إسلام ويب

من منشورات العلماءللشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحديث عن العلماء لا يمل ولا ينبغي أن يمل، ففي حياتهم عبرة، وفي سيرهم ذكرى، وفي طلبهم للعلم والعمل به عظة لمن بعدهم، وفي هذا الدرس ينثر الشيخ طرفاً من أخبارهم وملحهم، فما أطيب ذكرهم!

    1.   

    فضل العلماء الربانيين وأهمية سيرهم

    الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، ولا حزن إلا ما جعلته حزناً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا تسمع، اللهم إنا نعوذ بك من هؤلاء الأربع، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وأنت على كل شيء قدير.

    أيها الإخوة في الله! إن موضوعنا في هذه الليلة حول أخبار ومنح ووصايا من أخبار العلماء وكلماتهم ومُلَحِهم وآثارهم، ولهذا الموضوع أهمية، فإن كلمات العلماء وآثارهم ومُلَحِهم ووصاياهم وأقوالهم نابعةٌ من مشكاة النبوة التي ينهلون منها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) وقال: (إن العلماء ورثة الأنبياء) فورثوا عنهم أقوالهم وأقوال الله عز وجل، ولذلك أصطبغت حياتهم وأقوالهم ومعيشتهم وكانت وصاياهم متأثرة أشد التأثر بما ارتووا منه؛ ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أخص بكلامي هذا العلماء الربانيين الذين قال الله سبحانه وتعالى: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] الذين يعلمون كتاب الله حفظاً، وفهماً، وتدبراً، وعملاً، ودعوةً وصبراً على الأذى فيه، والذين يعلمون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على النسق المذكور في كتاب الله؛ حفظاً، وفهماً، وتدبراً وعملاً، ودعوةً وصبراً على الأذى في سبيل ذلك كله، فإن الله عز وجل أمرنا بأن نكون كذلك، فقال الله عز وجل: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[لا يكون العالم ربانياً حتى يعلم ويعمل ويدعو ويصبر على الأذى]] ونقل عنه رضي الله عنه وأرضاه: [[العلماء الربانيون هم الذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره]] يعني: يأخذون الناس بالتدرج خطوة خطوة، لا يقفزون بهم إلى أمور كبار لا تدركها عقولهم، فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ونقل أيضاً في الصحيح: (خاطبوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله).

    فهؤلاء العلماء الربانيون الذين أفنوا أعمارهم في تعلم كتاب الله، وفي تعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا بحق كما قال الله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    قال الإمام ابن الجوزي في زاد المسير : أشار جل وعلا بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، بعد قوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] أشار بهذا إلى أن الذين يعلمون حقاً هم الذين اتصفوا بهذه الصفة: قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9].

    ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: [[يعرف حامل القرآن بليله إذا الناس راقدون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون]] أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

    أهمية سير العلماء

    فأخبار هؤلاء القوم الذين أفنوا أعمارهم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعلماً وتدبراً ودعوةً وصبراً حقيقةٌ؛ بأن نعقد المجالس لنتدبرها ونتذاكرها، ونتناقل أخبارهم؛ علَّ الله عز وجل أن يشحذ فينا الهمة، فنبلغ ولو جزءاً يسيراً مما بلغوا، وقديماً قيل:

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم     إن التشبه بالكرام فلاح

    ونقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه: "سير الرجال أحب إليَّ من كثير من الفقه" وما ذاك إلا لأن سير الرجال، وأخبار القوم من العلماء الربانيين تشحذ الهمم حينما يستمع إليها الطالب فتعينه على مواصلة طريقه في طلب العلم، وتعينه على الاجتهاد وبذل التضحيات اقتداءً وتأسياً بأولئك السابقين الذين يقرءون ويتدبرون ويتناقلون أخبارهم.

    وقال الإمام ابن الجوزي رحمة الله عليه في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : "واعلم أن في ذكر السير والتاريخ فوائد كثيرة، من أهمها أن يطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وسماع الأخبار، فالنفس تجد راحةً بسماع الأخبار، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل من بكر بن وائل قد كبر وذهبت منه لذة المأكل والمشرب والنكاح؛ قيل له: أتحب أن تموت؟ قال: لا، قيل له: فما بقي لك من لذة الدنيا؟ قال: أستمع أخبار الرجال وأستمع العجائب"

    إذاً: فخير وسيلة لإشعال العزائم، وإثارة الروح الوثابة، وقدح المواهب، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق بصمت وهدوء دون أمر ونهي، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والاحتذاء بسير الأجلاء الأسلاف؛ خير سبيل إلى ذلك كله هو قراءة سير لبعض العلماء الصلحاء، والوقوف على أخبار الرجال العظماء، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجدين.

