إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد امتلأ القرآن ببيان الأدلة الكثيرة على وحدانية الله تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده، فهذا الإحياء بعد الإماتة، والإماتة بعد الإحياء، وهذه السماوات السبع تجدها على أبدع نظام وأدقه، وهذه الأرض التي بسطها، وسخرها وما فيها للإنسان، وهو مع ذلك كله علمه محيط بكل شيء، أبعد هذا كله يكفر به الكافرون.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ...) وما بعدها

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون .. ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها إنه قريب مجيب سميع الدعاء، وقراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:28-29]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    القرآن الكريم يفضح المنافقين وينفع المؤمنين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    ما زال السياق في الرد على المنافقين من العرب واليهود الذين كانوا بالمدينة والقرآن ينزل.

    وجد من اليهود منافقون يظهرون الإيمان خداعاً وتضليلاً ويبطنون الكفر، ويظهرونه في مجالسهم، وفي بيوتهم مع شياطينهم.

    وفي العرب من الأوس والخزرج وجد منافقون أيضاً.

    وقد عرفتم -زادني الله وإياكم معرفة- أنه ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمدينة منافق أو منافقة، وجلهم دخلوا في رحمة الله، والبعض الآخر مات على نفاقه وكفره، ولا ننسى عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين.

    كما تذكرون -زادكم الله علماً- أن المؤمنين الأحياء بنور الإيمان هؤلاء هم الذين ينتفعون بهذا القرآن الكريم: كتاب الله تعالى ووحيه. فهم المؤمنون بحق وصدق، وآية صدقهم أنهم متقون، وآية صدقهم في إيمانهم أنهم متقون، لمن؟ لله عز وجل، فلم يجاهروا بمعاصيه، ولم يفسقوا عن أمره، ويخرجوا عن طاعته، وهؤلاء هم أهل الفلاح، سواء كانوا من الأوس والخزرج والعرب، أو كانوا من اليهود والنصارى، وقد بشرهم الله بما سمعتم: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5].

    بيان معنى الفلاح والخسران

    وقد عرفتم الفلاح ما هو؟ فليس ربحك شاة أو بعيراً، وليس ربحك زوجاً صالحة مدرسة، وليس ربحك وظيفة شريفة، الربح والفلاح هنا أن تزحزح بعيداً عن عالم الشقاء، وتجد نفسك في عالم السعادة. فلا ننسى هذا أبداً، فلان فاز ونجح في تجارته .. في أعماله .. في شهادته، كل هذا هراء ولا قيمة له، ولا تحزن عليه ولا تكرب، فالفوز والخسران ما بيَّنهما الله جل جلاله إذ قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، نجا من المرهوب، وظفر بالمحبوب المرغوب، وأي مرهوب أعظم من النار وعذابها؟! وأي مرغوب أو محبوب أعظم من الجنة ونعيمها؟ لا شيء.

    والله تبارك وتعالى قد بيَّن الخسران، فليس الخسران أنك: افتقدت صفقة تجارية، خاصمت ابن عمك فغلبك وأخذ بيتك أو سيارتك، هذا ليس بخسران، الخسران الحق يقول فيه تعالى في آيتين من كتابه: قُلْ أي: بلغ عنا يا رسولنا، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، فالخسران المبين أن يفقد المرء كل شيء، فيُلقى في عالم لا يرى فيه أحداً، لا أماً، ولا أباً، ولا أختاً، ولا قريباً، ولا بعيداً، وإلى متى؟ مليارات السنين، هذا هو الخسران، يخسر نفسه بكاملها وأهليه من زوجة، وولد، وأب، وأم .. وما إلى ذلك.

    إذاً: الفلاح هو: النجاة من المكروب المرهوب من العذاب، والظفر بالمحبوب المرغوب؛ الجنة دار النعيم.

    أما إذا أغلقت له المقهى، أو خسر تلك الصفقة التجارية، أو ماتت الزوجة، فكل هذا لا يسمى بخسران، الخسران الحق أن يجد العبد نفسه في عالم كله بلاء وشقاء، وليس له أم، ولا أب، ولا أخ، ولا عم، ولا قريب، ولا.. ولا.

    إن بعضهم ليوضع في تابوت من حديد، ويغلق عليه ويستمر، ويلقى في عالم الشقاء مئات بل ملايين السنين لا يتكلم، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا ينظر، ولا يسمع، وهو في هذا الحديد، فهذا هو الخسران.

    لهذا كان المؤمنون يبكون ويبكون حتى تصفر وجوههم، وحتى يصابوا بضعف البصر، لمعرفتهم فقط ويقينهم.

