إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (128)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ضرب الله مثلاً لمن ينفقون أموالهم ثم يبطلون ذلك إما بالمن والأذى وإما بالرياء والسمعة، ذكر هنا سبحانه من ينفق في سبيل الله ابتغاء مرضاته، والفوز بأجره ومثوبته، وضرب لذلك مثلاً كجنة قائمة على ربوة خصبة التربة فأصابها مطر شديد فآتت ضعف جنيها وثمراتها، وحتى لو لم يصبها وابل وإنما أصابها الهواء البارد المحمل ببخار الماء فإنها تقبله وتنبت زرعها وتؤتي ثمرها في كل الأحوال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على عادتنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل، وها نحن مع قول ربنا عز وجل في آيتين من سورة البقرة: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:265-266].

    الحمد لله؛ هكذا يبين الله لنا الطريق، ولا يضل عنه إلا من أعمت الدنيا والشيطان بصره وبصيرته، ما ترك الله عز وجل شيئاً تتوقف عليه سعادة البشرية وكمالها إلا بينه في هذا الكتاب، ولكن تركوا الأخذ به، بل وتركوا حتى قراءته والتدبر فيه.

    والنداء الذي سبق هاتين الآيتين أذكركم به: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264] فلا يحل لمؤمن أن يتصدق بصدقة يريد بها وجه الله عز وجل ثم بمن بها على من تصدق بها عليه، أو يؤذيه بالكلم السيئ والنظرة الشزر مما يهين هذا الفقير أو يضعف من كرامته.

    ومثل هذا مثل الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فهل يثاب على شيء؟ الجواب: لا، إذ حقيقته: كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا [البقرة:264]، أنفق ما شئت من الملايين والمليارات فلن تحدث في نفسك زكاة ولا طهراً ولا يتقبلها رب العالمين إلا إذا أخلصتها لله وحده، فإن التفت إلى غيره وراءيت بها غير الله رفضها الله ولم يقبلها، ولم تولد لك النور والحسنات في نفسك.

    إذاً: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة:264] يا ويل الكافرين بالله ولقائه، ويا ويل الكافرين بنعمه وآلائه؛ إنهم لا يهتدون إلى سبل سعادتهم وطرق نجاتهم.

    ابتغاء رضا الله وتقوية الإيمان مقصد المؤمنين في الإنفاق

    وهنا مثل آخر: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [البقرة:265] همه فيما ينفق أن يرضى الله عنه، وهذا شأن العالمين العارفين، لا هم لأولئك إلا أن يرضى الله عنهم، فينفقون أموالهم طلباً لمرضاة الله، فإن العبد إذا كان يشعر أن سيده غاضب عليه فوالله! لا يسعد ولن يلتذ بطعام ولا شراب ولا غيره، ونحن ما ندري أهو راض عنا أم ساخط، إذاً: فلنطلب رضاه متملقين متزلفين إليه، والله! لا نشعر بالسعادة حتى نعلم أنه عنا راض، فهؤلاء ينفقون أموالهم بحسب ما عندهم، القليل من صاحب القليل والكثير من صاحب الكثير، ينفقون ابتغاء -أي: طلب- مرضاة الله عز وجل، يطلبون رضا الله ويطلبون المثوبة والأجر بتلك الصدقة لتكفر سيئاتهم وترفع درجاتهم.

    وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:265] تقوية لإيمانهم، وتقوية لرجائهم في الله وطمعهم فيما عنده أن يقبل صدقاتهم ويثيبهم عليها، ما هم بغافلين ولا تائهين يفعلون ولا يدرون ما يفعلون، ما يضع صدقته في اليد التي تستحقها حتى يكون طالباً رضا الله بها وراغباً أن يظفر بالحسنة التي تكفر ذنبه وتزيل ظلمة نفسه.

    وهل لهؤلاء مثل كما للأولين مثل؟ فالذين أنفقوا رئاء الناس كالذي جاء إلى أرض صلبة ما فيها شيء ولكن عليها تراب فزرعه فجاء مطر وابل فمسحها كلها وتركها صلداً مجردة، فالذي ينفق ولا يريد وجه الله هكذا، ولو أنفق الملايين لا يستفيد ولا يثاب منها على درهم، وهذا مثال من أنفق ابتغاء مرضاة الله أولاً وتثبيتاً من نفسه، طلباً لرضا الله وحبه والمثوبة والأجر والحسن.