    وبعد هذه المقدمة نبدأ في سرد بعض أخبارهم رحمة الله عليهم ورضي عنهم.

    ضوابط في الجرح والتعديل عند أهل العلم

    فعن مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: " سألت سعيد بن المسيب : إنه ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فقال: [[ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ]].

    وهذه درة عظيمة من سعيد بن المسيب وأما الرواية التي تنقل عنه أنه قال: [[ سيبوني سيبهم الله ]] فهي رواية غير ثابتة كما ذكر ذلك بعض المحققين، فالمقصود أن سعيد بن المسيب رحمة الله عليه، يقول: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. وهذه قاعدة عظيمة جليلة ينبغي لطلبة العلم أن يجعلوها نصب أعينهم دائماً، فهي قاعدة في الجرح والتعديل، إذ ينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم المأمور بحفظ اللسان عن الوقيعة في العلماء، عن الوقيعة في الأخيار من العباد الصلحاء، فمن غلب جانب فضله تغوضي عن نقصه، ولم يشهر به، ولم ينكر عليه، ولم يحذر منه بسبب ما فيه من نقص وتقصير؛ لأن الفضل الكثير يغمر النقص القليل، وقديماً قيل مستدلين بحديث: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث}.

    وقال الذهبي رحمة الله عليه في ترجمته لـقتادة بن دعامة السدوسي : وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع فإنه مدلس معروف بذلك وقيل كان يرى القدر- نسأل الله العفو والعافية- ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23]، قال الذهبي رحمة الله عليه مسترسلاً: ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه تغفر له زلاته، ولا نضلله ونصطرفه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

    وهذه في سابقتها نادرة عظيمة ينبغي أن يضعها طلبة العلم في أذهانهم، وأن يجعلوها نصب أعينهم عند تقويمهم للرجال.

    وعن ابن المديني سمعت سفيان يقول: [[ كان ابن عياش يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر بن ذر، فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ]].

    وهكذا يجب أن يكون طالب العلم إذا بلغه عن أحد من الناس أنه يقع فيه، أو يشتمه، أو يتأو يتكلم فيه، أو يقدح؛ فإن الواجب عليه أن يلقاه ويتأكد من صحة الخبر، ثم بعد ذلك يقول له هذه المقالة: إنك إن عصيت الله فينا، فلن نعصي الله فيك، بل سنطيع الله فيك، ولا نقدح فيك، ولا نتكلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك} وقال الله جل وعلا: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96] وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] أي: ادفع سيئة من أساء إليك بالحسنة التي هي أحسن، أي: الكلمة والخصلة التي هي أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] أي: صديق عزيز شديد الصداقة لك بسبب أنك رددت إساءته بالإحسان.

    وروى عبدان بن عثمان عن عبد الله بن المبارك -وهذا أيضاً ضابط في الجرح والتعديل- قال: [[ إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن لم تذكر المحاسن ]].

    فالعبرة بأغلب حاله وبمجمله وأكثره، فإن كان أكثر أحواله المحاسن والصلاح، والخير والدعوة والنصح للأمة وللمسلمين، تغوضي عن سيئاته، ولم يشهر به، وأسر بها إسراراً إليه، وإن كان غالب حاله الضلال والفساد والإضلال والمساوئ، فإن جانب المساوئ يغلَّب، ويُحذَّر منه.

    1.   

    من أخبار أهل العلم في الطلب

    من أخلاق الإمام الشافعي في الخلاف

    قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي- ظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ؛ ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.

    يعني: على الرغم من خلافي معك في مسألة من مسائل العلم، فإن الواجب أن تظل أخوتنا، ومودتنا، ولا يعادي بعضنا بعضاً بسبب اختلافنا في مسألة من مسائل العلم.

    موقف عمر ممن يرد على ابن مسعود

    وقد كان السلف رحمة الله عليهم من طلبة العلم يُجلون العلماء ويرفعون قدرهم؛ أيما إجلال وأيما تقدير.

