إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (34)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نص القرآن على ميثاق أخذه الله من بني إسرائيل، لم يكن ميثاقاً عادياً، لقد كان شاملاً كاملاً، تتقاسمه العبادة والمعاملة: توحيد الله، والإحسان إلى كل من الوالدين، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، والإحسان في القول، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن هؤلاء القوم نبذوا كل هذا وراء ظهورهم إلا قليلاً منهم، والمؤسف أن أمة القرآن قد أصابها هذا الداء.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ... [البقرة:83-85] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    أخذ الميثاق بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به

    معاشر المستمعين! كنا قد عرفنا أن الميثاق هو العهد المؤكد باليمين؛ من التوثيق الذي هو الربط والحزم بشدة.

    والله عز وجل هو الذي يقول لليهود الذين يمثلون بني إسرائيل: اذكروا إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83].

    وهذا الميثاق له بنود، وقد تكلمنا عن بند واحد.

    فالبند الأول من البنود التي تضمنها الميثاق: ألا يعبدوا إلا الله:

    أولاً: يعبدون الله بما شرع أن يعبد به.

    ثانياً: ألا يشركوا في عبادته غيره، وهذا معنى لا إله إلا الله.

    فلو سئلت عن معنى لا إله إلا الله، فإنك تقول: لا يستحق العبادة إلا الله، وبحكم أنك شهدت أنه لا معبود بحق إلا الله فوجب عليك أن تعبده، وإلا فإن شهادتك باطلة!

    ثانيا: ألا تقر عبادة غيره، وإلا ما معنى أنك تشهد على علم أنه لا يعبد إلا الله، وفي نفس الوقت تقر بعبادة سواه؟!

    وهذه القضية المهمة يا ليت إخواننا يفهمونها، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فعلى أي شيء أقمت شهادتك؟ قطعاً ستقول: على علم، فأنا لا أشهد أن إبراهيم بن فلان أو أن خالداً ضرب فلاناً إلا إذا رأيت هذا، فالإخبار شيء، والشهادة شيء آخر، فأنا أشهد على علم أنه لا يستحق العبادة إلا الله.

    إذاً: فما دمت تشهد على علم فينبغي أن تعبد الله، وإن لم تعبده فشهادتك باطلة. وأنت تكذب!

    ثانياً: أن تعبده وحده، ولا تعبد معه سواه، وإلا تناقضت من أول يوم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وفلان!

    ثالثاً: لا نقر عبادة غير الله، ولو نُسأل عن عبادة اليهود .. النصارى .. المجوس .. عبدة عيسى .. عبدة الملائكة .. عبدة الجن .. عبدة الكواكب؛ نقول: هذه عبادة باطلة، ولا نقرها أبداً؛ لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة، فالعبادة يستحقها الخالق للعبد .. الرازق للعبد .. الكالئ والحافظ له إلى نهاية أجله. أما الذي ما خلق، ولا رزق، ولا حفظ فكيف يعبد! وبأي منطق وبأي حق؟ إنها عبادة باطلة!

    إذاً: أول بند من بنود هذا الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل وهم في جبل الطور أو في غيره هو ألا يعبدوا إلا الله.

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى الوالدين

    ثانياً: قال تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] أي: وأن يحسنوا بالوالدين إحساناً عاماً بالآباء والأمهات، وقد عرفتم أن من الإحسان بالوالدين أن يصل بالخير إليهما.

    وهنا لطيفة: لم قال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وما قال: وإلى الوالدين إحساناً؟

    (إلى) حرف جر تصل به إلى الغاية، فقال: (وبالوالدين)، ومعنى هذا: إذا احتاج الوالد، بل ولو لم يحتج، فلا تضع أمامه الكأس وتقول: اشرب! بل خذ الكأس بيدك وضعه في يده. ولا ترم السجادة وتقول له: افترش، لا! افرشها أنت وقل له: اجلس! ولا تركب في السيارة وتقول له: اركب، بل أنت تفتح الباب وانتظر حتى يركب. وهذا دل عليه حرف باء الإلصاق، فما قال: وأحسنوا إلى الوالدين، إنما قال: أحسنوا بالوالدين. فالباء باء الإلصاق، فليكن الخير الذي تقدمه لهم كأنك تلصقه بهم. ومن ذلك لا تقل: يا أبت! المشلح في المشجب البس واخرج، فهذا لا يجوز، بل ائت به أنت وألبسه إياه، حتى تكون قد أحسنت به.

