إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (33)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله وحده، ولا يعبدوا معه غيره، وهذا البند هو أكثر ما أكد عليه القرآن، ومع هذا نجد كثيراً من المسلمين لا يحققونه، ولا أدلّ على ذلك من انتشار الأضرحة، ومظاهر التعبد لغير الله، أما البند الثاني من الميثاق فكان متعلقاً بالإحسان إلى الوالدين، وهذا معنى يشمل كل ما يسمى أحياناً بما في ذلك صلة أهل ودّهم.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:81-83]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    تدسية النفس بكسب الخطايا والسيئات

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81-82]، هذا قضاء الله .. هذا حكم الله، وقد عرفنا -والحمد لله- الآية التي تحمل هذا الحكم الإلهي، وأصبح من الضروريات عندنا معشر أهل هذا الدرس! وهو قول الله تعالى بعد ذلكم الإقسام العظيم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فكن ابن من شئت فإن نسبتك إلى الآباء والأمهات لا تغني عنك شيئاً، وما هو إلا أن تزكي نفسك فتنجو من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أو تدسيها فتذل، وتهون، وتخسر في الدنيا والآخرة.

    أعيد هذا الحكم وتأملوه، وأعيدوه، وتحدثوا به، وبلغوه اليهود والنصارى والمجوس والمشركين؛ إذ الكل عبيد لله، خلقهم ورزقهم، وإليه مصيرهم، أحبوا أم كرهوا، فتَجاهلهم لا يجدي ولا ينفعهم، فهم مخلوقون مربوبون، يجب أن يتعرفوا إلى خالقهم وربهم، وهذا حكمه فيهم بعد أن أقسم تعالى بأعظم إقسام: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]، هذه تسعة أيمان، حتى أقسم بنفسه.

    لكن على ماذا أقسم؟ أقسم على هذا الحكم الذي لا ينقض بحال من الأحوال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: نفسه، فطهرها وطيبها حتى تكون كأرواح أهل الملكوت الأعلى صفاءً وطهراً، وَقَدْ خَابَ خسر مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10].

    وكأنكم تسمعون رسول الله وهو ينادي: ( يا بني فلان! يا بني فلان! أنقذوا أنفسكم من النار )، حتى قال: ( يا فاطمة ! إني لا أغني عنك من الله شيئاً ).

    والآية تبين لنا الآن ما تدسى وتزكى به النفس، فقال تعالى: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81]، تدست نفسه، وخبثت، وتلوثت فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81].

    إذاً: النفس تتدسى وتخبث بالسيئات، وبتلك الأقوال والأعمال والاعتقادات التي حرمها الله، وأودع فيها مادة الخبث، وما من عبد يفعلها إلا وتخبث نفسه، وخالق السم في العقرب والأفعى هو جاعل هذه التدسية في الكذبة يكذبها عبد الله.

    تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح

    بم تزكو النفس؟

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:82]، فبين لنا ما تزكو به النفس، وهو الإيمان والعمل الصالح.

    فسبحان الله العظيم! أبعد هذا نطلب مزيداً؟!

    أيحلف الجبار على أن من زكَّى نفسه فاز، فزحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن دساها فقد خاب وخسر، ونطلب غير ذلك؟!

    بين الله لنا الفوز بقوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وبين التدسية أيضاً ومعنى الخسران فقال: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    تعجيل التوبة من الخطايا

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! إذاً: هذه الآية تخاطب بني إسرائيل .. اليهود الذين كانوا يجادلون رسول الله في المدينة، فلما ادعوا تلك الدعاوى أبطلها الله، وبين أنه لا قيمة للنسب.

    بَلَى [البقرة:81] أي: ليس الأمر كما تدعون، كيف إذاً يا ألله؟! قال: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81]، لأن الخطايا لا تأتي إلا بعد أن تكون خطيئة، فلهذا إذا اقترفت ذنباً فعجِّل بالتوبة وإلا فستتوالى الخطايا، والتوبة تجب على الفور بإجماع هذه الأمة؛ لأنك إذا أذنبت وتساهلت فسوف تتوالى الخطايا، وتحيط بنفسك، وحينئذ يكون قد فُرغ منك، ولن ينفعك شيء.

