه ويخرجها بيضاء كأنها -والله- فلقة قمر.

    وأعظم آية شاهدوها في صالحيهم مع فرعون كانت هي انفلاق البحر، وهي كونه يضرب البحر الأحمر بعصاه: باسم الله، فينفلق اثنتي عشرة فلقة، أي: اثني عشر طريقاً، لكل قبيلة تسلك طريقها. فأية آية أعظم من هذه؟

    والحجر الذي يحملونه معهم يضربه بعصاه فتتفجر منه اثنتا عشرة عيناً حتى لا يصطدم بعضهم ببعض، وكل قبيلة تشرب من عينها الخاصة.

    فهل هذه الآيات وغيرها جاءتكم فآمنتم؟!

    وهذا هو التقريع .. التوبيخ.. التأنيب، ولكن من لم يشأ الله هدايته ما اهتدى.

    اتخاذ بني إسرائيل للعجل إلهاً

    قال تعالى بعد ذلك: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:92] بعدما خرجوا من البحر ونجوا من فرعون وحكمه، ونزلوا بالساحل، استدعي موسى عليه السلام -كما عرفتم- إلى جبل الطور لمناجاة الله تعالى، بل ذهب ليأتي بالدستور الذي يحكم به بني إسرائيل.

    وهذه الجملة الحمد لله كررناها مئات المرات، لعلها تنقل إلى العرب والمسلمين لكن ليس هناك من ينقل.

    لما استقل بنو إسرائيل، وقد كانوا محكومين بحكم فرعون دهراً طويلاً، فلما خرج بهم موسى بعد أن ظهر على فرعون وقهره نزلوا على الساحل، فكيف يحكمهم موسى؟ وما هو الدستور، وما هو القانون؟ فقال: اجلسوا أنا أذهب إلى ربي وآتيكم بالدستور.

    ونحن نقول لإخواننا المسلمين: لما استقل الإقليم الفلاني من هولندا وبريطانيا وفرنسا فهل بلغكم أن إقليماً استقل فقال: يجب علينا أن نطلب دستور الإسلام فنذهب إلى العلماء: يا علماء الأزهر! يا علماء الحرمين! اجتمعوا وضعوا لنا دستوراً، وعجلوا كيف نحكم هذه الأمة .. هذا الشعب؟ هل فعلوا؟ ما فعلوا.

    إذاً: موسى أذكى منهم، وأعلم منهم، ولكن نحن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بهذا، ولكن إلى الآن ما اجتمع علماء أي بلد وقالوا: لابد من وضع دستور إسلامي، مصدره قال الله وقال رسوله، وما أجمع عليه أئمة الفقه الإسلامي من تلك الزمرة النورانية في العهد السالف، ويحكمون المسلمين بشرع ربهم، فإن افتقروا فهذا الذي أعطاهم .. وإن استغنوا فهذا الذي أعطاهم .. وإن مرضوا وصحوا فيقول لهم: نحن الحاكمين غير مسئولين عنكم، هذا دينكم وشريعتكم، ونحن حكمناكم بها فلا تلومونا، وليس هناك من يلومهم.

    فسبحان الله! مظهر من مظاهر القرآن الكريم أن يترك موسى بني إسرائيل على الساحل -والخليفة فيهم هارون عليه السلام- ويقول لهم: اجلسوا حتى آتيكم بالدستور.

    واسمعوا قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:92] فما هذا العجل الذي اتخذوه من بعد موسى؟

    سبق أن عرفنا هذا وكررناه مع المستمعين والمستمعات ونعيد تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين: كان بينهم رجل -وما من حقنا أن نقول: رجل أبداً فهو ممسوخ- هو السامري ، فجاء إلى نساء بني إسرائيل وقال لهن: هذا الحلي الذي عندكن هو حلي القبطيات. ولا يبعد أن نساء بني إسرائيل لما أعلمن بالرحيل والخروج من مصر احتلن على القبطيات الغافلات، واستعرن منهن الحلي من الذهب والفضة، ولما خرجن خرجن بذلك الحلي، واليهود كما تعرفون يحبون الذهب.

