إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الناس ثلاث أصناف: متقون، وكافرون، ومنافقون، وقد جاء في بيان حال المنافقين من الآيات أكثر مما جاء في الصنفين الأولين؛ لعظم خطر هذا الصنف على المجتمع المسلم، فهو يظهر الإسلام ويبطن الكفر، صيانة لدنياه ويظن أنه بهذا العمل يخدع الله ويخدع المسلمين، ولا يدري أنه يخدع نفسه، لأنه سيحاسب ويجازى على كل صغيرة وكبيرة اقترفها في حياته الدنيا، ثم تكون النار هي مصيره الأبدي.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا مع كتاب ربنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها، وها نحن مع سورة البقرة، السورة الحاوية لألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.

    وهذه السورة كان الأصحاب رضوان الله عليهم إذا حفظها أحدهم ولوه القضاء والحكم.

    وهذه السورة لا تقرأ على الموتى لطولها.

    وهي إحدى سورتين تظللان صاحبهما يوم القيامة: سورة البقرة وسورة آل عمران، وتسميان بالزهراوين.

    الفلاح للمتقين

    هذه السورة مفتتحة بقول الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، وقد درسنا هذه الآيات، وخلاصتها من باب تذكير الناسين وتعليم غير العالمين: أن القرآن الكريم لا ريب ولا شك فيه، فإن كان هناك شك أو ريب في نفس أحد فليس السبب هو القرآن، إذ القرآن لوضوحه وبيانه وسلامة ما يحمله من الهدى والنور لا يتطرق إليه الشك ولا الريب بحال.

    وهذا القرآن يحمل هدى ولكن للمتقين الذين آمنوا بالله ولقائه وكتبه ورسله، فخافوه وأطاعوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فهؤلاء لهم في القرآن نور وهداية إذا هم اتقوا ربهم.

    وقد وصف الله المتقين بصفات نسأل الله أن تكون عندنا ونحن من أهلها، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:3-4]، فيدخل مؤمنو اليهود ومؤمنو النصارى في حضرة المؤمنين المتقين.

    وهؤلاء المتقون قد قضى الله تعالى وحكم بأنهم هم المفلحون فقال: أُوْلَئِكَ السامون الأعلون عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ أي: متمكنين من ذلك الهدى، كأنما اتخذوه سفينة نجاة، وَأُوْلَئِكَ هُمُ لا سواهم، ولا غيرهم، الْمُفْلِحُونَ أي: الفائزون الناجون من النار، الداخلون للجنة؛ دار الأبرار.

    ولو سئلت: ما المراد من الفلاح والفوز الذي يذكره الله في القرآن؟ فقل له: أما سمعت هذا البيان من سورة آل عمران فالله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، هذا هو الفوز.

    وهذا صنف من الناس: مؤمنون متقون، من العرب ومن العجم، من المشركين ومن أهل الكتابين، آمنوا واتقوا واستقاموا، فحكم الله لهم بالفلاح.

    الختم على قلوب الكافرين

    هنا صنف آخر وهم الكافرون، قال الله تعالى عنهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:6-7]. وهذا الصنف من الناس يشمل الأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وهم -والعياذ بالله تعالى- قد كفروا، وكفروا بمعنى جحدوا وغطوا وستروا، أو كفروا عناداً ومكابرة فعرفوا وجحدوا.

    وهؤلاء المكذبون، الجاحدون، المعاندون، المكابرون منهم من هو متهيئ ومستعد لأن يقبل الهداية متى عرضت عليه، ومنهم أفراد يقلون أو يكثرون موجودون في كل زمان ومكان قد ضربوا بسهم عظيم، وتوغلوا في الجحود والعناد والمكابرة والفسق والفجور، فمضت فيهم سنة الله، فختم على قلوبهم، فما أصبحوا يفقهون أو يعقلون أو يفهمون أبداً، ولو حدثتهم عن الله وعن لقائه .. عن الإخاء .. عن المودة .. عن الرحمة .. فلكثرة فسقهم وفجورهم وضلالهم وشركهم أصبحوا لا يسمعون الخير، ولا يعقلون أو يفهمون، إذ ختم الله على قلوبهم، فلا يدخلها نور، ولا وعي، ولا فهم، ولا إدراك.

    وَعَلَى سَمْعِهِمْ أي: لا يسمعون نداء الخير أبداً.