    مما نقل عن الصحابة في ذلك ما رواه أبو وائل أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلاً قد أسبل إزاره وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار} وصح عنه صلى الله عليه وسلم:{إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه } فالمقصود أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال للرجل المسبل: [[ ارفع إزارك، فقال ذلك الرجل المسبل: وأنت يـابن مسعود فارفع إزارك.

    فقال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس ]] فبين عذره في إنزال إزاره.

    فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه أن ذلك الرجل رد على عبد الله بن مسعود ، وقال له: [[ وأنت لماذا لم ترفع إزارك؟- فجعل عمر يضرب الرجل، ويقول له: أهكذا ترد على ابن مسعود ! أهكذا ترد على ابن مسعود! ]].

    وما ذاك من عمر إلا تأديباً لهذا الرجل وأمثاله لكي يستقيم أدبهم مع أهل العلم والإيمان والفضل.

    أدب الطلب عند ابن عباس

    عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة : [[أن ابن عباس رضي الله عنهما قام إلى زيد بن ثابت ، فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا]] وهذا من أدبه رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك حصل ذلك العلم الجم استجابة لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل}.

    الخليفة بين يدي عطاء

    وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي : كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة ، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إلى عطاء في مكة ، وكان مفتيها في زمانه رضي الله عنه وأرضاه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تقصرا ولا تتعبا في طلب العلم- فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد.

    يعني: أن أمير المؤمنين وخليفة الناس الذي ملك الناس في زمانه، بل كل الدولة الإسلامية جاء عند عطاء بن أبي رباح وكان مولى لامرأة، ثم أعتق، فجلس إليه يسأله عن العلم، وعطاء لا يلتفت إليه مستقبلاً القبلة يجيبهم على أسئلتهم وهم قريب من قفاه رضي الله عن عطاء وأرضاه، فالمقصود أن سليمان أخذ من هذا درساً، وقال لبنيه: لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد، وسماه العبد باعتبار ما كان.

    وقيل في عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه من شدة علمه: كان أشل، وكان أعور، وكان أفطس، وكان بحراً بالعلوم، ولذلك قال بعضهم:

    أشل أعور أفطس          ومن بحوره العلوم تقتبس

    رحمة الله عليه.

    وعن عمر بن المدرك ، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن ، حدثنا أشعث بن شعبة النشيطي، قال: قدم الرشيد- يعني: هارون الرشيد- الرقة؛ فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، صادف أن عبد الله بن المبارك قدم في نفس الوقت الذي قدم فيه أمير المؤمنين، فـعبد الله بن المبارك أمير المؤمنين بالحديث، وهارون الرشيد أمير المؤمنين في زمانه، فقدما الرقة في وقت واحد، قال: فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، وتقطعت النعال من الزحام، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج القصر، فقالت: ما هذا؟

    فقالوا: هذا عالم من أهل خراسان ، يقال له عبد الله بن المبارك قدم، قالت: والله هذا الملك لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.

    نصيحة لابن مهدي في الحث على الطلب

    قال عبد الرحمن بن مهدي : كان يقال: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، وإذا لقي من هو مثله في العلم، دراسه، أي: تدارس معه العلم.

    وبهذه المناسبة أيها الأحبة، فإنني أذكر إخوتي طلبة العلم بأن هناك دورة علمية، أو أكثر من دورة علمية ستقام في إجازة الربيع إن شاء الله لبعض العلماء الأجلاء من الذين قدموا من الرياض ومن غيرها لإقامة دورات علمية في الفقه، وفي الحديث، وفي العقيدة، وفي اللغة، وفي الأصول، فأنصح بملازمة هذه الحلقات، ثم إنني أنصح بأمر آخر، وهو أن طالب العلم ينبغي له أن يحرص على مجالسة أهل العلم ويتلقى العلم عنهم، فإن فاته ذلك، فهناك ما يسمى بالتجارب كما يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه، يقول: كان يقال إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، أي: فليغتنم هذا اليوم، وليتعلم منه تعلماً عظيماً، وإذا لقي من هو مثله -أي من مثله في العلم- دراسه، ولذلك فإنني أنصح إخواني بالمدارسة؛ كأن تخصص لنفسك وقتاً بعد صلاة الفجر تلتقي فيه مع من هو مثلك في العلم قد لا يزيد عليك، فتلتقي أنت وهو فتحفظون مثلاً عمدة الأحكام في الحديث، أو بلوغ المرام ، أو الأربعين النووية إن لم تكونوا حفظتموها، أو كتاب الله أولاً وقبل كل شيء إن لم تكونوا قد حفظتموه، وهكذا يكون لكم ورد يومي بعد صلاة الفجر أنت وأحد أقرانك يعلم بعضكم بعضاً، وينفع بعضكم بعضاً، ويخبر بعضهم الآخر بما فاته من العلم، وبما سمعه من العلماء، فإن هذا باب عظيم كان السلف يتبعونه كما يقول ابن مهدي : وإذا لقي من هو مثله، دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إماماً في العلم من حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً من حدث عن كل أحد، ولا من يحدث بالشاذ.

