إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن وسوس إبليس لآدم وحواء، وأوقعهما في فخه، كان الجزاء أن أهبط الله الثلاثة إلى الأرض وأخبرهم بالقاعدة الجديدة للحياتين: الأولى والأخرى، فأعلمهم أنه إذا أتاهم منه هدى فاتبعوه فإنهم يأمنون ويسعدون، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وتوعد من كفر به وكذب بآياته بالخلود في نار جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:38-39] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض

    معاشر المستمعين! قول ربنا جل جلاله: (قلنا اهبطوا منها) من الذين أمرهم بأن يهبطوا منها؟ ما هي هذه التي يهبطون منها؟

    أما الهابطون فهم آدم عليهم السلام وحواء والعدو إبليس عليه لعائن الله، والضمير في منها عائد إلى الجنة دار السلام، إذ قد سبق في الآيات الكريمة أن الله عز وجل استشار الملائكة، وإن كان تعالى في غنى عن المشورة، ولكنه التعليم والتربية لبني آدم، فلهذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار )، وقال في الربانيين في صدر هذه الأمة: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38].

    وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] فما كان جوابهم إلا أن قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30]، ونحن درسنا وعرفنا أن الإفساد في الأرض لا يكون إلا بمعصية الله ورسوله، وليس الإفساد في الأرض بهدم المباني، وتعطيل الطرق، وإزاحة الجبال، وإيقاف الأنهار، بل المقصود منه معصية الله والرسول في الأرض.

    وكيف كانت المعصية فساداً؟

    الجواب: أنتم على علم بأن الله تعالى لا يأمر بأمر لينهض به المكلفون إلا وهو الخير كله، ولا ينهى عن شيء إلا وهو الشر كله، وإن قلتم: بالغ الشيخ في هذا، فالجواب: أليس الله عليماً حكيماً؟ ما آمنتم بعلمه وحكمته! فكيف -إذاً- يأمر بما لا خير فيه، ولمن؟ للآدميين، أما هو تعالى فغناه مطلق؛ إذ كان الله ولا شيء غيره.

    لكن بالنسبة إلى عبيده من الإنس أو الجن فهو يريد أن يربيهم على الكمال ليسعدهم في الحال والمآل، يأمرهم: افعلوا كذا .. افعلوا كذا .. قولوا كذا .. اعتقدوا كذا، وينهاهم: لا تفعلوا كذا .. لا تعتقدوا كذا .. لا تقولوا كذا، وذلك من أجل إكمالهم وإسعادهم، فوالله الذي لا إله غيره لا يأمر إلا بما فيه خير هذا الإنسان، ولا ينهى إلا ما فيه شر هذا الإنسان.

    فمن هنا من هم المفسدون في ديارنا؟ العاملون بالمعاصي، أولاً يفسدون أنفسهم فيخبثونها .. يلوثونها .. يعفنونها حتى تصبح كأرواح الشياطين، ويومها لا حق لها في الملكوت الأعلى، فقد خبثت، فلا تصلح للسماء ولا للنزول بها، وهذه الحقيقة -أيضاً- أصبحت كالشمس بين أيدينا إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41].

    من هم المفسدون غير المكذبين، والكافرين، والمستكبرين، والمجرمين، والظالمين.

    إذاً الفساد في الأرض هو معصية الله تعالى ورسوله. فكل من يعيش على معاصي الله والرسول كأنه آخذ بيده معول ويضرب في الأرض ويفسد، إذ لا ينتشر الخنا، والكذب، والسرقة، والخداع، والنفاق، وسوء الأخلاق، وهبوط الآداب إلا من جراء المخالفات والمعاصي.

    سبب هبوط آدم وحواء إلى الأرض

    إذاً: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38]. عرفنا من هم الذين هبطوا؟ آدم وحواء.

    لم أهبطهم؟ ما أصبحوا أهلاً لذلك النعيم، كيف؟ تلوثت أنفسهم، فما أصبحوا أهلاً لمجاورة الله، فأهبطوا إلى الأرض.

