إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد الفعلة الشنعاء التي جاء بها السامري وتابعه عليها بعض بني إسرائيل أمر الله بني إسرائيل بالتوبة، بأن يقتلوا أنفسهم، وبدلاً من المبادرة طلبوا رؤية الله جهرة، حتى يؤمنوا ويصدقوا موسى، فغضب الله عليهم وأنزل صاعقة أماتتهم، ثم بعثهم علّهم يتعظون ويشكرون، ومع هذه بقيت نفوسهم مريضة، إذ رفضوا جهاد أعدائهم فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة، ومع هذا لم تنقطع نعم الله وأفضاله عليهم.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:54-57] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    اتخاذ بني إسرائيل للعجل إلهاً ومعبوداً

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [البقرة:54] اذكر يا رسولنا أيها المبلغ عنا! يا مصطفانا! اذكر قولة موسى لبني إسرائيل، (وإذ قال موسى لقومه) وهم قطعاً بنو إسرائيل، وماذا قال لهم موسى؟ قال: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].

    فصلنا الحادثة سابقاً، وعرفنا أن موسى عليه السلام بعدما نجاه الله مع بني إسرائيل وخرجوا من الديار المصرية ديار فرعون، وأغرق الله فرعون وجيشه، ونزلوا بالساحل ساحل البحر الأحمر.

    وذكرت لكم لطيفة لا تنسى: لما استقل بنو إسرائيل بم يحكمهم موسى؟ ما هو الدستور؟

    فقال: انتظروا، لي موعد مع ربي وآتيكم بما أحكمكم به.

    هنا قلت: استقل لنا كذا وأربعون إقليماً من الاستعمار البريطاني .. الفرنسي .. الإيطالي .. البلجيكي .. الهولندي، وما استطاع إقليم واحد يقول: الحكومة الكافرة خرجت ونحن بم نحكم، فيطلبون دستوراً إسلامياً؛ لأن الشعب مسلم، ولا يساس إلا بالإسلام، فما استطاعوا، ومن صرفهم؟!

    وقد قلت -وإني على علم-: كان المفروض -لأن الله أوجد هذه الدولة على يد عبد العزيز أيام الاستعمار- أن كل إقليم يستقل على الفور يبعث بوفد ويطالب بالقانون الذي تحكم به هذه البلاد؛ بلاد الحرمين، ولو فعلنا هذا لكنا الآن أمة واحدة، لكن حب الدنيا .. حب الرياسة، والمال، والجاه، والسلطان حجبنا، أما الله جل جلاله فقد أقام الحجة علينا.

    ولو ما كانت هذه الدولة موجودة، وما سادها أمن وطهر وصفاء، وأقيمت فيها حدود الله لعذرناهم؛ لانعدام من نفزع إليه، ومع هذا كان يجب أن يجتمع علماؤنا ويضعوا دستوراً وقانوناً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكتب الفقه على المذاهب السليمة الصحيحة الأربعة، لكن ما حصل، فلنذق البلاء والعذاب، وهو بما كسبت أيدينا: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118].

    ونعود إلى السياق الكريم: لما ذهب موسى إلى مناجاة ربه بجبل الطور من سيناء، هذا الشيطان الآدمي السامري - كما عرفتم- احتال على نساء بني إسرائيل وقال: إن هذا الحلي أكثره عارية من القبطيات، ولا يحل لكن الانتفاع به، فاجمعنه ونحرقه. فلما جمعن الحلي أحرقه وحوله إلى عجل، فصنع منه عجلاً -كما تعرفون الصور والتماثيل- وله خوار، هل الريح تدخل فيه وهو مجوف أو يصوت الشيطان على فمه للفتنة؟ ولا عجب، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، وموسى الآن تائه ما عرفه.

    والعجيب أنهم قبلوا هذا، أكثرهم قبل واستجاب، لم؟ لأنهم أميون .. جهلة، ما عرفوا الطريق، أين تعلموا؟ فعلَّتهم هي الجهل بالله، وإلا كيف يتصورون أن يكون الله في صورة عجل وهم أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين؟!

