إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (30)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القلوب لحمة رطبة، لكنها إذا قست غدت أقسى من الحجر، فكم من عيون ماء نبعت، وأنهار جرت من بين ثنايا صخور صماء، أما القلوب القاسية -يا ويحها- لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، جافة قاحلة، وهكذا كانت قلوب بني إسرائيل، قلوباً سوداء مظلمة، محرّفة لكلام الله وآياته، تنكر الضوء إذا داعبتها خيوطه، ولهذا كان الطمع في إيمانها بعيداً.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:74-75] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:74] من المخاطب بهذا؟ إنهم بنو إسرائيل .. إنهم اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم بل وساكنوه في هذه المدينة.

    فهذه الآيات تكشف الغطاء، وتزيح الستار عن أمراض تلك الأمة وعللها، وأسقامها، وأوجاعها؛ إذ كما بلغنا وسمعنا، وفهمنا أن ابن أخ قتل عمه ليرثه، ثم أخذوا الجثة ووضعوها في حي قبيلة أخرى، ثم صاحوا: قتل شيخنا .. قتل أبونا، من قتله؟ هو في الحي الفلاني.

    فأوحى الله تبارك وتعالى إلى نبيه موسى عليه السلام أن يأمرهم بذبح بقرة، فإذا ذبحوها جاءوا بعظم منها كرجل أو لسان أو أي جزء، وضربوا القتيل به فإنه يحيا بإذن الله، وينطق، ويخبر عن قاتله.

    وقد أشرنا إلى أنهم كانوا يدفعون إلى هذا دفعاً، فلمَّا أخبرهم أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة قالوا تلك الكلمة البشعة التي هي كفر، وهي كونهم يقولون لرسول الله: أتسخر منا؟ أتستهزئ بنا؟ وقد عرفنا أن الاستهزاء والسخرية محرمان على المؤمنين، فلا يجوز أن يسخر مؤمن بمؤمن، ولا يستهزئ مؤمن بآخر، واقرءوا قول الله تعالى من سورة الحجرات المدنية لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11].

    ثم لما أمرهم ورد فريتهم وباطلهم، وعزموا على أن يذبحوا البقرة قالوا: ما لونها؟ ما هي؟ أخذوا يشددون على أنفسهم؛ ولعل هذا من أجل التهرب من القضية؛ وخشية أن يفتضح أمرهم بين الناس؛ لأن الذين طالبوا بالقتل هم الذين قتلوا عمهم أو أخاهم، فخافوا أن يفضحوا، فقالوا: ما هي؟ فقال: إنها كذا وكذا، لا فارض ولا بكر؛ عوان أي: نصف بين ذلك، ثم زادوا فقالوا: ادع لنا ربك ليبين لنا ما لونها: صفراء .. سوداء .. بيضاء؟ قال: إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69]، وهكذا حتى ساقهم القدر إلى تلك العِجْلَة التي هي نتيجة دعوة الرجل المؤمن الصالح، ليرزق الله ولده بمال ما كان يحلم به، إذ ساوموه بالألف والألفين، ولم يبعهم إلا بملء مسكها ذهباً، واشتروها.

    وعرفنا أنهم قالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:70] فنفعهم الاستثناء، ولو لم يقولوا: إن شاء الله ما كانوا يصلون إلى نتيجة. وذبحوها وجاءوا بقطعة منها وضربوا الميت، فقام تشخب عروقه بالدماء كأنه الآن سقط، وهو يقول: قتلني فلان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ...)

    هذه الحادثة حادثة جُلَّى وعظيمة، فهذا ميت مضى عليه كذا يوم، ثم يحيا حياة كاملة، وينطق ويقول: قتلني فلان، ثم يموت مرة أخرى! حقيقة الذين شاهدوا هذه الواقعة لانت قلوبهم .. خجلوا .. رجعوا إلى الصواب .. عادوا إلى الحق، لكن ما هي إلا فترة، فما إن مات أولئك الذين شاهدوا الحادثة وإذ قلوب أبنائهم وأحفادهم تقسو، بدليل قوله تعال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة:74]، وهو يخاطب بني إسرائيل الأموات والأحياء؛ لأن الأحياء متشددون، متمسكون بعقيدة أسلافهم ونحلتهم وما هم عليه، فأصبحوا كأنهم مجتمعون والقرآن ينزل على الجميع، ويخاطب الحاضرين، والغائبين، والميتين.