    مثال لضعفة الإيمان

    احفظوا: مَثَلُنا في ضعف إيماننا وعدم يقيننا مثل قبة من زجاج، ناصعة، مشرقة، صافية، ونحن فيها نشاهد من يمر، نشاهد من يقف، نشاهد .. ولكن لا نسمع ولا نشم رائحة، فقط نشاهد صوراً، هذه حالنا.

    لعل أكثر السامعين ما تذوقوا هذا. مؤمنون لكن أين آثار الإيمان؟!

    أعيد فأقول: مثلنا كمثل من هو في زجاجة يشاهد الأشياء أمامه تجري: الماشي، والهابط، والطالع، والنازل، فهل يسمع صوتاً؟ هل يشم رائحة؟ هل يستطيع أن يتكلم مع الآخرين؟ الجواب: لا.

    هذا مثال لضعفة الإيمان، هو مؤمن في الحقيقة، ولكن ما وجد طعم الإيمان ولا لذته، ولا سمع نداءه، ولا عاشه بنفسه وروحه.

    وشاهدُ هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث ) أي: من الصفات أو الخصال ( من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) ، إذاً: للإيمان حلاوة؟ إي والله لأحلى من حلاوة العسل، ومن منكم يذوقها ويتذوقها؟ ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) الأولى ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) فلا زوج، ولا ابن، ولا وظيفة، ولا عم، ولا وطن، ولا طير، ولا .. ولا، بل ( الله ورسوله أحب إليه مما سواهما )، هذه واحدة.

    الحب في الله من الإيمان

    والثانية: ( أن يحب المرء لا يحبه إلا لله )، والله ما أدري، أنا أستحي إلى الآن، وكما تعرفون أنني حيي بالفعل، لكن لا أقوى أن أقول: إني أحبك في الله، وأخشى أن أكون غير صادق، ويوجد بعض المؤمنين يقولون: يا شيخ! إني أحبك لله. فأقول له: هنيئاً لك، هنيئاً لك، أنت المؤمن إذاً؛ لأنه لا يحب في الله إلا مؤمن، لعلي واهم، والله لا يحب في الله إلا مؤمن، فلولا أنه آمن بالله كيف يحب فيه وله؟

    والناس منهم من يحب الشخص لجماله .. لعلمه .. لشجاعته .. لكرمه .. لماله .. لعنتريته، وما أكثر المتعنترين! وهذا الحب ليس بشيء ولا قيمة له، فالحب أن يكون لله، والله أهنئكم أمامكم أو لا؟! والله إنني لأهنئ مؤمناً بأعظم ما أهنئ من زوجة أو ولد أن يكون ممن يحب لله، لأنه مؤمن.

    ( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله )، نعم قد يحب الأعمش .. الأرمص .. الأسود .. الفقير .. المهان .. الذليل حباً كحبه لأمه وأبيه، وما سبب ذلك؟ أنه أحب في الله، رأى هذا الشخص مؤمناً .. ولياً لله، فأحبه لله.

    وليس الحب في الله أن تبحث عن الجميل، والطويل، وذي المال، والجاه، والعلم، و.. وتحبه، إنما أن تحبه لعلمك أنه ولي الله، فتحبه لله عز وجل، وهل الله يحب أولياءه أو لا؟ نعم، ويدفع عنهم: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).

    من الإيمان كراهة العودة إلى الكفر

    الصفة الثالثة: ( أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف به في النار )، فكما تكره أن تلقى في جحيم .. في فرن ملتهب، عليك أن تكره كذلك أن تكفر بالله ورسوله بعد أن أصبحت مؤمناً، تعيش مع المؤمنين، ومثل هذا لو يعطى ملء الأرض ذهباً على أن يكفر، لا يكفر.

    ونحن يبلغنا ونحزن ونكرب أن المسلمين في إندونيسيا .. في كذا .. في كذا يخرجون من الإسلام ويتنصرون، قد عبثت بهم جمعيات التنصير وكذا .. وكذا، ويقول الغافلون: إن ذلك بسبب الفقر .. المجاعة .. كذا، ونقول: لا، والله ما هو للفقر، وإنما ما عرفوا الله، ولا آمنوا حق الإيمان، فالذي عرف الله يبيع دينه بالخبث، والدواء، ومستشفيات الصليبيين! ممكن هذا؟ مستحيل هذا.

    فنقول لهم: إذا أردتم إنقاذ إخوانكم علموهم .. عرفوهم بالله .. اجلسوا معهم .. ابعثوا العلماء والصلحاء يجالسونهم، ويبيتون معهم في خيامهم، وفي أكواخهم، ومع فقرهم، فيعلمونهم، وإن زدتم شيئاً من الطعام واللباس فهذه حاجة إضافية، أما الحقيقة فلو تعطونهم الملايين يزدادون كفراً.