    إذاً: فعبدوه.

    أما هارون عليه السلام؛ أخو موسى -وقد نبأه الله وأرسله وهو في مصر- فقد انعزل مع بعض المؤمنين، وأبوا أن يعبدوا معهم العجل، بل هارون بذل ما يمكن أن يبذله في صرفهم عن هذا الباطل، ولكن غلبوه.

    أما موسى فما زال يناجي ربه حتى أخبره بأننا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:85-86]، وصاح وثار ثورة إيمانية حتى أخذ يلبب أخاه هارون بل أخذه من لحيته، قال هارون: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] فاعتذر هارون عليه السلام.

    توبة بني إسرائيل

    زلت أقدام بني إسرائيل وعبدوا غير الله فارتدوا عن الإسلام، وما حكم الردة في قضاء الله؟ القتل، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) إلا أن رحمة الإسلام تستتيب المرتد ثلاثة أيام، يحبس مع المؤمنين، وتعرض عليه الصلاة .. تعرض عليه عبادة الله، علَّه يرجع، فإن أصر يعدم ويموت كافراً، بلا رحمة له، فإن تاب تقبل توبته.

    فما هي توبة بني إسرائيل؟

    أوحى الله إلى موسى أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل، واجتمعوا في ساحة عظيمة بالخناجر والسيوف، وأخذ بعضهم يقتل بعضاً. تقول بعض الروايات: حتى قتل منهم سبعون ألفاً.

    ثم أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى: أن قد تمت توبتهم، فلّوح بثوب من ثيابه؛ أعلمهم بانتهاء الحرب.

    هذه هي توبة الله على بني إسرائيل اللذين عبدوا العجل.

    واسمعوا قوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] إلهاً تعبدونه فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] أي: إلى خالقكم. كيف نتوب؟ قال: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]، وليس هذا من باب الانتحار بأن يقتل كل واحد نفسه، لا، الحقيقة أنهم غمهم سحاب مظلم، أي: الذين ارتكبوا هذه الجريمة، ودخلوا في المعركة، فما يتبين الرجل أخاه ولا أباه، كلهم في ظلام.

    فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:54] إي نعم، خير لكم عند ربكم. فلو تركهم على تلك الردة وما آخذهم وماتوا إلى عالم الشقاء والخلود فيه أبداً، ولكن من لطف الله وإحسانه ورحمته أن طهرهم بهذا القتل.

    فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] وذكر البارئ بمعنى: الخالق المصور؛ لينبههم على أن العجل لا يخلق شيئاً، ولا ذبابة، فالذي يُعبد، ويُطرح العبد بين يديه باكياً، خاشعاً، خاضعاً من يحيي ويميت، من يعز ويذل، من يعطي ويمنع. أما صنم، وتمثال، وصورة، وشخص، وقبر كيف يعبده ذو العقل؟! إلا أن الجهل إذا عم عميت القلوب.

    قال: ففعلتم فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] كثير التوبة، فما تاب إليه أحد ورده قط، رحيم: رحمته انتفع بها كل كائن، وقد جاء في الحديث الصحيح ما علمتم: ( أن الله تعالى قسم الرحمة مائة قسماً، جزأها مائة جزء، فادخر لأوليائه وصالح عباده تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة، وجزء واحد تتراحم به الخليقة كلها، حتى إن الفرس ترفع حافرها مخافة أن تطأ مهرها )، وأنتم تشاهدون.

    ومن شاهد الدجاجة كيف تعلم أولادها نقر الحب، ومن شاهد العنز كيف تميل بضرعها إلى جديها و.. و.. و.. يعرف هذه الحقيقة، هذه الرحمة تتراحم بها الخليقة كلها، فهذا الذي ينبغي أن يعبد ويشكر، يحمد ويثنى عليه، يطاع ويهاجر من أجله .. يذكر ولا ينسى، أما الأوهام، والضلالات، والخرافات، والريال، والدينار، والشهوات فهذه تعبد مع الله؟ كيف تستحق العبادة؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ...)