    قال: فَأُوْلَئِكَ [البقرة:81] البعداء أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، فالنار عالم، وما عالمنا هذا إليه إلا كقطرة ماء في المحيطات الخمسة، واللسان فقط يقول: النار، وكوكب الشمس المضيء؛ الملتهب، الذي هو أكبر من الأرض بمليون أو نصف مليون مرة، لو كان هو النار فلن تملؤه البشرية ولو كانت مثل هذا خمسين مرة، لكن هذا الكوكب سيحترق وينطفي، والنار وراء ذلك.

    التلازم بين الإيمان والعمل الصالح

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:82]، فلولا الإيمان ما عمل عبد الله العمل الصالح، وإياك أن تتصور إيماناً بدون عمل صالح، أو تتصور عملاً صالحاً بدون إيمان، فإنك ما أصبت الحق.

    كيف هذا؟

    إذا وجد الإيمان الحق المطلوب فأنت تجري وتطلب أهل الأرض: دلوني على عمل يحبه ربي .. دلوني على ما يكره مولاي. فلا تستطيع أن تؤمن بالله ولقائه ولا تعمل ما يرضيه، ولا تترك ما يسخطه، هذا مستحيل.

    فالإيمان بمثابة الروح، وإذ حيي العبد أمكنه أن يسمع ويبصر، ويقول ويعمل، لكن قبل الحياة كيف يعمل؟ لا يستطيع.

    فلا تتصورن وجود إيمان حق بدون عمل صالح، إلا لمن آمن ومات مباشرة. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ثم أدركه الموت، فلا اغتسل، ولا صام، ولا صلى.

    أما أن تتصور أن إنساناً أو جاناً يعيش مؤمناً اليوم واليومين .. والعام والعامين ولا يطلب مرضاة ربه بالعمل الصالح، وترك سخطه بالعمل الفاسد، فوالله ما كان ولن يكون، ومن عنده دليل فليأتنا به؟

    فكونك تجد عملاً صالحاً بدون إيمان هذا لا يمكن، ولا يمكن أن يكون العمل -حقيقة- صالحاً وناتجاً عن غير إيمان بالله ولقائه، فلهذا هما مقرونان في كل آيات القرآن: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، حتى إذا ذكر الصالحات أولاً يأتي بالإيمان بعد ذلك: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، أي: والحال أنه مؤمن.

    إذاً: هذه الآية الكريمة تكفينا وتكفي أهل الأرض، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله عن سورة (والعصر): لو ما أنزل الله تعالى إلا هذه السورة لكفت. لأن الله عز وجل أقسم بالعصر، وله أن يحلف بما يشاء. فحلف على أن هذا الإنسان مخلوق في خسر، واستثنى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ...)

    الآن مع هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى وهو يخاطب نبيه فيقول: اذكر لهم، أي: لهؤلاء المتعنتين الخصوم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83]، ومن الذي أخذ ميثاق بني إسرائيل؟ الله.

    ما هو الميثاق؟ الميثاق هو العهد المؤكد بالأيمان .. العهد المغلظ المشدد الموثق بالأيمان، كأن يقول: والله لا أخلف وعدي معك، أو لأفعلن ما قلت، أو لأنهضن بما كلفت.

    قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وبنو إسرائيل -يرحمكم الله- هم اليهود.

    ولم قيل فيهم: بنو إسرائيل؟ ذلك لأن جدهم إسرائيل: عبد الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، هم بنو إسرائيل.

    ومن عجائب الحياة أن هذا النوع من البشر احتفظ بجنسيته، فلا يقبلون من يدخل في دينهم، ولا يدعون الناس إلى دينهم، ومن شك فليسأل أبناءنا وإخواننا الذين لهم الآن خمسة وأربعين سنة مع اليهود، بل من قبل: هل حاولوا أن يدخلوا فلسطينياً في اليهودية؟ أبداً، وقد يعيشون في أوروبا .. في آسيا .. في أفريقيا ولا يدعون أحداً لأن يدخل إلى دينهم، ولا يقبلون من ينتسب إليهم، إلا نادراً ولأغراض سياسية، ولا يقع هذا إلا مرة واحدة في مائة سنة.