    عندنا أكثر أهل المال هم الفسقة في العالم الإسلامي، فهل هذا المال جعلهم أولياء الله؟! بل يزيد العبد الجاهل طغياناً وفساداً.

    لعلي واهم؛ أما سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما الفقر أخشى عليكم ) هذا البيان الرسمي المحمدي هل هناك من ينقضه؟ لو تجتمع البشرية ما نقضوا قضايا كهذه: ( ما الفقر أخشى عليكم.. أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها كما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم )، وقولوا: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هل أدرك السامعون هذه الحقيقة أو لا؟ هل يبلغونها؟ ليس هناك من يبلغ. سبحان الله! كل من يحضر الدرس لا يستطيع البلاغ، لِم؟ فقراء، مؤمنون، كذا، المسئولون وأرباب المال والعلم لا يحضرون، من يبلغ؟!

    أعيدها: اشهدوا أن علة المسلمين الذين يتساقطون في أحضان الصليبية في الشرق والغرب ليس هو الفقر، ومن أراد أن يرد عليّ فليأت بأدلة وبراهين أنه الفقر. وليس معنى هذا أننا نقول: لا تغيثونهم ولا تمدوهم، ولا، لا .. لا، أقول فقط: لا تفهم أن خروجهم من الإسلام ودخولهم في الصليبية هو نتيجة الفقر، لا، نتيجة ماذا؟ قولوا: الجهل، ما عرفوا ربهم، فكيف يذوبون في حياتهم من أجله!

    وحتى هذا في غير بلاد المسلمين في العالم العربي من الخليج إلى موريتانيا، الجهال هم الفسقة، وهم الفجرة، وهم الذين يسرقون، ويتلصصون، ويفجرون، ويكذبون، آه، يا شيخ لعل هذا ما هو صحيح؟ ممكن!

    الآن لو تجري عملية آلية في قلوبنا تعرف التقي من الفاجر والعالم من الجاهل، ولقلنا: أتقانا لله أعلمنا به في هذا المجلس، أبعدنا عن الجرائم والموبقات أعرفنا بالله، ولا أتردد في هذا؛ لِم؟ لأن الله غارز الغرائز وخالق الطبائع، ماذا قال؟ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: المتضلعون في العلم العارفون، وليست شهادات طلبناها من أجل وظيفة، فلا تنغر بنا وتقول: هذا دكتور، وهذا عنده كذا، وانظر هل طلبنا العلم لله؟

    لما بعثتك أمك إلى المدرسة هل قالت لك: تعلم لتعرف الله عز وجل، وتحبه، وتعبده؟ لا، بل قالت: تعلم لتحفظ مستقبلك، فهمتم أو لا؟ مستقبل يا بابا، هذا العلم ينتج التقوى ويولد النور؟ لا، أبداً، وقد سبق أن أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم وبينه في أول حديث في البخاري: ( إنما الأعمال بالنيات ) صلاحاً وفساداً، ( الأعمال بالنيات )، فنحن لما نفتح المدرسة لأجل ماذا؟ لأجل أبناء الوطن، لِم أبناء الوطن؟ من أجل أن يرتقوا، من أجل أن يكونوا كذا وكذا، لا من أجل أن يعرفوا ربهم فيعبدوه.

    معاشر المستمعين! أنا أفرغ ما في جعبتي وأنتم تتألمون، لكننا مأجورون، وما منا إلا ومأجور ومثاب على هذه الجلسة، ولا إخال أحداً يجلس لغير الله هنا.

    حال الكفار ومآلهم

    بعد بيان الله في المؤمنين الصادقين المتقين بالفلاح ذكر لنا حال الكفار: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، وقد عرفتم أو نسيتم، قد يقول القائل: إذا كان هؤلاء قد قضى الله عليهم بالموت على الكفر والشقاء، فلم يدعوهم الداعي، ولِم ينذرهم النذير؟

    بينا لكم أن هذه نزلت في أناس يعدون على رءوس الأصابع في المجلس أو في المدينة النبوية، تمرنوا .. تمردوا .. تضلعوا .. توغلوا في الكفر والعناد والتكذيب حتى مضت بهم سنة الله، فأصبحوا لا يسمعون قول الحق والخير، وأصبحوا لا ينطقون بكلمة الخير والهدى، وعميت أبصارهم فلا يشاهدون شيئاً، فهؤلاء محكوم عليهم بالموت على الكفر، ولكن يوجد كفار بالملايين ما وصلوا إلى هذا المستوى، ولا زالوا متأهلين لأن يدخلوا في رحمة الله، ولأن يكملوا ويسعدوا.