    فهل فهم الأبناء هذه: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]؟

    صور الإحسان إلى الوالدين

    قد عرفتم أن الإحسان بالوالدين يدور حول أربع مسائل:

    الأولى: أن تصل بالخير إليهما من الطعام .. الشراب .. الكساء .. المركوب .. السكن .. الدواء، تصل به إليهما، ما داموا محتاجين إليك وأنت في غنى عنهم.

    ثانياً: أن تكف الأذى عنهما، حتى ولو كانت كلمة نابعة أو صوتاً مرتفعاً، والله عز وجل يقول: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] فهذه الكلمة محرمة، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يواجه بها أحد أبويه، فإنها من كبائر الذنوب، فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] أما أن ترفع صوتك لا، فليكن صوتك منخفضاً دون صوتهما، ومن كان غير مربَّى ولا مهيأ فليتربَّ من الآن، ويخفض صوته عند أبويه، وليكن صوته دون صوتهما وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] وقد مثلت لكم: افرض أنك طويل وأبوك دونك في الطول، فحاول إذا مشيت معه أن تتقاصر؛ حتى لا تفوقه في الطول، وإذا مشيت معه فلا تمش أمامه بل امش وراءه أو إلى جنبه وأنت متطامن، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وكن ليناً هشاً جداً، لا قسوة ولا شدة ولا غلاظة، وإنما لين وتطامن.

    ثالثاً: طاعتهما في المعروف، فإذا أمرك أبوك أن تقول أو تفعل أو تعتقد؛ فانظر إذا كان أمره من أمر الله ورسوله فيجب أن تطيعه ولا تتردد، وإن كان أمره مناقضاً لأمر الله ورسوله فأمر الله أولاً! فأنت فُرِض عليك طاعة الوالدين نظراً إلى المعروف الذي قدماه لك، والإحسان الذي بذلاه لك، فأمك حملتك تسعة أشهر، وأنت من صلب أبيك؛ من مائه فكيف إذاً لا تشكر هذا النعيم؟! ولكن شكر الله أولى؛ لأنه خالقك، وخالق أبويك، وخالق الكون لك.

    وقوله: ( إنما الطاعة في المعروف ) هذا الحكم يتناول أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول إمام المسلمين، فالكل لا طاعة إلا في المعروف، ومن قال: وكيف تقول والرسول صلى الله عليه وسلم؟! فليسمع، أقرأ عليه مادة في هذا الكتاب الكريم إذ يقول تعالى للنساء في آية البيعة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ... [الممتحنة:12] فانظر كيف قيد العصيان بالمعروف، وهذا معناه فرضاًً: لو أمر الرسول بغير طاعة الله فلا يطاع! وهذا من باب الفرض فقط لتعليم الخلق، وإلا حاشى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمر بغير ما في رضا الله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]. فكل أقضيته وأحكامه وسننه كلها من الله عز وجل، وهذا من باب: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12] أما إن أمرك بغير المعروف فلا حق لك في الطاعة، فكيف إذاً في غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    فإذا أمرك أبوك بألا تصلي فهل تطيعه؟! إذا أمرك ألا تشهد صلاة الجماعة فهل تطيعه؟! إذا أمرك الحاكم أن تشرب خمراً فهل تطيعه؟! إذا أمرك أن تقتل عمراً فهل تطيعه؟! إذا أمرك أن تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل تطيعه؟! الجواب: لا، ( إنما الطاعة في المعروف ).

    رابعاً: صلة الرحم التي تربطك بهما كجدك وابن أخيك وبقية الأقارب سواء كانوا من الأدنين أو من الأباعد، فما دامت الرحم جمعت الكل فلا بد من هذه الصلة.

    وأخيراً: بر صديقهما. فإذا كان لأبيك صديق أو لأمك صديقة فينبغي أن تبر هذا الصديق وهذه الصديقة لبر أبويك! وفي الحديث: ( إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه )، وقد ذكرت لكم حادثة عبد الله بن عمر في طريقه من المدينة إلى مكة عندما نزل منزلاً، وإذا بأعرابي يقف ويطلب من ابن عمر مساعدة، فيعطيه عمامته وحماره، والعمامة كان يستعملها في الليل يشد بها رأسه لينام، والحمار يروح به على نفسه، لما يملّ من ركوب الجمل يركب الحمار، والمسافة عشرة أيام في الطريق. فلما أعطى الرجل الحمار والعمامة سأله مولاه نافع : كيف يا مولاي تعطيه مع أن حفنة التمر تكفيه، وليس أن تعطيه هذه العمامة التي تستعملها في ليلك، وهذا الحمار الذي تروح به على نفسك؟! فقال ابن عمر له: إن أباه كان صديقاً لـعمر ! وهذا بعد موت عمر .