    فـالسامري قال: هذا الحلي لا يحل لكنَّ استعماله، فكيف تستعملن ما حرم الله، فهذا غش وخيانة، وأنصح لكن أن تجمعن هذا الذهب وأحرقه أنا، وتبرأ بذلك ذممكن. وهذا كلام معقول، لكن هو يريد غير هذا، فجمع الحلي وصاغ منه عجلاً -الذي هو ابن البقرة وليس شرطاً أن يكون ثوراً- فصنعه بالصياغة صياغة الذهب، ولما ذهب موسى قال لهم: هذا هو إلهكم وإله موسى، قد نسيه.

    وانظر إلى بلاهة اليهود وغباوتهم، وإلى الآن كما قلت: فيهم أغبياء العجب؛ كيف قال لهم: هذا هو إلهكم وإله موسى، قد نسيه؟! أما قال تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [طه:89] ولو كان رباً حقاً لسألوه: أنت الله؟ لقال: نعم. أين ذهب موسى؟ ذهب إلينا مثلاً. لكن قبلوا، والتفوا حوله يعبدونه.

    أما هارون عليه السلام فهو مسئول الخليفة الذي استخلفه فيهم، وقد صاح فيهم: يا عباد الله! لا تكفروا، يا عباد الله! هذه فتنة .. هذا كذا، فكانوا يضحكون، إلا من نجَّى الله عز وجل من ذاك الشعب الذي قوامه ستمائة ألف، وما نجى إلا القليل.

    فهذا الذي أراده تعالى بقوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [البقرة:51] أي: اتخذتموه إلهاً، لكن الله ما قال: إلهاً، فهو معروف، وهل يصح أن تقول في العجل: إله؟ والآدمي أو السلطان لا يقال فيه: إله، فكيف بالعجل! وهذا من عجائب القرآن.

    قال: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [البقرة:51] أي: من بعد غياب موسى؛ لأن موسى ذهب إلى جبل الطور، ولا أدري كم المسافة من هذه المنطقة التي نزلوا فيها إلى جبل الطور وقطعاً هي في سيناء.

    تعريف الظلم

    قال: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ أي: والحال أنكم ظالمون، نعم ظالمون؛ لأن الظلم -كما عرفتم زادكم الله معرفة- وضع الشيء في غير موضعه.

    لم لا يحفظ أبناؤنا وإخواننا هذه الكلمة، ولماذا يتركونها فقط للطلاب؟! يعني: هل يتعب أحدنا إذا قال: الظلم وضع الشيء في غير موضعه؟

    وهنا مثال على ذلك: لو قام أحدكم الآن ودفع إخوانه: خلوني أنام هنا، ويطرح في حلقة العلم نائماً. فهذا ظلم ووضع للشيء في غير موضعه.

    كذلك الذي يأتي إلى باب المسجد ويشمر عن ثيابه ويأخذ يتغوط، تقول له: كيف تفعل هذا؟ يقول لك: أنا خرجت من المسجد، والشارع ممر المسلمين والمسلمات يجوز تلويثه، تقول له: وهذا المرحاض في الحمام لماذا وضع؟! فوضع البول في هذا الموضع ظلم، وهو وضع للشيء في غير موضعه.

    كذلك الذي يدعو غير الله فيقول مثلاً: يا سيدة! الغوث الغوث. هذا وضع للنداء في غير موضعه؛ لأن الذي ناداه لا يسمعه، ولا يراه، ولا يقدر على إمداده وإعطائه، فهذا النداء ينبغي أن يكون للسميع العليم، الذي يسمع نداءك ويراك في مكانك، ويقدر على إسعافك وإنقاذك، والذي يعكف على صنم أو كوكب أو قبر أو إنسان يعبده، فهذه العبادة ما وضعها في موضعها؛ لأن هذا المخلوق لا يعبد. إذاً: هذا ظلم.

    ولقمان الحكيم كان يقول لابنه وهو يربيه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13] لم يا أبتاه؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فالظلم يتفاوت، فالذي يبول في المسجد ظلم، والذي يذبح فلاناً ظلم، لكن شتان ما بين هذه وهذه، فالظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولكنه يتفاوت.

    فأعلى مستويات الظلم الشرك؛ لأنه أخذ حق الرب تعالى الذي استوجبه بخلقه للعوالم وما فيها، وبخلقك أنت وإيجادك وإمدادك، ثم هذا الحق الذي من أجله خلقك وهو أن تعبده كيف تصرفه إلى غيره، فأي ظلم أفظع من هذا؟

    فالله هو الذي خلقني ورزقني وخلق كل شيء في الكون من أجلي خلقني لأعبده، وتركته يخلقني ويرزقني ويحفظني وو.. ثم إذا بي أعبد غيره، فهذا أفظع أنواع الظلم.