    هذه بعض أخبارهم في طلب العلم، ومن ذلك ما نقل عن إبراهيم الحربي -وهو أحد علماء السلف الكبار رحمة الله عليه- قال: كان إبراهيم الحربي رجلاً صالحاً من أهل العلم، بلغه أن قوماً من الذين كانوا يدالفونه -يفضلونه على أحمد بن حنبل- فوقفهم على ذلك، فأقروا به، يعني: سألهم هل تفضلوني على أحمد بن حنبل ؟ قالوا: نعم، فعاقبهم إبراهيم عقوبة شديدة، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لم أشبهه، ولم ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله لا أسمعكم شيئاً من العلم أبداً، فلا تأتوني بعد يومكم، والسبب أنهم قدموه وأنزلوه فوق منزلته حسب نظره رحمة الله عليه.

    ومن أخبار السلف رحمة الله عليهم ورضي الله عنهم ما ذكره ابن جريج رحمه الله، قال: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنةً، أي: وهو منقطع عن العلم ينام في المسجد، ويتدبر العلم ليله ونهاره.

    وقال إسماعيل بن أمية : كان عطاء يجيد الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد، يعني: كأنما تمده الملائكة بما يقول، وكان أسود أفطس أعور أشل أعرج ثم عمي، يعني: اجتمعت فيه خمسة عاهات، ففي جسمه خمسة عيوب منها: أنه أسود، وأفطس، وأعور، وأشل، وأعرج، وفي النهاية صار أعمى، فهذه خمسة عيوب كانت في جسمه رحمة الله عليه، ولكنه كان ركناً من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقةً فقيهاً حج نيفاً وسبعين حجة.

    الزهري لا ينام الليل يبحث عن حديث

    قال الليث بن سعد : تذاكر محمد بن شهاب الزهري -الحافظ المحدث الفقيه، التابعي الجليل عالم الحجاز رحمه الله -ليلة بعد العشاء حديثاً وهو جالس متوضئ، فما زال ذلك مجلسه وهو يبحث في الحديث حتى طلع الصبح، قال مروان: جعل يتذاكر الحديث، وهو في مجلسه يذكر الحديث ويبحث في كتب العلم بعد صلاة العشاء وهو على الوضوء حتى طلع الفجر وهو كذلك رحمة الله عليه.

    الشنقيطي يبحث في مسألة فقهية

    وقريباً من هذه القصة نقل عن الشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان الذي توفي بـمكة عام 1392 للهجرة حيث نقل عن نفسه رحمة الله عليه أنه لما كان في بلاده يطلب العلم عن مشايخه شرحت له مسألة في الفقه، فلم يفهمها، فسأل شيخه عنها، فلم يستطع أن يفهمها إياه، قال: فلما انصرفت في الضحى من عند شيخي، ذهبت إلى الكتب والشروحات والمطولات، فأخذت أفتشها وأقرأ فيها، وأبحث عن شرح هذه المسألة حتى أدركتني صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقال: فلما صار المغرب وأظلم الليل، أمرت خادمي أن يوقد لي النار لأستضيء بها -وكنت في الصحراء- قال: فجلست أقرأ على ضوء النار حتى طلع الفجر، فقمت فصليت الفجر، ثم جلست أقرأ حتى طلعت الشمس، ثم إنني ما طلعت الشمس حتى كانت المسألة عندي واضحة كل الوضوح، وفهمتها وعقلتها وتبينتها.