    قال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى [البقرة:55] اذكر لهؤلاء اليهود حولك يا رسولنا، هذه دعوة الله لهم علَّهم يهتدون .. علَّهم يدخلون في رحمة الله، لكن العناد، والمكابرة، وحب الدنيا، وطلب الرياسة منعهم، قالوا: لا ندخل في الإسلام فنذوب فيه، ولا يبقى لنا كيان ولا وجود، ندخل النار ولا نقبل هذا، ما هو عجب هذا؟!

    المسلمون ابتعدوا عن شرع الله عناداً، لا يريدون الإسلام يطبق عليهم، وهم أعلم من اليهود.

    قال: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] أي: ظهوراً بيناً.

    متى هذا؟

    لما حصلت الفتنة وانتهت أوحى الله تعالى إلى موسى أن يأتيه بسبعين من خيارهم يعتذرون إلى الله، ويعلنون عن توبتهم، ليتوب عليهم، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً من خيارهم، وذهب بهم إلى جبل الطور، فلما انتهوا إلى مكان المناجاة؛ مناجاة الله لموسى وسمعوه، وسمعوا موسى يناجي ربه قالوا: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] لما كانوا يسمعون كلام الله لموسى وسمعوا قالوا: نريد أن نراه بأعيننا، لا يكفي أن نسمع كلامه، أرنا الله عياناً، مجاهرة، مكاشفة بلا ستار، ظاهراً.

    إذاً: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة:55] الرسول كان يخاطب في يهود المدينة ولكن هم فئة واحدة، الفرع والأصل واحد، يهودي موجود الآن كالموجود على عهد موسى، أمة كاملة، لم يوجد في العالم أمة لا تخلخلت ولا تضعضعت إلا هم، فلهذا خطاب الآخرين كالأولين، لأنهم يتحملون .. الآخرون يتحملون ذنب الأولين، أصل واحد.

    فأخذتهم الصاعقة، هذه الصواعق التي تأتي في الأمطار صاعقة شديدة أماتتهم، فمن شدتها صعقوا فماتوا واحداً بعد واحد، وما ماتوا بصيحة واحدة، تمت الصاعقة حتى ماتوا بالتوالي، مات مات مات الكل، ثم بعد أربع وعشرين ساعة أحياهم الله عز وجل.

    ومع هذا يحتج هؤلاء اليهود بأجدادهم، ويلتزمون بمبادئهم، ويرتبطون بهم، مع هذا الفساد والشر والضعف لو كانوا عقلاء!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون)

    قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة:56] بعد نهاية الأربع والعشرين ساعة عادت أرواحهم لهم، وأبدانهم ما فسدت، ناموا، وفي أربع وعشرين ساعة لا يتغير شيء، فعادت الروح من جديد، أخذها ملك الموت وردها.

    وهذه هل يبقى معها كفر بالله؟ هل يبقى معها عناد ومحاربة لله ورسله؟! عجب بنو آدم! عجب!

    ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56] فهل شكروا؟ أين الشكر؟ رفع الله عنكم البلاء لتشكروا لا لتزدادوا فسقاً وفجوراً.

    وهذه في الحقيقة لنا، وقلنا غير ما مرة: هذا الكتاب كتاب هداية بشرية لا تنتهي هدايته إلى يوم القيامة حتى يرفعه الله، فالمفروض أن نستفيد من هذه الأحداث إفادة حقيقية، فلا نقرأ فقط: اليهود كانوا كذا وكذا؛ ونحن.. هل نحن على منهج الله؟ مستقيمون على شرع الله؟ من يقول: نعم؟ ولا نسبة واحد في المائة، ولا في الألف في عالمنا الإسلامي، لأننا جهلة، لا أقل ولا أكثر، فالجهل الذي أهلك أولئك يهلك كل من عداهم، والذي يعيش في الظلمة كيف يعيش؟ يتخبط ويتخبط في كل مهاوي الحياة.

    لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56] أي: من أجل أن تشكروا الله عز وجل، أي: تعبدوه بما شرع، بذكره وطاعته، إذ هذا هو الشكر. فالذي لا يعبد الله ما شكر الله.

    وقد عرفنا والحمد لله أن الشكر هو أن النعمة التي أنعم الله بها عليك أحياك بعد موتك .. عافاك بعد سقمك .. أعطاك بعد منعك، أن تشكر الله: أولاً تعترف بقلبك بأن هذه نعمة الله، ثم تعرب عما في القلب وتترجمه بكلمة: الحمد لله، وتقول من كل أعماق نفسك: الحمد لله.

    ثالثاً: أن تصرف النعمة في ما من أجله وهبكها وأعطاك إياها.

    فهل نذكر هذا أو ننسى؟!

    فما من نعمة إلا ونحن مطالبون بشكرها، حتى نعمة البصر اشكر الله عليها؛ فلا تنظر إلى ما حرم الله عليك، وانظر فيما أحل لك، وأذن لك: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ...)

    قال تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57] متى تم هذا؟

    تم هذا لما عاد موسى عليه السلام، وانتهت المحنة نهائياً، فقال لهم: باسم الله، نواصل المشي. قالوا: إلى أين؟ إلى بيت المقدس، وكان بها العمالق يحكمونها.

    إذاً: فباسم الله مشوا على البهائم، وليس هناك -يومئذ- سيارات ولا قطارات كما هي حال البشر اليوم.

    ثم لما قاربوا اختار موسى اثني عشر رجلاً: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة:12] والنقيب عندنا رتبة عسكرية، والنقيب في الحقيقة مأخوذ من النقب .. من البحث، اثنا عشر نقيباً واذهبوا .. ادخلوا، وتحسسوا وارجعوا إلينا واعطونا واقع هذه الأمة أو هذه الدولة كيف نواجهها؟ كيف ندخل معها في حرب ونتخلص من حكمها الكافر الباطل، ويدخل الإسلام في ديار أرض القدس؟

    فمع الأسف الاثنا عشر عشرة منهم هبطوا، فجاءوا ترتعد فرائصهم، يصرخون: يا ويلكم، كيف تقاتلون هؤلاء؟ حتى قال أحدهم: أنا أخذني جبار من جبابرة العمالقة ووضعني في جيبه، ووضعني بين يدي أولاده قال: العبوا بهذا الطفل كالعصفور. كل واحد جاء بفرية عظيمة؛ لأنهم ما دخلوا، الجُبن .. الخور .. الضعف، ولا تلوموهم فقد عاشوا مستعمرين، مستغلين، جهلة.

    حقيقة الرجولة

    وصدق رجلان فقط، قال تعالى من سورة المائدة: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]. والرجلان مذكوران، ولا فائدة في اسم الرجل. المهم: قَالَ رَجُلانِ [المائدة:23] تعرفون الرجل أو لا؟ له قيمة. وهو غير الذكر، الذكر كالحيوان. الرجل: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [القصص:20].

    وهنا حكاية لتعرفوا أن الرجولة مفقودة: أحد الطلبة قال لشيخه: يا شيخ! التقيت برجل في مكان كذا، قال: اسكت، هل في بلادنا رجل؟ قل: لقيت ذكراً. أين الرجل؟!

    والشاهد: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ [المائدة:23] من الذين يخافون ربهم من أهل الإيمان والمعرفة، لولا علمهم بالله ما خافوا.

    ماذا قال الرجلان؟ قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ [المائدة:23] باب المدينة فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] ما هو جواب بني إسرائيل؟ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] فبمن يقاتل موسى؟ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا [المائدة:24] لو قالوا: يا رسول الله! يا كليم الله! لا، قالوا: يا موسى، عجائب! لا حول ولا قوة إلا بالله. أين الأدب؟! يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] أي: فرّغها وأخرجهم ونحن بعد ذلك ندخل، هذا كلام؟! هذا هو الجُبن.

