إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (123)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من آمن بالله عز وجل واتقاه، وجاء إلى ما أمره به سبحانه فأتاه مخلصاً لله فيه، وجاء لما نهى عنه سبحانه فاجتنبه وتوقاه ابتغاء وجهه سبحانه، فإنه مستحق لمحبة الله تعالى، جدير بولايته سبحانه، ومن تولاه الله أيده ونصره وأدخله جنته، وأما من كفر بالله وأعرض عن داعيه، وارتكب المعاصي والمنكرات، فإنه مستحق لولاية الطواغيت؛ إبليس وأعوانه وأتباعه، جدير به ان يحشر معهم، ويتشارك معهم منازلهم في النار.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا المطلوب يا رب العالمين.

    والآية التي أجملنا القول فيها ولم نفصله هي قول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].

    ولاية الله تعالى للمؤمنين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] من وليكم يا عباد الله؟ الله هو الذي يتولى أمركم، هو الذي يسددكم، هو الذي يخرجكم من ظلمات الجهل وظلمات الفسق والشرك والكفر إلى أنوار الإيمان والعمل الصالح.

    اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] بخلاف غيرهم فوليهم الشيطان، وهكذا تقرر ما علمناه من قبل أن البشرية إما أن يوالوا الله ربهم ويواليهم مولاهم، وإما أن يوالوا الشيطان ويواليهم الشيطان عدوهم، ما هناك وسط.

    الإيمان والتقوى طريق تحقيق الولاية

    وولاية الله عز وجل تتحقق بأمرين، من أراد أن يكون ولياً لله فليحقق أمرين اثنين، فإذا حققهما ثبتت له ولاية الله، وهذان الأمران هما: الإيمان والتقوى، فهل هناك من رغبة في معرفتهما؟

    إي والله، ما منا أحد إلا ويريد أن يكون ولياً لله، فالأمران هما: الإيمان والتقوى، الإيمان بالله وبما أمر الله أن نؤمن به من الغيب والشهادة، والإيمان حقيقته: التصديق الجازم الخالي من الغيب والشك بأن الله هو رب العالمين وإله الأولين والآخرين، ونؤمن بلقائه وهو يوم القيامة أو اليوم الآخر، ونؤمن بما أمرنا أن نؤمن به من ملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره؛ ولهذا أركان الإيمان التي ينبني عليها ستة جاءت في القرآن الكريم في البقرة وغيرها، إلا الركن السادس -وهو القضاء والقدر- فجاء في سورة القمر، إذ قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

    وقد عرفنا القدر، فالقدر كتبه الله في كتاب يسمى كتاب المقادير، كتب فيه كل ما أراد أن يخلق ويوجد من ذرات الحياة والدار الآخرة وهو مكتوب، ويسمى باللوح المحفوظ، فوالله الذي لا إله غيره! لا يحدث حدث في السماوات ولا في الأرض إلا وقد سبق أن كتبه الله، ويستحيل أن يوجد حادث غير موجود في كتاب المقادير، هذا مظهر من مظاهر عظمة الله وقدرته، هذا الله رب العالمين، من آمن به وصدق في إيمانه اتقاه، ولا تستطيع أن تأتينا بإنسان أو جني عاقل ويؤمن بالله ولا يتقي عذابه ولا سخطه؛ فلهذا ما ذكر هنا التقوى مع الإيمان، لا يعقل أبداً أن شخصاً يؤمن بالله ويعرف أن مصيره إليه، وأن حياته بين يديه، وأنه مولاه وسيده، وأنه يحبه، ثم يتمرد عليه ويفسق عن أمره ويعصيه، كل من آمن بالله حق الإيمان وجد نفسه مضطراً إلى تقواه.

    وأضرب مثلاً للعامة: إذا تحققت يا عبد الله أن هذه القارورة أو هذا الكأس فيه سم قاتل، فهل ستقدم على شربه؟ ستتقيه، لو علمت أن لصاً يحمل سلاحاً يريدك وأيقنت، فهل ترضى بأن تواجهه، أو تمشي وراءه، أو تظهر له؟ الجواب: لا.