    وجعل الله تعالى على أبصارهم غشاوة أي: ستراً عليها كالبياض الذي يصيب العينين، فصاحبه لا يشاهد شيئاً فهو أعمى.

    فهؤلاء قضى الله تعالى عليهم وحكم بكفرهم وعدم إيمانهم، وبخلودهم في دار الشقاء: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] لأنهم كفار في الدرجة الأولى، فمنهم من كفر عناداً ومكابرة، ومنهم من كفر تقليداً، ولكن توغل وضرب بسهم كبير في باب الكفر والضلال، وما أصبح يقبل الهداية، وفي سورة يس يقول تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [يس:10-11] أي: المؤمن الحي القابل للهداية، أما من تراكمت عليه ذنوبه وآثامه وجرائمه وموبقاته فإن هذا ما أصبح قابلاً للهداية، فلا تكرب عليه يا رسول الله ولا تحزن، ولم يقل له: لا تدعهم ولا تنذرهم؛ لأن هذا غيب، والرسول لا يعلم الغيب، فما يفرق بين أبي جهل وبين أبي طالب ، فمهمته أن ينذر وأن يبلغ، ولكن لما يشعر بالألم في نفسه والحزن من أجل أنهم أعرضوا وعاندوا وكابروا يخفف الله تعالى عنه بمثل قوله: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، فهون على نفسك.

    إذاً: القسم الثاني من أقسام البشر الثلاثة هم الكفرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)

    القسم الثالث هو قسم المنافقين، ولا رابع بعدهم. فالناس ثلاثة أصناف: مؤمنون متقون، كافرون فاجرون.

    والمنافقون هم الذين ينطقون بالشهادتين ويأتون بالأعمال الصالحة ويصومون أمام المسلمين ويجاهدون، وهم مرضى القلوب، فيظهرون الإسلام بالنطق والعمل، ويبطنون الكفر والإلحاد في قلوبهم.

    قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ [البقرة:8-9] وفي قراءة سبعية (وما يخادعون) إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:9-10].

    وهؤلاء هم المنافقون، والسياق فيهم إلى كذا آية؛ لأنهم أخطر ما يكونون على المجتمع الإسلامي، فالكافر واضح صريح الكفر، لك أن تدعوه وترغبه، وتنذره وتخوفه، وإن كان قد توغل في الشر والفساد فلن يسمع نداءك، ولا يقبل دعوتك، وإن كان ما توغل في الفساد، وما عنده منافع في كفره يحافظ عليها فإن هذا قد يهتدي، وأما المنافق فهو يخاف أنه إذا أعلن عن كفره فإنه سيقتل أو يتوب، ولكي يحافظ على ماله وعلى شخصيته في المجتمع ماذا يصنع؟ تجده يتزيا بزي المؤمنين، ويأتي ما يأتونه من الأعمال الظاهرة كالصلاة والنفقة والجهاد، وهو مظلم النفس خبيث.

    من صفات المنافقين وعلاماتهم

    من التعاليم المحمدية؛ وأنتم تعلمون من هو محمد رسول الله، فهو أستاذ الحكمة ومعلمها، أنه أعطانا بطاقة لنا نحن بوصفنا رجال الدولة، وكل مؤمن يجب أن يحمي دولة الإسلام، وأن يحافظ على راية لا إله إلا الله .. محمد رسول الله، وأن يحافظ على الطهر، والصفاء، والأمن، والرخاء في ديار المسلمين.

    أعطانا بطاقة علنية، ما هي؟ اسمعوا أيها المجاهدون: ( آية المنافق ثلاث )، وبهذه العلامات نعرف بها المنافقين بينكم، والقرآن الكريم ما نزل يسمي المنافقين بأسمائهم؛ لأن النفاق ليس في أيام الصحابة فقط بل هو إلى اليوم، فماذا يسمي؟ إذاً يعطي الخبر العام.

    قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب ). وأنتم تعيشون في مجتمع يوجد فيه منافقون، فكيف نعرفهم حتى نتقيهم، وحتى ننذرهم أو نرغبه؟ كشف الرسول صلى الله عليه وسلم الستار عنهم بهذه البطاقة المحمدية.

