إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (108)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام الطلاق التي شرعها الله أن من طلق زوجه طلقة أو طلقتين فله أن يراجعها في العدة، وهو أحق بها من غيره، أما إذا انقضت عدتها دون أن يراجعها فينفسخ عده، ويجوز له كسائر الرجال أن يتزوجها بعقد جديد مستوف للشروط، أما إن طلقها طلقة ثالثة فإنها لا تحل له حتى تتزوج برجل آخر، فإن طلقها الثاني جاز للأول الزواج بها بعقد جديد مستوف للشروط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيها المؤمنات المتسمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا المأمول يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين.

    وها نحن مع هذه الآية المباركة الكريمة، ولعلنا نضيف إليها أختها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:229-230]، اللهم اجعلنا منهم.

    دلالة القرآن على عظمة الله تعالى وبيان تنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من القائل: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ؟ إنه الله تعالى الذي خلقنا ورزقنا ودبر حياتنا، الذي وهبنا عقولنا وأسماعنا وأبصارنا، الذي أوجدنا من العدم فأحيانا وغداً يميتنا وبعده يحيينا، الذي رفع السماوات الطباق وبسط الأرض ونصب عليها الجبال وأجرى فيها المياه والأنهار، هذا الذي خلق كل شيء من النملة إلى المجرة، هذا هو الله ربنا ورب العالمين، وهذا كلامه، فهو خالق الكلام فكيف لا يتكلم؟! لولاه لما تكلم متكلم أو نطق ناطق.

    فهذا كلامه أنزله على الرسول صلى الله عليه وسلم، أنزله على مصطفاه ومجتباه ومن اختاره وكمّله وأعده لأن يتلقى وحيه، هذا الذي أنزل عليه كتابه الحاوي لهاتين الآيتين هو محمد صلى الله عليه وسلم، أين كان يوجد هذا النبي؟ في جزيرة العرب، ما هي البلدة التي كان ولد فيها؟ مكة، وانتقل منها إلى مدينة أخرى هي المدينة النبوية، وأين هو الآن؟ هناك والله في الحجرة الشريفة، ومن أراد أن يشرف بالسلام عليه فليتفضل فيدنو من حجرته ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وينصرف، فإن فعل فإنه -والله- يسمعه.

    والحمد لله؛ فنحن معه لا نفارقه، عندما نصلي النافلة أو الفريضة ونجلس بين يدي الله ونقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فتبلغه فيسمعها فوراً، والحمد لله؛ كان أسلافنا يؤمنون بهذا، لكن لا يدركون كيف، أنت في الشرق أو الغرب وهو في السموات العلا ويبلغه سلامك، ولما توفي صلى الله عليه وسلم قال بعض الصحابة: الآن لا نقول: السلام عليك يا أيها النبي، كنا نقول: أيها النبي ما دام بين أيدينا، الآن لا معنى لهذا، نقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، فقال كبار العلماء: اسكتوا! ما هو بشأنكم هذا، فقد قال لنا: قولوا، فيجب أن نقول. وتمضي الأيام ولياليها والقرون والآن أصبح الذي يكذّب هذا أحمق، بدليل أننا في بيوتنا نتكلم مع الصين واليابان ومع كندا والأمريكان وهم يسمعونك وأنت تسمعهم، فهل تكذّب؟! ما هي الخيوط هذه؟ كيف وصل هذا؟! قولوا: آمنا بالله.

    فاسمعوا وبلغوا: إنها -والله- لفرصة ضيقة وعما قريب لا تقبل توبة تائب؛ لأن الإيمان يكون بالغيب، أما بالشهادة فليس بإيمان، هل تقول: أنا مؤمن بأننا في المسجد النبوي؟ الذي يقول هذا مجنون، فالإيمان بما غاب عنك، فالآن -والله- إنها لفرصة ضيّقة، وسيأتي يوم المؤمن مؤمن والكافر كافر، ما تقبل توبة ولا رجوع، انتهى الأمر وختم على الكتاب؛ إذ قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ [الأنعام:158]، هؤلاء المتباطئون الذين يترددون، يقال: ادخلوا في الإسلام فيقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، ما ينتظرون؟ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:158] فيؤمنوا، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:158] فيؤمنوا، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158] فيؤمنوا، يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، هذه من سورة الأنعام: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام:158]، فكم مضى على هذه الآية؟ ألف وأربعمائة سنة، والغيوب تتكشف.