    إذاً اسمعوا الله تعالى يقول: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ والحال أنكم ظالمون بوضعكم العبادة في عجل، وهي ملك لله الرحمن الرحيم الخالق الرازق المدبر.

    فإياك أن تظلم، وهذا إعلان أبي القاسم صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح يقول: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم على سفك دمائهم واستحلال حرماتهم ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ...)

    أخذ الميثاق على بني إسرائيل

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ [البقرة:93] أي: اذكروا يا بني إسرائيل أو اذكر لهم يا رسولنا وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ [البقرة:93] أتدرون ما الميثاق؟ ليس بميثاق الأمم المتحدة، إنما الميثاق هو العقد الموثق بالأيمان، فهو حبل متين، والله عز وجل هو الذي أخذ الميثاق من اليهود: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ [البقرة:93] بأن لا تعبدوا إلا الله .. بأن تحلوا ما حرم الله وتحلوا ما حرم الله .. بأن تطيعوا موسى وأنبياء الله، فهذا عهد وميثاق أن يعبدوا الله بما شرع لهم، وكلفهم به.

    قصة رفع الطور

    قال: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة:93] الطور جبل بسيناء، فما رفعه عليهم أجمعين، ولا على الذين في المدينة، والزمان كان ثلاثة آلاف سنة، وإنما كما قلت وعلمتم أنهم نحلة وملة واحدة يؤاخذون به كلهم، فذنب أحدهم اليوم يؤاخذ به الأولون، والأولون يؤاخذون بذنوبهم؛ لأنهم على عقيدة واحدة.

    وهذه القضية هي أن موسى عليه السلام لما وقعت فتنة عبادة العجل، وتورطوا، وجاء موسى وصاح فيهم ووبخهم، وقرعهم، وتابوا، وندموا، وقد قام موسى فيهم كالأسد، وأخذ العجل وأحرقه، ثم برده بالمبارد ونشره حتى أصبح تراباً وذره في البحر؛ حتى لا يبقى للعجل أثر يتعلق به قلوبهم.

    فهنا اختار موسى منهم سبعين رجلاً من خيارهم يذهب بهم إلى الله عز وجل ليكلمه في جبل الطور، ويطلب التوبة لهؤلاء الذين زلت أقدامهم، فهؤلاء يمثلون الشعب الإسرائيلي، فلما وصلوا وسمعوا كلام الله ما ارتضوا وقالوا: نريد أن نرى وجه ربنا. وعرض عليهم تحمل المسئولية فرفضوا، فما كان من الله تعالى إلا أن رفع الجبل فوق رءوسهم؛ نقضه من أسفله ورفعه كالسحابة: هيا خذوا، وتعهدوا والتزموا، فخروا ساجدين، وهي سجدة إلى الآن يفضلونها على الذهب، فسجدوا على خدهم الأيمن أو الأيسر، وتركوا الآخر ينظرون إلى الجبل من جبنهم وخوفهم، وهم الآن يسجدون في بِيعهم -أي: مساجدهم- هذه السجدة.

    فالتزموا باللسان وقالوا: سمعنا وعصوا، فهذا ما أخبر تعالى به عنهم في هذا السياق وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة:93] أي: جبل الطور.

    وقلنا لكم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [البقرة:93] بمعنى أطيعوا، يقال: فلان لا يسمع لي، أي: لا يطيعني، وليس من السماع بالأذن. وقوله: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ هي التوراة فيها حكم الله .. فيها شرائع الله .. فيها ما تقوم به الحياة .. فيها ما تكملون وتسعدون عليه، فالتزموا، وجاء من سورة الأعراف: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف:171].

    فأعطوا عهداً وهم تحت الحجر أو تحت الجبل ثم نقضوه كأن لم يكن شيء والعياذ بالله، فهم أنقض الخلق للعهود.

