إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (130)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل عليم بعباده، خبير بما تعالجه نفوسهم، فمن أنفق نفقة أو نذر نذراً فإن الله يعلم إن كان يريد بذلك وجهه تعالى، فيكفر بذلك سيئاته، ويرفع به درجاته، وإن كان يريد بذلك غير وجه الله فإنه يحرم أجر ما أنفق أو نذر، ورب العزة يبين هنا أن من أنفق نفقة فأظهرها مريداً بها وجه الله فهو خير، وإن أخفاها فهو أفضل وأجدر أن يكفر الله به سيئاته ويجزل مثوبته.

    1.   

    قصة بقرة بني إسرائيل

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق رجاءنا إنك ولينا.

    وها نحن وقد انتهى بنا الدرس إلى هاتين الآيتين الكريمتين:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:270-271].

    معاشر المستمعين والمستمعات! أليس هذا كلام الله؟ إي والله، كلام الرب تعالى، وصل إلينا والحمد لله، فملايين البشر محرومون، لا يسمعون عنه ولا يعرفون، ومن عرف كفر وكذب وأنكر ليحترق ويخسر، ولكن منة الله على المسلمين أن أنزل كتابه على رسوله وأورثه فيهم، يحفظونه في صدورهم، ويحفظونه بسطورهم؛ حتى يرفعه الله حيث لم يبق من ينتفع به في آخر ساعات هذه الأيام.

    من القائل: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270] أليس الله؟ بلى؛ لأن هذا كلامه في كتابه، وهذه الآيات من سورة البقرة، وهي ثاني سورة من سور كتاب الله عز وجل، الأولى الفاتحة، والثانية البقرة، هذه البقرة لا تتصور منها ذات اللبن واللحم، هذه السورة ذكر فيها لفظ البقرة؛ فسميت بذلك.

    وحادثة البقرة حادثة عظيمة، تليت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأها في الكتاب ولم يشهد أيامها ولم يعرف عن أهلها ولا عن تاريخها، إلا أن اليهود وهم أهلها كانوا يسكنون هنا ويجادلون، والله! ما استطاعوا أن يردوا حادثة ذكرت في القرآن وهي من أحداث آبائهم وأجدادهم، فلهذا قل: آمنت بالله.

    وحادثة هذه البقرة: أن رجلاً كان يحب الدينار والدرهم مثلنا، وكان له ابن أخ يرثه، وطالت المدة، فمتى يموت هذا؟ فاستعجل فقتله وأخذ يصرخ: ابن أخي قتل!

    وتمضي القرون وعشراتها ويحدث هذا في قرية كنا نقيم بها، رجل من أهل القرية له ابن أخ يشترك معه في بستان، فوالله! لقد ذبحه تحت نخلة في حوض، وخرج يندب ويصرخ ويبكي: ابن أخي ذبحوه، وقامت البلاد وقعدت، وجاء الباحثون أو المحققون، وما هي إلا جولة واعترف بأنه هو الذي ذبحه؛ لأن طباع البشر هي هي، إذا لم يمتلئ قلبك بنور الله فأنت في الظلام، والماشي في الظلام كيف ترون مشيته؟ يتخبط، يقوم ويقعد.

    إذاً: فلما رفعت القضية إلى نبي الله موسى عليه السلام بم حكم؟ أوحي إليه أن: اذبحوا بقرة من خيرة ما تملكون. وأخذوا يتشددون: ما وصفها؟ ما سنها؟ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو رضوا بأول بقرة ذكرت وذبحوها لأجزأتهم، لكن انتهوا إلى أن اشتروا بقرة من يتيم بملء جلدها ذهباً، وذبحوها وأخذوا قطعة لحم وضربوه بها فاعترف، لهذا سميت بسورة البقرة، ولا بأس بأن نسمعكم تلك الآيات، وهي قصة عجب، ولم يستطع اليهود أن يردوا فيها حرفاً واحداً.

    قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:67-70] قالت العلماء: لولا هذا الاستثناء فوالله ما اهتدوا، لكن ألهمهم الله فقالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة:70-73]، ضربوا المقتول بقطعة منها فقال: قتلني فلان ومات، ومن عجيب أسلوب القرآن أنه قدم القصة وأخر سببها؛ لتبقى النفس متشوقة، ولو ذكرت الحادثة من أولها فقد لا تقرأ الآيات بعد، فآمنا بالله.