    فمن عرف الله عز وجل معرفة الحب والولاء فإنه يستحيل أن يخرج عن طاعته، ومن عرف قدرة الله وعظمته خاف منه ورهبه، ولا يستطيع أن يعصيه ويخرج عن طاعته؛ إذ التقوى لله عز وجل بها يتحقق الإيمان، فلا وجود لمؤمن غير تقي.

    والآية المبينة لهذه الحقيقة آية سورة يونس، وهي قول ربنا تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، ذكر صفتين هما الإيمان والتقوى، والكافر لن يكون لله ولياً، هذا وليه الشيطان، ولا يوجد مؤمن حق الإيمان يفجر أبداً.

    إذاً: وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، يتقون ماذا؟ غضب ربهم وسخطه، لا يرضون أن يغضب الجبار عليهم أو يسخط، يتقون عذابه ونكاله في الدنيا والآخرة، هؤلاء هم أولياء الله.

    بشرى المتقين من أولياء الله تعالى

    لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64] أيضاً، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الحياة الدنيا: بأنها الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، إما أن يراه هو بنفسها، أي: يريه الله عز وجل في منامه ما يبشر به من أنه من أولياء الله، أو يراها عبد صالح ويقصها عليه: لقد رأيتك يا فلان في كذا وكذا.

    وبين الآخرة والدنيا بشرى عظمى وهي عند سكرات الموت، المريض على سرير الموت كما يقولون وقد انقطعت صلته بالحياة فما أصبح يكلم عواده ولا جيرانه ولا أولاده، انقطع، ثم تنزل الملائكة تحمل البشرى، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، هذا هو الإيمان والتقوى، فالذي قال: ربي الله آمن واستقام واتقى الله فما فجر ولا فسق عن أمره ونهيه، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] بماذا؟ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]. اللهم اجعلنا منهم. هذه عند سكرات الموت، وحسب تلك الروح الطاهرة أن يزفها الملكوت الأعلى وفد من الملائكة الأطهار وتفتح لها أبواب السماء وتصل إلى أن تخر تحت العرش ساجدة، ويسجل اسمها في ديوان عظيم هو عليون: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18]، ومن هم الأبرار؟ المؤمنون المتقون الصادقون في تقواهم لله أولئك الأبرار.

    ثم يعاد بها إلى القبر إلى حيث الجثة وإن تمزقت وتلاشت، وتستقر فيها الروح ويجري امتحان، وثم تبشر بدار السلام ويكشف لها عن مجلسها وعن مقامها في الجنة وتشاهده في القبر، ثم يرجع بها لتعيش في الملكوت الأعلى بقية هذه الحياة إلى أن تنتهي، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64].

    إذاً: الإيمان والتقوى، الإيمان عرفناه فصدقنا بوجود الله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وجلاله وعظمته، حتى أوجد لنا هذا خوفاً في نفوسنا منه وحباً في قلوبنا له.

    كيفية التقوى وبيان أن العلم وسيلة تحصيلها

    وكيف نتقي؟ هنا تأملوا أيها السامعون وأيتها السامعات ولا تتألموا، اعلموا أنه لا يتأتى لإنسان أن يتقي الله قبل أن يعلم فيم يتقيه، لا يمكنك يا ابن الإسلام أن تتقي الله وأنت لا تعرف في أي شيء تتقيه؟ وبم تتقيه؟

    نتقي الله عز وجل بفعل ما يحب وترك ما يكره، والذي لا يعرف محاب الله ولا مكارهه فقولوا لي: كيف يتقي الله؟ بماذا؟ فالذي لا يعرف محاب الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات كيف يحبها وهو ما عرفها؟ والذي ما عرف مكاره الله ومساخطه تعالى من المعتقدات الفاسدة والأقوال الباطلة والأفعال السيئة الفاسدة والصفات الذميمة كيف يتقي الله؟

