إسلام ويب

تفسير سورة الرعد (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله على عباده أنه أرسل لهم الرسل؛ ليعلموهم أمر دينهم، ومع هذا كان حال الكثير منهم الجحود والتكذيب والكفر، ولكن الله سبحانه أمر رسله بأن يستمروا في الدعوة، وفي بيان أحقية الله سبحانه بالتوحيد والعبادة، وكان من أدلة ذلك إنزال القرآن الكريم الذي تحدى الله به الإنس والجن فعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا، ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هذه الثلاث الآيات، وهي بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:30-32].

    معنى قوله تعالى: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد:30]، أي: كإرسالنا الأنبياء من قبلك من نوح إلى عيسى وما بينهما من مئات الرسل، كإرسالنا لهم أرسلناك أنت في هذه الأمة.

    كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ [الرعد:30] وهي أمة الإسلام من العرب والعجم، المؤمنين والكافرين، هذه كلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لا نبي ولا رسول فيها إلا هو صلى الله عليه وسلم، وتنقسم إلى قسمين: أمة الإجابة وأمة الدعوة، فأمة الإجابة: هم المؤمنون، المسلمون، المحسنون، دعوا فأجابوا، استدعوا فاستجابوا، وما بقي من ذلك فهي أمة الدعوة، يجب أن يدعوا إلى الإسلام على طول الحياة، حتى يسلموا أو يهلكوا، ويقوم بهذه الدعوة خلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك)

    قال الله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد:30] لماذا؟

    قال: لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد:30]، أي: لتقرأ عليهم القرآن الكريم، تلا يتلو إذا قرأ؛ لأن الآيات متتابعة يتلو بعضها بعضاً لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد:30].

    ما الذي أوحاه الله إليه؟

    الجواب: القرآن العظيم، تلقاه في ظرف ثلاث وعشرين سنة، بدأ بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وختم بقول الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، ستة آلاف ومائتان وأربعون آية، تنزلت عليه صلى الله عليه وسلم في ظرف ثلاث وعشرين سنة.

    معنى قوله تعالى: (وهم يكفرون بالرحمن)

    قوله: لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]، والحال: أنهم يكفرون بالرحمن، من هو الرحمن؟ الله جل جلاله، وعظم سلطانه، فمن أسمائه: (الرحمن الرحيم)، إذ له تعالى مائة اسم إلا اسماً واحداً، أي: تسعة وتسعين اسماً، والله الذي لا إله غيره، احلف بالله وقل هكذا، إذ هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي جاء في كتابه على لسان رسوله، وقد تكون له أسماء ما أطلع عليها أحداً من خلقه، فالرحمن لما سمعته قريش أي: كفار مكة ومن حولها، قالوا: ما نعترف بهذا الرحمن، ليس عندنا إلا رحمان اليمامة فقط؛ لأن مسيلمة الكذاب في نجد يقال له: الرحمن، فقالوا: نحن لا نعرف الرحمن، بل نعرف الله، أما الرحمن فلا إلا رحمان اليمامة: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان:60].

    إذاً: الرحمن من أسماء الله عز وجل، إذ لله تسعة وتسعون اسماً، والمشركون أنكروا على رسول الله هذا الاسم، فقالوا: ما نعرفه؛ عناداً ومكابرة، فكونكم لا تعرفونه فيما مضى فاعرفوه الآن لما سمعتموه، ولكنه العناد والمكابرة والمجاهدة للإبقاء على شركهم وباطلهم، وهذه سنة الله عز وجل في الناس.

    معنى قوله تعالى: (قل هو الله ربي لا إله إلا هو)

    ثم قال تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم: قل يا رسولنا قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30]، قل لهم ماداموا يكفرون به، قل أنت لهم: هو ربي، خالقي، ورازقي، ومالك أمري، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، لا إله إلا هو. أي: لا معبود يستحق العبادة بحق إلا هو، والله العظيم، فلا يستحق العبادة إلا الله، فلهذا قل: لا إله إلا الله، واحلف بالله ولا تحنث، والله الذي لا إله غيره إنه لا إله إلا الله؛ لأن المألوه هو المعبود، والمعبود إن كان بباطل فهو من آلهة الكذابين والمبطلين.

    وإن كان معبوداً بحق فهو الله، إذ العبادة لا تعطى، ولا تصرف إلا للذي خلقني، وخلق الحياة من أجلي، ورزقني وهو يرعاني طول حياتي!