    وبهكذا يوثق الإسلام الروابط بين الأسر .. بين الأصدقاء .. بين الجيران .. بين .. بين .. لتصبح أمة الإسلام أمة واحدة، وقوة واحدة، وحق لها؛ لأنها تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتي يبغضها الأبيض والأسود والعجم. فإذا لم تتماسك وإذا لم تقوَ لا تستطيع حملها أبداً؛ ولهذا اسمع كيف أمرنا الله بصلة الأرحام: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36].

    أريد أن يفهم المستمعون أن هذه الأمة غالية عزيزة؛ لأنها أسعد أهل الأرض وأطهرهم .. لأنها مهيأة للسماء والنزول في الملكوت الأعلى .. لأنها عدو لكل كافر وكافرة، ومشرك ومشركة. وهي القائدة الرائدة السائدة فلا بد وأن تكون جسماً واحداً، وإلا فلا تقوى أبداً على أن تخوض هذه المعارك مع الإنس والجن.

    ولهذا كل ما يدعو إلى الفرقة حرام، ولو تتبعت المعاملات المحرمة من أولها إلى آخرها في البيع .. في الإيجار .. في الشراء .. في كل المعاملات؛ تجدها تدور على شيء واحد، وهو ألا يحصل أو يحدث خلل في قلوب المؤمنين! فهذه المعاملات التي بين الناس كل معاملة محرمة، وعلة تحريمها أنها توجد الضغينة في قلوب المؤمنين، وتوجد العداء والبغضاء بينهم، وكل ما يسبب العداء والفرقة حرام!

    وما أخذ على بني إسرائيل أخذ علينا نحن.

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى الأقارب

    قال تعالى: وَذِي الْقُرْبَى [البقرة:83] قرابة الإنسان معروفون، وهي جمع قريب، واليتامى جمع يتيم، فاليتيم يجب أن يحسن إليه، وهذا قد أخذ الله به عهداً على بني إسرائيل، ونحن أيضاً أخذ علينا ذلك، كما في آية النساء السابقة وهي لنا وليست لبني إسرائيل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36] عشرة حقوق! فهذا الميثاق فيه عشر مواد، وتسمى هذه الآية بآية الحقوق العشرة، حتى الجار ثلاثة جيران: جار قريب، وجار بعيد، وجار قريب من جهة وقرابة من جهة أخرى. فالجار اليهودي أو النصراني يجب أن نحسن إليه ولا نسيء إليه!

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى اليتامى

    قال تعالى: وَالْيَتَامَى [البقرة:83] اليتامى: جمع يتيم.

    من هو اليتيم يا عباد الله؟!

    هو من فقد أباه لا من فقد أمه، فالذي مات والده إذ هو العائل والمنفق والقيم؛ فأصبح هذه الغلام يتيماً لموت والده، ويستمر يتمه حتى يبلغ سن التكليف، وهذا اليتيم يجب أن يجد بين المواطنين مأمناً حيث لا يخاف أبداً، ويجد بينهم رزقاً حيث لا يجوع ولا يعرى، ويجد بينهم مدرسة تربيه؛ حتى يتخرج ربانياً صالحاً، فلا يهمل ويطرح في الشوارع ليعيش على الجهل.

    وحسبنا أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) أرأيتم كيف يرغب أم لا؟ ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) مقترنان السبابة والوسطى.

    فاليتيم يجب وقد فقد أباه ألا يفقد شيئاً مما كان يغدقه عليه أبوه ويعطيه إياه؛ من تربيته .. من الحفاظ عليه .. من إطعامه .. من كسوته .. من من .. فهذا شأن اليتامى.