    1.   

    انصراف المسلمين عن الاجتماع على مدارسة القرآن الكريم

    فهذا القرآن، هذا النور الرباني حرمه المسلمون من قرون لا يجتمعون عليه ولا يقرءونه ولا يعلمون ما فيه، ولا يحكمونه ولا يطبقون شرائعه، وإنما يقرءونه على الموتى، إذا مات أحد في العائلة يأتون بطلبة القرآن يقرءونه ويطعمونهم ويضعون في أيديهم ما شاء الله من النقود، هذا هو القرآن، فمتنا، من فعل بنا هذا؟

    الثالوث المكون من المجوس، واليهود، والنصارى، لم فعلوا بنا هذا يا أبنائي؟

    عرفوا أن حياة هذه الأمة كانت بالقرآن، فقالوا: هيا نبعدها عن القرآن، أما أن نبعد القرآن عنها فما نستطيع، حاولوا أن يسقطوا حرفين وهي كلمة (قل) وانعقدت مؤتمراتهم السرية مئات المرات وعجزوا، فكيف يصنعون؟

    قالوا: إذاً نبعدهم عن قراءته فقط، فحولوه إلى المقابر، وإلى المآتم، وإلى بيوت الموتى، أما التفسير فإن قلت: قال الله؛ فإنه يقال لك: اسكت، هل أنت تعرف ما مراد الله؟ قل: قال سيدي فلان، قال الشيخ!

    ووضعوا قاعدة أيضاً حفظناها، يقولون: تفسير القرآن العظيم صوابه خطأ، إن فسرت وأصبت فأنت آثم، وخطؤه كفر، ومن فسّر فأخطأ فقد كفر، فألجموا أهل القرآن وأسكتوهم، فضلت الأمة وهوت وسقطت، فمزقوها وشتتوها وعذبوها واضطهدوها، وما زالت إلى الآن ترزح تحت كلكل معتقداتهم.

    وإلى الآن أروني اثنين أو ثلاثة يجتمعون تحت سارية، تحت شجرة، في ظل جدار ويقول أحدهما للآخر: من فضلك أسمعني شيئاً من كلام ربي.

    إذاً: ما زال الموات هو هو، ولهذا ما زلنا أذلة فقراء منحطين، اليهود يضحكون علينا، والمسلمون أذل الناس، من أذلهم؟ الله. لم يذلهم؟ أعرضوا عنه، ما عرفوه، جهلوه، ما هم بأولياء، إذاً: سلط عليهم أعداءه إلا من رحم الله، فهيا مع هذه الآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ...)

    يقول تعالى لنا معشر المؤمنين والمؤمنات، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270] صغيرة أو كبيرة، ذهب أو تمر، أو ثوب؛ لأن التنكير هنا للتعميم، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ [البقرة:270] مطلق النفقة، أنفقتموها أولاً: على الفقراء والمساكين، ثانياً: لأجل رضا الله وحبه لكم ورضوانه عليكم، أما إذا أنفق للرياء والسمعة، أو أنفق على الكفار والمنافقين فهذا ليس لله، وما أنفقتم أيها المؤمنون وأيتها المؤمنات من نفقة صغيرة أو كبيرة، هذا أولاً.

    النذر الجاهلي الشركي

    ثانياً: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270] النذر هذا في لغة العامة يسمونه العينة وهي لغة فصيحة، ويسمونه الوعدة وهي بين بين، فالعينة فصيحة والوعدة لا بأس بها، ولفظ النذر نسيناه، ما أصبح أهل القرآن ولا غيرهم يقولون: النذر، في أكثر قرى العالم ومدنه أيام الهبوط يقال: العينة والوعدة، فما هذه الوعدة؟

    كانت المرأة إذا ما يسر الله زوجاً لابنتها وتريد زواجها تعد سيدي عبد القادر بوعدة: يا سيدي عبد القادر ! إذا تزوجت ابنتي ذبحت لك كبشاً.

    وإن كانت في خصومة مع زوجها تقول: يا سيدي إدريس، يا مولاي كذا! إذا غلبته وخاصمته في المحكمة فسأذبح بقرة، وقد سمعت أذني وأنا طفل أمشي مع عجوز، فمرت بولي في قبة فواجهته فقالت: إذا انتصرت على زوجي فسأفعل كذا، واسألوا العجائز.