    هذا الذي أركع بين يديه وأسجد!

    هذا الذي أتملق له بأسمائه وأدعوه بها!

    هذا الذي أحب ما يحب، وأكره ما يكره!

    هذا الذي خلقني ورزقني، هو إلهي الحق!

    أما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. أما عيسى.. أما البتول .. أما مريم أما كذا وكذا.. فهل خلقوا شيئاً؟

    الجواب: لا. فكيف يعبدون؟ فلهذا لما أنكروا الرحمن قال تعالى لرسوله: قل لهم (هو) أي: الرحمن (ربي) أي: خالقي، ومالك أمري لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الرعد:30]، وهذا معنى: لا إله إلا الله.

    لو أن شخصاً يقول: أنا أقول: لا إله إلا الله، ويعبد غير الله، هل تقبل منه هذه الكلمة ويثاب عليها؟ لا. يصبح دجالاً، وكذاباً، ومنافقاً.

    أنت تقول: لا إله إلا الله عن علم أو عن جهل؟ فإذا كان عن علم، وعرف أنه لا معبود إلا الله، فوالله ما يستطيع أن يعبد غير الله، وما يقدم أبداً عبادة لغير الله، وإن كان عن جهل فيجب أن يتعلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    كيفية معرفة أنه لا إله إلا الله

    كيف نعلم أنه لا إله إلا الله؟ دلونا يرحمكم الله كيف نعلم أنه لا إله إلا الله؟

    نعلم أنه لا إله إلا الله، فما بلغنا أن هناك خالقاً مع الله، لأنه لم يخلق حيواناً ولا إنساناً، ولم يوجد قطرة ماء ولا هبة ريح، ما خلق السماء ولا الأرض، فهذا لا وجود له بإجماع البشرية.

    إذاً: الموجد لهذه هو الله، وهو المعبود بحق، وما عداه لن يعبد أبداً، وما عبدوه من الملائكة والأنبياء والأولياء والأشجار والأحجار فتلك العبادة باطلة.. باطلة باطلة، وأهلها مشركون كافرون؛ لأنهم كذبوا، يقولون: لا إله إلا الله، ويعبدون آخر معه.

    ومن قال: أشهد أن لا إله إلا الله يجب أن يقولها عن علم، يقول: نظرت إلى الكون كله علوه وسفله، من ذرته إلى مجرته، ما بلغني، ولا سمعت، ولا رأيت خالقاً قط إلا الله، فأنا أشهد -إذاً- أنه لا إله إلا الله بشهادة علم وحق، فإن هو عبد مع الله تعالى غيره بأي نوع من أنواع العبادة كان كاذباً في قوله، منافقاً، لا يقبل منه ذلك القول، بل هو مشرك؛ إذ كيف يقول: أنا أشهد أنه لا معبود إلا الله، ويعبد معه غيره؟!

    وقد وقع المشركون من الأولين والآخرين في الجهل، فدعوا غير الله، وذبحوا لغير الله، ونذروا لغير الله، واستغاثوا بغير الله، وركعوا وسجدوا لغير الله، وهم لا يعلمون أن هذا يتنافى مع لا إله إلا الله منافاة كاملة.

    كيف تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وتقول: يا سيدي فلان المدد المدد؟!

    كيف تقول: لا معبود إلا الله، وتقول: وحق فلان، ورأس فلان؟!

    كيف تقول: لا معبود إلا الله، وأنت تعظم فلاناً هذا، فترفعه إلى مستوى الألوهية؟!

    كيف تقول: لا معبود إلا الله، وأنت تقول: (وحق فلان) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )؟!

    هكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، وفي رواية: ( فقد كفر ). فكيف بالذين يركعون للقبور، ويسجدون لها، ويزحفون على ركبهم إليها؟

    فكيف بالذين يركعون ويسجدون للملوك والحكام، ويطأطئون رءوسهم؟

    لا يحل هذا أبداً، ارفع رأسك، فأنت لا تركع، ولا تنحني إلا للحي القيوم، رب السماوات والأرض.