    إذا كنت تحدث جارك أو من معك في العمل أو السفر، أو في المسجد وكلما يحدثك يكذبك؛ لأنه يريد أذاك وإرهاقك وتعبك، فهو كلما أخبرك كذبك، إذا جربت عليه المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة فهذا هو: ألق القبض عليه، هذا منافق.

    ثانياً: ( إذا وعد أخلف )، مثلاً: تجده يعدك قائلاً: نلتقي غداً إن شاء الله في الساعة الثانية عشرة ظهراً عند باب الكومة. فأنت لإيمانك إذا جاء الموعد ذهبت وجلست تنتظره هناك، وهو في بيته مع أولاده غير مبالٍ، يتلذذ ويقول: دعه في الشمس. هذه المرة الأولى.

    وفي المرة الثانية تتواعدان على أنكما تسافران غداً الساعة الواحدة ليلاً في المكان الفلاني، فذهبت أنت أيها المؤمن وجلست تنتظره وهو نائم مع زوجته وأولاده فرحان ومسرور. وهكذا: جربته المرة الأولى والثانية والثالثة .. فهذا هو المنافق الذي يبطن الكفر في نفسه، فما آمن بالله ولا بلقائه.

    والثالثة: ( وإذا اؤتمن خان )، إذا أمنته على فلس .. على عَرَض، على كلمة، تجده المرة الأولى يخون، والمرة ثانية يخون، والثالثة يخون، ولو وضعت عنده كل قوتك في جيبه، وقلت له: حتى أعود. ولما ترجع يقول: لعلك واهم، لست أنا الذي أعطيتني، وما وضعت عندي شيئاً أبداً. وهكذا كلما ائتمنته خانك، فإذا جرب في المرة الأولى والثانية والثالثة عرفنا أنه يتعمد الخيانة؛ لأنه يكره المؤمنين ويبغضهم، ويود خسارهم وهلاكهم.

    عندكم هذه البطاقة أو لا؟ تعرفون بها المواطن الذي يحمل النور في قلبه؛ نور الإيمان بالله ولقائه، أو هي مجرد صورة خالية فقط، والمؤمن الحق هو الذي لا يكذب إذا حدث، ولا يخلف إذا وعد، ولا يخون إذا ائتمن، نعم قد يحدث منه ذلك مرة في دهره، لكن أن يتكرر هذا منه فوالله لا يكون، إلا إذا كان قلبه ميتاً، يعيش في ظلام كامل، ظلام الكفر والشرك والعياذ بالله.

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، والعلة: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7]. (عذاب عظيم) ما حدد موعده، فيكون في الدنيا، ويكون في الآخرة.

    وهل المنافقون أيام الصحابة سعداء؟ والله لأشقياء، عذاب الخزي في الدنيا، وأما عذاب الآخرة فلا تسأل، وأيما مجتمع طاهر يوجد فيه منافقون إلا وهم في خزي وعذاب تام وعظيم، أما عذاب الآخرة فلا تسأل.

    فقدان الإيمان عند أهل النفاق

    قوله: وَمِنَ النَّاسِ من أين اشتق لفظ (الناس)؟

    الجواب: إما من ناس ينوس إذا تحرك، وإما من نسي ينسى، أو من الأُنس، وهذا كله محتمل، ولا معنى للاشتقاق، ولا حاجة إليه، فالناس هم الآدميون.

    لكن من هم في الآية؟ قال: مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:8]. والله تعالى يشهد لعلمه بما في قلوبهم وما في نفوسهم بأنهم غير مؤمنين، فقال تعالى: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] ولا تظن أن هذا خاص بالمنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاللفظ يدل على العموم إلى يوم القيامة وَمِنَ النَّاسِ أي: هم أناس شأنهم كذا وكذا؛ والمنافقون قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انقرضوا وما بقي منافق في المدينة، فكلهم ماتوا وهلكوا، ولكن البشرية هي البشرية، وهداية الله هي هداية الله، وفي كل زمان ومكان يوجد منافقون.

    يقولون: آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:8] أي: بألسنتهم: أشهد أن لا إله إلا الله، وقد كان ابن أبي رئيس المنافقين يدخل على الرسول صلى الله عليه وسلم في الروضة، ويقول: والله إني لأشهد أنك رسول الله، فأنزل الله في القرآن: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المنافقون:1-2] يجتنون ويتقون ويستترون بها فقط حتى تحفظ أموالهم ودماؤهم لا أقل ولا أكثر، أما الإيمان فما حلّ قلوبهم ولا دخلها.