    إذاً: معشر المستمعين! الآن الذي يكفر لا قيمة له، ما له وزن، بأي شيء تكذب؟

    معنى كون الطلاق مرتين

    فهيا مع الآيتين الكريمتين، يقول تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229] لا ثالثة لهما، كيف يتم هذا؟ المؤمن الفحل الواعي البصير المسلم بحق إذا تأذت منه امرأته وما طاقت وعرف أن حياتها كدر لا صفو فيها وشقاء فلا سعادة لها؛ فإنه يقول: يا مؤمنة! ما أريد لك البلاء والشقاء، وأنت أختي وأنا أخوك، فلكي ترتاح وتسعد يأتي باثنين يقول: اجلسا واشربا الشاي أو القهوة، ثم يقول: اسمعا: يا أم فلان! لقد طلقتك، واشهد يا فلان ويا فلان، وابقي في بيتك ثلاثة أقراء، فإذا فرغت فالتحقي بأهلك، وداعاً يا مؤمنة، هل عرفتم هذا الطلاق؟

    أو هو يتأذى من هذه المؤمنة لسوء خلقها، لفساد عشرتها، ما أطاق، كل يوم في أذى وهو ولي الله وعبده ما يرضى مولاه له بالأذى والشقاء، فحاول وحاول في عام أو عامين فما استطاع، رأى أن خلاصه من هذا البلاء والفتنة في طلاق هذه المؤمنة، لا يسيء إليها ولا يضرب ولا يكسّر رأسها، يشهد اثنين ويقول: لقد طلقت فلانة، فالزمي بيتك يا فلانة حتى تنتهي عدتك ثلاثة أقراء، فإن انتهت فما عليك إلا الذهاب إلى أهلك.

    فهل عرفتم الطلاق؟ هل المسلمون يفعلون هذا؟ وا حر قلباه؛ لأننا ما جلسنا هذه المجالس ولا رُبينا في حجور الصالحين، مشغولون باللهو والباطل، لو كنا مشغولين في المصانع والمزارع والإنتاج الليل والنهار لهان الأمر، لكن أوقاتنا كلها في الفراغ، مجالس الليل في اللهو، وما نستطيع أن نجلس جلسة كهذه؛ لأن الشيطان يدفع، فما يستطيع.

    فإذا طلق قلنا: طلقتها يا عبد الله؟ قال: نعم، هل انتهت العدة أو ما زالت؟ قال: ما زالت، هل تريد أن تراجعها حيث ندمت فما رأيت خيراً في طلاقها؟ إذاً ائت باثنين وقل: أشهدكما أني راجعت فلانة، طلقتها وراجعتها، فتبقى معك، فإن ما أطقت العذاب أو الشقاء لك أو لها بعد ذلك أيضاً وما صبرت فطلقها طلقة ثانية وانتهى الأمر.

    الأمر بإمساك المطلقة الرجعية بالمعروف أو تسريحها بإحسان

    الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، وبعد المرتين فإما أن تمسكها بمعروف أو تطلقها بإحسان ومع السلامة إلى يوم القيامة.

    الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، فبعد المرتين أمسكها بإحسان لا بإساءة لك ولا لها؛ لأن مولاكما ما يرضى بالإساءة لكما، ألستما من أوليائه؟ إذاً: أمسكها بالمعروف، الإحسان في المعاشرة، بالأدب، بالرحمة، بالأخلاق، بالتعاون أنت وهي كذلك، وإلا فتسريح بإحسان، سرّحها بإحسان ما فيه إساءة: يا فلانة! مع السلامة، خذي متاعك وبقية مهرك وخذي أثاثك في البيت، وأستودعك الله عز وجل.

    وأما الإساءة فكقوله: يا كلبة! يا منتنة! يا فاجرة! وإذا سئل عنها قال: هي خبيثة. أعوذ بالله.. أعوذ بالله! أيجوز هذا من مؤمن ومؤمنة؟ وهو واقع، لأنهم ما عرفوا، فالسبب الجهل، ومتى نتعلم؟ في سنة واحدة، هيا إلى دورة تدوم سنة فقط ندرس فيها كتاب الله وهدي الرسول بنسائنا وأطفالنا، فسنة واحدة وكلنا ربانيون، ولكن ما عندنا قدرة على هذا، ما نستطيع.