    واعلم أن هذه الأدعية: يا سيدي فلان! الغوث المدد، نحن كذا، في حماك، اسأل لنا، أعطنا كذا. كل هذا يتنافى تمام المنافاة مع حقيقة لا إله إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (عليه توكلت وإليه متاب)

    قوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30] الله يقول لرسوله قل لهم: هو الله ربي لا إله إلا هو، عليه لا على سواه توكلت -أي: اعتمدت- وفوضت أمري إليه، لا أعرف أحداً أتوكل عليه أبداً، وأفوض أمري إليه إلا إياه سبحانه، هو وحده عليه توكلت، وإليه متابي، ورجوعي، وتوبتي في الحياة والممات، لا أرجع إلى سواه، فليس لي من متاب إلا الله، فهذه الجملة تقرر معنى: لا إله إلا الله، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30]، أي: إليه رجوعي وتوبتي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى...)

    قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد:31].

    قل لهم يا رسولنا: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا [الرعد:31] كهذا القرآن العظيم سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد:31] نسفت، وسارت حتى تبتعد عن مكة، إذ هم يطالبون رسول الله إذا كنت كما تزعم فقل لربك يبعد عنا هذه الجبال؛ لتصبح مكة أرض زراعة وفلاحة، ونستفيد من هذه الجبال.

    وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد:31] قطعة قطعة، بحوراً وأنهاراً وجبالاً أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد:31]، فيكلم الميت فيتكلم لكان هذا القرآن.

    ولو فرضنا أن قرآناً سيرت به الجبال ونسفت وذهبت، أو قطعت به الأرض وتمزقت، أو كلم به الموتى فتكلموا لكان هذا القرآن، ولكن الله أبى ذلك، فما يريد أن يزيل جبال مكة، ولا أن يحيي الموتى لهم قبل يوم القيامة، ولكن في هذا بيان عظمة هذا القرآن، وجلاله وكماله.

    وتأمل: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد:31] والله لكان هذا القرآن.

    في هذه الجملة رفع شأن كلام الله، وعلو مكانته، وكيف لا وهو كلام الله، أوحاه إلى رسوله، وحفظه في كتابه -كتاب المقادير- وحفظه في صدور أوليائه وفي سطورهم إلى يوم القيامة.

    إنه هذا القرآن الذي حولناه إلى الموتى، فتمر من إندونيسيا إلى موريتانيا لا تجد جماعة كهذه مجتمعة على دراسة كتاب الله، وبيان ما فيه من الهدى، ومعرفة ما حواه من العلم والمعرفة أبداً، وإنما يقرءونه على الموتى، وإلى الآن ما زلنا كذلك إلا من رحم ربي.

    كم حلقة في العالم كهذه يجتمعون على كتاب الله؟ ولا مائة حلقة في الشرق والغرب؛ وذلكم لأن اليهود والنصارى والمجوس أعداء الإسلام علموا علماً يقيناً أن القرآن روح لا حياة بدونه، فقالوا: ماذا نصنع؟ لا بد أن نصرف المؤمنين والمسلمين عن القرآن، أما أن ننتزعه من صدورهم فمستحيل، وأما أن نقتل حافظيهم فمستحيل أيضاً، ماذا نصنع إذاً؟

    قالوا: من اليسر والسهولة أن نقول لهم: لا تفسروا القرآن، فتفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، فكمموا المسلمين، فلا يستطيع رجل أن يقول: قال الله أبداً.

    إذاً: فماذا يصنعون بالقرآن؟ يقرءونه على الموتى، لا أقل ولا أكثر.

    ولو كانوا يجتمعون اجتماعنا هذا -والله- لا يبقى بينهم جاهل بالله، ولا يبقى فيهم من يضطرب قلبه، ويخاف غير الله عز وجل!

    وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد:31] وجواب لو: لكان هذا القرآن، ومع هذا ما آمنوا به، ولا أقبلوا عليه، بل انتقدوا وطعنوا، بل وصرفوا الناس عن سماعه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، إذا سمعتم القارئ يقرأ القرآن فصيحوا أنتم، وضجوا بكلام كذا وكذا؛ حتى لا يسمع.

    صدر بهذا قرار حكومي في مكة على يد أبي سفيان رضي الله عنه قبل أن يسلم، قالوا: عقيدة البلاد تخلخلت؛ ودخل هذا من طريق هذا القرآن، إذاً: لا تسمعوا، وامنعوا من سماعه منعاً رسمياً، ولكن يأبى الله إلا أن يسمعوه.

    ثم قال تعالى: بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد:31] يحيي ويميت، يعطي ويمنع، يهدي ويضل، يفعل ما يشاء وهو الحكيم العليم، الأمر له جميعاً.