    مثل المنفق الطالب لرضا الله تعالى

    قال تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ [البقرة:265] أي: بستان، ولم سمي البستان جنة؟ لأن أشجارها تجن وتغطي من يدخل تحتها، كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة:265] والربوة والرُّبوة: المكان العالي المرتفع كالجبال.

    أَصَابَهَا وَابِلٌ [البقرة:265] المطر الغزير، كما تقدم في المثل الأول.

    إذاً: لم اختير هذا المكان؟ لأن الأرض المرتفعة إذا لم يكن مطر فالمطر القليل يكفيها، بل الهواء البارد الطلق كذلك يساعد على إنمائها وعلى زرعها، بخلاف التي في المنخفضات من الأرض.

    كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ [البقرة:265] أعطت أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [البقرة:265]، كانت مثلاً تنتج صاعاً فأنتجت صاعين، أو ألف قنطار فأنتجت ألفي قنطار مضاعفة.

    فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265] والمطر القليل يقال فيه: طل أو رشاش أو رذاذ، إذا ما هناك مطر غزير فالمطر الخفيف مع ارتفاعها يساعدها ذلك على الإنبات؛ لأنها ليست كالمنخفضة تضرها حرارة الشمس وتؤثر عليها.

    فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:265] التفت إلينا نحن لأن هذا الخطاب لنا ونحن نظن أنه يتكلم عن آخرين، قال: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ [البقرة:265] أيها المؤمنون بَصِيرٌ [البقرة:265] مطلع عليم، إذاً: فتقربوا إليه وتزلفوا، وأغمضوا أعينكم عما سواه، وإن أعطيتم أو أنفقتم فأعطوا لوجهه وأنفقوا من أجله، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:265] ويشمل هذا كل عمل، يشمل العمل الصالح والعمل الفاسد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ...)

    ثم واجهنا أيضاً: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ [البقرة:266] والود: الحب مع الرغبة في الحصول على المحبوب وتمنيه.

    أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ [البقرة:266] بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266]، وكل أنواع الفواكه من المشمش إلى التفاح إلى البرتقال لا تعادل التمر والعنب، العنب يتحول إلى زبيب يغذي، يصنع منه ألوان الأشربة، والتمر جاء فيه: ( بيت لا تمر فيه جياع أهله )، ما يحتاج إلى طبخ، متى شئت طعمت.

    مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة:266] التي تسقيها لتنتج وتثمر، لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [البقرة:266] أي: في تلك الجنة غير العنب والتمر، العنب والتمر هما رئيسان، وتوجد أنواع من الثمار الأخرى من التين والزيتون وما إلى ذلك.

    وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ [البقرة:266] تخطى السبعين فهو في طريقه إلى القبر.

    وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ [البقرة:266] ما ولد إلا بعد أن بلغ الستين، له سبعة أو ثمانية أطفال بنين وبنات أعمارهم بين خمس وست وسبع سنين، فأصاب تلك الجنة إعصار فيه نار، شدة الحر الملتهب، إذ جاء في الحديث: ( أبردوا بصلاتكم في الحر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم )، فما تجدون من حر فهو من لهبها ورائحتها.

    أصاب تلك الجنة إعصار وريح شديدة، والريح هذه فيها نار، إذاً: فاحترقت تلك الجنة، فكيف حال هذا الشيخ؟ سنه كبير ما يستطيع أن يعمل، لا يزرع، لا يتجر، لا يحمل، شاخ مثلي، وتحته أولاد ضعفاء بنون وبنات ما بلغوا سن العمل والتكليف، والبستان الذي كانوا يعيشون منه ويأملون فيه احترق، فكيف يكون حالهم؟

    إذاً: من منا يود هذا؟ والله! لا يوجد. من منا يرغب في هذه الحال؟

    المفارقة بين إنفاق المرائين وإنفاق المؤمنين

    تلك حال من ينفق أمواله من أجل تحطيم شرع الله وهدم أسواره، هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يلتفتون إلى من أنعم عليهم وأعطاهم، أمثال هؤلاء نفقاتهم مآلها ومصيرها وخيم، يظنون أنهم أنفقوا المليارات، وما إن يدخلوا القبر حتى تتجلى تلك الحقيقة، ما إن يقفوا في عرصات القيامة ينظرون إلى جزائهم حتى يجدوها هباءً منثوراً لا شيء فيها.