    والآن وقفنا عند العقبة الكئود، فماذا نصنع؟ أعلموا الشرق والغرب أنه والله! لا تتم تقوى إنسان ذكر أو أنثى وتتحقق إلا إذا عرف أولاً ما يحب ربه ليفعله ويقدمه له، وعرف ما يكره ربه حتى يتجنبه ويتركه؛ ولهذا فأين ولاية الله؟ لو كنا أولياء الله فهل سيسلط الله علينا اليهود ليهينونا ويذلونا، هل سيسلط علينا الكفار والمشركين فنهون ونذل؟ أين الولاية؟ هل الله يهين أولياءه؟ حاشاه، ما هو السبب إذاً؟

    لقد جهلونا، فما علمونا ما هي محاب الله لنفعلها طلباً لحبه ومرضاته، وما هي مساخط الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات حتى نتجنبها ونبتعد عنها فتتم لنا ولاية الله، فهل أنتم شاعرون بما أشعر به أم لا؟ لا يمكنك أن تكون ولي الله إلا إذا عرفت ما يحب وما يكره وفعلت المحبوب في قدرتك وطاقتك وابتعدت عن المكروه الذي يكرهه، والجاهل ما يعرف ما يحب الله حتى الكلمة، فكيف يتقرب إليه، ما يعرف ما يكره الله فينغمس فيه ويعمله وهو لا يدري، فما المخرج يا أبناء الإسلام؟

    العلم العلم، نعم والله! لهو العلم، وهذا المبين الكريم صلى الله عليه وسلم المبين للناس يقول: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )، والله يخفف وييسر ويقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فنحن لا نطلب العلم ولا نسأل العلماء، ومنا من يسخر من العلماء ويستهزئ بهم.

    المسجد موطن العلم المحصل للتقوى

    كيف نحصل على العلم؟

    لا تقل: يا شيخ! أنت ما تدري، أصغر بلد في العالم الإسلامي فيه آلاف المدارس، بل فيه الجامعات والكليات. فأقول: لكن هذا ما يكفي، ولا يداوي جراحاتنا ولا يشفينا، لم؟ لأننا ما بنيناها وجمعنا أبناءنا عليها من أجل أن يعرفوا الله ومحابه ومكارهه، ما بنيت لله، وما طلب العلم فيها في الجملة لله؛ ولهذا ما لاحت الأنوار ولا تجلت في أي بلد ولا في أي قرية من قرى الإسلام، فما هو المخرج؟

    الجواب وبلغوا إن أهلكم الله للبلاغ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج )، رحل جابر بن عبد الله على ناقته إلى حمص بالشام من أجل حديث واحد.