    ولم أمرهم بالهبوط وأهبطهم؟ أتدرون لماذا؟

    أما آدم وحواء فجريرتهما .. فمعصيتهما .. فذنبهما أنهما أكلا من الشجرة، إذ قال لهم: ارتعوا في هذا النعيم فكلوا وتنعموا، ولا تقربوا هذه الشجرة، فما كان من عدوهما وعدو البشرية كلها إبليس إلا أن زين لهما الأكل من الشجرة، ووقعت في الفخ حواء قبل آدم؛ وذلك لضعف عقول النساء، فهي التي بدأت وقالت: أكلت ولا شيء.

    إذاً: يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! هنا موقف يجب أن لا ينسى، من أجل معصية واحدة حرم آدم وامرأته من نعيم كانا فيه، وأهبطا إلى عالم الشقاء والكدح والعمل المتواصل. معصية واحدة! فكيف بالذي كل يوم يقارف معصية، ويغشى ذنباً، ويأتي كبيرة.

    سبب هبوط إبليس إلى الأرض

    إبليس أتدرون لم أبلس .. لم أيس من الخير؟ وأصبح مطبوعاً على الشر، هو وذريته وما تناسل منه؟ ماذا فعل؟ ما هي معصيته؟ ما قتل نفساً، ولا أحرق قرية، ولا عبث بالمصحف، ولا بال عليه كما يفعل طغاة العرب؛ ماذا فعل إبليس؟ ما زاد على أن رأى أنه خير من آدم بقياس ليس بصحيح، فاعتذر لله وقال: لا أسجد له خلقتني من نار وخلقته من طين؛ فأنا أشرف منه وأكمل في أصل الخلقة، وكيف أنزل من مستواي العالي الرفيع وأسجد له؟!

    هذا الذنب الوحيد، وهو الكبر والقياس الفاسد، أبلس، والله لقد أبلس.

    أتدرون معنى أبلس بالبربرية؟ مسح منه عناصر الخير وأصبح كله شر.

    أبلس لمعصية واحدة وهي الكبر وما نتج عنه، فهذه المعصية يقارفها ملايين البشر وما يشعرون.

    وهل هذه المعصية أثرها فقط في كون فلان ما ركع أو سجد؟ الكبر يمنعك أحياناً من كلمة الحق .. من الاعتراف بالحق .. من فعل فضيلة .. من النهوض بواجب، وإذا كان هذا المرض متأصلاً في النفس فلن يفلح صاحبه، وفي الحديث الصحيح: ( إن الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ).

    معاشر الأبناء والإخوان والمؤمنات! هل تقاومون هذا الخلق أو أنتم برءاء منه، سالمون، معافون؟ فمن شعر بهذا الداء أو المرض فليطرح بين يدي الله، ويشكو إليه علته وسقمه، ويطلب منه الشفاء.

    ومن أمثلة مقاومة الكبر أن الحسن بن علي ابن الدوحة النبوية، ابن الزهراء، وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يمشي في موكب على فرسه فمر ببعض الفقراء في ظل شجرة أو جدار -في تلك الأيام هل هناك غير ظل الشجرة والجدار؟- وهم يأكلون أرغفة من الخبز فسلم عليهم، فقالوا: يا ابن فاطمة ألا تنزل تأكل معنا؟ فوالله لقد أوقف فرسه ونزل وجلس على الأرض مع الفقراء، ويأكل الخبز معهم. فهل عرفتم هذه؟

    ومن مظاهر هذا المرض وأنتم تشاهدونه في الذين يجرون ثيابهم في الأرض، وقد لفت النظر إلى هذا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وحذر وأنذر وقال: ( ما زاد على الكعبين فهو في النار ) وأفصح قال: ( من جر ثوبه خيلاء ) أي: كبراً، فهو كذا وكذا.