    فالطلاق مرتان، وبعد ذلك أمسكها؛ لأنك رجعت بعد الثانية فأمسكها بمعروف لا بمنكر وباطل وشر، أو سرحها بإحسان لا بإساءة بالسب والشتم وأخذ حقها وما إلى ذلك، هكذا يقول تعالى مقرراً هذه الحقيقة في تشريعه الحكيم: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229].

    معنى قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ...)

    ثم يقول تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة:229]، أيها المطلقون! أيها الفحول! إذا طلقت المرأة فحرام عليك أن تأخذ مما أعطيتها شيئاً ولو قل، تسلم لها مهرها كاملاً، وما كان من أثاث لها تأخذه كاملاً، وما وهبتها من ذهب أو حرير تأخذه كاملاً، وَلا يَحِلُّ لَكُمْ [البقرة:229] أيها المطلقون أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة:229] وإن كان إبرة؛ لأن التنكير في صيغة النهي يدل على العموم.

    ثم قال تعالى: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229]، إلا أن يخاف الزوج وزوجه، المرأة وبعلها خافا ألا يقيما حدود الله، أي: بأن يسقطاها ويتعداها ويهلكا، فذاك شيء آخر، قال في بيانه: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، هذه المؤمنة أنت تحبها وأنت تحسن إليها وما أسأت إليها أبداً وهي كارهتك، ما أطاعتك ما أطاقت البقاء معك يا فحل، خافت من الله أن تقصر في حقك وأن تسيء عشرتك، فتقول: يا سيد! من فضلك خذ ما أعطيتنيه كاملاً وسرحني؛ لأني أخشى أن أؤذيك أن أعكر صفو حياتك، أن أنغص عيشك، ما أطيق، أنا مؤمنة وأنت أخي، إذاً: أنت أنفقت علي ما أنفقت فخذه واتركني، فهذا تشريع من هذا؟ تشريع الله، فسبحان الله العظيم!

    معنى قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)

    اسمع: فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة:229] أيها القضاة، أيها الأولياء، أيها المسئولون، أيها العلماء، أَلَّا يُقِيمَا [البقرة:229] أي: الزوج والزوجة حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229] بأن يتعدياها أو يسقطاها -والله ما يريد ذلك- فعندكم رخصة من الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:229] يعني: الزوجين، فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] تفدي نفسها، الزوج يريدها وراغب فيها وأحسن إليها وما أساء وهي كرهت وما أطاقت، ماذا تصنع؟ إذاً: تفدي نفسها بأن تقول: خذ ما أعطيتني من مهر أو ما أنفقت علي وسرحني لوجه الله حتى ما أؤذيك أو أبقى شقية معك وأنت ما تريد هذا؛ لأنني مؤمنة وأنت مؤمن، فيستلم منها ذاك المبلغ ومع السلامة، هذا يسمى بالخلع، خلعها منه وفصلها، هي التي طالبت وليس هو، هو يبكي ما يريد غيرها، ولكن هي -بقضاء الله وقدره- أرادت أن تنهي هذا النكاح، وما ذنب الرجل؟ لا ذنب له، ما آذاها، لو آذاها لتطالب بالفداء فحرام عليه أن يأكل ريالاً واحداً، فالآن هذا الزوج ما آذاها أحسن إليها أكرمها فرح بها، لكن هي انصرف قلبها فما أطاقته، فتطالب بالفداء، أذن الله لها ذلك، فتأخذ منها ما أنفقت عليها وسرحها واخلعها وافصلها عنك.

    حكم عدة المختلعة

    فإذا خرجت من بيتك فالخلاف بين أئمة الإسلام: هل تعتد أو لا تعتد؟ بعضهم يقول: الخلع هذا انفصال لا تعتد معه، والذي هو أقرب إلى الرحمة أنها تعتد ثلاث حيض وتتزوج بعد ذلك إن شاءت؛ إذ من الجائز أن يكون في بطنها جنين.

    ثم هناك شيء ثان، فلو قلنا بالخلع بلا عدة لخرجت الليلة وتزوجت غداً، فأنت تموت بالهم، تقول: هذه كرهتني لهذا، فهذا الذي أفسدها علي، فخرجت مني فتزوجت به، فكيف يصبح المجتمع؟

    والإسلام يعمل على أن لا تختلف كلمة المؤمنين، لا في القرية ولا العاصمة ولا في أي بلد، أمرهم واحد وشأنهم واحد، فمن هنا فالاعتداد أولى.