    والحمد لله هذه البلاد وفق الله أهلها إلى إنشاء -وما عرفنا هذا في أي بلد- دور اليتامى، والمفروض أن يكون كل بلد فيها دار لليتامى الذين فقدوا الآباء، فدار اليتامى في المدينة تخرج منها مسئولون، حيث يؤخذ الغلام إلى الدار فيجد من يربيه ويعلمه ويطعمه ويعينه، حتى يبلغ سن الرشد، وبعد ذلك يخرج فيذهب حيث شاء، فإن عجزنا عن بناء دور اليتامى فعلى الأقل كل مؤمن يرعى هذا الحق مع من يراه يتيماً في جواره أو في قريته أو في حيه.

    أما إضاعتهم .. أما أخذ حقوقهم .. فلا تجوز، ولكن وللأسف الشديد إنهم يأخذون حقوقهم، ويأكلون أموالهم، ويلهونهم، ويعبثون بهم؛ فقط لأنه فاقد والديه أو فاقد أبيه.

    والشاهد عندنا في هذا البند أيضاً: وَالْيَتَامَى .

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى المساكين

    قال تعالى: وَالْمَسَاكِينِ [البقرة:83] أخذ على بني إسرائيل العهد والميثاق بالإحسان إلى المساكين.

    ما هو المسكين؟

    المسكين هو الذي أذلته الحاجة والمسكنة، فلا يجد غذاء ولا كساء ولا دواء، فهذا ينبغي أن يحسن إليه، فإن لم تجد ما تحسن إليه فعلى الأقل ابتسم في وجهه، ولا ترفع صوتك عليه، ولا تظهر في مظهر أنك متفوق عليه، والقائد الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول: ( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )، ومن لم يجد ما يتصدق به فالكلمة الطيبة صدقة، فإذا قال المسكين: يا أبتاه! أو يا أباه! أنا جائع فعليك أن تطعمه، فإن لم تجد ما تطعمه فقل له كلمة طيبة ينشرح لها صدره، وتطمئن نفسه، أما أن تدفعه بقوة وتقول له: اذهب ليس عندنا، فهذا خطأ، ونستغفر الله منه، ونتوب إليه.

    والواجب ألا يشعر المسكين في القرية أو الحي أو المدينة بأن فيه ضعفاً أو أنه يهان أو لا يبالى به، بل يجب أن يحترم كما يحترم الأغنياء.

    وهذه تعاليم الله لعباده، فإن هم وفوا بهذه العهود كملوا وسعدوا، وإن أعرضوا عنها وأهملوها فحسبهم الذل والعار الذي يلاقونه.

    أخذ الميثاق بالقول الحسن للناس

    قال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] هذا بند آخر: قولوا للناس الحسن لا القبح، فإذا ناديت الشخص فقل له: يا أبتاه! إن كان أكبر منك .. يا أخاه! إن كان مساوياً لك .. يا ولدي! أو يا بني! إن كان أصغر منك.

    أما أن يقول أحدنا: يا أعمش! يا أعرج! يا طويل! يا بدوي! يا كذا! فهذا حرام ولا يجوز! ولا يحل أبداً. بل لا بد وأن تقول الحسنى في القول والعمل لهذا المؤمن.

    وكلمة (الناس) عامة تشمل حتى الكافر، فهل إذا مر بك كافر وقال: يا فلان! ناولني كأساً أشرب، تقول: يا ملعون! لا أعطيك؟! فهذا لا يجوز أبداً؛ لأن الله قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا والكلمة الحسنة هي التي يظهر أثرها في وجه من تتكلم معه.

    أما الإساءة فهي محرمة، ومن هنا لا ينبغي لا سب ولا شتم، ولا تعيير، ولا تقبيح، ولا سخرية، ولا لمز، ولا همز، فكل هذا محرم عنها في كتاب الله. واقرءوا آخر سورة الحجرات: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].

    وأنتم تسمعون وتعرفون ماذا يحدث في مجتمعاتنا من السخرية والاستهزاء بالفقراء .. بالأغنياء .. بالجهال .. والله بالعلماء! وما سر هذا؟ إنه الجهل، فوالله ما علمناهم، وما ربيناهم، وما ضممناهم إلى حجور الصالحين؛ فكانت النتيجة أن تخرجوا ضائعين تائهين، فلا أدب ولا خلق ولا معرفة. وماذا ترجو من شخص ما جلس طول حياته بين يدي مرب يربيه ليلة من الليالي؟! ماذا تريد أن يكون؟!