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ في قساوتها كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74] والقلب قطعة لحم، وقساوته ليست في تلك اللحمة، قساوته فيما يرتكب صاحبه، فالذي يذبح عمه أو أخاه هل في قلبه رقة أو لين؟ هذا أشد من الحجارة، والذي يشاهد هذه الآيات عياناً ثم يفسق ويفجر، بل ويكفر هل في قلبه لين أو رقة؟! قلبه كالحجر.

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74] بل أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] من الحجارة، و(أو) هنا بمعنى بل.

    ثم بين تعالى أن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، صخور في الجبال تتفجر منها الأنهار وتتدفق، ومنها ما يخرج منه الماء ينابيع، وأما قلوب هؤلاء فلا رحمة، ولا عطف، ولا رقة، ولا.. ولا.. ولا.. العجب العجاب.

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ [البقرة:74] كم من عيون تفجرت من الصخور الجبلية، ومنها ما ينبع منه الماء الرقيق العذب القليل.

    وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74] وحادثة الجبل الذي ارتفع فوقهم كأنه ظلة، كيف ارتفع؟ ارتفع لأن الله أمره فأطاعه وخضع وذل لأمر الجبار فارتفع، وفوق ذلك لما سأل موسى ربه أن يريه وجهه الكريم فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] فهذا الجبل تجلى له الرحمن عز وجل فصار دكاً، أي: ذاب ذوباناً، وأصبح هباءً.

    وعندنا جبل أحد لما علاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أبو بكر وعمر وعثمان ماد تحته واضطرب، فقال: ( اسكن أحد؛ ما عليك إلا نبي وصدِّيق وشهيدان ) الصديق هو أبو بكر ، والشهيدان هما عمر وعثمان ، وهل ماتا في ساحة القتال؟ أين مات عمر وعثمان ؟ في المدينة، عمر في المسجد وعثمان قريباً من المسجد، لكنهما شهيدان أو لا؟ فمن الشهادة ما تكون في ساحة القتال، وإن من سأل الله تعالى الشهادة بحق أعطيها ولو مات على فراشه.

    ثم قال تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] هذا توبيخ .. تأديب .. تحريك لقلوبهم .. فكشف النقاب عن صنائعهم المدمرة؛ المخربة، ومؤامراتهم اليهودية المنتنة؛ إذ حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، ولكن الله أذلهم وأخزاهم، فقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] معناه حيثما تحركتم للكيد والمكر برسولنا والمؤمنين فنحن على علم بما تحدثونه وما ترتكبونه، إذاً فخافوا الله.

    وانتهت هذه القصة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ...)

    قال تعالى يخاطب رسوله والمؤمنين: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] الذي نعلمه، ويعلمه المسلمون أن الصحابة وخاصة المهاجرين مثل أبي بكر وعمر ومن إليهم كانوا يطمعون -حقيقة- في أن اليهود سيدخلون في الإسلام، بل كانوا يرجون رجاء أن اليهود سوف يدخلون في الإسلام، لم؟ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله .. يؤمنون بلقائه .. يؤمنون بالوحي الإلهي .. يؤمنون بالتشريع الإلهي، فهم موحدون قبل كل شيء، وليسوا بمشركين، فما المانع أن يدخلوا في الإسلام جماعات؟!

    هذا الطمع كان بالفعل، ولو لم يكن كيف يخبر تعالى عن شيء ما كان؟! أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] أي: يتابعوكم على دينكم الإسلامي.

    وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75]. ولنعد إلى الوراء، فقد كانوا يسمعون كلام الله ويحرفونه، فلما رفع الجبل فوق رءوسهم وسجدوا تلك السجدة ما التزموا، وما إن رفع الجبل عنهم عادوا وحرفوا ما سمعوا، فهم يحرفون الكلام من بعد ما سمعوه، وهم يعلمون أنهم محرفون.

    وهذا تسجيل إلهي على اليهود، فإنهم أهل مكر، وأهل تحريف وتضليل، فصفات النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته بين أيديهم، فيحرفون الصفة، ويحرفون صاحبها.

    ولما يحتج عليهم إخوانهم: أليس هذا هو النبي المنتظر؟ يقولون: لا، ما زال لم يأت، ليس هذا، ذاك أزرق العينين .. طويل القامة .. سبط الشعر، فيحرفون صفات الرسول لأولادهم ونسائهم ويقولون: هذا لم يأت، وما خرج بعد.

    ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] أنهم محتالون يحرفون الكلم لأجل الحفاظ على حياتهم المادية الهابطة.

    وقد قررنا غير ما مرة أن تفكيرهم في إعادة مملكتهم التي كانت على عهد سليمان عليه السلام، وأنهم سادة أهل الأرض، وأنهم وأنهم ..، فهذا الذي جعلهم لا يمتزجون بأية أمة، وبقوا مستقلين إلى الآن استقلالاً بدنياً كاملاً.

    هكذا يقول تعالى لرسوله والمؤمنين، فيخفف عنهم ما في نفوسهم من تلك الرغبة التي كانت تدفعهم إلى أن يقول اليهود ما يقولون، قال لهم: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] بمعنى: يتابعوكم إلى أن يؤمنوا بكم، ويؤمنوا لكم أي: يتابعوكم على دينكم الإسلامي.

    وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:75] وما زال يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ...)

    قال تعالى بعد ذلك: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:76] هؤلاء منافقوهم؛ إذ كان من اليهود بالمدينة منافقون أعلنوا عن إسلامهم، ويجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلون معه وهم كافرون؛ فقط من أجل التغطية، والتدليس، والتعمية، وللحفاظ على وجودهم، وعلى أموالهم وديارهم.

    فكان بينهم منافقون، وتقدم في أول السورة بيان نفاقهم.

    هؤلاء وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:76]، نحن وإياكم على دين حق .. ملة إبراهيم .. التوحيد، وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [البقرة:76] وجلسوا في سقائفهم .. في دورهم .. في مجالسهم أنكر بعضهم على بعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] لأنهم يقولون: والله إن هذا هو النبي، وهذه صفته .. هذه قامته .. هذا لونه .. هذا شعره .. هذا هو .. هذا هو، ويتلون عليهم صفات التوراة، فهذا يقولونه للمؤمنين لما يكونون بينهم وهم أقلية، فإذا خلوا في دورهم ومجالسهم يأخذون في اللوم والعتاب، ويقول بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] من العلم والمعرفة، وتؤكدون صفات النبي، وأنه هو النبي المنتظر، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76].

    والمعروف في عقيدة اليهود أنهم يصفون الله عز وجل بصفات النقص، منها أنه يعطي ويندم .. منها أنه ينسى. فهي صفات لا تليق بجناب الله عز وجل، وهي من صفات المحدثين والخلق، فانظر كيف قالوا: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76] يوم القيامة، فيغلبوكم؛ لأنهم سيقولون: يا رب! هؤلاء أخبرونا أن الإسلام دين حق، وأن محمداً رسول الله، وهؤلاء أنكروا هذا ..

    فاليهود فيهم أيضاً سذاجة وبساطة تفكير؛ وهذا ناتج عن الجهل، فما هم بالعلماء كما سيأتي، بل هم أميون، فيتصورون هذا التصور، ويرون أنهم ليس من حقهم أن يخبروا المؤمنين بأن هذا الدين الحق، وأن هذا النبي المنتظر، فتقوم الحجة يوم القيامة عليهم، فيقولون: لا، اجحدوا. ظناً منهم أنهم إذا جحدوا وما تكلموا أن هذا يخفى على الله عز وجل، ويحاجهم المسلمون يوم القيامة ويغلبونهم. فهذه سذاجة، وهي موجودة إلى الآن، وهي نتيجة عن الجهل المركب.

    واسمع ماذا قالوا، وما أخبر تعالى عنهم، قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي: الصادقين المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالُوا آمَنَّا هذا هو الدين الحق .. هذا الذي كنا ننتظره، ونستفتح به على الأمم، وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أي: في مجالسهم الخاصة قالوا: كيف تفعلون هذا؟ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: بما علمكم الله، وأعطاكم من علم التوراة، فتخبروهم بتلك النعوت والصفات، فتزيدون في إيمانهم، وتقوية معتقدهم لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76]؟ أين يُذهب بعقولكم؟

    هذا الكلام السري في خلواتهم، ولكن العليم الخبير أنزله قرآناً يقرأ، فيسمعه المسلمون واليهود وغيرهم؛ لأن الله علّام الغيوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ...)