    أعيد السياق الكريم: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة:229]، عرفنا هذا، حرام عليك أن تأخذ فلساً مما أعطيت هذه المرأة حين طلقتها، اللهم إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، افتدت نفسها، أعطتك المهر الذي أعطيت والنفقة التي أنفقت ومع السلامة.

    معنى قوله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها)

    ثم قال تعالى: تِلْكَ [البقرة:229]، هذه التعاليم هذه الشرائع حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:229]، قوانين الله فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229]، فالطلاق مرتان لا عشر، كيف يقول: أنت طالق طالق طالق سبعين مرة، أنت طالق بالثلاث؟ أتلعب أنت أو تلهو؟! أعاقل أم مجنون؟ الله يقول: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، وتقول: لا يا رب، الطلاق سبعين! أعوذ بالله.

    لا تلومونا؛ لأننا جهلاء ما ربينا في حجور الصالحين، ما جلسنا مجالس العلم والنور، هذا الذي ورطنا في هذه الورطة، أنقذونا إن كنتم صادقين، هيا بنا يا أهل القرية، فمن غد لا يتخلف رجل ولا امرأة ولا ولد عن الحضور في هذا المسجد، من صلاة المغرب إلى العشاء ونحن نتعلم ونتلقى الكتاب والحكمة، وطول حياتنا، فهذا وقت فراغ، فيا فلاح! ألق المسحاة! يا نجار! ألق المنشار، وهيا إلى بيت الرب الجليل، النساء وراء الستارة والفحول جالسون والأولاد بينهم وهم يتعلمون الكتاب والحكمة، وينمون ويصفون، ويرتفعون كل يوم درجة، يوماً بعد يوم وقد أصبحت القرية كالملائكة، لا كذب، لا خيانة، لا حسد، لا غش، لا باطل، لا منطق بذيء، لا سوء، أصبحوا أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لو رفعوا أكفهم إلى الله ما ردها خائبة، هل من طريق الأموال؟ لا والله، من طريق ماذا؟ لقد أسلمنا، أعط لله قلبك ووجهك، فتقبل ما يأمرك به وينهاك عنه في صدق، هذا هو الحل وإلا فالطلاق بالثلاث.

    حكم طلاق الثلاث

    وهنا مسألة فقهية علمية: اعلموا أن الأئمة الأربعة أئمة أهل السنة والجماعة -أما الخوارج والروافض والخارجون عن الإسلام فما لنا بهم علاقة-، الأئمة الأربعة على أن من قال لامرأته: أنت طالق بالثلاث فقد طلقت ثلاث طلقات، ومن شك فليمش إلى المحكمة حيث المذهب حنبلي ويسألهم: طلقت امرأتي بالثلاث؟ فسيقولون: انتهت أخذاً بقول الجمهور، وتذهب إلى المغرب حيث مذهب مالك فيقولون: مع الأسف انتهى أمرك، وفي تركيا مذهب أبي حنيفة ، فإن قلت: أنت طالق بالثلاث فقد انتهى، أبت طلاقك.

    وعلى خلاف الجمهور من الصحابة ومن التابعين وتابعيهم ومن الأئمة وإلى اليوم يوجد من أهل العلم من يقول: هذا الطلاق بدعي، ولا يعد هذا إلا طلقة واحدة؛ لأن الله تعالى قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، وهذا فسق وخرج عن طاعة الله وقال: طلقتك ثلاثاً، فلا قيمة لكلامه، وتعد طلقة واحدة، لأن الله بيّن ورسول الله بيّن، ولم يعرف المؤمنون إيقاع الطلاق بالثلاث إلا على عهد عمر ، أما على عهد الرسول وعهد أبي بكر وشطر من عهد عمر فكان الطلاق مرة؛ ولما كثر الجهل ومات الصحابة وجاء أولادهم سأل عمر من حوله: ما ترون؟ أنمضيه عليهم ثلاثاً تأديباً لهم؟ فقالوا: أمضة، فأمضاه ثلاثاً؛ ليؤدبهم، فما تأدبوا.