    فإن عرفنا العلة فهيا إذاً من جديد نتربى، فإن قلتم: لا نستطيع، أقول: لم لا تستطيع؟ هل هذا حمل ثقيل لا تطيقه؟ يقولون: لا نستطيع؛ نحن عندنا أعمال، فهذا عنده مصنع، وهذا عنده متجر، وهذا عنده مزرعة، فكيف نعمل؟

    قلنا: اعمل من صلاة الصبح، فصلِّ الصبح في بيت الرب واحمل فأسك أو مطرقتك أو نقودك وإلى السوق والمزرعة واعمل إلى غروب الشمس، أما يكفي هذا النهار كاملاً؟! فإذا مالت الشمس إلى الغروب غير ثيابك في بيتك، واصحب زوجتك وبناتك وأولادك إلى بيت الرب، واجلسوا، ويجلس لكم ربانيّ ذو علم وحكمة ليعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك كل ليلة ولطول العمر.

    أسألكم بالله: هل هذا فيه مشقة أو تكليف ما يطاق؟!

    قولوا لي: اليهود .. النصارى .. الملاحدة .. العالم بأسره إذا غابت الشمس تركوا العمل، وذهبوا إلى المقاهي والملاعب، والمراقص، والمقاصف، ودور السينما أم لا؟

    أما نحن فلسنا مثلهم، والفرق بيننا وبينهم كالذي يريد أن يهبط إلى أسفل الأرض، وآخر يريد أن يطلع إلى أعلى السماء فهل يستويان؟ هذا هبوط بسهولة، فلا يتكلف ولا يجهد نفسه، أطلق نفسك يهبط إلى أعماق الأرض، لكن تطلع كيف تشق الملكوت. فرق كبير أم لا؟!

    وفرق آخر: المؤمنون أحياء، والكافرون أموات، فهل تكلف الميت أن يسمع ويبصر ويعقل عنك، ويعطي ويأخذ؟! هذا ميت! وأما المؤمن فحي، يسمع ويبصر، ويأخذ ويعطي، لوجود الحياة فيه.

    فإن قال قائل: لم يكرر الشيخ هذه القضية؟ قد مللناها وسئمنا منها، فهو في كل درس يعيدها؟

    قلنا: هذا هو سؤالكم؟! هو هذا! وأنا قلت لكم: والله لا سبيل لإنقاذ هذه الأمة وقد غرقت إلا بالعودة إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كلفناها أن تبني المدارس والكليات! فليس عندها أموال، وما كلفناها أن توقف الفلاحة أو التجارة، فإنها لا تستطيع؛ لأنها ستجوع، وما قلنا هذا أبداً، فقط من المغرب إلى العشاء نرجع إلى الله في بيته، وليس في بيتنا أو بيت أخيك فتقول: لا يتسع لنا، ضايقتمونا! نقول: في بيت الرب جل جلاله، وعظم سلطانه، النساء وراء الستار، والأولاد دونهن، والفحول أمام الكل، وهم يتلقون الكتاب والحكمة، قال الله وقال رسوله، فلا مذهب أبداً، ولا حزب، ولا جماعة، ولا وطنية، بل قال الله يا عباد الله! وقال رسوله يا مؤمن!

    أسألكم بالله يا من فهمتم عني: هل بعد عامين .. ثلاثة .. أربعة هل يبقى في القرية جاهل أو جاهلة؟

    والله ما كان أبداً، وإن لم يكتبوا، وإن لم يقرءوا، فهذا العلم لا يتوقف على الكتاب والقراءة، إنما يتوقف على الفهم، والعمل، والتطبيق، فإذا أصبح أهل القرية علماء هل تتصور أن يوجد في القرية من يزني؟ أن يوجد في القرية من يخون ويغش؟ والله لا يوجد، هل يوجد في القرية من يموت جائعاً وهم شباع؟ والله لا يكون. أن يوجد في القرية من يمشي عارياً حافياً وهم منتعلون مكسوون؟ والله لا يكون، فلا يستطيعون أبداً.

    وفوق ذلك هل يستطيع الإنس أو الجن أن يذلهم أو يقهرهم وهم أولياء الله؟ والله لا يستطيعون. أقسم بالله؛ لأنهم أولياء الله، وليست قضية بركة فقط، إذا استووا على هذا المستوى من الفهم والإدراك والعلم؛ هؤلاء يكونون أقوى الناس طاقات بدنية .. أقوى الناس مالاً .. أقوى الناس عملاً.