    فهو رحمة الله عليه بدأ بالبحث قبل صلاة العصر وأدركته صلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر وهو في جلسة واحدة لا يقوم منها إلا لصلاة، أو لطعام رحمة الله عليه، ولم يرقد طوال ليله، وهكذا كان السلف يشغلهم العلم حتى ينسيهم أنفسهم رحمة الله عليهم.

    وقال فضيل بن غزوان : كنا نجلس أنا والمغيرة ، -وعدد أناساً- نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. يجلسون بعد العشاء يتذاكرون الفقه والعلم، فربما لا يقومون من مجلسهم حتى يؤذن، أو يسمعون نداء صلاة الفجر، فيتفرقون رحمة الله عليهم.

    همة حبر الأمة في الطلب

    عن عكرمة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال ابن عباس : [[لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاب قلت لشاب آخر معي من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجباً لك يا ابن عباس! أترى أن الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم]] يعني: أن العلماء موجودون، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، أتظن يا ابن عباس أن الناس يحتاجون إليك، وأنت شاب صغير في الثالثة عشرة من عمرك؟

    وهذه في الحقيقة كلمة فيها تثبيط، وكثيراً ما نسمعها من طلبة العلم اليوم، فنجد بعض طلبة العلم لا يجتهد في الطلب، ولا يترك أحداً يجتهد، ولا يعين مجتهداً، بل يكون همه التثبيط، فإذا رأى طالب علم شمر عن ساعد الجد واجتهد في طلبه للعلم لينال فيه القدح المعلا، تجده يفتنه فيه في الغالب حتى يصرفه عن حلقات العلم، وحتى يصرفه عن تحصيل العلم، فلا هو بالذي حصَّل بنفسه ولا هو الذي حث غيره، وهذا لم يكف المسلمين من شره ولم يجتهد هو في الخير، وهذه من شر الخصال، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يطلب العلم بنفسه ويحث غيره، فإن عجز فلا أقل من أن يطلب العلم، فإن عجز فلا أقل من أن يكف الناس من شره، ولا يثبط طالب علم مشمر عن ساعد الجد سالك السبيل.

    والعبرة في قصة ابن عباس أنه لم ينثنِ، ولم ينفتل، ولم يتراجع عن عزيمته القوية على طلب العلم، ولم يصغ إلى كلام هذا الشاب الأنصاري الذي أراد أن يصرفه عن ذلك، ويقول له: اقعد، فالعلماء كثير وأبو بكر موجود وعمر وعثمان وعلي ، والعلماء كثر، ولن يحتاج الناس إليك، لم يسمع لكلامه، بل شمر ابن عباس عن ساعد الجد وطلب العلم.

    يقول ابن عباس : [[فترك ذاك -يعني: ترك العلم- وأقبلت أنا على المسألة -يعني: أقبل يسأل العلماء من الصحابة من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من علماء الصحابة؛ يجمع منهم ويروي عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فإن كنت لآتي الرجل في الحديث الواحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم]].

    في أيامهم رضي الله عنهم لم يكن العلم ميسراً كما هو الآن، فتجد الواحد منا يمسك صحيح البخاري ويجد فيه خمسة آلاف حديث، وصحيح مسلم ، وغيرها من كتب الحديث، كلها موجودة بين أيدينا في ورق، في مكان صغير يجتمع عشرات الألوف من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إليها الإنسان بكل سهولة، أما الصحابة فلم تكن عندهم كتب، ولم تكتب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الذي كتب القرآن الكريم فقط، فكان الواحد منهم يسمع أن فلان بن فلان من الصحابة عنده حديث، فيسافر إليه سفراً طويلاً من أجل أن يأخذ عنه هذا الحديث، يقول ابن عباس : [[فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجده قائلاً -يعني: نائماً وقت القيلولة في منتصف النهار- فأتوسد ردائي على بابه -فلا يطرق عليه بابه في وقت من أوقات العورات التي قال الله عز وجل فيها: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور:58] قال: فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجده قد قال: فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي التراب]] رضي الله عنه وأرضاه، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينام ويتوسد رداءه على بيت عالم من علماء الصحابة من أجل ألا يطرق عليه الباب فيزعجه ويوقظه من نومه، بل ينتظره عند بابه ويتوسد رداءه، فتأتي الريح فتسفي عليه التراب وهو ينتظر أن يخرج الرجل من بيته حتى يسأله عن حديث واحد رضي الله عنه وأرضاه.