    الإيمان بالله واليوم الآخر هو أصل الإيمان

    يقول المنافقون: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:8]، هنا عرف الدارسون والسامعون والسامعات أن الإيمان بالله واليوم الآخر هو أصل الإيمان، وإذا حصل فيه أي ضعف انهار البناء وما بقي إيمان، ومعنى الإيمان بالله: كونه رباً لا رب سواه، وإلهاً معبوداً بحق لا معبود بحق غيره، وموجوداً، عالماً، قديراً، رحيماً، ذا صفات علا، وأسماء حسنى.

    وإذا وجد الإيمان بالله في قلب العبد هان عليه أن يلاقي ما يلاقي في الحياة، وأصبح أهلاً للكمال، وإذا ضعف هذا الإيمان وخفت نوره هبط، وإذا انطفأ أصبح حجراً ومن شر الخلق.

    فالإيمان بلقاء الله .. وبيوم القيامة .. وبالبعث والجزاء والدار الآخرة هو الذي يكيف حياة الإنسان، ومتى قوي إيمان العبد بأنه سيلاقي الله وجهاً لوجه، وسيسأله وسيستنطقه وسيحاسبه وسيجزيه بعمله الخير بالخير والشر بالشر، متى رسخت هذه العقيدة في صاحبها فإنه يستطيع أن يصوم الدهر، ويستطيع أن يرابط عشرات السنين، ويستطيع أن يخرج من ماله ويستطيع .. ويستطيع، كل ذلك لقوة هذا النور في قلبه، أما الذي لا يؤمن بحساب ولا جزاء ولا حياة أخرى ولا لقاء، سبحان الله! كيف يصبح ذا كمال وكيف يكون له قلب رقيق؟! وكيف توجد له عاطفة؟! وكيف توجد له رحمة؟ فوالله ما هو إلا شر من الثعابين والحيات.

    دائماً نقول: الذي لا يوجد في قلبه إيمان بالبعث الآخر والحياة الآخرة والجزاء بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، إذا لم يوجد هذا في قلب العبد والله لئن تنام إلى جنب أسد أو ذئب أو ثعبان، وقد تسلم وتقوم في الصباح وأنت بعافية، وإذا نمت إلى هذا المخلوق، واحتاج إليك والله ما تسلم، فلو احتاج إلى دمك امتصه، إلى لحمك أكله، إذ ليس هناك ما يمنع ذلك أبداً، فمن لا يؤمن بلقاء الله والدار الآخرة لا يوثق فيه ولا يصدق، ولا يؤتمن ولا ولا؛ لأنه شر الخليقة.

    وقد كنا نعجب أيام الاشتراكية في بلاد العرب ممن كان يتمدح بها بصوته العالي، وينظر إلى أهل العلم نظرة استهزاء وسخرية -والعياذ بالله-، والحمد لله قضى الله على الاشتراكية والشيوعية وأساسها: إن حرباً ظاهرة في بلاد الروس اللهم أنهِ وجودهم، وهم لا ينادون بالدين .. بالإسلام، بل ينادون بالقيم الإنسانية! ونحن نعجب من شخص لا يؤمن بالله ولا بلقائه كيف تكون له قيم ويحافظ عليها ويدعو إليها، وهذه كلمة باطلة فيها تدجيل وتضليل، فأي قيم هذه! وهو يعرض عن مصدر القيم ومنبعه وهو شرع الله وتعاليم الله وهداية الله في كتابه وحكمة رسوله، وقد جربناهم وعرفناهم أنهم من أخبث الناس وشرهم.

    نعم. الإيمان أركانه ستة: الإيمان بالله .. بملائكته .. بكتبه .. برسله .. باليوم الآخر .. بالقضاء والقدر، ولكن الركيزة المتينة هي الإيمان بالله واليوم الآخر، وليس بمعقول أن من آمن بالله رباً وإلهاً فإنه يكفر بالكتاب أو يكذبه بأنه أرسل رسولاً، أو يكذبه في قضائه وقدره وتدبيره لخلقه، هذا غير معقول! لكن قد يؤمن بالله ولا يؤمن بالبعث الآخر.