    لن ندخل فلسطين حتى يخرج اليهود

    يا شيخ! لقد وقع هذا لأمتك وإخوانك.

    كيف هذا؟ كم عاماً واليهود الآن في القدس، يحتلون بلاد القدس؟

    أين عشرة آلاف مليون؟ أين المسلمون؟ لا .. لا، حتى يخرجوا. يا أمريكا! أخرجيهم، يا أمم متحدة! أخرجوهم، والله لا فرق أبداً، أولئك كلهم خمسمائة ألف أو ستمائة ألف ونحن ألف مليون: الأمم المتحدة لم ما تخرجهم من لبنان؟ تخرجهم من كذا؟ أخرجوهم. الواقع واحد أو لا؟ هذا والله أمرّ.

    عرفتم البشر الآن، البشر هم البشر.

    قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] روح أنت والله قاتلا، خلينا نحن جالسين، إذا فرغتم منهم ندخل نهلل ونكبر.

    ماذا يصنع موسى؟ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] هارون، فما عندنا أحد نثق به، أو يستجيب لأمرنا ويمشي وراءنا، فأنا وأخي لا نستطيع أن نخرج أمة عريقة في القوة من سنين أو قرون تملك هذه البلاد، كيف نفعل؟ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25] افصل بيننا وبين القوم الفاسقين. عرفتم الفاسقين؟ بيض أو سود؟! هم الذين يخرجون عن أمر الله ورسوله، فالفاسق من فسق إذا خرج، كما تفسق الفأرة، تخرج من جحرها، فهم فسقوا عن أمر الله عز وجل.

    إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي [المائدة:25] وتقول: أخي أيضاً لا يملك إلا نفسه، أو تقول: وأخي معول عليّ، ابن أمه، يستطيع أن يدفع به أو يتركه. فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].

    قال تعالى إجابة لدعوة موسى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26] بالعد، كم الآن بالنسبة للمسلمين تجاوزت أربعين أو لا؟ تجاوزت، الآن تجاوزت سبعاً وأربعين سنة أو أكثر، فقط محرمة عليهم أربعين سنة.

    لعل بعض الشباب يتحمسون ويتقززون، إي يا أبنائي! يا أبنائي! لما تُسْلم نساؤنا، ورجالنا، وبنونا، وبناتنا لله رب العالمين يومها تطلَّع، أما أمة هابطة تعيش على الربا، والفجور، والباطل، والخيانة، والكذب، والشر، والفساد، وترك الصلاة و.. و.. تريد أن تقاتل؟ تقاتل من؟ تقاتل مع الله أو ضد الله؟ تقاتل ضد الله وتنتصر؟ مستحيل.

    لو شاء الله أن ينزل باليهود وباء لفعل، ثلاثة أيام فلا يبقى واحد، لكنه ما يفعل؛ لأنه ابتلى المسلمين، امتحنهم. هل عرفوا الله وقرعوا بابه؟!

    وإن شككت هل يجوز للمسلمين أن يعيشوا دويلات يحارب بعضها بعضاً، ويحسد بعضها بعضاً؟ أيجوز هذا؟ والله لا يجوز. كيف إذاً ينصرنا الله باللهو والباطل؟!

    والله لو ملكنا الذرة والهيدروجين لا نستطيع أن نخرج اليهود حتى يأذن الله، لأن هذا تدبيره ليرينا آياته بنا، ما هي قضية قوة وسلاح.

    أما قال: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:52]؟ هل شكرنا؟ بل كفرنا -والعياذ بالله- بآلاء الله ونعمه.