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لِم يا رب؟ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7]، هل هذا في كل الكفار؛ إذاً لِم يدع الرسول إلى الإيمان والإسلام؟! الصحيح أن هذا خاص بجماعة على عهده، وخاص بجماعة في فرنسا، وخاص بجماعة في إيطاليا، وخاص بجماعة في تل أبيب، وهم الذين توغلوا في الكفر، وضربوا بعيداً فيه، وما أصبح عندهم استعداد ليسمعوا الحق، أو يفكروا فيه، أو ينظروا إليه؛ لأن من سنة الله أن الشخص إذا أدمن على الزنى، وعلى اللواط، وعلى الحشيشة، وعلى سفك الدماء يصبح في حال لا يستطيع أن يرجع، ولهذا فرض الله التوبة على الفور.

    ومن سنة الله أن المريض عندما يمرض فيعالج يبرأ بإذن الله، وعندما يترك ويهمل يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، يستشري المرض وينتشر، فيقول الأطباء: آه، فات الحال، ولا يبرأ هذا، ادفنوه. واقع هذا أو لا؟ ما سببه؟ أنا أؤمن أنه واصل الجريمة وما استطاع أن يتركها، وهذا النوع يوجد في كل زمان ومكان، ولكن ليس معنى هذا أن كل الكافرين لا يتوبون، ولا يعودون إلى الله، فكيف ندعو، والدعوة واجبة في الشرق والغرب؟ إذاً هذا خاص بمن مضت فيهم سنة الله لكثرة جرائمهم، وموبقاتهم، وعنادهم، وحكم الله أن يموتوا هكذا.

    حال أهل النفاق والتمثيل لهم في القرآن

    ثالثاً: المنافقون. وقد علمتم أنهم موجودون من اليهود، ومن العرب؛ من الأوس والخزرج.

    والمنافقون صنفان، وضرب الله تعالى لهم مثلين.

    وقد بينت لكم أن الكفار صنفان، والمنافقون كذلك؛ لأنهم كفار، فمنهم من توغل في النفاق والكيد والمكر بالرسول والمؤمنين، فهذا ما يدخل في رحمة الله بل يحرمها، وفريق آخر -وهم الأكثرية- كلهم أسلموا، فضرب لهم مثلين.

    اسمع المثال الأول الناري: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:17-18]. قضى الله أن يموتوا كفاراً؛ لأنهم توغلوا في المكر والكيد للإسلام والرسول والمؤمنين، فهؤلاء أيضاً ماتوا على النفاق.

    المثل الثاني للعامة: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة:19-20]، عندما تنزل آيات تبشر يفرحون، وإذا نزلت آيات تخوف يقفون.

    إذاً: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، لكن ما شاء الله فدخلوا في الإسلام، يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، كلهم دخلوا في الإيمان والإسلام، وما سبب دخلوهم؟ ما توغلوا .. ما تمرنوا وتعودوا على الكفر والكيد للإمام والمؤمنين، فلهذا يجب أن يعيش المؤمنون والمؤمنات طول حياتهم على مثل هذه المجالس، هذا هو الدواء، هذا هو العلاج، وإلا تقسو القلوب، وتتمرد النفوس، وتهتز بطرب الشيطان، وتصبح كما هو الواقع في بلاد المسلمين.

    المحرومون من مجالس الذكر كيف حالهم؟ تعرفهم؛ يوجد زنى، فجور، باطل، منكر، خيانة، خلف الوعد، شح، باطل، ظلام، كل هذا موجود، ما سببه؟ ما العلة؟ الجهل. من علمهم؟ وهل طلبوا التعليم؟ ما طلبوا، هل منهم من قرع باب عالم نصف الليل: يا شيخ! دلني على ما يحب ربي الليلة، يقول له: أن تبيت راكعاً ساجداً، فيبيت يبكي راكعاً ساجداً، هل هذا يخرج غداً يفسق؟! والله ما كان.