    أتدرون التواضع المنافي للكبر؟

    عمر رضي الله عنه -وهو خليفة المؤمنين- يذهب إلى السوق فيشتري قطعة اللحم وليس فيه موازين، ممكن أخذ الفخذ، فحمله في ثوبه إلى بيته، فهل تستطيعون أن تفعلوا هذا؟!

    و أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وقبلها وهو الوزير الأول، ولو وزن إيمان من في الأرض بإيمانه لرجح إيمان أبي بكر ، لما ولي الخلافة بعد أن فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت جارية من الحي الذي كان يسكن فيه، من أحياء المدينة وأحواشها، قالت: آه من يحلب الآن لنا ماعزنا؟ فسمعها وقال: أنا أحلب لكم، ولا يمنعني أبداً أن وليت الخلافة أن لا أحلب. وبقي يحلب لآل الحي كما كان.

    فإذا عرفتم هذه العلة قاوموها بمجاهدة النفس .. امش حافياً .. أدبها .. اجلس مع الفقراء والمساكين .. كل الخبز بدون مرق، وهكذا تروضها حتى تذل لله وتخضع، وتجد لذاذة في أن تعفر وجهك في التراب وأنت تقول: سبحان ربي الأعلى.

    اتباع الهدى يقود إلى السعادة في الدارين

    لما هبطا إلى الأرض قال لهم الله عز وجل: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38] والأصل: (إن يأتيكم مني هدى) فإن (ما) مزيدة لتقوية الكلام، هذا الهدى ما هو؟ الهدى ما يهدي السالك إلى بغيته، ويصل به إلى غرضه، سواء كان علماً يرفرف، أو ناراً، أو مصباحاً، أو دليلاً يمشي أمامه، والمراد من الهدى هنا هو ما يوحيه الله تعالى إلى رسله وأنبيائه من كتاب وغيره، أي: من شرائعه عز وجل التي يوحي بها إلى من يصطفيه من الناس ويجتبيه.

    هذا الهدى يقود ويهدي إلى سعادة الآدمي والله العظيم، يهدي إلى سعادة الآدمي في الدنيا والآخرة معاً.

    كيف هذا يا شيخ؟ نعم، تعاليم مصدرها العليم الحكيم، لا يأتيها المؤمن إلا كمل وسعد، ولن يتخلف وعد الله أبداً إلا إذا أخل العبد فلم يلتزم بالمبدأ، وقدم وأخر، أو انحرف يميناً أو شمالاً، يضعف ذاك الهدى ولا ينير.

    الهدى هل عند أمة محمد الآن هدى؟ ما هو الهدى؟ قال الله تعالى قال رسوله، القرآن والسنة، الكتاب الكريم والسنة الصحيحة الشريفة المطهرة.

    لم لا نكتفي بالقرآن؟ القرآن فيه إجمال وإيجاز، ولو يشرح ويفصل لأصبحت ثلاثين مجلداً، وخمسين مجلداً، بل والمائة، فكيف تحمله البشرية؟ ولهذا يحمله أحدكم الآن في جيبه أليس كذلك؟ فلابد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوباً يشرح .. يبين .. يعلم .. يفسر، وإلا ما تستطيع البشرية أن تهتدي إلى الكمال من القرآن بدونما رسول لله يبلغها ويعلمها.

    فلهذا عرفنا واستقر في معرفتنا أن من ينفي السنة كافر خادع مضلل، يريد إفساد هذه الأمة والقضاء على كمالها وسعادتها، والرسول قال: ( ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه )، فلهذا أقضية أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها مستنبطة من القرآن، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.

    أعرفتم هذا الهدى؟ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38]، والخطاب لآدم وحواء ولذريتهما إلى يوم القيامة، فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ [البقرة:38] ومشى وراء الأعلام التي تقود إلى دار السلام فأحل ما أحل الله، وحرم ما حرم الله، ونهض بما أوجب الله من عقيدة أو قول أو عمل، لا يزال سائراً في أمن وسعادة حتى ينتهي إلى دار السلام، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. كيف هذا؟ لا نعرف؟ ما نعرف.