    قال تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ [البقرة:77] أيقفون هذا الموقف، ويتكلمون بهذا الكلام، ويعتقدون هذا الاعتقاد الباطل أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77] كيف يخفى على الله هذا؟

    فهذه الآية تدل حقيقة على أنهم كانوا يجهلون صفات الله الحقة، وينسبون إليه ما هو من صفات المخلوقين من التردد، والعجز، والنسيان، وما إلى ذلك أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ...)

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] وهذا الذي كشف النقاب عن الحقيقة.

    وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ الأمي: المنسوب إلى أمه، فما درس، ولا تعلم، ولا قرأ، لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ أي: التوراة إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] إلا قراءة.

    وهذا الذي يعنيه الله عز وجل ويورده مع اليهود حصل لنا، فتدخل المسجد يوم الجمعة في العالم الإسلامي، تجد أمة تقرأ القرآن، والمصاحف بأيديها تتلو، ولا يعرفون من كلام الله شيئاً، ولا يعرفون إلا القراءة، بل وتجد من حفظة القرآن ملايين؛ يحفظون من البقرة إلى الناس -كما يقولون- عن ظهر قلب، ولا يفقهون منه شيئاً، وما لهم إلا التلاوة، والذي عاش عليه بنو إسرائيل انتقل إلينا، كما استعرضنا مواقف كثيرة، نحن وإياهم سواء، لم؟ لأننا بشر، فلسنا جنساً يخالفهم، ولا هم بجنس يخالفنا، فإن أقبلنا على الله عز وجل، واجتمعنا على أهل العلم، وتعلمنا ارتفعنا وسمونا، وعرفنا، واتقينا الله، فإن أعرضنا، وأعرض الله عنا هبطنا كغيرنا.

    اسمع هذا النعي الإلهي وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] أي: إلا قراءة.

    قال:

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

    تلا: بمعنى قرأ.

    إذاً: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ أي: التوراة إِلَّا أَمَانِيَّ.

    وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] فمعلوماتهم، ومعارفهم، وما عندهم لم تتجاوز حد الظن، فلا يقين أبداً، ولا بصيرة.

    والآن حال المسلمين! أكثر ما عندهم ما هو إلا الظن، فلو كانت يقينيات لأقاموا دعوة الله، ولنصروا دينه، وأقاموا شريعته، ومن معايب الجهل أنه يفقد اليقين، فإذا علم حصل اليقين بعد العلم، فإذا كان جاهلاً كيف يوقن؟! أدنى هزة تفضحه.

    وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] أي: ما هم إلا يقولون بالظن، يظنون فقط، واليقينيات لا وجود لها، وعلة ذلك: أنه مرت عليهم فترات طويلة انعدم فيها العلم.

    وفي سورة الحديد يقول تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] قالت الصحابة: ما هي إلا سنيات واستبطأ الله قلوبنا، فنزلت هذه الآية: أَلَمْ يَأْنِ يحن الوقت لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] في كتاب الله وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    ونحن ما بين الرسول إلى اليوم ألف وأربعمائة سنة، فأيما أهل بلد أو إقليم أو دار نسوا ذكر الله، وتركوا معرفة الله، لا بد وأن يقع لهم ما وقع لغيرهم، فتقسو القلوب وتتحجر، وإذا قست القلوب من يرحم؟ من يرهب الله ويخافه؟ من يطمع فيما عند الله؟!

    ويأتي بعد ذلك الفسق، وهو الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    دواء قساوة القلوب

    معاشر المستمعين! قساوة القلوب وضع لها الرحمن دواء نافعاً، ومما يقضي على قساوة القلب: ذكر الموت والدار الآخرة، حتى إن بعض السلف كان يأتي إلى المقبرة ويجلس الساعات، ويتفكر في مصير إخوانه ومصيره الذي لا بد وأن يلحق بهم، فيرجع من المقبرة وقلبه رقيق ليّن كالزبدة، واقرءوا قول الله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] أي: الدار الآخرة، فذكر مجموعة من أوليائه، وصالحي عباده وقال: أخلصناهم بخصوصية هي ذكرى الدار الآخرة.

    والشاهد من الحديث: ذكر الموت، ومن لم يتعظ بالموت فلا وعظه الله، وكفى بالموت واعظاً، فإذا ذكر الإنسان مصيره ومآله، وما ينتهى إليه شأنه وأمره يرق قلبه.