    هذا هو النذر، لا يعرفون نذراً لله قط، إلا للأولياء، لسيدي فلان ولسيدي فلان، من إندونيسيا إلى موريتانيا، حتى المدينة قبل دخول عبد العزيز وتطهيرها.

    هذا النذر الجاهلي، وهو في الحقيقة شرك في عبادة الله تعالى، من نذر لغير الله فقد أشرك، أي جعل المنذور له إلهاً وأقبل عليه، ورغب أن يقضي حاجاته ويعطيه سؤله، فجعل له شركاً محضاً.

    هذا النذر الشركي زالت غيومه وسحبه إلا القليل بفضل الله تعالى ثم بفضل هذه الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، واتسع نطاقها، وانتقل رجالها، وعانوا من كلمة وهابي، ففي السودان وفي كل بقعة كل من يدعو إلى الله يقال له: هذا وهابي إذا كان يحارب الخرافات والضلالات، ولكن بقضاء الله وقدره انتشر الكتاب وجاءت هذه المواصلات العصرية، وأصبح الناس يحجون ويعتمرون ويعودون، فانتشرت دعوة التوحيد، وإلا فقد مضت قرون والأمة هابطة، والله! ما يعرفون الله كما يعرفون غيره، فالحمد لله.

    فالنذر لغير الله شرك، أن تقول: يا سيدي فلان، أو يا رسول الله، أو يا فاطمة، أو يا مولاي، أو يا معشر الصالحين! إن فعل الله بي كذا فسنفعل لكم كذا وكذا، هذا شرك محض، صاحبه لو لم ينقذه الله بالتوبة أو بالإقرار بالتوحيد فيموت وقد تبرأ من ذلك الشرك فهو خالد في جهنم، أما قال الرب تبارك وتعالى: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] وهذه الكلمة قالها عيسى عليه السلام في اليهود، هذه كلمة ابن مريم سجلها الله في القرآن وأسمعنا إياها؛ إذ جاء من سورة المائدة: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].

    ومن سورة النساء آيتان لنا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي آية: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، فمن هنا ما أصبح بين العارفين والعارفات من يقول: يا رسول الله.

    وقد كان الشيخ الكبير يقول والمسبحة في يده: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله في غمرة من الأنوار، وحين ينعس وتسقط المسبحة يقول: يا سيدي فلان! فيمسح كل ذلك، ويسقط الفنجان من يده أو الكأس أو الملعقة فيقول: يا فلان! وهل الله ما يسمعون به أم ماذا؟!

    وقد ذكرت لكم أن أحد الإخوان حضر دروسنا وظنناه تفوق وتعلم، ركبنا معه السيارة وهو السائق رحمة الله عليه، وخرجت السيارة عن الطريق فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! بأعلى صوته، فقلت له: أين الله؟ ولو مات على هذه الحال لمات مشركاً، وهو عامي؛ لأن العوام إذا لم يتربوا تربية في حجور الصالحين زمناً طويلاً فما يكفيهم السماع؛ إذ لا بد من الصدق في الطلب، والرغبة في تحقيق العلم والعمل به، ويجلس العام والأعوام، أما في أيام محدودة أو مواسم معينة فما ترسخ هذه العلوم في النفس البشرية.

    النذر المكروه

    وهناك النذر الجائز ولكنه مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ) أن يقول: يا رب! إن نجح ولدي وأخذ البكالوريوس أو الماجستير فسأذبح بعيراً للفقراء والمساكين، فإن نجح ولده وأخذ الماجستير وجب أن يذبح لا محالة، وإذا ما نجح ولده ورسب مع الراسبين فليس عليه شيء، لا يذبح ولا يصوم.

    وآخر يقول: إن يسر الله لي ووجدت سكناً أو بنيت غرفة أسكنها فسأصوم شهراً لله رب العالمين، وتمضي الأيام وتحقق مطلوبه وحصل، يجب أن يصوم ذلك الشهر وجوباً، فإن لم يتحقق مطلوبه فلا شيء عليه، لا يصوم.