    على سبيل المثال هذه الدولة، وإن كان بعض الغافلين يتململون، ونحن من باب إياك أعني واسمعي يا جارة نريد أن نلفت نظر العالم الغافل، فهذه الدولة قامت باسم الله على يد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من بني تميم، وقد عرفتم منزلة بني تميم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مر بكم؛ فقد أرادت عائشة أن تعتق مملوكاً في كفارة فأرشدها إلى أسرى أو عبيد من بني تميم، فإنهم من أولاد إسماعيل.

    ومع هذا سمعنا وسمعتم من يقول: عبد العزيز وأولاد سعود يهود، ويغنون بهذا، ولعلي واهم.

    ماذا أريد من هذا يا شيخ؟

    أريد أن نعرف أن أمتنا لصقت بالأرض وهبطت، فهيا بنا ننتشلها ونرفعها من مستوى الهبوط، والله بأذني أسمع أعمى يجمع الفلوس بالمدائح كعادة العرب وهو يهتف: يا سعود يا يهود! يا سعودي يا يهودي! وإخوانكم يعطونه المال. هذا في بلاد العرب! ما هذا الهبوط؟

    إنه الجهل، ما ربينا في حجور الصالحين، وما عرفنا الطريق إلى الله، فماذا ترجو منا بمجرد أننا مسلمون ونصلي أيكفي هذا؟ أين آثاره، والجرائم والموبقات ترتكب في كل ساعة في العالم الإسلامي.

    عدم الخوف والحزن لمن اتبع الهدى

    قال تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] فضربنا المثل كانت هذه البلاد كبلاد العالم الإسلامي انطفأ نور التوحيد فيها، وهبطت إلى الأرض، وأصبحت موبقات وجرائم من اندونيسيا إلى موريتانيا، فجاء الله ليقيم الحجة له على الخلق بهذا الرجل، وأقام هذه الدولة السعودية التميمية لا اليهودية. فهمتم؟

    أقامها على أربع دعائم، عمي عنها العالم الإسلامي بكله، أربع دعائم .. أربع قواعد تنبني هذه القبة عليها وهي: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أخذاً من قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]. وهذه الآية كررها هذا الشيخ المسكين -ممكن- آلاف المرات طول العام، والبلاد الإسلامية تستقل، ومن الوقت إلى الوقت استقل القطر الفلاني، وما استطاعت دولة ولها وزراء، ولها علماء، ولها مسئولون أن تقيم الصلاة فقط، وهذا أمر يتفطر له الكبد.

    خرجنا من رق الاستعمار الإيطالي أو البريطاني أو الفرنسي ونحن مسلمون، فما المانع فقط أن نقيم الصلاة؟ هل بلغكم أن إقليماً استقل وأقام الصلاة إجبارياً؟ أسألكم بالله أو ما تعيشون مع أمتكم؟ والله ولا قطر، فمن شاء أن يصلي ومن شاء يغني.

    هل بلغكم أن دولة تجبي الزكاة باسم الله؟ هاتوا، لم؟ عوضنا عنها الضرائب؛ لأن الضرائب مقننة في أوروبا، ولا تقوم الدولة إلا على أساسها، والزكاة تزكي أو لا تزكي.

    هل وجدت هيئة في بلد ما أسند إليها أنها تأمر بالمعروف بين المواطنين وتنهى عن المنكر؟ قولوا وأشيروا، لا شيء، والآن نسأل لم؟ ما المانع؟ تحررنا واستقللنا، وأخذنا السلطة بأيدينا، وطردنا الاستعمار البريطاني أو الفرنسي ما المانع؟

    يا شيخ ما كنا نعرف هذا؟ والله لقد سمعوا وعرفوا، أربعين سنة وهذا الكلام يعاد هنا، والحجاج والزوار على اختلافهم من ساسة وسائسين يسمعون، لم؟!

    هذا موطن البكاء أو لا؟ لنعرف قيمتنا ودرجتنا.