    فالطريق -معشر المستمعين والمستمعات- هو ما قررناه سنة وزيادة: أهل القرية الإسلامية عرباً كانوا أو عجماً يتعاهدون أنهم إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة يحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم إلى الجامع، ويوسعونه حتى يتسع لهم، وليس شرطاً بالحديد والإسمنت، بل بالخشب والحطب، ويجلسون بعد صلاة المغرب جلوسنا هذا، ويجلس لهم عالم مرب فيتعلمون ليلة آية من كتاب الله يحفظونها وتشرح لهم وتفسر وتبين، فيفهمون مراد الله منها، وإن كانت تحمل عقيدة عقدوها لا تنحل من قلوبهم إلى أن يلقوا ربهم، وإذا كانت تحمل أدباً تأدبوا به على الفور، أو خلقاً تخلقوا به، أو تحمل أمراً نهضوا به، أو تحمل نهياً انتهوا وابتعدوا عنه، أو تدعو إلى معرفة عرفوا، ويعودون مطمئنين بأطفالهم ونسائهم مستبشرين خيراً؛ لأنهم كانوا أين؟ في مسجد ربهم، كانوا في بيت ربهم، يعودون مستبشرين يسأل بعضهم بعضاً: أنا نسيت الآية فذكرني بها، أنا نسيت معنى قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] فاشرحه لي يا أبتاه، يتحدثون بتلك الرحمة حتى يناموا، ثم يأتون من الغد فيجلسون بعد صلاة المغرب فيصلون المغرب كما صليناها ويجلس لهم العالم المربي كي يعلمهم حديثاً فقط من أحاديث الحبيب صلى الله عليه وسلم، وليكن موافقاً لتلك الآية أمس يؤدي معناها يفسرها ويشرح ما فيها، فيتغنون به ربع ساعة وثلث ساعة، فيحفظوا حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، النساء كالأطفال كالفحول حفظوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، ويشرح لهم المربي: أن المراد من هذا كذا وكذا، إذاً: هيا نطبق هذا الحديث، إن أمرنا بخير فعلناه، وإن نهانا عن شر تركناه، وإن أمرنا بأدب تأدبنا به، أو بخلق تخلقنا به، ويصلون العشاء ويعودون وكلهم ألسن ذاكرة وقلوب شاكرة، هموم الدنيا وأوضارها اختفت عن وجوههم، فما يشاهدونها، يدخلون بيوتهم فيطعمون ما يسر الله طعامه وهم يتساءلون: حديث الليلة عظيم، أنت يا أختي هل تحفظينه؟ قالت: نعم، قال: أسمعينيه، فأسمعته، قال الأب: أبنائي! أنتم على علم بما في هذا الحديث، وهكذا من الغد، وأعمالهم الدنيوية من صلاة الصبح إلى الساعة السادسة مساء ما عدا ربع ساعة للظهر وربع ساعة للعصر، فحولوا التراب إلى جنات.

    وبين المغرب والعشاء لا تجد رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً في الشوارع ولا في الأزقة ولا الحارات، الكل في بيت ربهم يستمطرون رحماته، تمضي عليهم سنة فتتحقق لهم ولاية الله ويصبحون قطعاً أولياء الله، لو رفعوا أكفهم يسألون ربهم أن يزيل الجبل لأزاله، ولا يقدر إنسي ولا جني أن يقربهم أو يزلزل التراب تحت أقدامهم؛ لأنهم أولياء الله، وأهل المدن التي خمت وتعفنت ما نستطيع أن نصفهم.

    فخطيب أهل الحي من المدينة يقول يوم الجمعة: إخواني! إن البلاء عظم والكرب اشتد ونحن لا ندري مصيرنا، وقد حصل الذي حصل فتحولت بيوتنا إلى صور العواهر وسماع الباطل والشر وألوان الكفار، ونسينا ذكر الله، هيا نرجع إلى الله عز وجل، فمن الليلة لا يتخلف منكم يا أبنائي وآبائي رجل ولا طفل ولا امرأة، الكل يأتون بيت الله، والمرأة إذا كانت حائضاً فإنها تجلس وراء الجدار ونرفع إليها صوتنا بمكبر صوت، ويتعلمون ليلة آية وليلة حديثاً وهم يعلمون ويعملون، ففي أربعين يوماً فقط ستتحقق لهم ولاية الله.

    سلني عن هذه المدينة والقرية بعد سنة: ما هي نسبة الزنا فيها؟ لا وجود له، ما هي نسبة الخيانة والسرقة؟ والله! لا وجود لهما، فالذي جلس بين يدي ربه يتعلم الكتاب والحكمة ويزكي نفسه عاماً كاملاً وقد عرف وكشف له كل شيء هل يفجر ويخرج عن طاعة الله؟ أنى له ذلك، ما يتأتى له ولا يريده، وهل يبقى حسد؟ هل يبقى بغض؟ هل يبقى كبر وتعال؟ هل يبقى نزاع وصراع على أوساخ الدنيا وأوضارها؟ الجواب: لا؛ لأنهم أولياء الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الدنيا ولا في القبر ولا في الآخرة.

