إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (125)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تطلع الإنسان إلى معرفة قدرة الله والنظر في إعجازه مما فطر عليه الإنسان، لكن فرق بين من تطلع إلى ذلك مستبعداً له وشاكاً فيه، وبين من تطلع إليه موقناً به ومؤمناً إيماناً صادقاً، أما مثال الشاك فهو ما وقع من عزير عليه السلام حين مرّ على القرية التي دمرها البابليون فاستبعد عودتها كما كانت، فضرب الله له مثلاً في إماتته ثم إحيائه ونظره إلى حماره والحياة تعود إليه شيئاً فشيئاً حتى آمن وأيقن، ومثال المؤمن المصدق إبراهيم عليه السلام الذي سأل ربه أن يريه مثالاً لإحياء الموتى، فأراه سبحانه قدرته وعظيم صنعه في تلك الطير التي أعاد إليها الروح بعد تقطيعها وتفريقها في الأرض.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق لنا هذا الرجاء يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين.

    وها نحن مع هذه الآية المباركة من سورة البقرة المباركة:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259].

    هذا الكلام من يستطيع أن يأتي به؟ هذا كلام الله رب العالمين، فقولوا: آمنا بالله!

    ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الأمي العربي فرد من أفراد الأميين يقص هذا القصص كأنه حاضر وشاهد الأحداث كما هي، كيف يتم هذا لولا أنه رسول يوحي الله إليه بالأنباء والأخبار التي يستحيل على البشر أن يردوها بمنطق أو حجة أو دليل؟

    أثر ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين

    وهذه الآية كسابقتها دليل على قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، من ظلمات الجهل إلى نور العلم.

    وبالأمس كان الخليل إبراهيم في السجن ويسأله ملكهم النمرود عن ربه: من ربك؟ قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258]، قال الطاغية: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، فألهم الله الحجة لإبراهيم صاحب الإيمان والنور فقال: إن ربي يأتي بالشمس من المشرق فائت بها أنت غداً من المغرب! فبهت الذي كفر، انقطع ولم يستطع الجواب أو يتكلم بكلمة، وكيف يرد هذا؟ هل يقول: سنعمل ذلك؟

    فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258]، وهذه الجملة المذيل بها الكلام تزن الدنيا وما فيها، اسمع: إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى ما فيه سعادتهم وكمالهم، إلى ما فيه عزهم وانتصارهم، إلى ما فيه سعادتهم، إلى أي خير؛ لأنهم ظلموا وخرجوا عن الطريق وهم يتقلبون، فمن يهديهم؟ آمنا بالله.

    وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] إلى ما فيه كرامتهم وطهرهم وصفاؤهم وعزهم وسعادتهم ونصرتهم على أعدائهم، ولكن الله هدى إبراهيم للجواب المفحم القاطع الذي بهت به العدو أمامه.

    أثر ولاية الله تعالى لإبراهيم الخليل في محاجة النمرود

    أعيد تلاوة الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة:258]، يكفر ويتعالى ويطغى، وهذه لفتة أيضاً عجيبة: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وجربنا هذا حتى في إخواننا، ما إن يحصل على قرش أو مركبة حتى يتكبر، كان بهلولاً من الصالحين يكنس المسجد ويمشي مع الناس، ما إن يرتفع حتى يتكبر، ما استعمل تلك الأرقام الثمانية في قوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21] إلى آخر الآيات.

    كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، والأمة ما تعالج في هذه المستشفيات وما يعرفونها ولا سمعوا بها، فكيف تراهم إذاً؟ الظلم والشر والخبث والفساد والخيانة، مرضى وما عولجوا في مستشفيات النفس، فعلاج النفس في المستشفى الرباني الإلهي، ودعنا من البكاء فإنه لا يجدي، وهيا نتمم الآية تلاوة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258]، هذا مظهر من مظاهر ولاية الله لأوليائه ونصرتهم، الطاغية النمرود بكل قواه فشل وما استطاع أن يجيب، فأمر به فألقي في النار، فقال الرب جل وعز خالق كل شيء: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فوالله! لم تأت النار إلا على كتافه في رجليه ويديه، وخرج وجبينه يتصبب عرقاً، وتركهم وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:99-100]، فأول هجرة في الله تعالى عرفتها البشرية هجرة الخليل إبراهيم.