    قيادة يوشع لبني إسرائيل

    قال: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26] يمشون، يمشون جاءت القيلولة نزلوا، استراحوا، حملوا أمتعتهم، مشوا، أربعين سنة هكذا في تلك الدائرة، ومات موسى عليه السلام خلالها، ومات هارون عليه السلام خلالها، ثم مات هذا الجيل الهابط الذي ألِف البقلاوة والحلاوة، ونشأت ناشئة في الصحراء وعرفت، فقادهم يوشع بن نون فتى موسى عليه السلام، وقد جاء ذلك مبيناً في سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم ودخل فيهم، فلما قاتلهم يوم الجمعة أوشك أن يصل إلى أبواب المدينة ويحتلها وكادت الشمس تغرب، فقال للشمس: ( يا شمس! أنت مأمورة وأنا مأمور قفي حتى ندخل )، والله وقفت الشمس، وواصل الزحف حتى دخل المدينة قبل غروب الشمس؛ لأنه لو غابت الشمس خارجها فالقتال ممنوع؛ لأنه يوم السبت وحرام القتال فيه، فلهذا وقفت.

    ولما وقفت ماذا حصل؟ ستسمعون: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء:154] دخلوا يزحفون على أستاههم، قولوا: احطط عنا خطايانا؟ قالوا: حنطة في شعير. هؤلاء يحتاجون إلى الصفع، ما هذه العقول؟!

    ما سبب هذا الهوان والدون؟

    الجهل والعناد والمكابرة، فما أخلصوا قلوبهم لله، وما ذابوا في طاعة الله ورسوله.

    نعم الله على بني إسرائيل في التيه

    قال: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة:57] لأنهم في صحراء سيناء أربعين سنة، تدبير الله .. آيات الله .. رحمة الله حيثما يكونون يكون الغمام على رءوسهم، فهو سحاب خفيف، لطيف، ظريف، يظللهم عن الشمس، وفي الليل والصبح يذهب الغمام، ولما ترتفع الشمس ويبدأ الحر يأتي الغمام.

    وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة:57] الغمام: جمع غمامة وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57] ما عندهم مزارع، ولا مطابخ، ولا.. كيف يأكلون وهم تائهون، وما استقروا في مكان، يومياً يحملون أمتعتهم ويمشون إلى بيت القدس، فإذا بهم في نفس المكان، وإنما لفوا فقط ورجعوا.

    فأنزل عليهم المنّ، والمن جاء به أحد الحجاج من العراق كالحلوى المعجونة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( الكمأة من المن، وماؤها شفاء العين ). وهي تنبت في الأرض أو يستخرجوها كالفقع، هذه مغذية ولذيذة إلى أبعد حد، هذه المن، أنزل المن بالمطر أو نبت بأمر الله عز وجل، فيعيشون عليه.

    والسلوى طائر يأتي من الجنوب بالآلاف ويقع بين أيديهم، فيجمعونه ويطبخونه ويأكلونه.

    أي: عاشوا على الحلوى والمشوي، من دبر هذا التدبير؟ الله. لم؟ لأنم أبناء الأنبياء .. أحفاد المرسلين .. أولاد أمة ما كان أفضل منها على الأرض، والآية صريحة: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16] فانظر تلك الألطاف الإلهية، والرحمة الربانية؛ الحلوى ولحم الطير.

    كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:57] باسم الله كلوا من طيبات ما رزقناكم.

    سبب عقوبة التيه

    قال تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا [البقرة:57] في قضية التيه حتى صاروا تائهين وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57] لو استجابوا لأمر موسى وقد ناداهم: يا بني إسرائيل! اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:20-21] وهذه الجملة يتمسك بها اليهود، قالوا: فلسطين لنا ما هي للمسلمين، والقرآن شاهد: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21] حق، لكن يدخلوها طاهرين مؤمنين، أو مشركين، أخباث، نجسين؟ هيا تفضلوا، لو يسلم اليهود في العالم بأسره، ويصبحوا كأصحاب رسول الله هل هناك من يقول: لا تدخلوا القدس؟ هم أحق بها منا، تفضلوا. لكن أنجاس، أرجاس، أوساخ، ماكرين، خادعين، مشركين، كفروا بالله ورسوله ولقائه يستحقون، تصبح لهم؟! هذه حجة واهية وباطلة، لا قيمة لها، كتبها لكم عندما تكونون مؤمنين مستقيمين على طريق الله والحق.