    ومن هنا: لو تتبعنا القرآن فإننا نقف على هذه الحقيقة، يقول تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، ويقول: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]، وحتى النساء في قضية الحيض يقول تعالى: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، فما يجحدن الحيض.

    وهنا أحب أن تركزوا على أن المحرك القوي الدافع للإنسان والموجه له هو الإيمان بالله وبلقائه، فمن ضعف إيمانه بالله أو بلقائه هبط، وإن انطمس النور وكفر بالله وبيوم القيامة أصبح شر الخليقة، فلا تأمنوه أبداً، وإذا به يفرغ تمام الفراغ من شيء اسمه رحمة أو إنسانية، والتمنطق بالإنسانية والقيم كله هراء وباطل، وانكشفت سوءاتهم وعرفهم البشر بكذبهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون)

    قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ [البقرة:8] ناس شأنهم كذا وكذا، أي: مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]، ولِم يقولون: آمنا؟ قال تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9].

    وهل يستطيعون مخادعة الله وهو يعلم إسرارهم ونياتهم وخواطرهم، وهو خالق أعمالهم؟ لكنه الجهل، فكفروا بالله، فيفهمون هذا الفهم يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:9]، لكن الله تعالى رد عليهم فقال: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة:9].

    والخداع هو: أن تظهر الشيء النافع وتخفي الضار من أجل أن تخدع به غيرك، فهذا هو المخادع، تراه يريك زيتوناً ليغرر بك، وإذا هي حصاة حتى تبيت جائعاً.

    إذاً: هم يرون الله والمؤمنين أنهم مؤمنون يشهدون الصلاة ويخرجون إلى الجهاد مع رسول الله، وما هم بمؤمنين، فإن قيل لهم: لِم تفعلون هذا؟ قالوا: نخادعهم، فسوف تنتهي هذه الدولة وسوف يموت محمد صلى الله عليه وسلم ونعود إلى ما كنا، وما هي إلا أيام فقط.

    وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9]، أي: من أين لهم الشعور والإحساس؟! فهم لا يبصرون، ولا يسمعون، ولا يفقهون، ولا يعقلون. كيف -إذاً- يشعرون بأنهم يخادعون الله وهو خادعهم؟! ما يشعرون.

    تعريف الإيمان وصفة المؤمن

    هنا مسألة علمية نحاول أن نحفظها إن شاء الله: ما هو الإيمان؟

    أهل العلم يقولون: الإيمان عقد بالجنان، أي: بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان.

    فمن اعتقد الحق من وجود الله، وعلم الله، وقدرة الله، ورحمة الله، وحكمة الله، واعتقد أن هذا القرآن كتاب الله، وأن من نزل عليه رسول الله، واعتقد أنه مجزي بعمله، ومحاسب به: إما نعيم وإما جحيم، فإن اعتقد هذا فليترجمه بكلمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    فهذا اعتقد الحق وعربن عليه، ودلل بالشهادة والنطق، فما أبقى الإيمان في قلبه بل صرح بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وآمن بكل ما أمر الله بالإيمان به، ثم دلل على صحة دعواه بأركانه، فصام، وصلى، وجاهد، وصابر، وتجنب ما حرم الله.

    فإن هو اعتقد الحق وأبى أن ينطق بالشهادتين فهو كافر وإن عرف، وما دام لم يعربن على إيمانه بالنطق بالشهادتين فهو كافر قطعاً، فلا يصح إيمان عبد ما نطق بالشهادتين، وإن قال: أنا عارف، وعرفت، وأنا مؤمن، ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله فهو كافر.

    فإن اعتقد الحق ونطق بالشهادتين، وأبى أن يدلل على ذلك بالأعمال الصالحة وترك المحرمات فهو فاسق؛ لأنه اعتقد الحق، ودلل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنه لم يحرم ما حرم الله، ولم يحل ما أحل الله، ولم ينهض بما أوجب الله، فهذا الفاسق؛ لأن العقيدة سليمة، وأعرب عنها ودلل، لكن سلوكه وأركانه ما استقامت.

    ويبقى المنافق هو الذي يعتقد الباطل، ولا يعربن عليه، ولا يدلل بل يدلل على الحق فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدلل بالصلاة والجهاد، فهو منافق؛ لأنه ما يحمل الإيمان في قلبه، وهو -فقط- من الخوف شهد: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفعل ما فعل المؤمنون من صلاة وجهاد وزكاة، واجتنب ما يجتنب المؤمنون من المحرمات والموبقات، لكنه منافق أبطن الكفر وغطاه وغشاه في صندوق قلبه، وأظهر ما يدل على أنه مؤمن.