    فلم المسلمون ما يعرفون هذا؟ لأنهم يقرءون القرآن على الموتى فقط، أما على الأحياء فممنوع، القرآن يقرأ على الموتى، وهناك نقابة، فبالتلفون اتصل: مات عندنا ميت، فيقول: من فئة المائة ليرة أو من فئة خمسمائة، فإذا كان فقيراً فمن فئة المائة، والغني من فئة خمسمائة، وأبناؤنا يقرءون القرآن في الكتاتيب لهذا الغرض، لا ليعرفوا الله وما عنده، أكثر من ثمانمائة سنة ونحن هابطون.

    فالقرآن حين يقرأ على الموتى فإني أسألكم بالله: هل سيقومون ليعبدون الله؟! والله يقول وقوله الحق: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]، رد على من قالوا: القرآن شعر، وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]، أم قال: لتقرأه على الموتى؟ وقال: لينذر من كان حياً أو من كان ميتاً؟

    ونحن إذا مات فلان قيل لطلبة القرآن: احضروا سبع ليال، وإن كان غنياً فإحدى وعشرون ليلة وهم يقرءون القرآن ويضحكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ...)

    ثم قال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259].

    المراد بالقرية والشخص صاحب الحادثة في الآية الكريمة

    إذاً: بعد تلك الآية من آيات الله المحققة لوعده بولايته لأوليائه جاءت هذه الآية: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ [البقرة:259]، والقرية في عرف القرآن: المدينة الكبيرة، وفي عرف الجغرافيين المتتلمذين للغربيين: القرية دون المدينة؛ حتى يبعدوا الناس عن القرآن، القرآن هو أول من قرر القرية وأنها المدينة الكبيرة، أما قال: وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى [الأنعام:92]، فما هي أم القرى؟ مكة المكرمة.

    إذاً: مر على قرية، فمن هذا المار؟ ذكر أهل العلم أقوالاً كثيرة: كالخضر، وفلان، وعزير، والراجح أنه عزير عليه السلام.

    إذاً: مر بقرية وهي مدينة القدس، ولم سميت المدينة قرية؟ لأن هذا مشتق من التقري الذي هو الجمع، قريت الماء في الحوض: أي: جمعته، وسمي القرآن قرآناً لجمع كلماته ونظمها في جمل وآيات، إذاً: القرية هنا ما هي بمدينة صغيرة، هي مدينة القدس.

    قال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259]، وخاوية ليس معناها: جائعة بلغة المغرب، يقولون: خوى بطنه: فرغ فهو جائع، فخاوية هنا بمعنى: خالية، وهي كذلك، خوى البطن: فرغ. وخوت المدينة: ما بقي فيها سكانها، لكن قوله تعالى: خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259] لأن السقوف التي كانت تعرّش للظل والوقاية من الحر والبرد وقعت على الأرض

    فهي خاوية على العروش.

    معنى قوله تعالى: (قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها)

    قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259].

    هذه القرية من هدمها؟ هذا الذي هدمها يقال له: بختنصر ، هو الذي غزا المسلمين هناك من بني إسرائيل وانتقم منهم وخرب بيت المقدس، حتى التابوت هو الذي أخذه كما تقدم، والتوراة أخذها، والعزير ألهمه الله إياها فأملاها على بني إسرائيل فقالوا: إذاً: هذا ابن الله، هذا سر اتخاذه ابناً لله من سورة التوبة، لم؟ اندهشوا، التوراة أخذها الطغاة الجبابرة ومزقوها، وهذا قال: تعالوا أمليها عليكم، فأملاها عليهم فقالوا: هذا ابن الله؛ فكفروا.

    إذاً: العزير عليه السلام مر بهذه المدينة فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259]؟ أي: كيف يحييها؟ من باب التطلع إلى المعرفة، وفيه معنى الاستبعاد، هذا الأمر بعيد، فما تعود هذه أبداً، كيف تعود كما كانت؟ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259]؟ ماتت القرية، انقطعت الحركة والكلام، كما يقال: مات الشخص: إذا ما بقي له كلام ولا حراك.