    ثانياً: قراءة القرآن بالتدبر والتفكر ومراجعة الآيات، فهذا من شأنه أن يرقق القلب.

    ثالثاً: الجلوس مع الفقراء والمساكين والنظر في أحوالهم، وهذا من شأنه أن يرقق القلب.

    أما الغفلة عن الدار الآخرة ونسيان الموت، والبعد عن الفقراء والمساكين، والعيش في الرفاهية وفي جماعات الثراء والغنى، فهذه عوامل تقسي قلب العبد، ومن قسا قلبه لا يرحم نفسه، فضلاً عن غيره.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها ...) من كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    قال: [ شرح الكلمات:

    ((نَفْساً)): نفس الرجل الذي قتله وارثه استعجالاً للإرث.

    ((فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا)): تدافعتم أمر قتلها كل قبيل يقول: قتلها القبيل الآخر.

    ((مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)): من أمر القاتل ستراً عليه دفعاً للعقوبة والفضيحة.

    ((بِبَعْضِهَا)): ببعض أجزاء البقرة كلسانها أو رجلها مثلاً ].

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: يقول تعالى لليهود موبخاً لهم اذكروا إذ قتل أحد أسلافكم قريبه ليرثه، فاختصم في شأن القتل، كل جماعة تنفي أن يكون القاتل منها، والحال أن الله تعالى مظهر ما تكتمونه لا محالة؛ إحقاقاً للحق وفضيحة للقاتلين، فأمركم أن تضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة، فيحيا ويخبر عن قاتله، ففعلتم وأحيا الله القتيل، وأخبر بقاتله، فقتل به ] قصاصاً [ فأراكم الله تعالى بهذه القصة آية من آياته الدالة على حلمه وعلمه وقدرته، وكان المفروض أن تعقلوا عن الله آياته فتكملوا في إيمانكم وأخلاقكم وطاعتكم، ولكن بدل هذا قست قلوبكم وتحجرت وأصبحت أشد قساوة من الحجارة؛ فهي لا ترق، ولا تلين، ولا تخشع على عكس الحجارة، إذ منها ما تتفجر منه العيون، ومنها ما يلين فيهبط من خشية الله؛ كما اندك جبل الطور لما تجلى له الرب تعالى، وكما أضطرب أُحد تحت قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم توعدكم الرب تعالى بأنه ليس بغافل عما تعملون من الذنوب والآثام، وسيجزيكم به جزاء عادلاً إن لم تتوبوا إليه وتنيبوا].

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: صدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتقريرها أمام اليهود؛ إذ يخبرهم بأمور جرت لأسلافهم لم يكن يعلمها غيرهم، وذلك إقامة للحجة عليهم ]. فما كان العرب يعرفون هذه الحادثة أبداً ولا غيرهم، ولا يعرفها إلا اليهود الموجودة في كتبهم، فيخبر بها النبي؛ إذاً هو رسول الله.

    قال: [ ثانياً: الكشف عن نفسيات اليهود وأنهم يتوارثون الرعونات والمكر والخداع ]. والله العظيم إلى الآن يتوارثون؛ الكبير يورث الصغير، والصغير يرث عن الكبير الرعونات والخداع والمكر.

    قال: [ ثالثاً: اليهود من أقسى البشر قلوباً إلى اليوم، إذ كل عام يرمون البشرية بقاصمة الظهر وهم ضاحكون ]. الحروب التي دارت في قروننا هذه ما وجدت حرب إلا وأصابع اليهود هم الذين أشعلوا نارها، لا الحرب الأولى ولا الثانية ولا الثالثة ولا المنتظرة، والعلة عرفناها؛ لأنهم يرون البشرية نجس، وأنهم هم الشعب المختار، وأن السيادة والحكم لن تكون إلا لهم.

    قال: [رابعاً: من علامات الشقاء قساوة القلوب، وفي الحديث: ( من لا يَرحم لا يُرحم )].

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ...) من كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    قال: [ شرح الكلمات:

    ((أَفَتَطْمَعُونَ)): الهمزة للإنكار الاستبعادي، والطمع: تعلق النفس بالشيء رغبة فيه.

    ((يُؤْمِنُوا لَكُمْ)): يتابعونكم على دينكم الإسلام.

    ((كَلامَ اللَّهِ)): في كتبه؛ كالتوراة والإنجيل والقرآن.