    ونعود للسياسة؛ فمنذ أربعين سنة ونحن نقول للعرب: يا عرب! عاهدوا اليهود -وإن كان هذا الكلام لا يعرفه إلا العقلاء- فعاهدوهم معاهدة سلمية حتى تتقووا وتتجمعوا وتصبحوا أمة واحدة ربانية قوية، ولا تقولوا: إذاً كيف ننقض عهد الله؟ لا، لا. والله لينقضونه لكم، فهم مفطورون ومجبولون على نقض العهود. فلا تخافوا، أعطوهم فرصة لتستفيدوا منها، فإخوانكم يُرفع عنهم العذاب، والبلاء، والشقاء، وأنتم تتقوون وتصنعون وتتحدون، فإذا قويتم على نسفهم وإبادتهم فحينئذ سوف ينقضون العهد، ولا تخافوا أنتم وتقولوا لي: كيف نعطيهم عهداً وميثاقاً، وبعد ننقض هذا؟! نحن لا ننقض العهد أبداً، وإذا عاهدنا نموت ولا ننقض، لكن العدو هو الذي سينقضه؛ وذلكم لأن الله تعالى قال: أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:100] فهذا شأنهم، وانظر كيف رفع الجبل فوقهم، وأعطوا العهود والمواثيق أن يفعلوا بما في التوراة، وما هي إلا أن خرجوا وإذا بهم يحلون ويحرمون ويعطلون بما تقول أهواءهم وشهواتهم.

    قال: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة:93] فهم لا يقولون هكذا: سمعنا، بل يقولون: سمعنا وعصوا، وهذا أمر مفروغ منه.

    معنى قوله تعالى: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم)

    قال تعالى بعد ذلك: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] ومعنى أشربوا: تغلغل حب العجل في نفوسهم كما يشرب الثوب من الماء، ويدخل في كل جزئياته.

    وأي عجل هذا؟

    هذا العجل هو الذي صنعه الحداد أو الصائغ السامري .. هذا العجل الذي ادعى أنه هو الله .. هذا إله بني إسرائيل وموسى ضاع عنه وتاه وما عرفه، وهذا العجل قد عبدوه قرابة الشهر؛ لأن غيبة موسى كانت أربعين يوماً، فتمكن حب العجل من قلوبهم.

    فإن قال قائل: يا شيخ! هل هذا صحيح؟

    نقول: لا تسأل، نسأل الذين يشربون الشيشة والأفيون وو.. هل تمكن حبها من قلوبهم أو لا؟ ومن قال: لا، فليرم بالتجارة خارج المسجد.

    فهذه سنن الله في الخلق، والذي عرف أن هذا الأمر باطل ومنكر ثم يفعله ويستمر يفعله فسوف يأتي بطابع خاص به، ولا يتحول عنه أبداً.

    فتلك النظرة، وتلك الالتفافة، وذلك الاجتماع حول العجل وهم يصرخون، وينادون، ويرقصون، حتى قيل -وهو حق-: إن حفلات المتصوفة مأخوذة من الحفلات اليهودية، فتجد الرقص والرقص حتى تصعق المرأة، وهم يستغيثون بالأولياء، وفي الأخير يقولون: هذه عبادة، أي: مأخوذة عن بني إسرائيل، عبدة العجل .. وقد بقيت عند اليهود أيضاً.

    والشاهد في قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة:93] أي: عجل الذهب، ولهذا إلى الآن اليهود هم الشعب أو الأمة التي لا تعرف أبداً إلا الذهب، وهم الذين أسسوا البنوك.

    مع العلم أن الله عز وجل حرم عليهم الربا في التوراة بصراحة اللفظ ووضوحه، وندد القرآن بهم، واستحلوا الربا بعد علمهم بحرمته، ولكن قد يعذرون؛ لأنهم يريدون أن يحققوا أملهم في مملكة بني إسرائيل، فكيف الوصول إليها وهم شعب عدد سكانه خمس ملايين فقط، فلا يعادلون سكان القاهرة ولا باريس، فكيف يحكمون العالم؟!

    وسائل اليهود في إخضاع العالم

    إذاً لابد من استعمال وسائل من شأنها أن تخضع العالم لهم، فاستعملوا:

    أولاً: السحر، وكثيراً ما أقول بدون علم- أنا متوقع ولا تقولوا: الشيخ جازم-: أنهم يسحرون بعض الساسة والمسئولين في العالم الإسلامي؛ لأنهم متنكرون؛ فلديهم جوازات عديدة: فرنسي .. سويسري .. أمريكاني، ويجتمعون في اجتماعات الأمم المتحدة، وممكن يكلفون من يصب الشاي أو القهوة، ويجعل فيها مادة مسحرة، هذا ممكن، فهم أهل السحر، والسحر هو تحويل القلب من كرهه إلى حبه، فكما يكره الرجل امرأته، والمرأة تكره الرجل، فهم أيضاً سحروا الناس من الأوروبيين وغيرهم، وجعلوهم يحبونهم، وعلى الأقل لا يسبون، ولا يشتمون، ولا يتغيضون، ولا ولا ولا.. وهذا حاصل، ولا يبعد.