    فلهذا يخاطبهم الله بهذا اللقب: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فليس فيهم دخيل، لم هذا؟ لأن علماءهم غشوهم، وأحبارهم ضللوهم بأنهم هم الشعب المختار عند الله .. وأنهم هم أفضل المخلوقين من بني آدم، وهذا كان في أيام الطهر والصفاء، نعم! فضلهم الله على العالمين، وهم عباده، وله أن يفضل من يشاء؛ ففضلهم لما كان فيهم من أنوار الهداية الإلهية، ولما كان في كل بيت منهم يوجد نبي، لكن لما انتكسوا وهبطوا، وقتلوا الأنبياء والعلماء، وحرفوا دين الله لعنهم الله. والمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وهم المغضوب عليهم في سورة الفاتحة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]. ولم غضب عليهم؟ لأنهم حرفوا كلام الله، وأفسدوا دين الله، ونقضوا العهود مع الله، فلعنهم الله، وغضب عليهم.

    ومن يسلك سلوكهم يحل محلهم؛ إذ البشرية كلها جنس واحد، وفي الحديث: ( كلكم لآدم، وآدم من تراب )، ( لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى )، ولم التقوى؟ لأنها تزكي النفس وتطهرها، فالمتقي هو الذي يعمل بمزكيات نفسه ومطهراتها من الإيمان والعمل الصالح، ويعيش يتهرب ويتجنب مدسيات النفس من الشرك والمعاصي، فهذا ولي الله الذي ينزل الملكوت الأعلى، سواء كان أبيض أو أسود.

    أخذ الميثاق من بني إسرائيل

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83]، فما مضمون هذا الميثاق؟ وما هي بنوده ومواده؟

    من الجائز أن تكون الوصايا العشر، والوصايا العشر يعتز بها اليهود اليوم، ومنذ عهد موسى، ولكن اعتزاز المسلمين اليوم ومنذ ألف سنة بالقرآن أكثر، ولكن بلا عمل.

    فاليهود إلى الآن لو تتصلون بهم وتدارسونهم لوجدتهم معتزين اعتزازاً بالوصايا العشر وهي وصايا الرب تعالى، وقد أخذ عليهم فيها العهد والميثاق.

    أما نحن فقد أعطانا الوصايا العشر، وزادنا العشرات بل المئات، فهل أخذنا بتلك الوصايا.

    اسألوا المؤمنين: هل عرفوا هذه الوصايا؟ وأين هذه الوصايا؟

    إنها عشر وصايا تعدل وصايا بني إسرائيل وتفوق بحسب مستوانا وقربنا من ربنا.

    هل تسمعون عن الوصايا العشر؛ لتعرفوا هل أنتم نفذتم الوصايا أو لا؟ أو ليس لكم حاجة؟!

    أعوذ بالله! كيف نأكل ونشرب ونحيا إذاً ونحن لا نعرف هل مرضي عنا أم مسخوط علينا؟!

    وها نحن نقرأ فقط من باب العرض التلفازي، فشاهدوا أنفسكم هل طبقتم هذه الوصايا العشر أو بقيت وصايا ما كملناها، ومن ثم نعزم ونصحح العزم على أن نطبقها؛ إذ هي ليست وصايا من الصعوبة أنها مستحيلة، لا، أبداً، فما كلفنا الله بما نعجز عنه.

    لقد جاء ذكر الوصايا العشر في سورة الأنعام، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم. وسورة الأنعام لما نزلت جملة واحدة زفها سبعون ألف ملك نزلوا معها. وكم طالبنا وصحنا عشرات السنين: هذه السورة يجب أن يفرض حفظها ودراستها في كل معهد .. في كل مدرسة .. في كل كلية في العالم الإسلامي. ومع هذا:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

    بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:151-153].

    لمن هذه الوصايا؟ أليست للمؤمنين المسلمين؟

    كم وصية؟ عشر وصايا.

    كيف حالكم معها؟ نحمد الله، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، إما أن توفي الكيل والميزان أو تطفف.