    معنى قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم)

    فماذا فعل الرب تبارك وتعالى؟ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ [البقرة:259]، وكان على رأسه سلة من العنب وأخرى من التين، فوضعهما وربط الحمار ليستريح في القيلولة، فأغمض عينية فخرجت روحه مائة عام وهو كذلك، وممكن أن يمر الناس به فيقولوا: هذا نائم، أو أنه أعماهم الله ودفعهم فلم يروه، فأصحاب الكهف ماتوا ثلاثمائة سنة! إذاً: فلا عجب، أماته الله تعالى مائة سنة ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة:259] أحياه، لما أحياه قال له: كَمْ لَبِثْتَ [البقرة:259]؟ سأله ربه بالوحي الإلهي أو عن طريق الملك: كم لبثت في نومك هذا؟ قال: يوماً أو بعض يوم؛ لأن الشمس ما غربت ولا يدري أهو نام من الضحى أم من طلوع الشمس، إذاً: حتى لا يكذب قال: يوماً أو بعض يوم حسب علمه؛ لأنه نام واستيقظ، لا آلام في المفاصل ولا غبار في الشعر ولا في الوجه، محفوظ بحفظ الله تعالى.

    معنى قوله تعالى: (قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ...)

    قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ [البقرة:259]، مائة عام، والعام أطول من السنة، وكيف يعرف؟ من يدريني أنني لبثت مائة عام على الأرض ميتاً؟

    قال له: إذاً: فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ [البقرة:259]، الطعام: عنب وتين، والتين عندنا نحن جربناه، يقولون: التين إذا بات كاليهودي إذا مات، إذا مات يهودي فالماء يسيل من فمه، والرائحة الكريهة، والوسخ، أعوذ بالله! فمن يقدر على أن يشاهده، والتين كذلك إذا بات في غير ثلاجة، ما كان هناك ثلاجات في العالم، فيتعفن ويتغير لونه، ما يؤكل، كالذي رأيته أمس فرميناه اليوم، جاءنا مؤمن من مصر بزنبيل أو سلة تين من هذا النوع، فما قدرنا عليه.

    إذاً: وشرابه عصير، قال تعالى: فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259]، ما معناه؟ لم يتغير بمرور مائة سنة عليه، ما أثرت فيه السنون، مائة سنة والعنب والتين كما هما، والعصير والعنب كما هما، هذه عناية الله عز وجل، هذا حفظ الله عز وجل، يصرف القلوب من الإنس والجن، يصرف الحيوانات، يريهم ما يفزعهم حتى لا يقربوا إليه ولا يدنوا منهم، وهو يقول للشيء: كن فيكون، فاندهش الآن وتأكد أنه نام مائة سنة، كيف؟ إنه فعل الذي قدر على إماتتك مائة سنة وأحياك، انظر إلى العجب الذي هو أكثر منك: تين وشراب ما يتغير على مر عشرات السنين.

    وأعظم آية هي الأخرى: وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259]، أين الحمار؟ فنظر وإذا بالعظام بيضاء تلوح هنا وهناك، هذا مشاهد، إذا مات الحمار تأتي الحيوانات تأكله وتبقى عظامه بيضاء تلوح في الأرض.

    وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259]يا عبدنا، وإذا بتلك العظام تتجمع آلياً أوتوماتيكياً العظم إلى العظم، وتناسبت كل الأجزاء، وغشيت باللحم والجلد وإذا بالحمار يقف، فاركب وكل واشرب وامش.

    وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا [البقرة:259]، وقراءة نافع وغيره: (ننشرها)، كَيْفَ نُنشِزُهَا [البقرة:259]، أي: نرفعها، والمعنى كله صحيح.

    وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]، وعادت تلك المدينة كما كانت، وأعظم مما تكون، وأخزى الله بختنصر وجيشه ورجاله، آية من آيات الله عجب.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآية

    يقول تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ [البقرة:259]، هذه مدينة القدس الطاهرة، وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259]، سقطت مبانيها وسقوفها على الأرض.

    قال عزير: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ [البقرة:259]، والبرهنة: فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259]، الطعام والشراب مر عليهما مائة سنة وما تغيرا؟! عجب هذا، ولا عجب مع قدرة الله عز وجل وعلمه وحكمته.

    وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259]، وهل تعرفون بعض خبر الحمار؟

    إن الذين يقرءون القرآن ويحفظونه ويقرءونه على الموتى ولا يعملون به هؤلاء هم الحمر، واقرءوا قول الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5]، يحفظ القرآن ولا يفهم منه كلمة، ولا يقوم بواجب، ويقرؤه فقط على الموتى، هذه حالنا دهراً طويلاً حتى أنقذنا الله بما شاء أن ينقذنا، كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5].