    ثانياً: استعملوا المال من الدينار والدرهم، فعرفوا أن العالم يخضع لسلطان المادة والمال، فابتكروا فكرة البنوك وأسسوها، ووضعوها، وهم قائمون عليها في الشرق والغرب، وضربوا العالم ضربة ليس لها نظير، فالربا إذا شاع وأصبح من مبادئنا ومن سياستنا السياسية والاجتماعية، فهو الذي يقضي على المحبة، والألفة، والأخوة، والولاء بين المسلمين.

    ولو فعلوا من السحر ما فعلوا فإنهم لا يستطيعون أن يفرقوا بين المؤمنين كلهم، نعم قد يسحر شخص أو عشرة ألف، لكن الربا معناه: لا تبقى سلفة، ولا قرض، ولا مضاربة، ولا تعاون ولا ولا.. وكل ما نحتاج إليه هو البنك.

    فتلك الرابطة القوية التي تربط بين المواطنين في أي شبر من الأرض لما حل محلها البنك ما أصبح هناك من يسلف أحداً، ولا من يقرض أحداً، وحتى الذين يسلفونهم أو يقرضونهم لا يردّون، فهناك دعوة شيطانية: يأتيك ويقول: أقرضني. فتقرضه، ولا يرجع أبداً، وبذلك تمزقت أواصر الأخوة بين المسلمين.

    أرأيتم لو كان المسلمون على حقيقتهم فهذا المال الذي لا يودعونه في البنك ماذا سيصنعون به؟

    إذا جاءني إبراهيم أو سليمان أو عثمان وهو أخي المؤمن عبد الله الذي لا يفارق بيت الله وقال: أريد أن تقرضني كذا إلى سنة، والله ليفرحن المؤمن، فيحصل على أجر أعظم من أجر الصدقة، واستراح من ذلك المال الذي هو مودع في صندوقه، وانتفع به أخوه، وذلك الذي استقرض يعيش ليل نهار يحافظ على عهده وميثاقه، فما إن يحين وقت القضاء، وتدق الساعة إلا وهو يقرع الباب: هذا مالك يا أخي. فانظر إلى الصلة كيف قويت.

    كذلك لو رغبت في أن ينمو مالك، فيأتيك أخوك الحاذق، اللبيب، الفطن، الصابر، الصادق يقول: أريد أن أفتح متجراً فأعطني ما عندك، لا تبقه هكذا، ولك نصف الربح أو ثلثه. فيفرح المؤمن ويبتسم، ويقول: الحمد لله؛ لم يبقى هذا المال مدفوناً عندي أو مودعاً في البنك لا قدر الله؟! فيعطيه أخاه ويبارك الله فيه، وينفعه، وينفع نفسه.

    لكن هذه الحال الآن قد انتهت، فأصبح الذين لهم أموال يضعونها في البنوك، ولا يوجد قرض ولا سلفة، فهبطنا، حتى أن من أقرضته لله لا يرد أو يماطلك، وتقطعت صلات الأخوة الإسلامية بيننا، وكل ذلك بسبب بنوك الربا.

    ثم أنا أعجب من هذا الصوت! ففي كل البلاد الإسلامية لا يوجد واحد من الخطباء والمدرسين وغيرهم يقول: يا مسلمون! تعاملوا بالربا إن كنتم تريدون كسب المال وجمع الثروة، فوالله ما قال هذا أحد، لا في العجم، ولا في العرب ولا ولا .. فكيف وقعنا في هذا؟ من يعلل لنا هذه الظاهرة؟

    ولو كانت هناك فتاوى أذنت وأباحت فإنه قد يعذر الناس، فالله قال، وقالت العلماء، لكن ليس هناك.

    إذاً: كيف نعرف هذا ونعصي الله، ونفسق عن أمره، ونخرج عن طاعته ونتحداه، ونرابي مع المرابين؟!

    الجواب عندنا: لأننا أعرضنا عن الله فأعرض الله عنا، فعيشوا كما تريدون.

    وقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] هذه الباء هي باء السببية؛ إذ لو كانوا مؤمنين موقنين ربانيين والله ما أحبوا العجل، ولا عبدوه.