    وأما المؤمنون فكما قال تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:265]، هذه صدقات المؤمنين والمؤمنات التي ما أريد بها إلا وجه الله عز وجل، سواء كانت في الجهاد والرباط أو كانت في سد حاجات الفقراء والمساكين، أو في إنقاذهم من بلية أصابتهم أو نازلة حلت بديارهم.

    هذه دعوة ربانية، إذا أنفقنا ألا نريد إلا وجه الله، لا نؤذي إخواننا بالكلمة النابية والنظرة الشزر أو بالكلمة المؤذية المؤلمة، أنفق إن أنفقت ولا ترى إلا الله، هكذا يؤدبنا ربنا.

    1.   

    وقفات مع إعراض المسلمين عن الانتفاع بالقرآن

    دور اليهود والنصارى في صرف المسلمين عن القرآن الكريم

    لم ما انتفع المؤمنون بهذه الآداب؟ لأنهم ما يقرءون القرآن ولا يدرسونه، ولا يعرفون ما فيه، ما الذي صرفهم؟

    أولاً: الثالوث الأسود المكون من: المجوس واليهود والنصارى، أعداء الإسلام وخصومه هم الذين صرفوا المؤمنين عن روح حياتهم ونور بصائرهم، والقرآن -والله- روح ولا حياة بدونه، والقرآن -والله- نور ولا هداية بدونه، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ [الشورى:52]، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8].

    أسألكم بالله: هل الذي يمشي في الظلام يهتدي إلى أغراضه ويصل إلى مطلوبه؟ بل يخسر في الطريق ويتحطم، والذي يفقد الروح هل يبقى حياً؟ أروني حيواناً خرجت روحه وبقي حياً، فالقرآن روح ولا حياة ولا طهر ولا سعادة ولا صفاء ولا كمال إلا به، متى أعرض عنه البشر وكفروا به ماتوا، ولو تعرفون حياة الفساق والفجار والمشركين والكفار كيف هي لتأكدتم من صحة أنهم أموات ما هم بأحياء، ما ذاقوا طعم الحياة ولا عرفوها.

    هذا هو القرآن الذي صرفنا عنه الثالوث، وقد عجزوا عن إسقاط حرف واحد، حاولوا عبر جمعيات التنصير من قديم أن يسقطوا كلمة (قل) المكونة من حرفين اثنين: القاف واللام، فما استطاعوا، وشرقوا وغربوا وتشاءموا وتيامنوا، فأعلنوا عن عجزهم؛ لأن هذا القرآن مكتوب في السطور ومحفوظ في الصدور، لو أخذوا المصاحف كلها وأحرقوها فموجود مثلها في صدور المؤمنين والمؤمنات، فكيف يفعلون؟ هذا اعترافهم؛ لأنهم قالوا: لولا كلمة (قل) لكان في الإمكان أن نضلل الناس ونقول: هذا الكلام من كلام محمد فقط، ليس من كلام الله، عاش في الصحراء ذات الحرارة فالتهبت قرائحه وأنتج هذا الكلام، لكن أيكون من المعقول أن يقول متكلم لنفسه: قل؟ قل يا أيها الناس، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، فما يمكن أن يتكلم بنفسه فيقول: قل، إذاً: هناك أحد يأمره قطعاً، فلما عجزوا عن إبعاده من الصدور فماذا يفعلون؟

    احتالوا وحولوه إلى الموتى، وسلوا كبار السن في دياركم، مضت قرون ثلاثة وأربعة لا يقرأ القرآن إلا على الموتى فقط.