    والشاهد عندنا: ليس بنو إسرائيل وحدهم أخذت عليهم المواثيق والعهود، بل نحن أكثر منهم، وتقدم لكم أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقد أعطى العهد والميثاق لله أن ينهض بكل تكليف، وأن يترك ويتجنب كل محرم ومنهي عنه، وإلا خان عهده ونقضه.

    أخذ الميثاق بعبادة الله وترك عبادة غيره

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83] بنوده: أولاً: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83].

    أول بند هو ألا يعبدوا إلا الله، وهذا لازم أن يعبدوا الله أولاً، ثم لا يعبدون معه غيره، فليس معناه: لا تشرك فقط، ولا يقال: لا تشرك إلا إذا كنت تعبد، ومعنى هذا: اعبد الله وحده، وهو معنى لا إله إلا الله.

    وهذه هي المادة الأولى أو البند الأول في هذا الميثاق الإلهي، الذي أعطاه بني إسرائيل على عهد موسى.

    وقوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ جملة خبرية معناها الإنشاء، أي: اعبدوا الله وحده.

    فإن قال قائل: يا شيخ! كيف نعبد الله وحده؟

    الجواب: اسأل أهل العلم: بم يعبد الله، وكيف يعبد؟ ولا بد أن تسأل: كيف يُعبد الله، وكيف أعبده؟ ومن لم يسأل لم يعرف، ومن لم يعرف هل يقال فيه: عبدَ الله؟ كيف عبده؟! فلا بد وأن يسأل أهل العلم، والله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فكل من لا يعلم يجب أن يسأل حتى يعلم، وكل من سئل وهو يعلم عليه أن يُعلِّم حتى يعلم السائل ما طلب.

    ومن هنا المفروض أن أمة الإسلام وإن بلغت خمسمائة مليون لا يوجد بينها رجل ولا امرأة جاهل. صح هذا أم كذب؟ هذا هو الواجب، فلا ينبغي أن يعيش من المسلمين رجل أو امرأة العام والعامين والعشرة الأعوام وهو لا يعرف كيف يعبد الله، ولا بم يعبد الله! لأنه مأمور؛ فالله هو القائل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فنسأل أهل الذكر، والذكر هو القرآن: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1].

    هذا إن كنتم لا تعلمون، أما إذا كنت عالماً فلا تسأل، وإنما تهيأ فقط لأن تُسأل فتُعلِّم.

    لكن متى يفيق النائمون؟ ومتى يصحو السكارى بحب المال والدنيا؟ ومتى يصبح العالم الإسلامي نساء ورجالاً كلهم علماء؛ فيعرفون ربهم معرفة تثمر لهم حبه في قلوبهم، فيحبون الله أكثر من أنفسهم، وأموالهم، وأهليهم، وتصفو لهم خشيته في قلوبهم، فيرهبونه، ويرتعدون من ذكره، ثم يطيعونه.

    فإذا أحل لنا الحلوى نأكل: بسم الله .. وإذا حرَّم الدخان والشيشة امتنعنا .. وإذا أمرنا أن نلبس خاتم الفضة لبسناه .. وإذا نهانا عن خاتم الذهب تركناه، وهكذا فعل وترك، والفعل مستطاع وفي قدرة الآدمي إن خلا من علل وأمراض، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    ماذا نقول: هل من عودة؟ نعم، عائدون!

    هل هناك طريق قريب يا أبنائي؟!

    الطريق البعيد هو أحلام الغافلين من أمثالنا كأن يقول: هذا يوم تكون الخلافة! ونحن نعمل على إيجاد الخلافة الإسلامية.

    لكن متى توجد الخلافة؟!

    وإذا وجد الخليفة نكفره، ونرميه بقواصم الظهر حتى لا يطاع، وهذا هو واقعنا.

    أنا قلت غير ما مرة: لو أن عمر رضي الله عنه خرج في هذا المجتمع فلا يستطيع أن يفعل شيئاً أبداً، فالقلوب متفرقة، والأهواء والرغائب متنازعة، والشهوات عارمة، فكيف يجمعهم؟!