    ونعود إلى مبدأ الكلمة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38] إذاً: أقيمت دولة والله لقد تحقق أمن وانتهى الخوف، يمشي الرجل من أقصى البلاد إلى أقصاها لا يخاف إلا الله، وصدق الله العظيم: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:38] في دنياهم.

    إذاً وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] اتباع الهدى، واتباع الهدى في إقامة الدولة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، هذا يمنع الخوف، أما الحزن فيمنعه قوة خوف الله وحبه الناتج عن الإيمان والمعرفة بالله.

    فالذين عرفوا الله، وما عنده لأوليائه يحزنون لماذا؟ لأن التجارة كسدت، ولأن ولداً مات، والمرأة طلقت، والله ما يحزنون، عرفوا أن هذه الدار دار فراق، ودار ابتلاء، ومن مات يدفنه وهو يبتسم، ويدعو له، ويترحم عليه، فلا يمتنع من الأكل والشرب، ولا يصاب بقنوط ولا يأس أبداً، ولا يسود وجهه، ولا يغبر بل يبقى كما هو؛ لأنه يردد كلمة: إنا لله وإنا إليه راجعون.

    فما دمنا لله فإذا طلبنا لننتقل إلى الدار الآخرى تقول: لا، أما تستحي يا عبد الله؟ أنت أمانة الله طلبها تقول: لا؟ ثم تعلم أنك راجع أحببت أم لا؟ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]، قلوب طاهرة، ونفوس زكية صافية، آمالهم في الملكوت الأعلى يتسابقون إلى الجنة فلهذا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فثم الأمن وثم الفرح .. دار الحبور والسرور، لا خوف، ولا حزن.

    كيف نأمن من الخوف والحزن يا شيخ؟ فقط إذا جاءك الهدى اتبعه، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] لأن الحزن يكون بسبب ما فقد، فقد ماذا؟ فقد مال الله لله، أي شيء فقدته؟ مالك، هو مال الله، ابنك هذا، ولدك عبد الله، فكيف تحزن؟!

    ولا على ما يفوتك أيضاً مما كنت ترغب فيه من أوضار الدنيا وأوساخها، فلا تحزن على هذا، ولعلكم تجدون أنفسكم وبينكم من أولئك الطاهرين من لا يحزنون ولا يخافون.

    اليسر والتكلف في اتباع الهدى

    قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ [البقرة:38] ومن سورة طه فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ [طه:123] اتبع فيه معنى التكلف والتتبع، وتبع ليس فيه تكلف بحسب الظروف، وفي هذا الوقت بالذات في بلاد العالم الإسلامي لا تتبع الهدى إلا بمعاناة: كيف تخالف أهل المجتمع؟ امرأتك مغطية ونساؤهم كاشفات؟! كيف تعمل وأهل البلاد يظلون هكذا عاكفين في المقاهي على اللعب وأنت ما تلعب؟ كيف، كيف، كيف؟ تحتاج إلى أن تتكلف حتى تتبع، وفي ظروف طاهرة تتبع الهدى، فليس هناك موانع ولا عوارض ولا صوارف أبداً وبسهولة.

    أضرب لكم مثلاً: قبل حوالي سبع وعشرين سنة كنا إذا عزمنا إخواناً لنا أو عزمنا وحضرنا للأكل تجد من هم ملتحون بنسبة خمسة في المائة، والباقون حالقو الوجوه وهم فحول، انتبهتم؟ خمسة في المائة. وفي هذا الظرف بالذات من الذي يستطيع أن يعفي لحيته؟ لابد وأن يتكلف ويتحمل، فالزوجة تقول: أيش هذا الوسخ؟ نعم، والزميل والصديق: يا ذا الذقن. والله بهذا الصوت يسخر منه: يا ذا الذقن. الآن لما انتشر الهدى أصبح حالق اللحية هو الذي يستحي، عرفتم؟ فحضرنا محاضرة في بحرة، فعددنا الجالسين للعشاء وجدناهم ستين فحلاً والله ما بينهم حالق، وهذا من آثار الدعوة والجلوس بين يدي الصالحين كما قدمنا.