    الخلاصة: المؤمن الحق هو الذي يعتقد الحق ويعربن عليه بالنطق، ويدلل على صحته بالأعمال.

    فإن اعتقد الحق ولم ينطق بالشهادتين ولم يعربن على أنه يعتقد الحق، فهذا نقول فيه: كافر.

    فإن اعتقد الباطل وعربن عليه بالشهادتين ودلل بالأعمال الصالحة، فهذا منافق؛ لأنه أبطن الكفر وغشاه وغطاه، وما أظهره لمنافع ومصالح دنيوية حفاظاً على مركزه .. على ماله .. على وجوده في المجتمع الإسلامي.

    وقد يوجد عندنا من هو ضعيف الإيمان، وعربن على إيمانه بالشهادتين بل يؤذن وفي كل صلاة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولكن يرتكب المعاصي، ويترك الواجبات، وهذا يسمى الفاسق.

    الحكم على الناس بالنفاق لله وحده

    قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] من حكم عليهم بعدم الإيمان؟ الله، وأما أنا أو أنت أو الطبيب أو الشيخ فما يستطيع، والقلوب من يعلمها؟ الله فقط، أما نحن فلا نقول: فلان منافق، لا نستطيع، إلا إذا دللت بما أعطينا من برهنة: جربته يوم كذا، يوم كذا، وهو يكذب .. يكذب .. يكذب، وجربته في الوعود فيخالفها ويخلفها و.. و، وجربته أيضاً في الأمانة فخاننا وخان الدولة. إذاً: هذا منافق، ونترك للقاضي يحكم عليه.

    أما إذا ما استعملنا هذه الآلة التي أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نقول في شخص: منافق؛ لأنه يبطن الكفر وما ندري، هل أنا اطلعت على قلبه، وشققت صدره! وحتى لو شققت فإنك ما تعلم، وهذا لا يعلمه إلا الله، فلهذا عاش المنافقون، ومع هذا ما فضحهم الله، وهم يخادعونه، فستر عليهم حتى يردوا موارد العذاب الأبدي أو يخرج من فتنة النفاق إلى نور الإيمان، ولو شاء لأنزل: يا أيها الذين آمنوا إن ابن أبي وإن فلاناً وفلاناً وفلاناً .. هؤلاء منافقون كافرون، ولأجهز عليهم رسول الله والمؤمنون وذبحوهم واستراحوا، لكن الله الرب، الرءوف، الرحيم علم أن كثيراً منهم سيعودون، وكم وكم من عائد عاد إلى الإيمان، ومن مات على الكفر فقد قضى وحكم أزلاً بأنه من أصحاب الشقاء، والعياذ بالله تعالى.

    فقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] قلنا: هذا لله أو لا؟!

    كيفية خداع المنافقين

    قوله: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:9]، كيف يخادعون الله؟ يظهرون لو أنهم مؤمنون به، فيغتسلون ويصلون ويجاهدون مع المؤمنين، وهذا خداع إذ يرون الله شيئاً ما هم بمؤمنين به، فالخداع أن تري الشخص ما يحب وتخفي وتجحد عنه ما يكره من أجل أن تتمكن منه، ولهذا الغش والخداع محرمان بين المسلمين.

    قوله: وَمَا يَخْدَعُونَ وفي قراءة: وما يخادعون إِلَّا أَنفُسَهُمْ ؛ لأن من ارتكب سيئة فهو الذي يجزى بها. أما الله عز وجل ماذا يفعلون معه؟ هذا إن قلنا: المخادعة على بابها، وإن قلنا: إن هذا من خدع يخدع فقط، فقد فرغنا من هذا التعليل، وهذا اللفظ يطلق ولا يراد به المفاعلة مثل: عاقبت اللص، هو عاقب وأنت تعاقب، عاقبت اللص بمعنى عاقبته، كذلك عالجت المريض، هل هذه مفاعلة هو يعالج وأنت تعالج؟ الجواب: لا. إذاً يخدعون الله، فيخادعون بمعنى يخدعون، والله منزه وبعيد عن خداعهم، ولا يصل إليه شيء.