    ضرب المثل بالبعوضة

    هذه الأصناف ساق الله تعالى لهم هذا الحديث، فقال عز وجل: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] نعم، ضرب لهم مثلاً أو مثلين، فسخروا واستهزءوا وقالوا: ما هذه الأمثال، مثل الصيب، ومثل كذا، والكفار قالوا: ما مثل الذبابة ومثل العنكبوت؟ هذا ليس كلام الله، وهذا كلام باطل يقوله محمد، فأنزل الله تعالى تأديباً، وتربية، وتعليماً: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26]، أسكتهم وأخرسهم، وخاصة اليهود يتبجحون ويتكلمون، فأبطل تلك الترهات وتلك النزعات الباطلة، فلله تعالى أن يضرب مثلاً ما، أصغر من بعوضة، أو أكبر من الشمس والقمر، هو مالك كل شيء، وهو المربي، وهو الحكيم العليم، تنتقد وتقول: لماذا يضرب هذا المثل! ثم لو كانوا مؤمنين هل يستطيع المؤمن أن يعترض على ربه؟! يموت ولا يقول، يرضى أن يحترق ولا يقول: لِم خلق الله كذا؟ أو لمِ فعل الله كذا؟! لكنهم كفار وظلمة، نفوسهم تنتج هذا الفساد والشر في القول والعمل.

    إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا [البقرة:26] أقل مثل بعوضة فما فوق البعوضة كجناحها .. كبيضة النمل، أي: فيما هو أقل من ذلك.

    وهنا: انظر إلى المجتمع الخليط، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة:26]، أرأيتم المجتمع كيف منقسم أو لا؟ فأهل الإيمان والنور يعلمون أنه الحق فيسلمون ويؤمنون، وتطمئن نفوسهم، وتهدأ خواطرهم، ويقولون: آمنا بالله وبما أنزل الله.

    وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة:26]، تريدون أن تعرفوا؟ قال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [البقرة:26]، يضل به الكافرين أجمعين، ويهدي به المؤمنين أجمعين، وما أكثر الفريقين، يضل بالمثل الذي يضربه؛ لأن المثل صورة أو صفة تقرب المعنى إلى ذهن الإنسان، فالمثل: صورة تبرز لك، وتظهر بين يديك؛ لتفهم بذهنك وفهمك ذاك الذي كان يبعد عليك وما تستطيع أن تذوقه أو تفهمه أو تدركه، والصورة المثالية تسهل عليك ذلك، فضرب الأمثال من أجل الوصول بالمعرفة إلى قلوب الناس، وإلى أذهانهم.

    حال الفاسقين مع الأمثلة القرآنية

    ثم قال تعالى وهنا بدأ بنا، هذا مستشفى لنا أيها المرضى مثلي، قال تعالى: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26]، يا عباد الله! يا إماء الله! احذروا الفسق، فإن الله تعالى يضل الفاسقين، الذين توغلوا في الفسق؛ لأن (أل) كما علمتم تدل على التوغل في الشيء، وعلى المتانة فيه.

    (الفاسقين) من هم الفاسقون؟ نحن نقول: بسم الله تعالى: كل من لم يذعن لأمر الله ونهيه فهو فاسق، أي: كل من خرج عن طاعة الله فيما سنّ من قوانين، وشرع من شرائع وأحكام ورفضها .. ما قبلها .. خرج عنها ماذا نقول فيه؟ فاسق، أي: خرج عن الطاعة. فإنْ أكثر من أنواع الخروج، وأنواع المعصية يوماً بعد يوم يصبح (الفاسق) الفلاني، أما إذا ترك واجباً وفعل محرماً يوماً من الأيام، يقال: فلان فاسق؛ لأنه يفعل كذا، لكن لا يقال: الفاسق، الفاسق: ذاك الذي فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعته.

    إذاً: وما يضل بمثل هذه الأمثال الربانية إلا الفاسقين.

    حرمة نقض العهد

    قال تعالى في بيان حال الفاسقين: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27]، وقد عرفنا مما سبق نقض العهد من حيث هو حرام، فما من عبد يعهد إليه إنسان في شيء ثم يخونه وينقض العهد باختياره وقدرته إلا سقط من عداد المؤمنين، ولهذا عقودنا لا تتمزق: عقد النكاح، عقد الإيجار، عقد البيع، وغيرها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، بعني يا فلان السيارة، بعتكها بألف، لا نستطيع أن نقول: لا، ما بعت، خرجت من إيماني وديني، هذا عهد.

    والمنافقون كانوا يتورطون في هذا السلوك؛ لأن قلوبهم ميتة، ولا نور، ولا.. ولا، فأعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم آيات وعلامات نعرفهم بها فقال: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ) أربع، ومرة أولى قال: ( ثلاث من كن فيه.. ) فالأربع والثلاث بمعنى واحد، بزيادة شيء: من عاهد وغدر منافق، من وعد وأخلف منافق، من خاصم وفجر منافق، من حدث وكذب منافق، إذ هذه لا يمكن أن تخرج من قلب مؤمن يتعمد الخيانة والنكث والنقض.