    إذاً علينا أولاً: أن نؤمن، وأن نحقق إيماننا بالله ولقائه، فإذا آمنا وحيينا فحينئذ كلف يا عمر ! ومر فإنك تطاع، أما ولا إيمان حق فكيف يكلفنا؟!

    طريق النجاة

    إذاً: ما هي الطريق؟

    أيها المفكرون! يا علماء الإسلام! نبحث عن طريق للخلاص والنجاة، فقد كونا منظمات وجمعيات فما نفع! فما الطريق؟

    وهنا عدنا من حيث بدأنا، فعلينا أن نسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ماذا كان يفعل في مكة وهو محاصر، كان إخوانه مضطهدون يعذبون أمامه، وهو قد منع من المسجد الحرام، فجمع المؤمنين في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وما جمعهم في هذه الدار لأكل البقلاوة، والحلاوة، والرز، واللحم، لا والله، إنما جمعهم ليعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، ويطهرهم من أدران الأوساخ، والشرك، والمعاصي، والذنوب.

    ثم هاجر إلى المدينة النبوية في السنة الثالثة عشرة من البعثة، فنزل بديار عوف بن مالك بقباء، ونزل هناك مع زميله .. مع رفيقه .. مع خليله، وإن قال في الحديث: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن حسبي خلة ربي ). وما مضى عليه أسبوع إلى ثلاثة عشر يوماً حتى بنى مسجد قباء، فبنى المسجد في سبعة أيام أو ثمانية أيام، وبنى هذا المسجد ليجمع المؤمنين والمؤمنات -وهم أقليات- من أجل أن يعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم.

    أصحيح هذا الكلام أم لا؟ والله إنه لصحيح.

    وخرج من دار عوف بن مالك في موكب النور، وبطون وأفخاذ وقبائل الأنصار تقول: عندنا يا رسول الله! هنا النزول .. هنا النزول .. انزل عندنا، فيقول: ( اتركوا القصواء فإنها مأمورة ). فيمسكون بخطامها: انزل! لا .. لا، اتركوها، فتمشي وتمشي، والناس وراءه وأمامه، والدنيا كلها فرح، ولم لا ورسول الله بينهم؟ حتى وصلت إلى تلك الروضة وبركت، فأرادوا أن يقيموها فقال: ( دعوها فإنها مأمورة. هنا يبنى المسجد ).

    ودار أبي أيوب بينه وبين المسجد خمسة أمتار أو ستة.

    وبنى المسجد، فطلب عوناً من ربه، والله كأنكم ترونه وهو يحمل الحجارة على كتفيه، من هو هذا؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يتقاول بتلك الكلمة:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

    والناس يقولون معه؛ حتى يتشجعوا على البناء ومواصلة العمل:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

    وبنى المسجد، وأي مسجد هذا؟ هو هذا الملاصق لحجراته، وبنى بعد ذلك الحجرات، واشترى هذه التربة من يتامى، إلا أن أولياء اليتامى قالوا: لن نأخذ ثمناً، نحن سندفع الثمن.

    ولم بنى المسجد؟ ليجمع المؤمنين والمؤمنات؛ فيعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم.

    وجمعهم أم لا؟ وتعلموا أم لا؟

    والله ما اكتحلت عين الوجود بخريجي مدرسة أو جامعة أو مسجد كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الواحد منهم يزن الدنيا!

    وسأعطيكم نماذج لتعرفوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تخرجوا من المسجد، لا أقل ولا أكثر:

    لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي الخلافة أبو بكر ، وكان يسكن في العوالي، فإذا به يسمع جارية تقول: آه! أبو بكر الآن ولي أمر المسلمين، فمن يحلب لنا؟ نعم كان أبو بكر يحلب لأهل الحي أغنامهم، فقال: لا يا بنيتي! ما زلت أحلب لكم.

    انظروا إذا تجدون في العالم هذا النوع من البشر!

    ونحن يعلق أحدنا خيطاً عسكرياً فيرتفع رأسه في السماء، ولا يعرف شيئاً.

    وأما إذا حصل على مليون ريال فحدث ولا حرج!