    فالآن الذي يقول: أنت طالق بالثلاث؛ فالذي يتفق مع الكتاب والسنة أنها طلقة واحدة، والأئمة الأربعة يوجد من تلامذتهم من هو على خلاف آرائهم، الأئمة الأربعة على جلالتهم يوجد من تلامذتهم من لا يقول برأيهم في هذا، ويقول بهذا الرأي؛ لأن الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فكيف أنت تقول: ثلاث، هل تكذب على الله؟

    لأن الزوج يطلق وينتظر العدة، قد يراجعها قبل أن تنتهي العدة، يحصل ندم فيبيت يتململ، كان يعتاد زوجته فخرجت منه، فيراجعها، فهذه فرصة أم لا؟ ثم عاد إليها وطلقها مرة ثانية، فممكن أن يتململ ويتضجر ويبكي الأطفال ويمكن أن يرجعها، وهذا من رحمة الله عز وجل، فإذا أرجعها فهو بين خيارين: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، هذا الذي أراده الله عز وجل، ولا نؤاخذ الناس بجهلهم، ونأخذ بالكتاب والسنة.

    حكم طلاق الحائض والموطوءة في الطهر

    هنا مسألة أخرى: أن الذي يطلق امرأته وهي حائض، أو يطلقها وهي غير حبلى فيجامعها ويطلقها، هذا الطلاق سبق أن قلت لكم: إن الجمهور على أنه نافذ وأنه بدعة وحرام، ويعاقب صاحبه، وخلاف الجمهور من أئمة العلم والبصيرة من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى اليوم يرون هذا الطلاق بدعة ولا يعتبر طلاقاً، إذا طلقها وهي حائض أو طلقها بعد انتهاء الحيض وجامعها فممكن أن تكون حملت في تلك الليلة، فلم تطول عليها العدة تسعة أشهر؟

    والأصل في هذه القضية: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: يا أبت! طلقت امرأتي وهي حائض. فأخبر عمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال له: ( مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها إن شاء قبل أن يجامعها أو يمسكها؛ فإنها العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء )، إذاً: فإذا أراد أن يطلق فليصبر حتى ينتهي حيضها وحتى تطهر، وعند ذلك إذا أراد الطلاق طلق، وإن كان لا يريد الطلاق أتى امرأته وانتهى الإشكال.

    قالوا: فالطلاق في الحيض أو في طهر جامع فيه بدعة ما شرعه الله ولا أذن به، والفقهاء يعاقبونه، قالوا: هو حرام وبدعة، ولكن نؤاخذه به حين يفعل هذا الباطل ليتأدب.

    وعلى خلافهم عدد من أهل البصيرة والعلم كلهم يقولون: هذا الطلاق بدعي لا يعد طلاقاً، فإذا أراد أن يطلق تركها حتى تطهر ولا يجامعها ويطلق، هذا هو الطريق، وأما إذا كانت حاملاً فيجوز أن يطلقها.

    والحاصل هنا أنه لا يحل لك أن تطلق امرأتك بدون رفع الضرر، حرام عليك أن تطلق بدون رفع الضرر عنك أو عنها، هذا أولاً.

    ثانياً: إن كنت تريد أن تطلقها فاتركها حتى تحيض وتطهر من حيضها وتصلي، وقبل أن تجامعها طلقها، هذا هو الطريق، تفعل هذا مرتين: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فالثالثة إن طلقتها لن تعود إليك كما سيأتي.

    معنى قوله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)

    ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، هذا إخبار الله تعالى، وتسجيل علامة: أولئك هم الظالمون، الذين يعبثون بشرع الله ويستهزئون به ويطلقون كما يشاءون، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:229] حدّها، فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، وأنتم تعرفون جزاء الظالم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ...)

    الآية الأخيرة: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] بعد الاثنتين؛ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، إذا طلق الثالثة انتهى أمرها، لا يرجع إليها ولا يتزوجها إلا بعد أن يهان ويذل ويكسر أنفه، ذلك أن زوجته ينكحها فلان ويبيت يطؤها، فهل عنده قلب أن يراها مرة أخرى؟ لا إله إلا الله! هذا تشريع الحكيم العليم.

    إذاً: أنت تعديت وتجاوزت الحد فهذا تأديب لك، لا يحل أن تراجعها بعقد جديد حتى ينكحها زوج آخر ثم يموت عنها أو يطلقها، وإياك أن تعمل حيلة بألف ريال تقول: هيا تزوج فلانة، قلبي معها وأنا نادم وهي كذلك، فخذ عشرة آلاف ريال واخطبها وتزوجها يومين أو ثلاثة، فهذا ديوث، عرف هذا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وقال: ( لعن الله المحلل والمحلل له )، وسماه التيس المستعار، وهو ذكر المعز، نطلبه ليلقح عنزنا، هذا هو المحلل، هذا التيس المستعار، فهذا أراد الله أن يذله ويكسر أنفه؛ لأنه تعدى حدود الله وظلم وطلق بدون علم وتزوج بدون علم، هنا لا يستطيع أن يراجعها إلا بعد أن ينكحها زوج آخر ويموت عنها أو يطلقها، آمنت بالله. ‏

    معنى قوله تعالى: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ...)