    والشاهد عندنا: انظر ماذا أنتج الفسق، وهو ناتج عن الكفر، قال: يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27]، قد أخذ الله على اليهود والنصارى الميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فنقضوا، وأخذ الله الميثاق على بني آدم أن لا يعبدوا إلا الله فنقضوه، فالعهود كثيرة من أبرزها: أنها أخذت علينا ونحن في أرحام وأصلاب آبائنا أن لا نعبد إلا الله، أعظم ميثاق هذا، وعندما يقول المرء: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله قد أعطى الميثاق، فإن نقضه بالشرك والكفر والردة هلك.

    وما إلى ذلك من أنواع المواثيق والعهود.

    والزوجة أخذتها بعهد أو لا؟ زوجني يا فلان، زوجتكها بكذا، قبلت، كلمة قبلت ورضيت عهد أو لا؟ هل تخرجها من البيت: اذهبي يا فلانة. وتطردها عارية في الشارع، فتكون نقضت عهدك وميثاقك، وما ينقض هذا العهد إلا بمقتضى شرعي، وهو أن تخاف الضرر منها أو عليها، وفي هذه الحال يرفع الضرر، وبالطلاق، بالكلمة الطيبة: أنت طالق، وأنت تمتعها بما تستطيع أن تمتعها به: كذا ألف ريال، كسوة، إسكان سنة، كذا حتى يفرج الله عنها.

    كيف طلاق المؤمنين والمؤمنات عندنا؟ أجيبوني، عبث.. سخرية.. باطل، كأننا مجانين، ما هو السبب؟ ما علمنا وما عرفنا، فقط هذه لو تكشف عنها وتشاهد الطلاق الذي يجري في العالم الإسلامي لتحيرت في حياتك: أين الإيمان وأين الإسلام؟ ما عرفوا، وهكذا الجهل هو الذي ينشئ هذه الحيرة، وهذا التخبط.

    النهي عن قطع ما أمر الله به أن يوصل والإفساد في الأرض

    قال تعالى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [البقرة:27]، هذه صفاتهم أو لا؟ وهي ناتجة عن الفسق، أي: الخروج عن طاعة الرب، فأثمرت هذا البلاء وهذه الإحن والمحن.

    وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27]، أمر الله أن يوصل الإسلام إلى يوم القيامة، لكن اليهود والنصارى و.. قطعوه، وأمر الله أن توصل الأرحام فقطعوها، وأمر الله أن توصل الجماعات الفقيرة بالمعروف والإحسان فقطعوها، مهمتهم: يقطعون ما أمر الله بوصله، لِم؟ لكفرهم .. لظلمة نفوسهم .. لجهلهم .. لبعدهم عن الله، هل هناك علل غير هذه؟ لا توجد.

    مصير أهل الفسق

    أخيراً أعلن تعالى عن مصيرهم: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27]، من منكم يبين لنا الخسران الذي عناه الله هنا؟ لقد صحنا وقلنا: ما هو بفقد الشاة، ولا البعير، ولا المرأة، ولا الولد، ولا الطين ولا التراب، ولا البلاد، بل الخسران الحق أن يخسر المرء نفسه وأهله يوم القيامة.

    أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27]، يوجد خسران دنيوي، ولكن لا قيمة له، ولو أن مؤمناً عاش فقيراً فهل هذا يسمى خسراناً؟ هذا ليس بخسران.

    عاش مريضاً طول حياته، هل هذا خسران؟ ليس بخسران أبداً مع إيمانه وصلاحه.

    عاش في حوزة الكفر والكافرين وما استطاع أن يهاجر وهو يعبد الله ويذكره، هذا ليس بالخسران، الخسران: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    نعم، لما فسقنا نحن المسلمين عن طاعة ربنا سلط علينا أعداءنا وأعداءه؛ ليؤدبنا علنا نرجع، فاستعمرتنا دول الغرب وأذلونا وأهانونا، وفعلوا بنا العجب.

    لقد قال لبني إسرائيل وهم أفضل أهل الأرض يومئذٍ من سورة بني إسرائيل: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ [الإسراء:4-5]. سبحان الله! بعث الله على الشعب الإسرائيلي أولاد الأنبياء والرسل، بعث عليهم عباداً له، ما هم عباده، ما قال: بعثنا عليكم عبادنا، لا، ما هم أهل، فأراد أن يؤدبهم، وبعث عليهم صعاليك البشر، لا يرحمونهم: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء:5]، هؤلاء هم البابليون، فلما فسق اليهود، وفجروا، وخرجوا عن طاعة الله ورسله، كحال المسلمين من القرن الرابع إلى اليوم، يمضون بعيداً بعيداً، أباحوا الربا .. شاع الزنى .. الكذب .. الخيانة.. التكذيب .. تحريف كلام الله بالفتاوى الباطلة، كما حصل عندنا، ولا فرق.