    سهولة تلقي العلم النافع في المساجد دون تعطيل الأعمال الدنيوية

    والآن ماذا يكلفهم هذا؟ هل عطلوا مصانعهم.. أوقفوا مزارعهم.. عطلوا وظائفهم؟ الجواب: لا، نحن لسنا كاليهود والنصارى، نحن إذا فرغنا من صلاة الصبح أقبلنا على أعمالنا، ما عندنا ساعة سابعة ولا ثامنة ولا عاشرة، ميزاننا أن نصلي الصبح وننطلق نعبد الله، نعبد الله في المزرعة، نعبد الله في المصنع، إذ كل حركاتنا وسكناتنا هي لله، لا تظن أنني إذا صنعت وأخرجت الصناعة وبعتها أني عملت لغير الله، إذ حياتنا موقوفة كلها على الله، وقف على الله، اقرءوا قول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، المسحاة بيده وهو يذكر الله، ويضرب الأرض من أجل الله ليعيش أو يعيل امرأة وأولاداً صغاراً كلفه الله بذلك، كناس يكنس في الشارع وينظفه وتعطيه البلدية قدراً من المال هو كناس لله، نمر برجل يبني بيته لله، ما عندنا غير الله، وآخر يهدم بيتاً آخر، لم؟ لله، أمره بهدمه للضرر الذي فيه، فالله أكبر، هذا هو الإيمان، وهؤلاء هم المؤمنون.

    فمن منعنا أن نكون هكذا؟ منعنا أعداء الإسلام وخصومه، وتعاونوا مع شياطين الإنس والجن فصرفوا هذه الأمة عن طريق سعادتها وكمالها؛ لتذل وتهون، وتصبح تعيش أسوأ الأحوال، ثم يكتبون ضد هذا الكلام في الصحف ويقولون: هذه خيالات وأوهام.

    فهيا نستعمل عقولنا: إذا أوقف أهل القرية أو المدينة العمل عند الساعة السادسة عند غروب الشمس فما الذي توقف من أعمالهم؟

    لا شيء، حملوا أطفالهم ونساءهم وذهبوا إلى بيت ربهم، أي عز أكثر من هذا العز، وأية كرامة أعظم؟ واليهود والنصارى يذهبون إلى دور السينما ودور المراقص واللهو والباطل والعبث، ومناظر السوء، وشرب الخمر والسموم، فهؤلاء ما نتكلم عنهم ولا نقول: هؤلاء خياليون!

    والذين يذهبون إلى بيت الطهر والصفاء يجلسون بين يدي ربهم يمطرهم برحماته، يتعلمون الكتاب والحكمة، نقول عن فعلهم: هذا خيال! فما الذي يكلفهم؟

    جيل الصحابة أنموذج التربية المسجدية

    فلا طريق ولا سبيل إلى عودة كمالنا وعليائنا في الملكوت الأعلى إلا من هذا الطريق، إذ هو الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه وأولادهم وأحفادهم، من هذا المسجد تخرّج رجال لم تحلم الدنيا بمثلهم عدلاً، كرماً، شجاعة، طهراً، صفاءً، يضرب بهم المثل، أين درسوا؟ في جامعات بريطانيا؟

    أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ، وإنما امتثلوا قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، كان أبو القاسم يجلس لهم بأمر الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، فتعلموا، فهذا هو الطريق، لو أن عالماً أخذ هذه الحقيقة وانتقل إلى قرية من القرى وطلب من أهلها بلطف أن يجلسوا؛ ليتعلموا شيئاً فشيئاً، وصبر على دعوتهم؛ فأنوار العلم ستتجلى فيهم، بعد سنة كاملة سيقال: القرية الفلانية أصبحت كتلة من نور، لم تر فيها رجلاً ولا امرأة بعد المغرب في الشارع أبداً، الكل في بيت الله، وما أصبحت تسمع صوت عاهرة تتكلم في تلفاز ولا راديو، والله! لنذهبن لزيارتهم نتبرك بوجودنا بينهم ساعة، ونشاهد أنوار الحقيقة كما هي تلوح.