    وهذا سلمان الفارسي يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ( سلمان منا آل البيت )، كان أبوه -عليه لعائن الله- هو الذي يوقد نار الشرك، أي: المسئول عن تأجيج النار التي تعبد في بلاد فارس، وهو القيّم على الإله.

    فأنقذ الله هذا الولد بعدما تجرع الغصص، وتذوق آلام الحياة وأتعابها، فما وصل إلى المدينة حتى بيع عبداً مرتين أو ثلاثاً، وهو يتنقل من إقليم إلى إقليم يسأل عن الهدى، فما اطمأنت نفسه إلى عبادة النار، وقد وجد من رجال المسيحية بصراء عقلاء مَن يرشده قائلين: إننا في انتظار نبي آخر الزمان. فيقول: صفوه لي وأعطوني علاماته. حتى قالوا: يوجد في قرية ذات نخيل وسبخة يقال لها: يثرب. فتنقل حتى وصل المدينة بعد عشرين سنة.

    فلما حكم عمر أو أبو بكر ولاه ولاية البصرة، فجاءت قافلة تجارية كبيرة من الشام ودخلت البلاد، فوضعوا أمتعتهم، وأناخوا إبلهم، أو ربطوا بغالهم وحميرهم، فليس هناك سيارات ولا قطارات يومئذ.

    وجاء سلمان وفي يده عصا.

    قالوا: من هذا؟ هذا لا نعرفه. تعال يا حمال.

    قال: ماذا تريدون؟

    قالوا: احمل معنا هذه الأمتعة إلى الفندق. فوالله لقد حمل حقيبتين أو ثلاثاً، واحدة على رأسه، وأخرى بيمينه وأخرى بشماله، ومشى إلى الفندق، فمر بهم بصري: يا جماعة! ويلكم هذا والي المدينة.

    قالوا: الله؟! قال: نعم. فأخذوا: يا والي! لوجه الله سامحنا. قال: اسكتوا، والله لا أضعها حتى أصل إلى الفندق.

    أرأيتم خريجي المسجد النبوي أم لا؟! وحسبنا هذا.

    فإن أردنا أن نصل إلى السماء، وننزل الملكوت الأعلى فهذا هو الطريق، فلا حزبية، ولا تكتلات، ولا تجمعات ولا أحلام، ولا تكفير، ولا عمل، إلا أن نعرف ربنا المعرفة الحقة، فنعرف كيف نعبده، وبماذا نعبده، والطريق يكون في العودة إلى بيوت الله؛ فلا كبر، ولا غطرسة، ولا مال، ولا شرف، بل نجتمع في بيت ربنا في الحي أو القرية، الغني كالفقير، العالم كالجاهل، الذكر كالأنثى، إلا أن النساء وراء الستارة، والفحول أمامهن، وكل ليلة وطول العام ندرس ماذا؟ تاريخ أفلاطون ! وسياسة نابليون ! ندرس قال الله وقال رسوله. وبعد عام .. عامين فقط تتجلى أنوار تتحير لها عقول البشر: كيف استقامت هذه الأمة؟! أين درست؟ ماذا تعلمت؟

    هذا هو الطريق.

    وهل هناك طريق آخر؟

    والله لا أراه، والتجارب كافية، فدعونا، وقد صحنا منذ ستين سنة وما تحركنا، وما زلنا في أماكننا!

    والآن معاشر المستمعين! أنتم في مسجد رسول الله أم لا؟ في دار النبوة أم لا؟ هل تسمعون غير الحق والهدى؟ والله ما كان ولن يكون.

    وإن قلتم: ها نحن مع اليهود، والله يقول لهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83] أولاً: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83] وثلاثة أرباع المسلمين يعبدون الأولياء، فهذا يحلف بهم، وهذا يعكف على قبورهم، وهذا ينذر لهم، وهذا يدعوهم ويستغيث بهم، وإن خَفَّ هذا نوعاً ما لانتشار الدعوة. فثلاثة أرباع المسلمين لا يفكرون في لقاء ربهم، ولا يسألون عن محابه ولا مساخطه، ولا ما هو المصير ولا المنتهى، فهم مشغولون بالطعام والشراب والنساء، وهكذا! فكيف نعود؟

    من جديد نعود إلى المسجد، وكتاب: (المسجد وبيت المسلم) هذه هي الحيلة التي يسرها الله، وأعلناها للمسلمين، وما بلغنا أن قرية أو مدينة أو أهل إقليم في الشرق أو في الغرب عرفوا هذه الحقيقة واجتمعوا على هذا الكتاب إلى الآن!