    امرأة تقول: لو يرزقنا الله ولداً لأصومن عاماً كاملاً، وهي عاقر ما تلد، وإذا بها تحمل وتلد، يجب أن تصوم عاماً، هذا النذر جائز، لكن مكروه؛ لأنك تقول لربك: إن تعطني أعطك، وإن لم تعطني فلن أعطيك، أليس هذا سوء أدب؟ أنت تخاطب سيدك ومولاك وحبيبك وتقول: إن تعطني أعط، وإلا فلن نعطي! الله يقبل هذا، لكن فيه سوء أدب، وإذا أعطاك الله ما طلبت فما أعطاكه من أجل نذرك، بل أعطاكه قبل أن يخلقك ويخلق الملكوت كله، هذا في قضائه وقدره، فالنذر لا يأتي بشيء.

    هذا النذر دون الأول، الأول شرك محض أعوذ بالله منه ومن أهله، والثاني جائز، فالعجز، والضعف، والحاجة تجعل الإنسان ينذر هذا النذر رجاء أن يعطيه الله، فلا بأس، وتركه أولى.

    النذر المحمود المعني في الآية الكريمة

    ثالثاً: النذر الذي يعنيه تعالى هنا كما في قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، هذا النذر يا أبنائي ليس عندنا، هذا النذر هو أن يتكلم مع الله سراً ويقول: يا رب! لك علي أن أحج هذا العام على رجلي، أعذب نفسي من أجلك، وجاء الحج وخرج، فيقال: اركب. فيقول: ما نركب، تقف السيارة والبعير فيقال: اركب يا شيخ! فيقول: دعوني أمشي، فيحج ماشياً يريد أن يرضى الله عنه، أن يحبه الله، أن يسجله في ديوان أوليائه الصالحين.

    وآخر يقول: لك يا رب علي أن أبيت هذه الليلة راكعاً ساجداً حتى يطلع الفجر، ويصلي العشاء ويبدأ، فيصلي ويبكي إلى أن يطلع الفجر، لماذا فعل هذا؟ هل ليزوجه؟ لا. بل ليرضى عنه، ليحبه، يتملق إلى الله ويتزلف إليه.

    أو يقول: لك يا رب من الآن ثلث ما أملك، كلما جاءه خير تصدق بثلثه، لم يفعل هذا؟ يتملق الجبار، يتزلف إلى الجليل العظيم ليرفع مستواه ويعلي مقامه، وينزله في مستويات أوليائه الصالحين، هذا النذر الثالث هو الممدوح، هو المحبوب، هو المرغوب، لكن هذا قل من يراه أو يفعله؛ لأننا طماعون نريد أشياء حاصلة.

    فالنذور ثلاثة: أولها: شرك وحرام، وثانيها: جائز ومكروه، وثالثها: مرغوب ومحمود.

    هذا الثالث هو الذي عناه ربنا تعالى في قوله: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] أهذا هو الجزاء: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]؟ هذا ما هو بالجزاء، الجزاء فوق ما تتصور، فلهذا ما ذكر الجزاء، واكتفى تعالى بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]، وإذا علمه فهل سيضيعه؟ هل سيفرط فيه؟ كلا. معناه: اتركوا لي هذا الجزاء، فهذا هو النذر الثالث لا الأول ولا الثاني؛ فإن الله يعلمه ويجزي به أعظم الجزاء وأوفاه وأوفره؛ لأنك نذرت من أجل أن يحبك أو يعلي شأنك أو ينزلك في منازل الصالحين، فأبشر بما نذرت لله.

    وأما من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، هذا مجنون، يقول: لله علي أن أضرب الشيخ الفلاني على وجهه، فهل هذا يجوز؟ هذا كلام باطل، ومن نذر نذراً آخر لسيدي عبد القادر وسيدي علي؛ فهذا لا يجوز الوفاء به أبداً، ويحرم الوفاء به.

    معنى قوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار)

    وقوله تعالى: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270] لم هذه الجملة هنا في هذا السياق؟ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270]، لا يوجد من نصير ولا ناصر للظالمين أبداً، الظالمون هنا هم المشركون الذين ينذرون لغير الله، الذين يتقربون إلى غير الله، يتزلفون ويتملقون لسوى الله، هؤلاء ما لهم من نصير.

    إذا نذر أحدنا لسيدي عبد القادر فهل سيتحقق له شيء؟ إذا نذر أن يجدد قبة مولاي إدريس، ويصبغها بالخضرة لا بالحمرة، فهل سيثاب؟ هذا ظلم، فمن ينصره؟ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].