    أما التدخين فلابد لمن أراد أن يدعو إخوانه للعشاء أو الغداء إذا كان موسراً لابد وأن يضع شيئاً توضع فيه عقائب السجائر، أتعرفون هذا أو لا؟ علب تباع أو يعطيها بائع السجائر مجاناً للإغراء والفتنة، فيضع تلك العلب أو الطفايات، والآن أصبحنا نزور والله ما نجد واحدة، ونجلس للعشاء أو في عرس أيضاً ما نرى من يدخن، فالآن الذي لا يدخن يجد معاناة؟ لا أبداً، بسهولة يتبع بدون ما يتكلف في الاتباع.

    الأغاني: يوم انفتح بابها، وبدأت الفتنة العارمة، وكانت أصابع اليهود، كيف يدمرون العالم الإسلامي كما يقولون بالهيدروجين؟ لا، فقط بإفساد قلوبهم، يهبطون ويصبحون عبدة هوى وشهوات ومادة، فلا تبقى رجولة، ولا يبقى كمال.

    أتدرون أنه كانت تمر بك عشر سيارات في الشوارع والطرق ومن بينها خمس أو ست سيارات تغني، عرفتم؟ محرمون نلبي وصاحب التكس يغني؟ يا عبد الله! يقول: لا، أنا إذا ما أغني السيارة لا تمشي.

    الآن الحمد لله، والله تمر بنا عشرون، ثلاثون، أربعون سيارة ما فيها إلا واحدة، وصاحبها أيضاً بمجرد ما تقول له يسكته، فالآن الذين يتركون الغناء بسهولة ويسر.

    وهذا كله للفرق بين (تبع) و(اتبع) اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] هذا أيضاً قيل لآدم وحواء ولذريتهما في سياق آخر من سورة طه فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] لا يضل في الدنيا عن سبل الهدى وطرق الخير والكمال والإسعاد، ولا يشقى في الآخرة ولا في الدنيا، وعد الصدق الذي يعد الله تعالى به، كيف يا شيخ؟ نعم، لأن هدى الله عبارة عن قانون موضوع وضع الكيماويات في تراكيبها.

    إذا أُدي هدى الله كما هو يستحيل أن لا يتحقق معه أمن ولا رخاء ولا سعادة، فإن عبث به، وقدم فيه ما شاء وأخر ما شاء لا ينفع، ولا ينتج هذا النور، ولا هذه الطاقة.

    معنى الإعراض عن ذكر الله

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] ما معنى (أعرض) يا شيخ؟ أعطاه عرضه بمعنى استدبر، عرض الإنسان تعرفونه أو لا؟ كعرض الحائط، ما معنى أعرض؟ كان مقبلاً لما قيل: قل: سبحان الله اترك كذا أدبر، أعطاه عرضه تماماً بخلاف التفاتة يسيرة.

    ما ذكر الله هذا؟ هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؟ هذه قطرة من بحر.

    المقصود: ذكر الله، كتابه، شرعه الذي وضع للإكمال والإسعاد في الأرض والسماء أو في الدنيا والأخرى، وصدق الله العظيم فقد أعرض المسلمون في قرون متعددة، فضلوا وشقوا.

    هل هناك من يرد على الشيخ؟ لقد أعرض المسلمون، وأعطوا الكتاب والسنة ظهورهم، واشتغلوا بالبدع والخرافات والأوهام والضلالات، فما بقي قال الله ولا قال رسوله، يقرءون القرآن على الموتى وفي المقابر، ويقرءون السنة ونادراً من يقرؤها للبركة، نقرأ صحيح البخاري للبركة.