    ضياع سنة الاستماع لتلاوة القرآن الكريم ومدارسته

    وما زلت أقول آسفاً: إلى الآن لا تجد من يجلس تحت ظل جدار أو شجرة ويقول لأخيه: من فضلك أسمعني شيئاً من القرآن! أو يجلس في مجلس ويقول: أيكم يسمعنا شيئاً من كلام الله! إلا ما قل وندر، والرسول صلى الله عليه وسلم وعليه نزل وأنزل يقول لـابن مسعود : ( اقرأ علي شيئاً من القرآن، فيعجب الصاحب ويقول: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فيقول: إني أحب أن أسمعه من غيري )، ويقرأ عليه وإذا بالرسول يبكي وعيناه تذرفان الدموع وهو يقول: ( حسبك ).

    فانتهى أمر سماع تلاوة القرآن من قرون، يقرءونه على الموتى، لا تسمعه في بيت من البيوت إلا إذا كان فيه ميت، من إندونيسيا إلى موريتانيا، أكثر من ثمانمائة سنة، أما الاجتماع عليه ودراسته هكذا فلا، ووضعوا قاعدة فقالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر! فمن يفتح فاه ويقول: قال الله؟ لو تجلس في مجلس يدرسون الفقه أو النحو وتقول: قال الله تعالى فإنهم يغلقون آذانهم، يقولون: اسكت.

    فهل نجح الثالوث الأسود في إماتة أمة القرآن أم لا؟ والله! لقد نجحوا، أما ما استعمروهم؟ أما حكموهم وسادوهم من إندونيسيا إلى موريتانيا؟ أين ممالك الهند؟ حتى أقل بلد، استعمروهم وحكموهم، وسادوهم، نكلوا بهم وعذبوهم، وكيف يسلطهم الله عليهم؟ لأنهم ماتوا، أماتوهم فلما ماتوا ركبوا ظهورهم، فهل هذا يحتاج إلى برهنة أو تدليل؟

    فالقرآن الروح، وانظر إلى أربع آيات أو خمس آيات كلها في تأديبنا حتى يصبح المؤمن حقاً مؤمناً، فإذا أنفق ما زاد عن قوته وقوت أهله ينفقه لوجه ربه، حتى لا يؤذي ذلك المؤمن حتى بكلمة نابية، حتى لا يمن عليه في يوم من الأيام ويقول: أعطيناك وألبسناك أو فعلنا كذا؛ لأن المؤمنين أولياء الله، والله عز وجل والله لا يرضى أن يهان وليه أو يذل وليه بحال من الأحوال، الله ولي الذين آمنوا وما يرضى أن يهانوا أو يدانوا أو يعذبوا أو يضطهدوا وهم أولياؤه، فلم يسمح أبداً لمؤمن أن يؤذي مؤمناً تصدق عليه بصدقة قلت أو كثرت، عظمت أو حقرت، وانظر كيف ضرب الأمثال ليعقلها البشر وتبلغ إلى نفوسهم.

    دعوة إلى العودة إلى الله تعالى

    وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:265] مثلهم: صفتهم، ما هي؟ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [البقرة:265] الحسنة بعشر، الحسنة بسبعمائة، الحسنة بألف ألف، فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265] والطل كافٍ، والندى كافٍ، والجو البارد كافٍ في أن تواصل ثمارها ونتاجها؛ لأنها زرعت باسم الله، وأعطيت هذه الصدقة باسم الله، فلهذا لو نرجع إلى الله ما شعر بيننا فقير بهون ولا دون، ولا شعر بألم ولا بكى ولا دمع ولا تأسف ولا تحسر، ولذا كان المؤمنون يندر أن يوجد بينهم من يمد يديه ويقول: أعطوني، فمتى نرجع؟ حتى يذهب الاستعمار، كنا نقول هكذا: حتى نستقل، أما استقللنا؟ هل بقي بلد محكوم بسلطان الكفر؟ الجواب: لا، كل العالم الإسلامي يسوده رجاله وأهله وهم الحاكمون فيه، إذاً: ماذا ننتظر؟ هيا نستقم على منهج الله ونسر في طريق كمالنا وسعادتنا، ولكن ما عرفنا كيف نتحرك، تحركنا بتكفير الحكام والضجيج عليهم والسخط على سلوكهم فنكلوا بنا وعذبونا وخسرنا الجانبين، فماذا استفدنا؟ كيف نعمل؟ هل فيكم من يرغب في كيفية العمل أم لا حاجة بنا؟