    ثم لماذا ما يذكرون الرومان لما أخرجوهم، والبابليين لما طردوهم؟ لأنهم فسقوا، فسلط الله عليهم أعداءهم.

    فلا حجة لهم أبداً في هذه الآية الكريمة.

    ونحن لما فسقنا عن أمر ربنا، وخرجنا استعمرنا الشرق والغرب أو لا؟ من سلطهم؟ الله، وما زال.

    وكل أمة ما تمشي على رضا الله لا بد وأن يمتحنها ويبتليها، قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118].

    وأذكر أيضاً حادثة أخرى: اليهود يسمعون هذا الآن ولا يؤمنون، هل هذا الكلام يقوله محمد من عنده؟ وهم يجدونه بالحرف الواحد عندهم كيف ما يقولون رسول الله؟ قالوا: رسول الله ما هو لنا، هذا لأولاد إسماعيل، ونحن أولاد إسحاق، لا، ما هو لنا هذا الرسول، يضللون العوام بهذا ويخدعونهم: محمد رسول، ولكن للعرب وليس لنا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [المناسبة ومعنى الآيات: لما ذكر الله تعالى اليهود بما أنعم على أسلافهم ] وأجدادهم [مطالباً إياهم بشكرها فيؤمنوا برسوله، ذكرهم هنا ببعض ذنوب أسلافهم ليتعظوا فيؤمنوا، فذكرهم بحادثة اتخاذهم العجل إلهاً وعبادتهم له، وذلك بعد نجاتهم من آل فرعون وذهاب موسى لمناجاة الله تعالى، وتركه هارون خليفة له فيهم، فصنع السامري لهم عجلاً من ذهب، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، فأطاعه أكثرهم، وعبدوا العجل فكانوا مرتدين بذلك، فجعل الله توبتهم من ردتهم أن يقتل من لم يعبد العجل مَن عبده فقتلوا منهم سبعين ألفاً، فكان ذلك توبتهم، فتاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم.

    كما ذكرهم بحادثة أخرى: وهي أنه لما عبدوا العجل وكانت ردة اختار موسى بأمر الله تعالى منهم سبعين رجلاً من خيارهم ممن لم يتورطوا في جريمة عبادة العجل، وذهب بهم إلى جبل الطور ليعتذروا إلى ربهم سبحانه وتعالى من عبادة إخوانهم للعجل، فلما وصلوا قالوا لموسى: اطلب لنا ربك أن يسمعنا كلامه، فأسمعهم قوله ] ماذا قال لهم؟ قال لهم: [ إني أنا الله، لا إله إلا أنا، أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة؛ فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. ولما أعلمهم موسى بأن الله تعالى جعل توبتهم بقتل أنفسهم، قالوا: لن نؤمن لك ] هو أخبرهم أن توبتهم من أمر الله، وليس موسى الذي أمرهم بقتل بعضهم بعضاً، قالوا: لن نؤمن حتى نرى الله، ونسمع منه، وإلا غضبوا عليه وقتلوه.

    [ قالوا: لن نؤمن لك، أي: لن نتبعك على قولك فيما ذكرت من توبتنا بقتل بعضنا بعضاً حتى نرى الله جهرة، وكان هذا منهم ذنباً عظيماً لتكذيبهم رسولهم فغضب الله عليهم، فأنزل عليهم صاعقة فأهلكتهم، فماتوا واحداً واحداً وهم ينظرون، ثم أحياهم تعالى بعد يوم وليلة، وذلك ليشكروه بعبادته وحده دون سواه. كما ذكرهم بنعمة أخرى وهي إكرامه لهم وإنعامه عليهم بتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى أيام حادثة التيه في صحراء سيناء. وفي قوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [النحل:118] إشارة إلى أن محنة التيه كانت عقوبة لهم على تركهم الجهاد وجرأتهم على نبيهم؛ إذ قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] وما ظلمهم في محنة التيه، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم]. وصلى الله على نبينا محمد.