    إذاً: عرفتم لم نكرر هذا القول؟

    فإن قيل: متى نسكت؟

    نقول: لما يبلغنا أن الإقليم الفلاني نهض علماؤهم وأخذوا يجمعون النساء والرجال والأطفال في بيوت الرب تعالى من المغرب إلى العشاء، فالدكاكين مغلقة .. المقاهي مغلقة .. العمل وقف، أين الأمة؟ في بيت الرب! ليلة قال الله، وليلة أخرى قال رسول الله، فيحفظون الآية ويتغنون بها، ويدخرونها في نفوسهم، ويحفظون الحديث، ويتلذذون بكلام رسولهم، ويفهمون معنى تلك الحكمة، وتأخذ آثارها تتجلى في منطقهم .. في لباسهم .. في أكلهم .. في شربهم؛ حتى تصحوا الأمة، وما كلفنا هذا شيئاً، ولا نطلب من أهل القرية ريالاً واحداً أبداً، ولا تخافوا!

    إذاً: لا تلوموا الشيخ: لم يعيد هذا القول ويكرره! ونحن كمن ضاعت دابته، وهو طول عمره ينادي عنها ليحصل عليها! فهل يسكت؟!

    إذاً: قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] فيا بني إسرائيل! ويا أبناء الأنبياء وأحفاد المرسلين! قولوا للناس حسناً، ولا تسيئوا إلى البشر، ولا تقولوا البذاء والمنطق السيئ، ولا سخرية ولا كذب.

    ألسنا نحن أحق بهذا؟ نعم. أمرنا كما أمروا، وآية الحقوق العشرة موجودة في سورة النساء.

    أخذ الميثاق بإقام الصلاة

    قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:83] يا بني إسرائيل! أقيموا الصلاة، فأُخِذ عليهم عهد من الله في عهد موسى بأن يقيموا الصلاة.

    وما معنى يقيموا الصلاة؟

    أي: يؤدونها أداء حسناً صالحاً حتى تنتج لهم الطاقة النورانية، وحتى تولد لهم النور في قلوبهم، وهذا النور إذا كثر يظهر على البصر .. على السمع .. على المنطق .. على اليد .. على الرجل، فيصبح عبد الله كالملك، فلا ينظر إلا حيث يأذن الله له بالنظر، ولا يسمع إلا حيث يأذن الله له بالسماع، ولا يأكل إلا حيث أذن الله له بالأكل، ولا ينطق إلا حيث أذن الله تعالى له أن ينطق، فغشاه النور؛ ولأن أكبر مولد للنور والمعبر عنه بالحسنات هو إقام الصلاة! فأكبر مولد ليس الصيام ولا الحج ولا العمرة، بل إقام الصلاة!

    وهنا نقول: يا شيخ! إخوانك في الشرق والغرب بعد أن استقلوا من سلطة الكفر وخرج المستعمرون من ديارهم فاستقلوا وكونوا الدويلات: الدولة الباكستانية .. الأفغانية .. الأندونيسية .. الدول العربية، دول! فهل سألوا أهل العلم: نحن الآن استقللنا فعلى أي شيء نقيم هذه الدولة؟ هذه الدولة لله أليست لله؟ نعم، نحن عبيد لله. كيف نقيمها؟ ابعثوا إلى العلماء واسألوهم عرباً أو عجماً؛ فيقول لهم العالم: أنتم الآن استقللتم، وأردتم أن تقيموا دولة، وإن الله عز وجل قد وضع لها أربع دعائم .. أربع ركائز، فأقيموا دولتكم على هذه الدعائم، فإنها تقوى ويشتد أمرها، وتصبح قادرة على إسعادكم، وتطهيركم، ونجاتكم.

    فهل سألوا؟ دلوني.

    أقول: دعني من أبنائي الأحداث! أنا أخاطب الكبار ذوي اللحى البيضاء! لما استقل إقليم في الشرق والغرب هل سأل: كيف نقيم دولة الإسلام؟

    فكوّنا دويلات منهارة، فلا سعادة، ولا طهر، ولا صفاء، ولا مودة، ولا محبة، ولا إخاء، كأننا ما ذقنا طعم الإسلام، ولا تحلينا بحلية الإيمان! ما السبب؟!

    هل تذكرون دعائم الدولة الإسلامية؟

    يوجد في القرآن الكريم ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وكل آية هي نور يضيء الظلام، وخذ آية واحدة من هذه تجد فيها دعائم الدولة الإسلامية، وقد جاء من سورة الحج بين الأنبياء والمؤمنون: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1] هذه السورة في وسطها جاء قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] استقلوا أم لا؟ حكموا الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]. كم قاعدة هذه؟ أربع.