    الجهل علة كل شر وفساد

    أولاً: اعلموا أن علة كل شر وظلم وخبث وفساد واحدة، ألا وهي: الجهل، علة كل شر يقع في الأرض أو ظلم أو فساد أو خبث والله! لهي الجهل، وقد قررنا وكررنا القول وقلنا: لو نجمع مؤتمراً لعلماء النفس وعلماء السياسة وعلماء الكون وعلماء الحياة من اليهود والنصارى والمجوس والمشركين ونطرح عليهم هذا السؤال: ما علة هذا الخبث الذي خمت الدنيا به من اللواط والزنا والفجور؟ ما علة هذا الظلم الذي انتشر في العالم؟ ما علة هذا الفساد؟ ونترك لهم الجواب، فهل سيعرفون الجواب؟ والله! لا يعرفون، هذا يقول: الفقر، هذا يقول: الظلم، هذا يقول: الحكام، هذا يقول كذا ويتخبطون، ونحن نعرف، والله! إنا لعلى علم، علة كل شر وخبث وفساد وظلم هي الجهل، ولكن هل الجهل بمسائل التقنية والفيزياء، بالتجارة والفلاحة؟ إنه الجهل بالله تعالى، ما عرفوه فلم يحبوه، ولم يرهبوه، والذي لا يحب الله ولا يرهبه أنى له أن يستقيم في الحياة، والله! ما استقام ولن يستقيم ولن يعيش إلا وهو يتخبط يميناً وشمالاً، ما عرفوا الله فما أحبوه لجهلهم به، ولا خافوه، ثم معرفة محابه، وهذا تابع للأول، أيما إنسان أبيض أو أسود عرف الله والله ليطلبنك بإلحاح أن تعرفه بما يحب ربه من اعتقاد أو قول أو عمل حتى يتملقه ويتقرب إليه بفعل ما يحب، وما من عبد يعرف الله معرفة يقينية إلا طلب منك أن تدله على ما يكره ربه ولا يحبه، إذاً: فإذا أحب الله وخافه وعرف ما يحب ففعله وعرف ما يكره فتركه؛ فوالله! لهذا هو الصراط إلى دار السلام.

    نظرة في واقع التعليم المدرسي والجامعي

    إذاً: العلم، فقد بعث الله الرسول فقال: مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [النساء:165]، وقد تقول: يا شيخ! العلم متوافر عندنا، أيما دولة صغيرة فيها آلاف المدارس، هذه هي الحجة، الدنيا كلها مدارس وجامعات وكليات، فأين آثار هذا العلم الذي تزعم؟ فماذا نقول؟ ما هناك جواب.

    والجواب عندنا: هل فتحت هذه المدارس والكليات والجامعات من أجل الله تعالى؟ الجواب: لا. وهل بعثوا أبناءهم وبناتهم ليطلبوا العلم من أجل أن يعرفوا الله ويعبدوه؟ الجواب: لا. إذاً: كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:264].

    من منكم أيها الفحول ويا أيتها المؤمنات أخذ بيد طفله وقال: تعلم لتعرف ربك فتحبه وتخافه وتطيعه؟ وإنما يقول: تعلم لتكون كذا وكذا، تعلم لتنال كذا، لتكون في المستقبل كذا وكذا.

    وقد بلغني أحد الإخوة أن طلاب العالم الآن في الامتحانات، وكذلك في المملكة، وقال: ادعوا الله لهم اليوم بالنجاح، فقلت: لن ندعو؛ لأن نياتهم ما هي بتلك النيات التي يريدون بها وجه الله، إذ لو أرادوا وجه الله فوالله! ما طلبوا النجاح ولا فكروا فيه أبداً، إذ هم يطلبون المعرفة والعلم ليعبدوا الله عز وجل، فما دام أن الوظيفة مستقبلي يا بابا إذاً: فما لله منه شيء، وهذا واقع مر، هذا في ديارنا ديار القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف بديار الغافلين ومادة الفقه فيها مرة في الأسبوع؟!

    إذاً: هل نفعت هذه المدارس؟ ما نفعت. فماذا نصنع إذاً؟ كيف نخرج من هذه الظلمة؟ سوف تعلمون، والله! ما إن تصل الروح إلى الحلقوم وتأتي الغرغرة حتى ينكشف الغطاء ويظهر أمامك كل شيء، واقرءوا: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:84-87]. تحدانا الله، فهل استطاعت روسيا أو اليابان أو الصين أن يقفوا في وجه الله فيردها؟ قل لهم ليردوها.