    ((يُحَرِّفُونَهُ)): التحريف: الميل بالكلام على وجه لا يدل على معناه، كما قالوا في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم في التوراة: أكحل العينين .. ربعة .. جعد الشعر .. حسن الوجه، قالوا في التحريف: طويل .. أزرق العينين .. سبط الشعر ] حرفوا الكلمات.

    قال: [ ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا)): إذا لقي منافقو اليهود المؤمنين قالوا: آمنا بنبيكم ودينكم.

    ((أَتُحَدِّثُونَهُمْ)): الهمزة: للاستفهام الإنكاري ] لا ينبغي هذا [ وتحديثهم إخبار المؤمنين بنعوت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة.

    ((بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)): إذا خلا منافقو اليهود برؤسائهم أنكروا عليهم إخبارهم المؤمنين بنعوت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهو مما فتح الله به عليهم ولم يعلمه غيرهم] من الأمم.

    قال: [((لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ)): يقولون لهم: لا تخبروا المؤمنين بما خصكم الله به من العلم حتى لا يحتجوا عليكم به، فيغلبوكم وتقوم الحجة عليكم فيعذبكم الله.

    ((أُمِّيُّونَ)): الأمي: المنسوب إلى أمه، كأنه ما زال في حجر أمه لم يفارقه، فلذا هو لم يتعلم الكتابة والقراءة] فهو أمي.

    قال: [ ((أَمَانِيَّ)): الأماني: جمع أمنية، وهي إما ما يتمناه المرء في نفسه من شيء يريد الحصول عليه، وإما القراءة من تمنى الكتاب إذا قرأه ]. أماني إما من الأمنيات أو من القراءة.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: ينكر تعالى على المؤمنين طمعهم في إيمان اليهود لهم بنبيهم ودينهم، ويذكر وجه استبعاده بما عرف به اليهود سلفاً وخلفاً من الغش والاحتيال بتحريف الكلام وتبديله، تعمية وتضليلاً حتى لا يُهتدى إلى وجه الحق فيه، ومن كان هذا حاله يبعد جداً تخلصه من النفاق والكذب وكتمان الحق ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)) وهم كاذبون، وإذا خلا بعضهم ببعض أنكروا على أنفسهم ما فاه به بعضهم للمسلمين من صدق نبوة الرسول وصحة دينه، متعللين بأن مثل هذا الاعتراف يؤدي إلى احتجاج المسلمين به عليهم وغلبهم في الحجة.

    وسبحان الله! كيف فسد ذوق القوم وساء فهمهم حتى ظنوا أن ما يخفونه يمكن إخفاؤه على الله، قال تعالى في التنديد بهذا الموقف الشائن: ((أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)).

    ومن جهل بعضهم بما في التوراة وعدم العلم بما فيها من الحق والهدى والنور ما دل عليه قوله تعالى: ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ)) أي: إلا مجرد قراءة فقط، أما إدراك المعاني الموجبة لمعرفة الحق والإيمان به واتباعه فليس لهم فيها نصيب، وما يقولونه ويتفوهون به لم يعد الخرص والظن الكاذب].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: إن أبعد الناس عن قبول الحق والإذعان له اليهود ] واحلف على هذا ولا تتردد؛ إن أبعد الناس عن قبول الحق والإذعان له في العالم اليهود.

    قال: [ ثانياً: قبح إنكار الحق بعد معرفته ] ما أقبح حال المرء عندما يعرف الحق وينكره، وهذا طبع اليهود، يعرفون أنه الحق ولا يقبلونه، ويصرحون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الإسلام هو دين إبراهيم، ومع هذا ينكرون ويكذبون.

    قال: [ ثالثاً: قبح الجهل بالله وبصفاته العلا وأسمائه الحسنى ] ومن أين أخذنا هذا؟ لأنهم يقولون: إن أنتم أخبرتموهم بنعوت محمد ولم تؤمنوا، يحتجون عليكم يوم القيامة، ويقولون: يا ألله! أخبرونا بأن النبي محمد نبي الحق، ودينه الدين الحق، ولم يؤمنوا! وهذا من ضعف عقولهم، أو من فساد إيمانهم؛ إذ يجعلون بعض الصفات البشرية للخالق كالعجز والنسيان والتردد والغفلة .. وما إلى ذلك.