    لعلي واهم .. لعلي غافل؟!

    وقد يقول قائل: ما هذا؟ وماذا ينفع؟

    تعال أتحداك! هيا نجمع أهل قرية سنة بنسائهم ورجالهم يتعلمون الهدى، ثم ننظر إلى حالهم بعد العام كيف سيكون! فإن وجدت من يقول: فلان زنى اذبحني، أو فلان قتل فلاناً، أو غش فلاناً، أو خدع فلاناً، أو سب أو شتم.

    إنني أتكلم عن علم، والشاهد في نفسي، فقد عشت ستين سنة أو سبعين والله ما ضربت مؤمناً، ولا أخذت ريالاً لمؤمن، ولا شتمت ولا سببت، لم هذا؟ عرفت فقط، وأمثالي بالملايين عرفوا، فالذين ما عرفوا لا يمكن أن تعول عليهم أبداً في أن يستقيموا، مستحيل.

    العلم نور، والعلم روح وحياة، وبدونه لا تأمن جاهلاً أبداً، ومن شك فلينظر أحوال المسلمين حكاماً، ووزراء ومسئولين، وكل دولة فيها عشرات المسئولين في وزارة المال .. وزارة الصحة .. وزارة التعليم .. وزارة كذا وكذا فأين آثار ذلك؟! لأنهم ما هم بأهل .. ما هم بصراء .. ما هم واعون .. ما هم عارفون بالله .. لا يبكون من خشيته .. لا يبيتون يتململون ودموعهم تسيل يطلبون رضا الله. فكيف تعول عليهم؟! وكيف يستقيمون؟!

    مظاهر الإحسان إلى الوالدين

    قال تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] الإحسان إلى الوالدين، ومن سأل: كيف أحسن إلى والدي؟ ومن هم والداي؟ ذكران أو إناث أو أب وأم؟

    الوالدان: الأم والأب، والأم يجوز أن يقال لها: الوالد والوالدة أيضاً، كالحائض، إذ ليس هناك رجل حائض حتى نقول: المرأة حائضة، بل حائض. كذلك هل يوجد رجل يلد من بطنه؟ لا يوجد. إذاً: المرأة نقول فيها: الوالد .. هذه الوالد، بمعنى الوالدة.

    ما هو الإحسان إلى الوالدين؟

    في أربع كلمات:

    أولاً: إيصال الخير إليهما. والخير: الطعام .. الشراب .. الكساء .. السكنى .. المروحة، وكل خير تصل به إليهم.

    ثانياً: كف الأذى عنهما، حتى ولو كان كلمة غضب: أف! فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، ومنع الأذى تماماً حتى كلمة تحدث المساءة في نفسيهما لا تقال.

    ثالثاً: طاعتهما في المعروف، فإذا قالت أمك: طلق هذه لا تصلح عندنا، طلقها، لم؟ لأن إبراهيم عليه السلام قال لإسماعيل: غير عتبة بابك. فغير أم لا؟ وذلك عندما جاء إبراهيم من الشام؛ من القدس يتعهد تركة ولده إسماعيل في الوادي الأمين، وقد تزوج جرهمية، إذ نزلت هذه القبيلة عندهم، فجاء فسأل: أين بعلك؟ أين زوجك؟ قالت: ذهب يطلب لنا الرزق. قال: من أين؟ قالت: يصيد غزالاً .. أرنباً. إذ ليس عندهم إلا اللحم والماء فقط، فلا يوجد لديهم عنب أو فاكهة أو خبز. وإلى الآن يقول أهل العلم: يستطيع أهل مكة أن يعيشوا على اللحم والماء، ولا يستطيع أي شعب أو بلد أن يعيش على هذا!

    فقال: كيف حالكم؟ قالت: إننا في بؤس .. إننا في شقاء .. إننا في كذا.

    قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه!