    فأدبهم وبعث عليهم البابليين عبيده، قال: عِبَادًا لَنَا [الإسراء:5] نتصرف فيهم، ما فعلوا؟ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ [الإسراء:5]، دمروهم، وحولوا بيت المقدس إلى مخرأة، فصدر أمر من قيادة الجيش: كل من أراد يخرأ فليأت إلى المسجد. إهانة لليهود.

    والشاهد عندنا معاشر المستمعين! انظروا نتائج الفسق، والخروج عن طاعة الله ورسوله: الخراب والدمار، الذل والهوان، الضعف والخسران، بل يترتب عن هذا البعد عن الله -والعياذ بالله- ثم دخول الجحيم والعيش في دار البوار، والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالي: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ...)

    هنا جاء السياق الذي بدأنا به: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]؛ لأن هذا الفسق، وهذا التمرد ناتج عن الكفر، فالظلم، والشر والفساد، والخبث ينتج عن إيمان؟! إنه ينتج عن الكفر، وهو الشك في لقاء الله .. الشك في البعث الآخر .. الشك في الجزاء عن العمل في الدنيا، فهذا الذي ينتج عنه الفسق، والفجور، والظلم، والشر، والفساد، فلهذا قرعهم بالمقرعة، وأدبهم بالعصا: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ [البقرة:28]، من منا ما كان ميتاً؟ كلنا، كم عمرك أنت؟ خمسون سنة، يا من يريد أن يتزوج وما بلغ الأربعين، عمره واحد وثلاثون عاماً، قبل واحد وثلاثين عاماً ما كنت موجوداً، كنت ميتاً، ولا وجود لك، وهكذا كلنا كنا أمواتاً، أي: معدومين، فالموت هو العدم أليس كذلك؟ ثم أحيانا الله، ها نحن أحياء، وبعد يميتنا، لا يشك في هذا أحد: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28] وبعد يترككم هكذا إلى الأبد أم ماذا؟ قال: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28]، ثم لماذا يحييكم؟ لترجعوا إليه ويجزيكم بسلوككم هذا.

    العجب العجاب: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28] رغم أنوفكم: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]، أي: لا إلى غيره.

    يا ويل من كفر بالله وتنكر له، وأعرض عن ذكره، ودينه، وكتابه، وحارب أولياءه ودينه وشرعه، فهذا سوف يأتي بالسلاسل والأغلال ليقف بين يدي الحاكم، العدل، الرحمن، الرحيم، كيف تكون حاله؟ يجرون بالسلاسل.

    ثُمَّ إِلَيْهِ لا إلى غيره تُرْجَعُونَ و(ثم) هنا؛ لأن الزمن هناك: كم سنة والناس وقوف؟ خمسون ألف سنة، كم عمر الدنيا الآن؟ ما وصلت خمسة عشر ألف سنة منذ آدم، لكن ذلك اليوم بالذات مقداره خمسون ألف سنة. (ثم) المقتضي للتراخي، بعد البعث من القبور حشر يدوم خمسين ألف سنة.

    أما أولياء الله فقد بشرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بأن ذاك اليوم الطويل يمر على أحدنا كصلاة مكتوبة، كأنك تريد أن تصلي العشاء وامشِ؛ لأن فرحه برضا الله ودار السلام والجنة ينسيه ذاك الزمان بكامله، فلا يشعر به فيمر عليه كصلاة مكتوبة، وفي هذا إشارة قرآنية من سور المدثر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:1-10]، مفهومه على المؤمنين يسير.

    أعيد الآية الكريمة: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] أي ناقور هذا؟ البوق، تعرفون الأبواق أو لا؟ السيارة فيها أبواق، ولكن عرفنا الناقور؟ هذه صفارة الإنذار في الحروب كيف تتغلغل في النفوس والبيوت، تسمعون بها أو لا؟ أما الناقور الحقيقي فذاك، لأن إسرافيل ينفخ تلك النفخة فيتحلل الكون ويتبخر: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:9-10] أي: شديد، والمؤمنون؟ مفهوم المخالفة، وهو معمول به: (على المؤمنين يسير) مهما كان، وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم مدة وقوف المؤمن بصلاة أحدنا يصليها.

    إذاً: قال تعالى موبخاً مقرعاً الكافرين والكافرات، المعرضين عن الله، وكتابه، ودينه، وأوليائه، قال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ... )

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] اذكر ما شئت من أنواع الفواكه .. الخضر .. المياه .. الحبوب .. الثمار .. الملابس .. اللحوم في البحر، كل ما في الأرض خلقه لمن؟ لنا أو لا؟ قولوا إذاً: الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله.