    المساران العلميان في الحياة الإسلامية

    إذاً: متى نعود إلى الله؟ هل نغير مناهج التعليم؟ ما نستطيع، ما نقوى عليها، قد يقال: هل تدعوننا إلى أن يعود إلينا الاستعمار ونذل ونهون للغرب والشرق، ماذا هذه الدعوة الجافة الرجعية اليائسة، نحن نريد أن نقفز أكثر مما وصلنا إليه؟!

    فنقول: لا، دعوا مدارسكم، حولوها إلى مدارس صناعات وفيزياء وزراعة وتجارة، ثم الطريق الذي نريده والمسلك المنجي والذي ينجينا هو أن نسلك فقط مسلك رسول الله وأصحابه وأولادهم وأحفادهم، فمن صلاة الصبح ونحن مشمرون عن سواعدنا، هذا يزرع وهذا يبني وهذا يفعل، فاعمل، ومن نهاك أو لامك على هذا فلا تصغ إليه، اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، لتزدهر الصناعات والفلاحة؛ لأن جهودنا قوية، ولأننا ربانيون عملنا لله، لا غش ولا تلاعب ولا ضحك ولا لهو ولا باطل، فإذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة اغتسلنا، توضأنا، تطهرنا، وقف دولاب العمل، من صلاة الصبح والدكاكين تشتغل، فهيا لنستريح، يتوضأ أحدنا ويلبس أحسن ثيابه ويأتي بامرأته وأولاده إن كانت له امرأة وله أولاد، إلى أين؟ إلى بيت الرب جل جلاله وعظم سلطانه، إلى المسجد الجامع.

    فإن قيل: يا شيخ! المسجد لا يتسع؟ قلنا: وسعوه، قد يقال: كيف نوسعه، نحتاج كذا شهراً؟ فأقول: رسول الله بنى مسجد قباء في سبعة أيام أو ثمانية، فإذا أذن المغرب دخلنا في مناجاة الله عز وجل وصلينا، فإذا فرغنا من الصلاة اجتمعنا كاجتماعنا هذا، ويجلس لنا عالم بكلام الله وكلام رسوله يعطينا آية ويقول: تغنوا بها أيها المؤمنون والمؤمنات، فنحفظها، آية من آياته من كتابه تحفظ، ثم تشرح لنا وتفسر، وتبين لنا، وأخيراً يقول: معشر المستمعين والمستمعات! معشر المؤمنين والمؤمنات! ضعوا أيديكم على المطلوب، الآية تطلب منكم أن تعتقدوا أنه لا إله إلا الله فاعتقدوا، الآية تطلب منكم أن تغضوا أبصاركم وتحفظوا فروجكم فغضوا أبصاركم عن نساء المؤمنين واحفظوا فروجكم عنهن، الآية تأمر بالإخلاص في الصدقة وإرادة وجه الله، فمن الآن لا يتصدق واحد منكم وهو لا يريد وجه الله.

    وغداً حديث نبوي نتغنى به ونحفظه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه ) ويتغنون به ويحفظونه نساءً ورجالاً وأطفالاً، ويقول المعلم: كل المسلمين إخوانكم، وهل الأخ يذبح أخاه؟ هل الأخ يكشف عورة أخيه؟ هل الأخ يسب أخاه؟ الجواب: لا، إذاً: كلكم إخوان، فمن الليلة لا يشكو مؤمن أخاه إلى ربه، لا سرقة، لا كذب، لا غش، لا خداع، لا كبر، لا ظلم، لا اعتداء أبداً.

    وبعد غدٍ آية، وبعده حديث، وطول العام وهم يتلقون الكتاب والحكمة، أهل القرية بجميعهم، أهل الأحياء كلهم، أسألكم بالله: هل يبقى بيننا جاهل أو جاهلة؟ ماذا أنفقنا على طلب هذا العلم؟ كم ديناراً؟ لا شيء أبداً، بل وفرنا المال وكثر عندنا لأن نفوسنا تهذبت وانقطع الشح وانقطع البخل وانتهى الإسراف والبذخ والتطاول في الدنيا والتكالب على مظاهرها، فهذا كله يموت، فماذا نصنع بالمال؟ لم يبق بيننا فقير يذل أو يهون.