    فجاء إسماعيل بعد يوم أو يومين من الصحارى وهو يحمل الغزلان والضباء: السلام عليكم! قالت: وعليكم السلام. قال: هل زارنا أحد؟ فراسة .. تباشير النبوة. قالت: نعم. قال: ماذا قال؟ قالت: يقرئك السلام ويقول لك: كذا وكذا، قال: ذاك أبي، وقد أمرني بفراقك، الحقي بأهلك! فطلقها أم لا؟!

    ثم غاب عاماً آخر، وجاء إبراهيم زائراً فقال: السلام عليكم، كيف الحال؟ قالت: إننا في خير .. إننا في نعمة .. في فضل الله .. في رحمة الله .. في بيت الله.

    إي! هذه خلاف الزوجة الأولى، الأولى كأنها خريجة جامعة تريد الوظيفة والمال.

    قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له يثبت عتبة بابه. أي: يركزها.

    ثم جاء إسماعيل فقال: هل زارنا أحد؟ قالت: نعم. ماذا قال؟ يقول: كذا وكذا. قال: ذاك أبي، وقد أمرني بأن أثبتك في البيت. لتنجب بعد ذلك عدنان أبا سيد المرسلين.

    هذا درس علمي لا تجده في جامعات الدنيا.

    فنقول: إذا كان أبوك صالحاً وأمك صالحة وقالا: طلق هذه، فيجب أن تطلق؛ لأنهما عرفا عنها، فلا تصلح لك، ولئلا تنجب لك الأولاد.

    أما إذا كان الأبوان كما نحن عليه الآن أهل أهواء، ودنيا، وشهوات، وغيرة، وحسد فلا تطعهما، فإن قالا: طلق. فلا تطلق، قل: هي امرأة مؤمنة، تقية، صالحة، متحجبة فلم أطلقها؟

    وهذه النقطة خير من خمسين كيلو غرام ذهب لمن يعلم، ويعي، ويحفظ.

    إذاً: ثالثاً: طاعتهما في المعروف، وهو ما عرفه الشرع من عبادات وطاعات .. من خير وإحسان، أما إن أمرا بمنكر فـ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).

    قالت أمك: لا تصلِّ فهل تطيعها؟! قالت: لا بد أن تشرب الحشيش؟!

    فوالله لا طاعة لها: ( إنما الطاعة في المعروف )، والقرآن يصرح بهذا: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15].

    رابعاً: صلة من تربطهم بك رحم واحدة، فالذين يرتبطون مع أمك أو أبيك برحم تصل الجميع.

    خامساً: أن تصل من كان صديقاً لأبيك أو أمك، فمن كانت لأمك صديقة ثم ماتت أمك، فزرتها فوجدتها، فينبغي أن تحسن إليها وتكرمها؛ لأنها صديقة أمك. وجدت أن فلاناً كان صديقاً لأبيك رحمة الله عليه، فتحبه وتكرمه، وتبجله، وتعظمه؛ لأنه كان صديقاً لوالدك.

    وانظر إلى هذا المنظر: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجع من مكة حاجاً؛ وقد كان يغزو عاماً ويحج عاماً، هكذا ثلاثين أو أربعين سنة، فنام في الطريق وإذا بأعرابي يقول: يا مؤمن! أعطني شيئاً. فنظر إليه وقال: من أنت؟ قال: أنا ابن فلان صديق عمر . فأعطاه عمامة كان يربط بها رأسه في الليل، وأعطاه حماراً كان يروح عليه، أي: يركب الجمل ساعتين وثلاثاً ثم يخفف عليه فيركب الحمار، فأعطاه العمامة والحمار، فجاء مولاه نافع : يا سيدي! كيف تفعل هذا؟ هذا أعرابي تكفيه حفنة من تمر أو قرص عيش، فكيف تعطيه عمامتك؟! قال: يا نافع ! هذا والده كان صديقاً لـعمر . وفي الحديث: ( من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ).

    وكل هذا لتتماسك الأسر والعائلات والسكان، ويصبحوا كالجسد الواحد.

    معاشر المستمعين! حسبنا ما سمعنا. والله نسأل أن يوفقنا للعمل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.