    وعندنا لطيفة: أيام كنا ندرس النحو، كان المعلم يضرب المثل دائماً بالحمار، يقول: ضرب زيد الحمار، مررت بحمار، فلماذا الحمار فقط؟ قالوا: لأنه أبلد مخلوق، وتمضي الأعوام، وجاءت السيارات وأصبحنا نركب السيارة، فتمر على الحمار في الطريق فتضرب له جرس السيارة وتنادي ليبتعد فلا يفهم أبداً، يمد رأسه ويمشي، فقلنا: سبحان الله! ألهم الله تعالى النحاة هذه، فقلنا: نعم، وقد يكون فلان أشد بلادة من الحمار.

    والرسول صلى الله عليه وسلم ركب الحمار، وأذكركم بحمار عبد الله بن عمر ، فـعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان قادماً من مكة أو ذاهباً إليها، ثم نزل ليستريح، أو جاء الليل لينام، فنام واستراح وإذا بأعرابي، فنظر إليه ابن عمر فقال له: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن فلان، فقام فأخرج عمامة كان يربط بها رأسه في الليل يشده بها، وأعطاه العمامة وأعطاه حماره، فـنافع مولاه رضي الله عنه تعجب: يا مولاي! هذا أعرابي يكفيه حفنة تمر، كيف تعطيه عمامتك وتعطيه حمارك؟ هذا الحمار تروح به على نفسك. أي حين يمل ركوب البعير فيركب الحمار للترويح على النفس.

    فقال: يا نافع ! أتدري من هذا؟ هذا والده كان صديقاً لـعمر ، وهنا تتجلى حقيقة، وهي بر الوالدين، فأصدقاء أبيك وأمك ينبغي أن يبقوا أصدقاء تزورهم وتكرمهم، وتبجلهم وتحترمهم كاحترامك لأبويك، هذه الروابط والصلات الربانية، أبوه كان صديقاً لـعمر ، فأعطاه حماره وعمامته.

    وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259]، أي: انظر إلى حمارك لتتأكد من صحة ما سمعت أولاً، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259]، آية على ماذا؟ على وجود الله رباً وإلهاً، وعلى قدرته على كل شيء، حيث لا يعجزه شيء، وعلى علمه الدقيق الذي أحاط بكل شيء، وعلى حكمته التي لا يخلوا منها شيء، وبهذا استحق بأن يعبد وحده ولا يعبد غيره، واستحق أن يطاع ويطبق شرعه، لما فيه من الإكمال والإسعاد للبشرية، لا أن تطاع الفروج والأهواء والشهوات والضلال والملاحدة والكفار.

    وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259] دالة على قدرتنا وعلمنا وربوبيتنا وألوهيتنا موجبة لعبادتنا وحدنا؛ فلا إله إلا الله، وهو أيضاً آية من آيات النبوة المحمدية، لو لم يكن رسول الله فكيف يتلقى هذا العلم؟ من أين يأتيه؟

    وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة:259]، أغمض عينيك فقط وشاهد وانظر فتتجلى الحقيقة كما هي.

    إذاً: لما شاهد قال: أَعْلَمُ [البقرة:259]، وفي قراءة: (اعلم) أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]، والكل واحد، فهذه آية.

    دلالة الآية على ولاية الله تعالى للمؤمنين

    وبقيت أخرى إليكموها: هي أن كل هذا لتعلموا أن الله ولي الذين آمنوا، أما مؤمن ويشرب الحشيش، مؤمن ويركل المؤمنين برجليه، مؤمن ولا يشهد الصلاة مع المؤمنين؛ فهذا كذاب، المؤمن: الذي يدفعه إيمانه إلى أن يطيع الله ورسوله، فلا يخرج عن أمرهما ولا يفسق عنهما بحال.

    ولهذا في آية يونس قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الحياة هذه، ولا في البرزخ ولا يوم القيامة، ومن هم أولياء الله؟ هل سيدي عبد القادر ، مولاي إدريس ، العيدروس ؟ يا رب! بين لنا أولياءك لنعرفهم حتى نمشي وراءهم، ونقتدي بسلوكهم ونتعلم الهدى والعلم منهم، لا نعبدهم بالحلف بهم، والذبح لهم، والنذور لهم، والعكوف على قبورهم.