    وهل المسلمون يعرفون صفات الله وأسماءه؟

    الجواب: ثلاثة أرباع لا يعرفون، لم لا يعرفون؟ لأنهم ما طلبوا .. ما قرعوا باب العلم وحرموه .. ما جلسوا بين يدي المعلمين والمربين. إن قرى بالآلاف .. بالملايين لا تجد فيها عالماً، فمن يعلمهم؟

    الآن نحن في المملكة أحسن حالاً من غيرنا، والله يوجد ناس وقرى لا يعرفون أسماء الله.

    الآن نشتكي ونبكي؛ لأن العلم هذا ما يأتي بالوراثة كالطبائع والغرائز، يأتي بالتعلم، وقد قرر هذا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إنما العلم بالتعلم )، ( ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، نرد على الرسول نقول: لا، لا العلم ليس بالتعلم! كيف يأتي! ( إنما العلم بالتعلم، وإنما الفقه بالتفقه )، ( ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).

    قال: [ رابعاً: ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانيه ] وقد قلت لكم: تدخل مساجدنا في الشرق والغرب يوم الجمعة وهذه ظاهرة: تجد الناس بأيديهم المصاحف، يقرءون بأصوات، ولا (5%) يفهمون ما يقرءون، لماذا؟ لأنهم ما تعلموا .. ما سألوا، فلهذا هذا يصدق علينا بالحرف الواحد، ومنا أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] إذا لاح له معنى في آية ما هو يقيني أبداً، ظناً منه أن مراد الآية كذا أو كذا.

    والذي يقرأ وهو لا يفهم يعطى أجر القراءة أو ما يعطى؟ يعطى، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

    إذا كان قرأ، فلوجود القراءة يُعطى الأجر، لكن هل هو عالم لما يقرأ؟ ما هو بعالم، فلهذا يخرج من المسجد ويكذب.

    وعلى كل حال أنا أقول: الحرف بعشر حسنات سواء كنت عالماً أو غير عالم، فالذي يقرأ الم ألف حرف، لام حرف، ميم حرف .. كل حرف بعشر حسنات، وكونه عالماً بالمعنى، وعاملاً بما دل عليه: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    قال: [ رابعاً: ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانيه فضلاً عن معرفة حكمه وأسراره، وواقع أكثر المسلمين اليوم شاهد على هذا، فإن حفظة القرآن منهم من لا يعرفون معانيه فضلاً عن غير الحافظين له ].

    ما هو السبب؟ مشغولون بالدنيا، فتنتنا هي هذه الحياة، ثم ما وجدنا من يوجهنا أو يرشدنا، فعشنا كالبهائم سارحين بالمسارح، وإلا فإن الدنيا لا تتنافى مع طلب العلم أبداً.

    من المغرب إلى العشاء ليس هناك عمل، غربت الشمس: الفلاح وضع المسحاة من على كتفه، والصانع وضع الحديد من يده، والتاجر أغلق باب تجارته، أين يذهب المؤمنون والمؤمنات؟ إلى بيوت ربهم. فمن المغرب إلى العشاء طول الدهر ما هو عام فقط، طول حياتنا، والله لا يبقى بيننا جاهل ولا جاهلة، ولا فرق بين المدينة والقرية، فالكل على حد سواء، لكن صرفونا وما انتبهنا، أسكرونا وما صحونا، وما عرفنا أن الجهل الذي أصابنا هو الذي قعد بنا، وهو الذي سلط علينا هذه المصائب والويلات والنكبات، وهو الذي حال بيننا وبين تحقيق ولاية الله عز وجل.

    فلهذا أكرر: إن أراد أهل قرية أو أهل حي في مدينة في العالم الإسلامي أن يحققوا ولاية الله لهم، وأن تزول مظاهر العجز، والضعف، والفقر، والخبث، والشر، والفساد، فالطريق الوحيد أن يرجعوا إلى الله كما رجع رسول الله وأصحابه، ويتعهدوا ملتزمين في صدق ألا يتخلف رجل ولا امرأة كل ليلة ما بين المغرب والعشاء في جامعنا، إلا إذا وجد عذر كمرض أو ما إلى ذلك، وكل ليلة نتعلم العلم ونعمل، فما تمضي سنوات إلا ولا يوجد في القرية ولا المدينة جاهل. ومن غير هذا الطريق يا معاشر المستمعين ما نصل إلى غايتنا من معرفة الله وطاعته.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.