    والظالم: الذي يضع الشيء في غير موضعه، ومن الظلم أيضاً أن تنذر لله وأنت قادر ولا تفعل، تعد ربك وتخلف وتعدل عن ذلك! فهذا ظلم، ووضع للشيء في غير موضعه، فلنحذر أيها المستمعون ويا أيتها المستمعات من الظلم؛ فإن الظالم لا ناصر له أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بإخبار الله تعالى وتقريره: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي ...)

    ثم قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] إن تتصدقوا وتعلنوا صدقاتكم وتظهروها فلا حرج، فنعم تلك الصدقات.

    إِنْ تُبْدُوا [البقرة:271]: أي تظهروا صدقاتكم، سواء كانت لحماً أو ثياباً أو مالاً أو تمراً أو طعاماً، إن تبدوها وتظهروها فلا بأس ما دمتم لا تريدون إلا وجه الله، لا تنظر إلى وجه علي ولا عمر ولا فلان ولا فلان حتى تمدح، أو يدفع عنك الذم ويقال: فلان ما هو ببخيل، إن أعلنتها أديتها والناس يشاهدون أو يسمعون وأنت لا تريد إلا رضا الله فلا حرج، فنعم الصدقة هي، فنعم ما تصدقتم به، وهذا تشجيع للمؤمنين على أنهم يتصدقون، فمتى فتح باب الصدقة ووجد من يطلبها وهو مستحق لها لا يقل: آتيه في الليل فقط، أو ما دام الناس ينظرون إلي فلن أتصدق! إذ الشيطان أحياناً يفعل بالعبد هذا، يقول: ما دام الناس يشاهدونني فلن أتصدق؛ حتى لا أكون قد راءيت، يأتي بهذا حتى يمنع الصدقة، فأغلق الله الطريق في وجهه، وأذن لعباده المؤمنين أن يتصدقوا علناً، وبشرهم بأنه نعم الصدقة هذه.

    وأحياناً إذا كانت الصدقة واجبة فالإعلان عنها وإشهارها أفضل؛ حتى يتتابع الناس، ولعلكم تذكرون ذاك الرجل الذي جاء بزنبيله أو كيسه في الروضة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، وأخذ الأصحاب يتتابعون حتى امتلأت جمع كوم من الطعام وآخر من الثياب.

    فلا بأس أن تتصدق والناس يشاهدونك، أي: واحد أو اثنان أو عشرة، ليس في السوق أو في المسجد، فلا تخف ما دمت لا تريد إلا وجه الله، وقد يأتيك الشيطان ويمنعك من الصدقة بحجة أن الناس يشاهدونك كأنك ترائي، إذا سمعت هذا النغم فاعرف ما هو ومن صاحبه، وامض في صدقتك.

    معنى قوله تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم)

    ثانياً: الصدقة السرية، كما قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صدقة السر تطفئ غضب الرب )، صدقة السر -أي الخفاء- تطفئ غضب الله عز وجل، من فعل فعلة تغضب ربه عليه وأراد أن يخرج من هذه فليتصدق في ليله، هذه الصدقة السرية تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى.

    وبلغنا عن أهل المدينة أنهم كانوا يأتون في الليل بالصدقة، يأتي أحدهم بعد المغرب أو بعد العشاء ويقرع الباب فيفتح الباب فيرمي كيس النقود أو السكر أو الدقيق ويمضي وما يلتفت، هذه مأثورة عن ديارنا هذه، يأتي في الليل والأموال في يده أو في كيسه فيقرع الباب فيفتحون الباب فيرميه ويذهب، ويجري وراءه الأولاد فما يلتفت إليهم، عرفوا أنها صدقة يريد صاحبها أن يخفيها؛ ليعظم الجزاء عليها، نظراً إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271].