    دعوة إلى إقامة الحلقة التعليمية التربوية في البيوت

    قد تقولون: الحكومات ما تسمع لنا والأحزاب تناهضنا؟ فأقول: إذا صليت المغرب عد إلى بيتك واجمع أطفالك الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة وأمك إن كانت إلى جنبك أو أباك واجلس بينهم وتغنّ معهم بآية أو حديث وعلمهم مراد الله منه، وقل لهم: هيا نعمل! هيا نطبق! وصلوا العشاء، واسألهم بعد صلاة العشاء وتناول العشاء: ماذا تعلمنا اليوم؟

    فسيقول أحمد في عمر سبع سنين: تعلمنا الآية من سورة الأعراف. ما هذه الآية؟ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54].

    فقل: يا زليخا! ما معنى (ربنا)؟ خالقنا ورازقنا ومدبر الحياة، هذا ربنا.

    ماذا يجب لربنا يا عمر؟

    يجب علينا أن نحبه بقلوبنا فنطيعه إذا أمرنا، فإذا قال: اسكتوا سكتنا، وإذا قال: صوموا غداً صمنا.

    وليلة بعد ليلة وإذا بذلك البيت تلوح أنواره وتطيب نفوس أهله ويتعلمون، وتطرد الشياطين من حولكم ولن تطلبكم بعد ذلك، أفسدتم عليها خططها، وأبعدتم عنها مسالكها، لو فعل أهل كل بيت هذا لانتهينا، يخرجون من البيوت كأنهم ملائكة؛ لا ظلم لا كبر لا حسد لا غش، ولكن رحمة وتطامن وتواضع وتعاون، وهل يتم هذا؟ إي ورب الكعبة، لم لا يتم؟ أليست سنن الله لا تتخلف؟ أما قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62]، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43]، أليس الطعام يشبع؟ والماء يروي؟ والنار تحرق؟ والحديد يقطع؟ هل تبدلت هذه السنن؟ لم تتبدل، إذاً: فالكتاب والحكمة من شأنهما أن يوجدا الربانية في قلوب البشر.

    وبعد هذا ما عندنا مطلب، أبيتم المساجد فقلنا: البيوت، كل مؤمن في بيته، وسوف يتسرب النور والهداية، في سنة واحدة تشعر في القرية أو المدينة أن أهلها تغيروا، كان صاحب دكان يبيع الشيشة والحشيشة فأغلقه بسبب هذا، كان فلان يصيح ويشتم ويسب في الشارع فانتهى وما سمعنا باطلاً أبداً، كان الأولاد يقولون البذاء ويلفظون بالسوء وهم يلعبون، فأصبحت كلماتهم كلها طيبة، ما الذي حصل؟

    عرفنا سر هذه الحياة الطيبة الطاهرة، لقد تحققت الولاية: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]، ظلمات الشرك والكفر والفسق والفجور والجهل، إلى أين؟ إلى أنوار الإيمان والعلم واليقين.

    عاقبة الكفرة أولياء الطاغوت

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ [البقرة:257] من؟ الطَّاغُوتُ [البقرة:257] إبليس أبو مرة وأعوانه ورجاله وأتباعه، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت.

    يُخْرِجُونَهُمْ [البقرة:257] من أين؟ مِنَ النُّورِ [البقرة:257] نور الفطرة إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]، وأخيراً يأتي الختم الأخير: أُوْلَئِكَ [البقرة:257] البعداء أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].

    وقد جاءنا كتاب من فرنسا فيه أن طالب علم يقول لهم: هذه الآية دليل على أن الكفار يخرجون من النار! فسألوني قالوا: رد عليه؛ لأن الله ما قال: خالدين فيها أبداً، قال: أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257]، فمعناه: أنهم يخرجون! فقلنا لهم: هذه الآية مطلقة وجاءت آيات مقيدة، ويحمل المطلق على المقيد، آيات فيها كلمة (أبداً).