    لقد مررنا ببلد ما أيام الدعوة وإذا بالنساء والأطفال والرجال مخيمين، قلنا: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء زوار سيدي فلان، سبعة أيام وهم عاكفون يدعون غير الله، ويمر بهم علماء، بل ويشاركونهم أيضاً! فمن أبعدنا عن نور الله؟

    الثالوث الأسود: المجوس واليهود والنصارى، فهيا نكرههم ونبغضهم ونتخلى عنهم، لسان حالنا: ما نستطيع، نمشي وراءهم حتى نهلك كما هلكوا، هذه حالة أمة الإسلام، صرفوها عن مادة حياتها وسعادتها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ...)

    ثم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ [البقرة:126]، من إبراهيم هذا؟ هذا أبو الأنبياء، هذا أبو الضيفان، هذا الخليل هذا جد نبيكم.

    مداخلة: .. الله.

    الشيخ: الحمد لله، هذا الأب الرحيم باني الكعبة.

    إذاً: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ [البقرة:260]، أي: يا رب، لم حذف ياء النداء؟ لا يحتاج إليها؛ لقرب الله تعالى، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، أما الذين يحتاج إلى الياء فهو البعيد: يا فلان، يا فلانة، أما الله تعالى فما يحتاج إلى ذلك، تقول: رب هب لي من لدنك رحمة.

    قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، لا تلوموه وهو الخليل، تخلل حب الله خلاياه وثغرات جسمه وقلبه، يعيش مع ربه، رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، حتى يطمئن قلبي وتهدأ أعصابي ونعرف كيف يتم هذا، أنا مؤمن بأنك تحيي الموتى وأحييت وتحيي، لكن نريد أن نعرف ليرتفع منسوب إيماني ويقيني.

    وقد ذكرت لكم مثلاً وضحت لكم به القضية: هل فيكم من لا يؤمن بأن الشاشة في التلفاز تنقل حقيقة من هم في المركز، هل هناك من يشك؟ لا أحد، لكن قد تقول: كيف يتم هذا؟ لو وجدت من يبين لك وهم لا يعرفون، وما يستطيعون أن يبينوا لقلت: كيف هذا؟ هو في الشرق وأنا في الغرب، ونشاهده يتكلم أو يرقص! فلا عجب في قول الخليل عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]؛ لأن إحياء الموتى أعظم آية، والله! لو يجتمع العالم بأسره وابدأ بالذين يقولون: لا إله، وهم البلاشفة الحمر، لو اجتمعوا بأطبائهم وكل ما لديهم على أن يردوا الحياة لميت؛ فوالله! ما يستطيعون، والله! ما يقدرون ولا لذبابة، إذاً: قولوا لهم: قولوا: لا إله إلا الله، لم الفرار والهروب حتى لا تعبدوه فتكملوا وتسعدوا؟ فإنكم تخسرون وأنتم لا تشعرون.

    معنى قوله تعالى: (قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)

    قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، فقال الله عز وجل له: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة:260]، أتقول ما تقول ولم تؤمن؟ قَالَ بَلَى [البقرة:260]، كيف لا؟ نؤمن بك أنك تحيي الموتى، وأنك على كل شيء قدير، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، ماذا قال أبو القاسم؟ ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )، لو كان إبراهيم شك فنحن أحق بالشك، ونحن -والله- ما نشك، إذاً: والله! ما شك إبراهيم أبداً.

    وماذا قال عن يوسف عليه السلام؟ قال: ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي )، يوسف عليه السلام لبث سبع سنين في السجن، وجاءه رسول الحكومة، فقال: لا حتى يمتحن هذا الحادث وتظهر الحقيقة، وأنني بريء.

    إذاً: قال إبراهيم: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، وتسكن روحي وتهدأ بالمشاهدة، فأجابه الرحمن، وكيف لا وهو وليه؟! اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]، من الجهل، الشك، الارتياب، إلى نور اليقين والعلم، وهذا كائن إلى الآن وإلى يوم القيامة، من والى الله ولاية حقه لن يخزيه ولن يذله، ولن يخيفه ولن يحزنه، على شرط أن يوالي الله موالاة حقيقة، ما يفضل عليه كأس اللبن.

    معنى قوله تعالى: (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ...)