    ومن هم الفقراء؟

    الفقراء: جمع فقير، وهو الذي لا يجد قوته، ولا ما يستر به عورته، ولا ما يكنه، هذا المحتاج، هذا الفقير، هذا الذي إذا كتمت صدقتك ووضعتها بين يديه حيث لا يراك إلا الله فأبشر بالجزاء الحسن، فهو خير لكم من إعلانها؛ لأن الإعلان ذكرنا له علة، فقد لا يسلم منها الإنسان، لكن إن تشجع بذلك غيره فلا بأس، كما أن الإعلان الثاني مستحب ليشجع الحاضرين على الإنفاق، فقير وقف بين أيدينا فتصدق واحد ليتابعه الآخرين، من أجل هذا أعلن عن صدقته: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] حالاً ومآلاً، في الدنيا وفي الآخرة، خير لكم تنالونه وتظفرون به اليوم قبل يوم القيامة، ويوم القيامة؛ إذ هذا أسلم من الرياء والسمعة، حتى الفقير حين تعطيه ولا تواجهه يفرح بذلك، أما إذا قلت: خذ يا عدنان فإنك تؤلمه بها، وقد تقدم لنا وعرفنا أنه لا يجوز أبداً المن على المتصدق عليه، هذا ولي الله ابتلاه الله بالفقر لينظر أيصبر أم يجزع، فهو في أيام محنته وأنت تتصدق عليه وتقول: أنت كذا وكذا، فعلنا معكم كذا وكذا! فتذله وتكسر شرفه، هذا لا يجوز.

    والأذى كالمن أيضاً، يعطيه ويدفعه بيده، أو يرمي له الفلوس أو كيس التمر وهو متكبر عليه مترفع، فهذا حطم هذا الولي وأذله وأهانه وهو ولي الله.

    قال تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] حالاً ومآلاً، ومن الخير: أن الفقير ينشرح صدره وتطمئن نفسه ولا يشعر بإهانة ولا بذل ولا بصغار؛ لأنك أخفيتها عن غيره حتى ما يسمع الناس أن فلاناً محتاج وفقير.

    دلالة التبعيض في قوله تعالى: (ويكفر عنكم من سيئاتكم)

    وأخيراً: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، لماذا قال: (من) وما قال: (ويكفر عنكم سيئاتكم) فتستريحون مرة واحدة؟ قال: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]؛ لأن من السيئات ما هي حقوق للآدميين، كضرب المؤمن وكسلب ماله، كانتهاك عرضه، كإذلاله وإهانته، كسجنه وتعذيبه، هذه ما تكفرها الصدقات، فحقوق الناس لو تتصدق بملء الأرض ما ينفعك ذلك حتى تتحلل منهم، وترد ما أخذت منهم أو تضع خدك على الأرض ليضربوك كما ضربتهم، أو ليشتموك ويسبوك كما شتمت وسببت، أو يعفوا عنك ويتكرموا بفضلهم وإحسانهم عليك، فكونك تتصدق وتقول: هذه الصدقة تكفر سيئاتي مطلقاً غير صحيح؛ لأن الحكيم العليم قال: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271] و(من) للتبعيض، ولو شاء لقال: (ويكفر عنكم سيئاتكم) وهو على ذلك قدير، لكن مراعاة لحقوق عباده من رجال ونساء من المؤمنين والمؤمنات، فكونك تتصدق كل يوم بمليار دولار وتظن أنه يكفر ما أخذت من أموالهم أو اضطهدتهم وعذبتهم وأن هذه الصدقة تكفي؛ فوالله! ما تكفي.

    وقد بين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعرض عرضاً كاملاً في عرصات القيامة، إذ يجاء بالرجل له الحسنات الكثيرة، ويأتي المظلومون يأخذون من حسناته، والميزان يهبط، وحين لا تبقى له حسنة يأتون بسيئاتهم ويضعونها عليه فيغرق ويهلك، ذلكم هو المفلس، إذ قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( هل تدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار. قال: المفلس من يأتي بحسنات كالجبال، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ويؤخذ لهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار )، هذا هو المفلس، والإفلاس معروف.

    معنى قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير)

    قال تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]، لا تفهم أنك تستطيع أن تخادع الله، وأن تدعي أنك أنفقت في الخفاء، تقول: أنا الآن أعطيت فلاناً كذا وكذا، انتبه، فالله تعالى بما تعملون من خير وغيره خبير، إذاً: فراقبوه، لا تفهم أنك وحدك، والله! لا يخفى عليه من أمرنا شيء، فلهذا إذا قوي هذا الشعور عندك، أو إذا ارتفع هذا المستوى للإيمان عندك فإنك تستحي أن تقول كلمة لا ترضي الله عز وجل، تستحي من الله أن تكشف سوأتك أو عورتك وحدك أيضاً، تخاف من الله أن ترتكب أدنى ذنب من الذنوب؛ لأنك مع الله والله معك، هذه هي المراقبة، وفضلها الله حتى على الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله في آية التربية الإلهية؛ إذ قال تعالى وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، تلاوة القرآن في ليل أو نهار من شأنها أن تحفظ الإنسان من السقوط في مهاوي الشر والفساد، تعصمه من زلات القدم؛ لأنه مع الله يتلو كتابه، ويعرف ما بين الله وما أحل وما حرم، وما أوجب وما منع، فكيف يعصيه؟