    والآن نقول: الذين يعلمون ويرتمون في الربا ما سببه؟ والله إنه لكفرهم بشرائع الله وتعاليمه، فما عرفوا وما أيقنوا، وما كل من قال: أنا مؤمن فهو مؤمن، فالإيمان نور في القلب يولد طاقة تجعل المؤمن حياً، فيسمع ويبصر ويعطي ويمنع، فإذا اهتز ذاك الإيمان، وتحلل وتخلل، وأصبح ضعيفاً كالذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض فإنه لا ينتفع به.

    قال: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بسبب ماذا؟ بِكُفْرِهِمْ فالباء باء السببية فلما كفروا بنعم الله عليهم .. كفروا برسالاته ورسله .. كفروا بلقائه، وتنكروا له .. غطوا .. جحدوا .. فحصل هذا بكفرهم.

    معنى قوله تعالى: (بئسما يأمركم به إيمانكم ...)

    أخيراً يوجه الله تعالى لرسوله هذا الأمر فيقول لهم: قل يا رسولنا أيها المبلغ عنا، قل: بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ [البقرة:93] فإذا كان إيمانكم يأمركم بالربا، وقتل الأنبياء، وعبادة دون الله فبئس هذا الإيمان، فقبحه بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:93] أي: كما تزعمون وتدعون.

    1.   

    تحذير المسلمين من مشابهة ومتابعة بني إسرائيل في مخالفاتهم الشرعية

    ما أحوج المسلمين إلى هذه الآيات أن يجتمعوا عليها ويقرءوها ويتفهموها، فهذا من باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة)، فإذا كان بنو عمنا قد تورطوا فهبطوا، ولعنوا، واحترقوا، والقرآن يذكر ما أنزل الله بهم؛ أليس معنى هذا: إياكم أن تسلكوا مسالكهم! إياكم أن تمشوا في طريقهم! إياكم أن تقفوا مواقفهم! فإنكم ستهلكون كما هلكوا.

    هذه ورقة أعطانيها مؤمن يتألم، وفيها أن هذا الكاتب في هذه الجريدة يقول: صوت المرأة عورة! خرافة شائعة. كم من مرة قلنا: إن صوت المرأة عورة آلاف المرات، فهل نكذب أن صوت المرأة عورة، وما معنى عورة؟ هل هو شيء يستحى من سماعه فينبغي أن يستر كما تستر العورات، والعورة ليس معناها السوءة.

    أيها العامي! كل ما يستحى من كشفه هو عورة تستر كعورة البيت، وهي النافذة، وهذا قال: صوت المرأة عورة خرافة!

    اسمعوا! روى الشيخان ومالك وأهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أنابه شيء في صلاته فليسبح ) أي: يقول: سبحان الله، فإذا قرع عليك الباب أحد أو ناداك بأعلى صوته: يا فلان! وأنت في الصلاة فلا تقطع الصلاة، واحذر فإنك تتكلم مع الله فلا تعرض عنه وتقبل على هذا المخلوق، فهذه مصيبة لا حد لها، وقد أرشدنا العليم الحكيم صلى الله عليه وسلم أن نقول: سبحان الله، فيفهم طالبك ومناديك بأنك مشغول مع الله فيسكت وينتظر. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء )، وفي لفظ: ( والتصفيح )، هكذا، ممكن هذا الصوت يطرب. اسمع! الصوت هكذا يطرب أو لا؟ هذا هو التصفيق، أما التصفيح فهو يضرب بظهر اليد فلا يطرب، والتصفيح للنساء.

    أيكم أيها الفحول واصدقوني: يرضى أن تتحدث امرأته مع أجنبي؟

    الجواب: والله لا نرضى أن يسمع صوتها أجنبي.

    فأين قولهم: من ادعى أن صوت المرأة عورة أنه يقول بالخرافة، وهذه جريدة إسلامية تكتب هذا العنوان، ولا ندخل معهم في كلام، فلقد هبطوا ونزلوا من علياء الكرامات إلى حضيض التراب، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ [النحل:21] فلهذا نتركهم لله.

    وصوت المرأة عورة عندنا.

    تقول الصديقة : الديوثة من النساء التي يسمع ضيفها صوتها في حجرتها. وما زالت الطاهرات إلى الآن ما يرفعن أصواتهن إذا هناك ضيوف في البيت.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.