    ولذلك كان ابن عباس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل} كان عالماً جليلاً من علماء الصحابة رضي الله عنهم، بل هو من أكابر العلماء في الفقه والتفسير، وفي فهم كتاب الله، وتعلمون قصته التي رد بها على الخوارج ، وكانوا ثمانية آلاف، أو عشرة آلاف كما نقل في السير والأخبار، فناقشهم ابن عباس في العلم فرجع منهم أربعة آلاف هداهم الله عز وجل بسبب علم ابن عباس واطلاعه.

    فقد جاءهم وعليه ثوب غالي الثمن، ثوب جميل لبسه ابن عباس لما ذهب ليناظرهم، فقالوا: تلبس هذا الثوب بهذا الثمن الغالي وبهذا الثمن الباهظ، فرد عليهم ابن عباس بكتاب الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] فأفحمهم بكتاب الله.

    ثم إنه ناظرهم في مسألة الحكم لما قالوا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 7] وعلي حكم الرجال، فقال لهم ابن عباس : لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون عن قولكم؟

    لأن الخوارج يحتجون بأن علياً حكم الرجال، يعني: حكم أبا موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص، مع أن الله عز وجل يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:7] ويقول: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] فالحكم له وحده وعلي حكَّم الرجال هكذا كانوا يقولون.

    فقال: أرأيتكم لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون؟ قالوا: نعم، فذكر لهم قول الله عز وجل: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] وقال تعالى: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] قال: ألم تروا أن الله عز وجل نصب حكاماً من الخلق في مسائل في طير يقتل بالحرم، قالوا: بلى.

    فالشاهد: أنه ناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وهداهم الله عز وجل على يدي ابن عباس ذلك العالم الرباني الذي طلب العلم، وبذل جهده الواسع في سبيل تحصيله حتى كان إماماً في الدين، وهدى الله على يديه هذه الأمة الكبيرة، ويناله أجرهم بإذن الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من دل على هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً} ويقول: {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم} ويقول: {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ من الدنيا وما فيها} ويقول ابن عباس : [[ فكانت الريح تسفي التراب على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج، قال: يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك -الصحابي يقول لـابن عباس : لو أرسلت إليَّ حتى آتيك أنا بدل أن تأتي إلى بيتي وتتوسد ردائك وتسفي الريح التراب على وجهك- فيقول ابن عباس : لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه منك ]].

    وهذه الواقعة تعددت وحصلت عدة مرات من ابن عباس رضي الله عنهما، يقول ابن عباس: [[ فكان الرجل -يعني: الشاب الأنصاري الذي اقترح عليه أن يجتهد في طلب العلم في أول أيام شبابهما- بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني: العلماء الكبار من الصحابة- واجتمع الناس حولي يسألونني عن العلم، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني ]] أي: الصحابي الشاب الذي اقترح على ابن عباس أن يجمع العلم من الصحابة فرفض، ورأى ابن عباس بعد سنين طويلة أكثر من عشرين أو ثلاثين أو أكثر من ذلك من السنين رآه وقد مات علماء الصحابة الكبار وبقي ابن عباس ، والتف الناس حوله يسألونه عن العلم، فرآه ذلك الشاب الذي كان شاباً، فيقول: كان هذا الفتى أعقل مني.

    قال الحاكم عقب هذا الخبر: هذا الحديث أصلٌ في طلب الحديث وتوقير المحدث.

    وقال محمد بن عبد الله الأنصاري بسنده عن ابن عباس قال: [[ وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم-أقيل: أقضي وقت القائلة -ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأُذن لي، يعني: وأنا أعلم أني لو طرقت الباب، لأذنوا لي وفتحوا الباب، لكني ما كنت أفعل ذلك حتى لا أزعجه، وحتى لا يتذمر مني، وحتى يقبل عليَّ بنفس منشرحة وقد ارتاح واطمأن ]] وهذا من توقير ابن عباس رضي الله عنهما للعلم وأهله، فلم يكن يسعى لإزعاج من عنده العلم، ومن عنده الفهم والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يسعى لإزعاجه، بل كان يتلطف تلطفاً؛ مع أنه لو طرق عليه الباب لخرج له، يقول: ولو شئت أن يؤذن لي عليه، لأُذن لي، ولكني أبتغي بذلك طيب نفسه، يعني: لا يريد أن يعكر مزاجه ويحدثه وهو سيء المزاج وهو متعب متكدر.