    خَلَقَ لَكُمْ هل خلق هذا الكون للملائكة يأكلون ويشربون، لِم خلقه لنا؟ الأرض عبارة عن ضيافة أعدها، وجاء بآدم الضيف وزوجته، وقال: عيشوا أنتم وأولادكم، ومع هذا تكفرون بالله، وتنكرون، وتجحدون، ولا تقول: لا إله إلا الله، ولا ربي الله، ولا تحمد الله يا عبد الله، أين يذهب بعقلك؟ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29].

    ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة:29] أي: قصد إليها، فكونها سبع سماوات: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29].

    وأخيراً: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29]، انتبه! كل شيء، الذرة فما فوقها، ومعنى هذا: قلوبنا بين يديه .. آمالنا .. أفكارنا .. خواطرنا .. حركاتنا .. كل شيء هو به عليم، ومعنى هذا: انتبهوا يا عباد الله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29].

    السلامة في: أن نعيش على طاعته وطاعة رسوله.. فلا يفارقنا ذكر الله أبداً ليل نهار، وتشعرون بالغبطة والسعادة، فقط لما تقول: الحمد لله .. الحمد لله، وأنت تذكر النعم التي تتقلب فيها ينشرح صدرك، وتسيل دموعك، ويحصل لك الخير الكبير، لكن عوامل الشر تصرف الناس عن ذكر الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن نقرأ الكتاب؛ ليسمع الطلبة ما في أيسر التفاسير.

    شرح الكلمات

    قال المؤلف: [شرح الكلمات: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ : الاستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ؛ لعدم وجود مقتض للكفر]، كيف تكفرون؟ ما هي عوامل الكفر، وما هي أسبابه؟ فهذا الاستفهام هنا للتوبيخ، ثم (كيف) هذه اسم مبني على النصب، دالة على الحال، كيف حالكم لما تكفرون؟

    قال: [ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ : هذا برهان على بطلان كفرهم] وحجة دامغة، [إذ كيف يكفر العبد ربه] ويغطيه، ويجحده، ويستره، ويقول: لا إله، [وهو الذي خلقه بعد أن لم يك شيئاً]، ما كان حتى قطرة مني، ولا حيواناً فيها.

    [ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ : إن إماتة الحي، وإحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته] وعلمه وحكمته، وهو مقتضٍ لعبادته وحده، دون من سواه.

    [ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]: يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر]، وهو ركن الإيمان الخامس.

    [ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة:29]: علا وارتفع قهراً لها]، وهي خاضعة [فكونها سبع سماوات].

    [ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29]: إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وتدليل على قدرته وعلمه، ووجوب عبادته].

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [معنى الآيتين: ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ .. [البقرة:28] الآية. وذكر من أدلة وجوده وكرمه ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور، وصاحبه من أحط الخلائق وأسوأهم حالاً ومآلاً، فمن أدلة وجوده: الإحياء بعد الموت، والإماتة بعد الإحياء. ومن أدلة كرمه وقدرته: أن خلق الناس في الأرض جميعاً، لتوقف حياتهم عليه، وخلق السماوات السبع، وهو مع ذلك كله علمه محيط بكل شيء، سبحانه لا إله إلا هو، ولا رب سواه].

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [من هداية الآيتين:

    الأولى: إنكار الكفر بالله]، وعلى كل عاقل أن ينكر الكفر بالله: كيف تكفر بالذي خلقك، ورزقك، وأحياك؟!

    [ثانياً: إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته] وكذلك علمه وحكمته.

    [ثالثاً: حلّية كل ما في الأرض من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومراكب إلا ما حرمه الدليل الخاص من الكتاب والسنة لقوله: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]]. هذه قاعدة؛ وقد اختلف أهل العلم: فمنهم من قال: كل ما في الأرض حلال إلا ما حرم الله ورسوله.

    ومنهم من قال: كل ما في الأرض حرام إلا ما أحل الله ورسوله.

    والقول الأول أظهر في الآية الكريمة، فقولك: كل شيء في الأرض أحله الله لنا؛ لأنه خلقه من أجلنا، إلا ما نهانا عنه، وحرمه علينا فهو حرام، لِم نهانا وحرمنا؟ لأنه يضر بنا، إما بأبداننا كالسم، وإما بأرواحنا وعقولنا كالخمر.

    إذاً: هذه قاعدة: الأصل في الأشياء الحلية إلا ما جاء الدليل بتحريمه، وإذا إمام المسلمين منعنا من فعل مباح مؤقتاً؛ لأن المصلحة العامة اقتضت هذا فيجوز؛ لأنه ما حرم ما أحل الله. وصلى الله على نبينا محمد.