    واسمع النص: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] ذلك الزوج فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230] بشرط: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، أما إذا ما كان عنده جزم في القلب أنه يحسن إليها مرة ثانية وتحسن إليه فما يجوز ذلك، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230]، فهيا نعلم، هل ندخل المدارس؟ ما نفعت، فماذا نصنع حتى نعلم؟ ما هو الطريق؟

    الطريق هو أن نراجع التاريخ لننظر إلى الأيام التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذه المدينة لمدة عشر سنين، كيف كانوا يعيشون؟

    كان صلى الله عليه وسلم يجمعهم ويجلس لهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، واقرءوا قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، أقسم بالله الذي لا إله غيره! لا تتم ألفة بين المسلمين ولا محبة ولا تعاون ولا صدق ولا طهارة في أية قرية في أية مدينة في العالم بأسره، لن يتم الكمال إلا على ذلك المنهج المحمدي فقط، أن نتعلم نساءً ورجالاً بدون قلم وبدون قرطاس وورق، بدون فيديو ولا شريط، أهل القرية إذا دقت الساعة السادسة توضئوا وحملوا نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، صلوا المغرب وجلسوا كلهم جلوسنا هذا، النساء وراء الستارة والرجال أمامها، وليلة آية وأخرى حديثاً، ليلة آية من كتاب الله تحفظ وتفهم ونوطن النفس على أن نعمل بما دعت إليه وفرضته طول الحياة، هذا الطريق الوحيد وبدونه -والله- ما اجتمعت كلمة المسلمين في القرية ولا في البيت، فالخلاف والغل والغش والحسد والكبر، لا تسأل عن الخبث.

    وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، من يقول: ما البرهنة يا شيخ، ما الدليل؟

    الدليل: كيف كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ هل سادوا الدنيا أم لا؟ قادوا البشرية ثلاثة قرون أم لا؟ ماذا كانوا يعلمون؟ هل فلسفة الإغريق واليونان أو الكلام الباطل؟ لا، بل قال الله وقال رسوله، لما جهل المسلمون وخرجوا من هذه المدارس هبطوا إلى الأرض فاستعمروا واستذلوا وأهينوا من العالم، وإلى الآن هم فقراء محتاجون إلى الكفار.

    ودليل آخر: والله الذي لا إله غيره! لأعلمنا بالله أتقانا وأصلحنا، في أي بلد، أهل القرية أعلمهم بالله وبمحابه ومساخطه هو أتقى أهل القرية وأقلهم ظلماً أو خبثاً أو شراً، وأكثر الناس خبثاً وشراً هم الجهال.

    ونحن ما نعني بالعالم صاحب الدكتوراه والماجستير، ولا صاحب القلم، إنما المؤمن يجلس بين يدي أهل العلم يتعلم لعام وعامين ثلاثة بالسماع والتطبيق فيصبح من أعلم الناس، ما يحتاج إلى كتاب ولا قلم، هل كان أصحاب الرسول يكتبون ويقرءون؟

    أربعة أخماسهم لا يعرفون الكتابة ولا القراءة، إذ هذا العلم ما يحتاج إلا إلى أن يدخل في القلب ويطبقه في جوارحه، فعلم الصناعة والمادة والسياسة المادية اطلبه في المدارس، أما علم التربية الروحية وتهذيب الأخلاق وتزكية النفوس فهذا لن يتم إلا عن طريق قال الله.. قال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فلم لا نعمل؟ كأننا مسحورون تماماً، هيا نبدأ بالقرى والمدن، كل حي فيه جامع يتسع لأهل الحي، فأهل الحي يقولون: هيا نتعاهد من الليلة ألا نفارق مسجدنا بنسائنا وأطفالنا، نتعلم الكتاب والحكمة، قال الله وقال رسوله، فتنتهي المذهبية والفوارق والعصبيات والأحزاب، وكل هذا يمحى، فنحن مسلمون مؤمنون.

    اللهم اشهد فقد بلغنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.