    أسألكم بالله: هل هذا الطريق يتعب؟ والله الذي لا إله غيره! لن يستقيم أمر أمة من أممنا في شعوبنا وديارنا الاستقامة الحقة الربانية إلا على هذا المنهج، أحببنا أم كرهنا، وقد جربوا الاشتراكية وجربوا الرأسمالية وجربوا وجربوا، وكل التجارب باءت بالفشل، أليس كذلك؟ قولوا لي: ما المانع أن نفعل هذا؟

    دعوة إلى العلم المنير لمحاربة الجهل

    قد يقول بعض الحاضرين: الحكومات مانعة التجمعات للفتنة التي أشعلتم نارها وما عرفتم كيف تهتدون أو تهدون غيركم، فلما واجهتم الحكام بالنقد والطعن والتكفير والقتل غضبوا فمنعوا!

    فأقول: بدأ هذا من الجهل، وعدم البصيرة، فهيا لنعود إلى العلم لنحيا، والطريق بيناها، فيا قروي! اذهب إلى قريتك واتفق مع إمامك وشيخ القرية وقل لهم: هيا نرجع بأمتنا إلى الكمال والسلام، من الليلة نأتي بنسائنا وأطفالنا ونجتمع على تلاوة كلام ربنا وتدبره، والقرية الفلانية والفلانية، ما هي إلا سنة واحدة حتى تشاهد أنوار الإيمان، تشاهد الطهر والصفاء، تشاهد المال لا يطلب، ما بقيت لنا رغبة فيه، القليل من الطعام يكفينا، والذي يستر عوراتنا من اللباس يكفينا، وهكذا.. والله! لا طريق إلا هذا، بلغوا العلماء والأمراء والحكام والساسة، وبلغوا أوروبا والصين واليابان، والله! لن يسعدوا ولن يطهروا ولن يكملوا ولن يخرجوا من دائرة الظلام إلا بالعودة إلى هذا الكتاب الإلهي، والأيام تمضي وهم في بلاء وشقاء وعفن وشر وفساد، ما ذاقوا طعم الحياة، وإن طلبوا البرهنة فما نستطيع أن نقول إلا إذا بدأت هذه الخطة الربانية، وحينئذ ائت بريطانيا وشاهد هذه القرية فهل ستشاهد منكراً؟ امش معي صباح ومساء فهل ستسمع كلمة نابية؟ أو صوتاً مزعج؟ أو ترى منظراً خبيثاً؟ والله! ما يشاهد، امش معنا إلى دائرة الحكومة وقل لهم: أعطوني الجرائم التي تمت في هذا اليوم، والله! لن تجد جريمة، وإن شذ واحد في العشرة أيام أو في العشرين فلا قيمة للشذوذ، لا سرقة ولا خيانة ولا كذب ولا تكفير ولا سب ولا شتم، وهكذا كان أسلافنا.

    وإن قلت: كيف؟ فإنا نقول: كيف انتشر الإسلام في نصف الأرض شرقاً وغرباً لولا طهارتهم وكمالهم؟ هل دخل أهل المغرب والأندلس والمشرق في الإسلام بالسيف؟ والله! ما دخل أحد بالسيف، ولا أكره إنسان على أن يؤمن بالله ولقائه، ولكن لما دخلوا البلاد شاهدوا الأنوار التي يحملها الغزاة الفاتحون، صدق في القول، وفاء في العهد، طهر في السلوك، رحمة في القلوب، مشاهد الأنوار جذبتهم ودخلوا في رحمة الله، ما هو العصا والحديد، شاهدوا العدل في القضاء والحكم الرحيم العادل الرباني.

    فمن يدعو الآن بهذه الدعوة؟ من يقوم بها؟ العلماء كثير منهم يتقزز من هذا، الحكام يقولون: هذه أوهام، الأغنياء ما هم في حاجة إلى هذا، الفقراء هاهم يركعون ويسجدون، فمن يتحرك؟ من يبكي؟ لا أحد، إلا إذا أراد الله شيئاً وهو على كل شيء قدير.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.