    إذاً: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [البقرة:260]، ولسنا في حاجة أن نقول: غراب، عقاب، وحمامة.. ما هناك حاجة إلى هذا، هذا علم لا ينفع والجهالة به لا تضر، وهذه القاعدة محروم منها المسلمون، وخاصة طلبة العلم، يقضي الساعة والساعات والجدال في شيء ما ينفع، في علم لا ينفع والجهالة به لا تضر، أيما شيء علمك به لا ينفعك اتركه، أو جهالته لا تضرك اتركه، لم تضيع فكرك ووقتك؟ وهذا يلهينا عن طلب الحق وبيانه للناس، ونحن مشغولون بهذه، علم لا ينفع وجهالة لا تضر، فإذا عرفنا العقاب والغراب وسائر الأربع فماذا استفدنا؟ فهل العبرة بها أو بحياتها بعد تمزيقها؟

    يا أبناء الإسلام! إذا كانت القضية في الحديث والتفسير، في السياسية، في أي موضوع، وتعلم أن علمك بها ما ينفعك، وأن جهلك بها ما يضرك؛ فاتركها، والقاعدة: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، في كل مجالات الحياة.

    قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:260]، اجمعهن إليك واذبح ومزق، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا [البقرة:260]، جاءت الطيور، حصل عليها وجمعها، فذبحها وجزأها واحتفظ برءوسها، وخلط العظام والأفخاذ والظهور والسيقان، ووزعها على أربعة جبال، ما هذه الجبال الأربعة؟ علم لا ينفع وجهالة لا تضر، ممكن أنه لو عرفناها سنمشي لنعبدها أيام كنا ضلالاً ونتبرك بها، فمن الخير ألا تعرفها، علم لا ينفع وجهالة لا تضر، أيام كان الهبوط كان -والله- أكثر علماء المسلمين يشتغلون بهذه، والصراع والجدال فيها؛ لأنهم موقوفون، ما هناك دعوة دافعة إلى أن يعبد الله وحده، إلى أن تستقيم الآداب والأخلاق، هذا ما هو من نصيبهم، جدالهم يدور في هذه المسائل، وإن شئتم حلفت لكم على أنا رأيناهم كذلك.

    إذاً: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ [البقرة:260]، أي: من الطيور الأربعة جُزْءًا [البقرة:260]، ليس بشرط أن يكون بالمقادير، بل جزء منها.

    ثُمَّ ادْعُهُنَّ [البقرة:260]، نادهن: يا طيور! تعالي. وما هي إلا لحظات، وقد سبق في الحمار كيف تم خلقه في لحظات، وإذا بالطيور تتكامل في الخلقة، لحم العقاب مع العقاب، ولحم الغراب مع الغراب وعظامه، وتأتي واحداً بعد واحد، وما ظهر منها كاملاً وضع رأسه عليه وانطلق.

    ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260]، ليست جريحة تململ.

    معنى قوله تعالى: (واعلم أن الله عزيز حكيم)

    وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260]، (عَزِيزٌ): غالب لا يقهر، عزيز لا يمانع في شيء أراده أبداً، قادر على أن يذل الأعزاء ويعز الأذلاء.

    (حَكِيمٌ): يضع كل شيء في موضعه، الشمس وضعها في ذلك المجال، لو تزحف بالزيادة بالنقصان فسيخرب العالم، كل شيء في موضعه، وهذا هو الحكيم، وهذه هي الحكمة، فكيف يعرض عن كتابه وشرعه ودينه؟ كيف تطلب الحكمة من الفساق والفجار ويقتدى بهم ويؤتسى بهم؟ الحكمة أين توجد؟ توجد عند أهل القرآن، أهل الإيمان والتقوى.

    اسمع هذا البيان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، إعلان عن أعظم جائزة في الدنيا، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، كل واحد عنده جهاز رباني، ينظر إلى الشيء فيعرف خطأه من صوابه، هؤلاء هم الذين يجب أن يسوسوا العالم الإنساني، والعالم الإسلامي أولاً، أما أصحاب الظلمة التي آثارها واضحة في السلوك، الظلمة الناتجة عن الفسق والفجور والكفر بالله ولقائه، والإعراض عن ذكره وكتابه؛ فهولاء كيف يسوسون، إلى أين يسوقون البشرية؟

    إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، عمر يقول عنه عبد الله ولده: ما قال أبي في شيء: أظنه كذا إلا كان كما ظن! فما سبب هذا؟

    إنه صفاء الروح، زكاة النفس؛ لأنه أبعد عنها ما يدسيها ويلوثها من الكذب والخيانة، والباطل والشرك والمنكر، فصفت فانكشف أمامه كل شيء، فالمؤمن ينظر بنور الله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.