    (أقاموا الصلاة)؛ لأن إقام الصلاة هو الذي يطهر المجتمع .. هو الذي ينفي الخبث .. هو الذي يبعد المنكر .. هو الذي يشيع المعروف بين المواطنين، أما أي وسيلة أخرى فوالله إنها لا تجدي! ولو توزع على المواطنين يومياً الأموال والله لن تزكيهم ولن تطهرهم! ولن ينتهي الخبث والظلم والشر والفساد، فما هناك عامل إلا أن تقام الصلاة، وإذا أقيمت الصلاة في القرية .. في المدينة .. في الإقليم فنصف الميزانية التي كانت معدة للأمن كلها يستغنى عنها.

    قالوا: يا شيخ! النصف كثير؟

    نقول: نعم، والله لأكثر من النصف، ولا نحتاج إلى قوى أمنية أبداً، فكل مؤمن حامي للحمى، وحارس للفضيلة! وذلكم لأن الله المشرع الحكيم طابع الطبائع، وغارز الغرائز، وخالق الأنفس هو الذي قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لم يا ألله؟! علل! إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    وكم كررنا هذا وقلنا: هيا بنا نمشي إلى المحافظ أو مدير الشرطة في أي بلد، ونقول له: أعطنا قائمة بأسماء المجرمين في هذا الأسبوع: السارق والساب والشاتم .. فإن أعطانا قائمة أقول له: أقسم بالله! لن نجد بين هؤلاء المجرمين أو الظالمين نسبة (5%) من مقيمي الصلاة، و(95%) من تاركي الصلاة والمصلين، وإلى الآن ما زلنا نطالب وما تحداني واحد، وهذا الكلام قلناه في الشرق والغرب!

    الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ونحن نشاهد المقيمين للصلاة ما عصوا الله، ولا فسقوا عن أمر الله، ولا آذوا، ولا اعتدوا، ولا زنوا، ونجد الأذى والاعتداء والعنترية والفساد كله من تاركي الصلاة، والمتهاونين فيها.

    ماذا تقولون يا أهل الإسلام في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] لم لما يستقل إقليم ما يقيم نفسه على إقام الصلاة؟ وهل إقام الصلاة يعوق الأمة من العمل؟!

    إن الصلاة مقسمة تقسيماً إلهياً:

    أولاً: صلاة الصبح، هل صلاة الصبح تعوق عن العمل؟

    والله إنها لتنشط عليه، والله إنها لتساعد عليه، أقسم بالله! لأن الشعب الحي قبل الفجر وهم في يقظة، صلوا الصبح واندفعوا وراء أعمالهم، يشتغلون ساعتين .. ثلاث ساعات، أما الكفار فنائمون، لا يبتدئون العمل إلا في الساعة الثامنة.

    أما صلاة الظهر ففي الساعة الثانية عشرة وعندها يتوقف العمل، والذين يشتغلون من السادسة حتى الواحدة ليس هؤلاء ببشر، لكن عند الثانية عشرة أو الحادية عشرة يتوقف العمل، فصلاة الظهر تقع في وقت الراحة، فيزدادون قوة.

    وأما صلاة العصر فيمتحنهم الله بها، فإذا قال المؤذن: الله أكبر! وقف العمل، وأقبلوا على الله واقفين بين يديه، فهذه الطاقة تساوي طاقة الذرة.

    والمغرب والعشاء وقت الراحة، فلا عمل، والمؤمنون في بيوت ربهم يصلون المغرب والعشاء.

    فإقام الصلاة فقط يرفع من قيمة الشعب، ويعلي مكانته، ويحقق له الكمالات، ونحن مع الأسف ما أجبرت دولة رعيتها على إقام الصلاة!

    أخذ الميثاق بإيتاء الزكاة

    أما جباية الزكاة من المواطنين فما استقلت دولة وأمرت بالزكاة أبداً، بل عوضوا عن الزكاة بالضرائب، والفادحة أنك تعجب للضريبة فأحياناً تجدها نصف المال!

    لم ما نطالب بالزكاة ليرضى الله أولاً! وفيها بركة أفضل من الضرائب مليون مرة، لأنها طاعة لله، قالوا: لا .. لا .. لا، ليس هناك زكاة. ومعنى هذا: ما تذكروا الله ولا الإسلام.