    وإن قلنا: المخادعة على بابها فيصح؛ لأن الله عز وجل أيضاً خادعهم، ستر وما فضحهم، ولا سماهم بأسمائهم إلى حين، وفي نظرنا أنهم خدعوا الله، فأظهروا له الإيمان فهو يحسبهم مؤمنين، والله هو خالق إيمانهم وخالق قلوبهم، كيف ما يعرف؟ فما ينفعهم خداعهم لله. إذاً: ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً...)

    قال الله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:10]. ما هذا المرض؟ هل هي هذه الأمراض المادية التي يعالج الإنسان منها كوجود خفقان في القلب أو انسداد؟ الجواب: لا، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: الشك، والشرك، والنفاق، والكذب، والحسد، والبغض، وما إلى ذلك من الأمراض التي لا تعالج بالأدوية والعقاقير النافعة.

    ومرض الكفر يذهبه الإيمان، ومرض النفاق يبرزه ويعالجه الصدق، ومرض الحسد يبعده الإيمان بقسمة الله عز وجل، وهكذا.

    وهذه الأمراض شأنها خطير، وإذا تأصلت في المجتمع فيا ويحه! فلا يسعد ولا يكمل، وكل منا مطالب بتطهير قلبه وتصفيته.

    وقد كررنا القول: المجتمع الإسلامي من المدينة النبوية إلى اندونيسيا توجد فيه أمراض كثيرة، لكن أمراض القلوب كالحسد والبغض والشح والكبر ما علاجها؟ نعم هناك مستشفيات لعلاج الأمراض المادية التي تعالج بالأدوية، لكن هذه القلوب لا تعالج إلا بالكتاب والحكمة .. بنور الله سبحانه وتعالى.

    والطريقة الحقيقية هي أن يجتمع أهل القرية في جامعهم بنسائهم وأطفالهم ورجالهم من المغرب إلى العشاء؛ وذلك كل ليلة وطول العام، بل وطول الحياة، فهذا نظام حياتهم، فيتلقون الكتاب والحكمة كل يوم، فهذا الذي يعالج تلك الأمراض، والله ما يبقي شكاً ولا نفاقاً، ولا يبقي ارتياباً، ولا يبقي حسداً، ولا بغضاً، ولا بخلاً، ولا شحاً، ولا .. ولا، إذ العلاج الوحيد: الكتاب والحكمة، قال تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، ولا تسأل عن فوائد ذلك المجتمع وما يتم له.

    لكن لا بد وأن نقدم قلوبنا للمربي، ولابد أن نجلس بين يديه كما جلس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين والمؤمنات بين يدي رسول الله، فزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، فإما أن ندخل هذا المستشفى الرباني الإلهي فنعالج قلوبنا طول العام وطول الحياة؛ لأن الطوايا تطغى، والأحداث تتكرر، وأعراض الحياة واضحة، لكن يومياً أهل القرية في جامعهم، وأهل الحي في المدينة في جامعهم، خالفوا الإنس والجن، وأقبلوا في صدق على ربهم، هذا هو العلاج. هل هناك علاج آخر؟ لا وجود له.

    نعم قد يوجد أفراد مجتمعون حول شيخ يزكيهم ويربيهم، لكن هؤلاء أفراد وليسوا الأمة كاملة، غير أهل قرية بنسائها وأطفالها، وهذا هو كتاب (المسجد وبيت المسلم).

    وإلى الآن ما بلغنا أن أهل القرية الفلانية قد اجتمعوا بنسائهم وأطفالهم ورجالهم كل ليلة من المغرب إلى العشاء، وواصلوا الاجتماع، والآن مضى عليهم ستة أشهر، وقلت لكم: والله نزور ديارهم لنشاهد أنوارهم، ولكن ما حصل بعد، فهل هناك من مانع؟ والله أبداً، ولا توجد حكومة في بلاد المسلمين تمنع هذا قط، بل والله ليأتين شيخ القرية والمسئولون ويجلسون معهم. فلِم ما نفعل؟ ما نستطيع. لِم ما نستطيع؟ الجواب: لأن الله كتب علينا هذا الهبوط، ولنبق دائماً في شقاوة وتعاسة وآلام.