    1.   

    العلماء وإنكار المنكر

    ومما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن السلف من العلماء الأجلاء إنكار المنكر وصدعهم بالحق، لأن هذا هو ضريبة العلم، لأن كل إنسان أعطاه الله العلم، فعليه أن يصدع به، قال الله عز وجل: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [الأحزاب:39] وقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    الشاهد: أن الواجب على من علمه الله العلم، وآتاه الكتاب أن يبينه للناس، ولا يكتمه.

    عبادة بن الصامت ينكر على مادح معاوية

    فمما نقل في ذلك عن السلف ما ذكره أحد السلف عن عبادة ، قال: كان عبادة بن الصامت مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعاً، فأذن يوماً، فقام خطيبٌ من الخطباء يمدح معاوية ويثني عليه، وكان معاوية في ذلك الوقت هو خليفة المسلمين، فقام عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه بتراب في يده، فحثاه في فم الخطيب، فغضب معاوية رضي الله عنه وأرضاه.

    فقال له عبادة: [[ إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا وعلى أثرةٍ علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا رأيتم المداحين، فحثوا في أفواههم التراب} فأنا أفعل ذلك طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإن غضبت ]].

    ومما نقل عن السلف في هذا الباب: عن الأوزاعي قال: حدثني أبو كثير عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر رضي الله عنه وأرضاه وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجلٌ، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع أبو ذر رأسه، ثم قال: أرقيب أنت عليَّ؟ لو وضعتم السماطة على هذه، وأشار بيده على قفاه، ثم ظننت أني أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجهزوا عليَّ لأنفذتها.

    العمري يعظ الرشيد على الصفا

    ومن ذلك ما ذكر عن سعيد بن سليمان ، قال: كنت في مكة في زقاق، وإذا جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري ، وقد حج هارون الرشيد ، فقال له إنسان: يا أبا عبد الرحمن ! هو ذا أمير المؤمنين يسعى، وقد أخلي له المسعى، فقال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرا؛ً كلفتني أمراً كنت عنه غنياً، يعني: ما دام أخبرتني أن أمير المؤمنين في المسعى، فقد كلفتني بأمر عظيم كنت في سعة منه، وكنت غنياً عنه، وهو أن أقوم إلى أمير المؤمنين، فآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر.

    ثم تعلق نعليه -يعني: أخذ نعليه معه- وقام، قال: فتبعته، وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا ، فصاح فيه العمري رحمه الله: يا هارون، فلما نظر إليه هارون.

    قال: لبيك يا عمي.

    قال: ارق الصفا ، فرقي هارون الرشيد، فلما رقيه، قال له العمري: ارم بطرفك إلى الكعبة -يعني: انظر إلى الكعبة-

    قال: قد فعلت، قال: كم هم؟ يعني: كم الذين يطوفون حول الكعبة؟

    قال هارون: ومن يحصيهم؟

    قال: فكم من الناس مثلهم غيرهم؟

    قال: خلق لا يحصيهم إلا الله.

    قال العمري : اعلم يا هارون الرشيد! أن كل واحد من هؤلاء يُسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم يوم القيامة، فانظر كيف تكون؟

    قال: فبكى هارون الرشيد وجلس، وجعلوا يعطونه منديلاً للدموع.

    قال العمري : وأخرى أقولها لك يا هارون.

    قال: قل يا عمي.

    قال: والله إن الرجل ليسرف في ماله، فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في بيت مال المسلمين.

    ثم مضى وهارون يبكي.

    فرحمة الله على هارون الرشيد ، ورحمة الله على من نصحه، وبهذه القصة العطرة أختم هذه الجلسة المباركة إن شاء الله، والتي طفنا فيها في بعض أخبار العلماء وآثارهم وملحهم رحمة الله عليهم.

    وفي الختام أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا جميعاً من العلماء الربانيين الذين يعملون بالكتاب ويدرِّسون كما قال الله جل وعلا: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79]، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [الأحزاب:39].

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاَ ولساناً ذاكراً، ربنا زدنا علماً، ربنا زدنا علماً، ربنا زدنا وقاراً، ربنا زدنا هدى، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.