    وهل تعرفون عن النار شيئاً؟ من خلقها؟ الله. من أوجد مادتها؟ الله.

    اخرج في الساعة العاشرة نهاراً من بيتك وارفع رأسك إلى السماء وشاهد الشمس، هذا الكوكب الملتهب إذا دنا في أوقات معينة ترتفع الحرارة إلى أربعين وإلى خمسين، هذا الكوكب كله نار، وهو أكبر من الأرض هذه بما فيها من بحارها وأوديتها وجبالها بمليون ونصف مليون مرة، لو أخذنا البشرية كلها ورميناها فيها ما سدت زاوية منها ولا ملأتها، أبعد هذا تسألني عن النار ما هي؟ ادخل أصبعك فقط في جمرة أو في نار لتشعر بالنار، من خلقها؟ أمك أم أبوك أم عمك؟ من أوجدها؟ أما سمعت عنها شيئاً؟

    هذا كتاب الله يفصّل لك القول تفصيلاً، ويبين لك البيان الكافي؛ لتعرف النار ما هي: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4].

    أين العقول؟ اهتزت الأرض وزلزلت، الناس كالفراش المبثوث هنا وهناك، لا يعرف الجائي من جاء، والذاهب أين ذهب ولا الطالع ولا الهابط، كالفراش المبثوث.

    وَتَكُونُ الْجِبَالُ [القارعة:5] الشامخات الرواسي كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5]، الصوف الذي يضرب بالعصا ليتفتت، تتفتت وتكون الجبال كالعهن المنفوش الآن.

    فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:6-7]، في الجنة دار السلام.

    وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:8-11].

    الحث على سماع القرآن الكريم من الآخرين

    لم لا يقرأ كتاب الله؟ نحن نقرؤه على الموتى، مضى أكثر من ثمانمائة سنة والقرآن لا يقرأ عندنا إلا على الميت، أما الحي فما يقرأ أبداً، عداوة كاملة، لقد قلت لكم: عشنا عشرات السنين ما عثرت على واحد قال لي: أسمعني شيئاً من كلام الله، إلا مرة واحدة، وأنتم أيها السامعون من منكم قال لأخيه وهو جالس في المسجد أو تحت ظل شجرة أو حين فرغ من العمل: يا أخي! أسمعني شيئاً من كلام ربي؟

    أنا أقول: أي مؤمن تاقت نفسه إلى ربه وإلى كلامه سيطلب من أخيه أن يسمعه شيئاً من كلام الله ليتأمل ويبكي ويتدبر، ومن ذلك ما يكون في شهر رمضان، فالناس يجيء أغلبهم لسماع القرآن وللتراويح، والحمد لله.

    أنا أقول: ها هي الصورة الحقة: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عبد الله بن مسعود فقال: ( يا ابن أم عبد ! ) ، دعاه بكنية أمه، ( يا ابن أم عبد ! اقرأ علي شيئاً من القرآن. فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! ) تعجب، قال: ( إني أحب أن أسمعه من غيري )، وقرأ ابن مسعود : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... [النساء:1] إلى أن انتهى إلى قول الله تعالى بعد أربعين آية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء:41] يشهد عليها وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، قال: ( فالتفت فإذا بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان وهو يقول: حسبك )، أي: يكفي. فإن رأيتم هذه الظاهرة في بلادكم فبشرونا بالخير، هذا هو الطريق، أما أن يقرأ على المقبرة وليلة الموت يهزئون بالقرآن ويسخرون؛ فنعوذ بالله من الجهل وما أصابنا.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا من أوليائه وصالح عباده نؤمن به وبما يحب أن نؤمن به، ونتقيه بفعل محابه وترك مكارهه.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.