    ضلت وشقيت أو لا؟ من يقول: لا، أما استعمرتنا هولندا في مائة مليون مسلم، في جزر جاوة في إندونيسيا، سبحان الله، هولندا كم مليون؟ هذا الشعب ثلاثة عشر مليوناً بالنساء والأطفال، أين يسكنون؟ في أوروبا، يصلون إلى العالم الإسلامي بالأولياء والعلماء، مائة مليون، ويسوسونهم، ويسودونهم، صح أو لا؟

    كيف استعمرتنا بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، السر والعلة أننا أعرضنا عن ذكر ربنا.

    قد نقول: ما أعرضنا باختيارنا يا شيخ، هم الذين فعلوا بنا هذا.

    نعم، لكن نحن أعطيناهم أعناقنا فذبحونا، رضينا بالتقسيم: المذهبية، والوطنية، والطرق، قرية واحدة نعيش فيها، فيها أكثر من سبع طرق، وكل قومي مع إخوانه كأنه عدو للآخرين في هذا العالم، هذه طرق صوفية ودينية ربانية ما هي أحزاب سياسية ولا جمعيات دنيوية.

    المذاهب: مذهبكم أنتم ماذا؟ والله نحن مالكية. وأنتم؟ قالوا: شافعية. وأنت من أين؟ قال: أنا أباضي. وأنت ماذا؟ قال: زيدي. وأنت ماذا؟ قال: جعفري. وأنت ماذا؟ قال: إمامي.

    من أين هذه الفرقة؟ آالله أمر بهذا؟ كيف فعلوا بنا ذلك؟ لأنهم أطفئوا النور من أمامنا، أي: القرآن أبعدوه وراءنا، فلما انطفأ النور عدنا حيث شئت: إلى المخامر، وإلى المزاني، وإلى الباطل والشر؛ لأننا في الظلام، وإن أردت التدليل والبرهنة: لم ما استطاعوا في عهد الصحابة وأولادهم وأحفادهم؟!

    أيام كانوا لا مذهبية ولا.. من أنت؟ مسلم فقط، عرفوا هذا فذبحوا هذه الأمة، فهل من عودة؟ مستحيل يا شيخ، لم مستحيل؟ القرآن خفي ونقص منه شيء، وما بقي من يفهمه؟ السنة ضاعت، ألقيت في البحر أيام الفتح أو الاستعمار؟ لا، موجودة، قال الله قال رسوله.

    إذاً ما المفقود؟ نحن المفقودون، ما عرفنا الله ولا قرعنا بابه، ونعود من حيث نبدأ، لا حيلة إلا أن نعود إلى بيوت الرب بنسائنا وأطفالنا وساستنا وعظمائنا من المغرب إلى العشاء وطول العام، ليلة قال الله، وأخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وما إن ينتفي الجهل، ويحل محله العلم، ونصبح نبصر ونرى، والله لا يبقى مذهب، ولا خلاف، ولا فرقة، ولا عداء ولا إسراف، ولا بغضاء، ولا كبر، ولا الأمراض، فكلها انتهت؛ لأن هذا العلاج رباني وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فالرسول موجود، والكتاب موجود فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

    لم لا نستطيع؟ هل هناك من يقول بالرشاش والسلاح: ممنوع دخول المسجد، لا تجلسوا فيه؟

    غير موجود، وإن وجد في يوم ما لفتنة وقعت؛ فإنها تزول بعد عام وعامين، وتنتهي.

    هل من طريق سوى هذا؟ والله لا طريق إلا هذا، حتى يرانا الله، ونبرهن، وندلل على أننا طالبو ومريدو رحمته وإحسانه، ها نحن نجتمع في بيته بنسائنا وأطفالنا ورجالنا، وأغنياؤنا كفقرائنا نتعلم الهدى.