    إذاً: القلوب تحتاج إلى علاج أو لا؟ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10] نعم. المرض إذا ما يعالج يزداد، فعندما يظهر المرض في الجسم بادر إلى الطبيب، وبادر إلى الحمية والدواء، فإن أنت تساهلت وما باليت فإن المرض يستشري، والطبيب يقول: فات الوقت وما أصبح قابلاً للعلاج، وهذا هو حال الذين كفروا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] فتأصل المرض فيهم، وتمكن من قلوبهم، وكذلك النفاق فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا.

    قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:10] العذاب: ألم يزيل عذوبة الحياة، فهناك جوع، عطش، برد، حر، إهانة، ضرب بالسياط، تغليل بالأغلال، وكل هذا يذهب عذوبة الحياة.

    والأليم هو الموجع، وهذا أيضاً لهم في الدنيا والآخرة.

    وهل المنافقون سعداء في الدنيا؟ إنهم يبيتون في كرب ويظلون في آخر، وإذا ماتوا يلحقهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:10] بسبب ماذا؟ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10] أي: بسبب كذبهم على الله، وعلى رسوله، وعلى المؤمنين، إذ يزعمون أنهم مؤمنون ويتمنطقون ويشهدون، وهم ليسوا بمؤمنين، كذبوا أو لا؟ والكذب هو: خلاف الظاهر، وقول خلاف الحق، ولو أن عنده شيئاً يقول: والله ما عندي. هذا كذب، يقول: فلان سافر وهو في بيته. وهذا كذب.

    إذاً: يدعون أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين، فهم كاذبون.

    وهل يصح من مؤمن كذب؟ والله ما يصح، وهل مؤمن عرف الله ولقاءه يكذب أيضاً؟ نعم ممكن في العام والعامين، وإبراهيم عليه السلام كذب ثلاث مرات في أكثر من مائة وعشرين سنة، وما هو بكذب حقيقة بل تورية، فكون المؤمن كل يوم يكذب فهذا ما هو بالمؤمن، فافهموا هذا، واسألوا الله أن يثبتنا وإياكم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    قال المؤلف غفر الله له: [شرح الكلمات: وَمِنَ النَّاسِ [البقرة:8]: من بعض الناس.

    مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:8]: صدقنا بالله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه.

    وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:8]: صدقنا بالبعث والجزاء يوم القيامة.

    يُخَادِعُونَ اللَّهَ [البقرة:9]: بإظهارهم الإيمان وإخفائهم الكفر.

    وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة:9]: إذ عاقبة خداعهم تعود عليهم لا على الله، ولا على رسوله، ولا على المؤمنين.

    وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9]: لا يعلمون أن عاقبة خداعهم عائدة عليهم.

    فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:10]: في قلوبهم شك ونفاق وألم الخوف من افتضاح أمرهم، والضرب على أيديهم.

    فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا: شكاً ونفاقاً وألماً وخوفاً حسب سنة الله في أن السيئة لا تعقب إلا سيئة] هذه سنة مطردة فما دام وجد المرض يزداد.

    [ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:10]: موجع شديد الوقع على النفس].

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له: [مناسبة الآية لما قبلها وبيان معناها: لما ذكر تعالى المؤمنين الكاملين في إيمانهم، وذكر مقابلهم وهم الكافرون البالغون في الكفر منتهاه، ذكر المنافقين وهم المؤمنون في الظاهر الكافرون في الباطن، وهم شر من الكافرين البالغين في الكفر أشده، أخبر تعالى أن فريقاً من الناس وهم المنافقون يدعون الإيمان بألسنتهم، ويضمرون الكفر في قلوبهم. يخادعون الله والمؤمنين بهذا النفاق، ولما كانت عاقبة خداعهم عائدة عليهم كانوا بذلك خادعين أنفسهم لا غيرهم، ولكنهم لا يعلمون ذلك ولا يدرون به، كما أخبر تعالى أن في قلوبهم مرضاً، وهو الشك والنفاق والخوف، وأنه زادهم مرضاً عقوبة لهم في الدنيا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة؛ بسبب كذبهم وكفرهم].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له: [هداية الآيات: من هداية الآيات: التحذير لنا من الكذب والنفاق والخداع، وأن عاقبة الخداع تعود على صاحبها كما أن السيئة لا يتولد عنها إلا سيئاً مثلها]، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.