    هل وجد في أي بلد رجال تعدهم الحكومة ليأمروا الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر ويمشون في الأسواق .. في المقاهي؟ لا، أبداً. فكيف حال دويلاتنا الإسلامية؟!

    والذي يؤسف له أنه لو ما أوجد الله هذه الدولة على يد عبد العزيز رحمه الله لكنا نُعذر؛ فما عرفنا، لكن والله ما استقل إقليم من إندونيسيا إلى موريتانيا إلا وهو يعرف عن هذه البلاد! وأن الصلاة فيها إجبارية، والزكاة إلزامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له رجال في القرى .. في المدن .. في كل مكان، فلم لا نعمل هكذا؟

    معاشر المستمعين! متى نعود إلى الله فيعود الله إلينا؟ ما وجدنا حيلة إلا هذه، فهيا بنا: إذا مالت الشمس إلى الغروب نأتي إلى بيوت الله بنسائنا وأطفالنا ونبكي بين يدي الله، وسوف يوجد الله تعالى لنا من يعلمنا الكتاب والحكمة وفي أي مكان، فإذا علم الله رغبتنا، ورأى صدقنا فسوف يهيئ لكل قرية من يعلمهم الكتاب والحكمة.

    تولي بني إسرائيل مع أخذ المواثيق والعهود عليهم

    قال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ [البقرة:83] بعد هذا الميثاق في هذه البنود العظيمة رجعتم وراء إلا قليلاً؛ وهذا من حكمة الله، فلا يطلق الحكم العام، إذ يوجد من بني إسرائيل من استقاموا حتى لقوا الله، ولكن العبرة بالأكثرية، فأكثرهم نقض هذه المواد، ورماها وراء ظهره، ومن ثم سلط الله عليهم المحن والرزايا والبلايا، فأذلهم البابليون، وأذلهم الرومان، وفعلوا بهم حتى أصبحوا -والعياذ بالله- أذل الخلق.

    وكذلك المسلمون لما أعرضوا عن هذه العهود وتولوا، كيف أصبحت حالهم؟ أما استعمرتهم بلجيكا .. فرنسا .. إيطاليا .. وهولندا العجوز استعمرت مائة مليون مسلم!

    فما الذي فعل بالمسلمين هذا؟

    الجواب: أعرضوا عن هذه العهود والمواثيق، فتكبروا، وتجاهلوا، وأعرضوا عنها، هكذا إلا القليل، والقليل لا قيمة له؛ لأن الفتنة إذا جاءت عمت، والقليل يدخل الجنة بالبلاء الذي أصابه.

    قال: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:83] كما هي حال المسلمين الآن حيث الإعراض، فليس هناك من يفكر أبداً أن يعود إلى الله، وخاصة المسئولين في العالم الإسلامي، فقد أعطوا عرضهم تماماً ولا التفات إلى هذا الدين!

    سبحان الله! هذه الآيات تنزل في بني إسرائيل لتصبح في يوم من الأيام كأنما نزلت في المسلمين! وهذه هداية القرآن، فالآيات تخاطب اليهود، والقرآن ينزل وهم في المدينة فتكشف الغطاء، وتزيح الستار، وتريهم أسوأ أحوالهم علَّهم يتوبون إلى الله ويرجعون. نعم آمن البعض منهم وأسلم، ودخلوا في رحمة الله، لكن أكثريتهم أعرضت إعراضاً كاملاً.

    وتمضي القرون، وتصاب أمة الإسلام بما أصيبت به أمة بني إسرائيل، وتصبح الآيات منطبقة على المسلمين بالحرف الواحد! فنتلوها فقط من أجل أن نعرف أننا نحن الذين نقضنا هذه العهود ونكثناها: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا .. [البقرة:83] رجعتم عن هذا النور وعن هذه الهداية إلى الظلام والباطل إلا قليلاً منكم، والحال أنكم معرضون؛ لأن الذي تولى إذا كان قلبه ما زال حياً .. ما زال يفكر في العودة .. ما زال يفكر أن يتوب؛ هذا فيه خير، لكن إذا أعرض تماماً فمعناه: لا يعود إلى الحق والصواب أبداً.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما نتلو ونسمع. وصلى الله على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003507225

    عدد مرات الحفظ

    718696293