    عاقبة الإعراض عن ذكر الله

    إذاً وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] كيف أعمى؟ أي: بلا نور، وقد شاهدتم ذاك المنظر في شاشة القرآن العظيمة يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13] يحشر المؤمنون مع المنافقين؛ لأن المنافقين كانوا يصلون ويجاهدون فيحشرون مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا بالمؤمنين أنوار تلوح كأنوار السيارة، من وجوههم لا من عينيهم فقط، وجوه مشرقة، والنور أمامها، فيعجب المنافقون كيف؟ انظر يا أبا جميل إلي؛ حتى نقتبس من نورك، فيقال لهم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد:13] وهذه لدغة؛ ارجعوا وراءكم إلى الدنيا واكتسبوا النور منها بالإيمان وصالح الأعمال ما هو هنا. عرفتم هذه؟ ضربة على الرأس ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13] يرجعون كالبهائم، يرجعون إلى الوراء، وما إن ينفصلوا عن موقف المؤمنين والمؤمنات الحق حتى يحال بينهم وبينهم بسور، لا إله إلا الله فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ والأسوار تعرفونها عالية رفيعة فاصلة لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ [الحديد:13-14] يا أبا جميل، يا أعرابي أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:14-15].

    هذا القرآن -يا جماعة الإيمان- يقرأ على الموتى؟ يجوز؟ في المقابر تجد طلبة القرآن يقرءون بالفلوس: تعالي.. تعالي، أنا أقرأ على ابنك، وأيام كان ابنها يفجر ويفجر ويزني لا تسأل، فلما مات: اقرأ عليه القرآن حتى يدخل الجنة!

    قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:125-127] آمنا بالله.

    مكان هبوط آدم وحواء من الأرض

    نعود إلى الآية الكريمة قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38] عرفتم سبب الهبوط أو لا؟ آدم عصى وأكل الشجر، وإبليس تكبر وأبى أن يسجد فقط.

    قد يقول قائل: أين نزلوا؟ نزلوا بالبراشوت، أما تعرفون الطيارة عندما ينزلون شخصاً أو لا؟ ليس هناك أحد يعرف، ينزل به ملك كالبراشوت إلى أن يضعه على الأرض.

    واختلف في أي مكان نزل آدم وحواء، فقيل: حواء نزلت في الهند، وآدم في الحجاز، وهذه حكايات، لكن كلمة عرفة وعرفات هذه أكثر أهل التفسير يقولون: هنا تعارف آدم وحواء، أي: تم لقاؤهما بعد الفرقة؛ إذ كل هبط في منطقة، وتلاقيا هنا وتعارفا، لا يعرف زوجته؟ يعرفها، هل هناك غيرهما؟ لا أحد، فسميت عرفة، ونزل القرآن بكلمة عرفة أو لا؟ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198].

    والبيت بني في مكة قريباً من عرفة، لم؟ لأن آدم أصبح في وحشة، أصبح في ألم، أين كان وأين أصبح؟ كان في جوار الله، في الملكوت الأعلى فأصبح في عالم في الأرض وحده، فبنت له الملائكة الكعبة، حتى إذا احتاج إلى شيء من ربه يأتي إلى بيته يقرع بابه، يطلب، ولهذا نقول لأرباب الحاجات: إذا ما قضيت حاجتك اذهب إلى بيت ربك، والزم الباب أو الملتزم، واسأل -إن شاء الله- تعط، ذهبت ويدي كسيرة كذا شهر، والحمد لله ما عدت إلا واليد في خير وعافية، أبشركم، ذهبت الآلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [البقرة:39]والكفر معاشر المستمعين والمستمعات هو الجحود، وأحياناً يكون جحود عناد، يعرف الله ولا يقول به، يعرف الدار الآخرة موقناً بها وهو ينكرها، للحفاظ على مصلحته أو مركزه أو حاله، فالتكذيب كالكفر، من كفر كذَّب، ومن كذَّب كفر، لو أن فلاناً كذب بحكم واحد من أحكام الله ويقول: لا أعترف بهذا! كفر، وكذب، وخرج من الإسلام، وهؤلاء جمعوا بين الكفر والتكذيب بآيات الله، لا بالنبي، ولا بالدار الآخرة والبعث والجزاء، بل كذبوا بآيات الله؛ لأنها تحمل الشرائع والأحكام والقوانين.

    وصلى الله على نبينا محمد.