    ثانياً: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] أقم الصلاة، ما قال: صلّ؛ لأن إقامة الصلاة تحتاج إلى طهارة بدن، طهارة ثوب، طهارة مكان، وقت معين، مكان معين، وتقف بين يدي الله تتكلم معه وقد نصب وجهه الكريم إليك وأنت بين يديه، ثم تبكي، وتسجد وتركع، ويأتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في حلقة من حلق الاتصال بالله عز وجل، أين الوقت الذي تعصي الله فيه؟ ما تستطيع، وعلل لذلك بقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] بما توجده من طاقة النور في القلب البشري، لأنها أكبر مولد للنور، أكبر من الصيام: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    ثالثاً: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] أي: مما سبق، أكبر في الحفاظ على قلب العبد حتى لا يزل ولا يسقط، والدليل عندنا أننا نقول: من منكم يذكر الله ويمد يده إلى ما حرم الله؟ يذكر الله وينكب على جريمة يفعلها، لا يتأتى أبداً.

    وما يقع على المعصية إلا في حال نسيانه لله، وعدم ذكره لله، فلهذا من لازم الذكر ما يستطيع أن يقع في سيئة أبداً، الذكر بقلبه ولسانه، بشروط الذكر.

    وأخيراً قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، هذه هي المراقبة، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]، إذاً مراقبة الله العصمة الكاملة، الذي يراقب الله لا يضجر، لا يسخط ولا يكذب ولا يفجر، ولا يترك واجباً أبداً؛ لأنه مع الله، فكيف أنت مع الله وتعصيه؟ أنت تمشي بين حراس خمسة أو ستة من البوليس فهل تستطيع أن تسرق وأنت بينهم؟ أو تقوم وتسب وتشتم وتضرب أحد المارة وأنت بينهم؟ ما تستطيع، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

    وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] أصلها: نعم ما، فأدغمت الميم فيها، نعم شيء عظيم، فأصلها: (نِعم) ما هذا، فسكنت الميم وأدغمت في الميم، فكانت (نعما).

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    والآن مع معنى الآيتين الكريمتين من التفسير.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيتين:

    بعدما دعا تعالى عباده للإنفاق في الآية السابقة أخبر تعالى أنه يعلم ما ينفقه عباده، فإن كان المنفَق جيداً صالحاً يعلمه ويجز به، وإن كان خبيثاً رديئاً يعلمه ويجز به، وقال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]، فإن كان مبتغىً به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات، ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون، وسيحرمون أجر نفقاتهم ونذورهم لغير الله تعالى ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها؛ لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].

    وأما الآية الثانية فقد أعلم تعالى عباده المؤمنين: أن ما ينفقونه لوجهه ومن طيب أموالهم علناً وجهراً هو مال رابح، ونفقة مقبولة يثاب عليها صاحبها، إلا أن ما يكون من تلك النفقات سراً ويوضع في أيدي الفقراء يكون خيراً لصاحبه لبعده عن شائبة الرياء، ولإكرام الفقراء وعدم تعريضهم لمذلة التصدق عليهم، وأنه تعالى يكفر عن المنفقين سيئاتهم بصدقاتهم، وأخبر أنه عليم بأعمالهم، فكان هذا تطمينًا لهم على الحصول على أجور صدقاتهم وسائر أعمالهم الصالحة ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيتين:

    أولاً: الترغيب في الصدقات ولو قلت ] لأنه تعالى قال: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ [البقرة:270]، [ والتحذير من الرياء فيها، وإخراجها من رديء الأموال وخبيثها.

    ثانياً: جواز إظهار الصدقة عند سلامتها من الرياء.

    ثالثاً: فضل صدقة السر، وعظم أجرها، وفي الحديث الصحيح: ( رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ] في سبعة رجال ونساء: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) وذكر منهم: رجلاً تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.

    هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.