    معنى قوله تعالى: (أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً)

    ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31]، عندنا يأس من الشيء إذا علم أنه لا يقع ولا يقوم به، ولكن يئس هنا بمعنى علم، وهذه لغة من لغات العرب؛ لأن القرآن نزل بسبعة أحرف، جميع لغات العرب تجدها في القرآن، فـ(يئس) هنا بمعنى (علم)، قال تعالى: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد:31]، أي: يعلم الذين آمنوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31]، أبيضهم وأسودهم، ولكن يدخل في رحمته من يشاء، يهدي ويضل بالحكمة العالية الإلهية، فلا تحزنوا أيها المسلمون ولا تكربوا، واعلموا أنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، فهم يعاندون ويكابرون، فهم ومن أراد الله هلاكه على الكفر في جهنم، ومن أراد الله هدايته فسوف يهتدي ويتوب، وكذلك حصل.

    وشاهد أن اليأس يأتي بمعنى العلم في لغة العرب: قول الشاعر:

    أقولهم لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

    أي: ألم تعلموا أني ابن فارس زهدمِ؟! وزهدم كجعفر، إنسان.

    والشاهد في قول الله تعالى: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد:31] ليس بمعنى يقنطوا، بل بمعنى يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

    معنى قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم)

    ثم قال تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ [الرعد:31] كفروا ماذا؟ كفروا ربهم، وجحدوه، ولم يعترفوا به، كفروا بعبادته، وأنكروها، وتحولوا عنها، كفروا بشرعه فلم يعملوا به، كفروا بأخباره فلم يصدقوها؛ لأن الكفر هو الجحود والتغطية، وعندكم في اللغة الدارجة تقولون: (كفر السيارة) أي: إطارها، لأنه يغطي ذاك الذي في وسطه.

    إذاً: قال تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد:31]، هذا الخبر عظيم، بيان رسمي وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد:31] بالله ورسوله، بالله ولقائه، بالله وكتابه، لا يزالون تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ [الرعد:31]، والقارعة: المصيبة المفزعة المهولة، المهلكة الممزقة المشتتة، والجمع قوارع، قال تعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-2]، تصيبهم قارعة بما صنعوا، أي: بصنعهم الآثام، والجرائم، والموبقات، والكفر، والظلم، والخبث، والشر، والفساد.

    وسبحان الله، هذا القرن العشرون ما انتهت سنواته حتى أصابت البشرية الحرب الضروس، ففي العام الرابع عشر منه حصلت حرب دمرت أوروبا وغيرها، وأذاقهم الله بلاء ما عرفوا مثله، وما جاءت التاسعة والثلاثون والأربعون حتى كانت تلك الحرب المفزعة، فدمرت أوروبا تدميراً كاملاً، وما كمل القرن بعد، صاعقتان والثالثة على مقربة لا ندري أتكون غداً أو بعد غدٍ، والخبر هكذا: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا [الرعد:31]، ماذا صنعوا؟ الهيدروجين، والذرة، والمدافع، والغازات، نعم، لكن بما صنعوا من الكفر والشرك والذنوب والمعاصي؛ لأن هذا الكون، وهذا العمران ينتظم ويسعد أهله، ويسوده الأمن والرخاء والطهر والصفاء إذا آمنوا وعملوا الصالحات، أما إذا كفروا وعملوا المفسدات فإن مصيرهم في الدنيا الخراب والدمار في يوم من الأيام، ولا تسأل عن مصيرهم يوم القيامة، فإنه الخلود في عذاب الشقاء، في النار والعياذ بالله.

    وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا [الرعد:31]، عرف المؤمنون والمفسرون إلى هذا الزمن أن (صنعوا) أي: من الذنوب والآثام وهو كذلك.

    والآن -لطيفة- بما صنعوا من الغازات التي سوف تحرق ديارهم، وتقضي على هذه الحضارة بكاملها، وهم يتوقعونها، وتحالف كبير تم الآن، عجباً! أمريكا، وأوروبا، والصين، واليابان، والروس مع بعضهم بعضاً، فما هي إلا غضبة الله يسلط عليهم بعضهم بعضاً؛ ليذيقهم مر العذاب وشدته؛ علهم يرجعون.

    وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ [الرعد:31] هنا الجيش الإسلامي أيام كان يزحف ويرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هنا وهناك إما أن تصيبهم كارثة بالقحط والجدب، أو المرض والوباء، أو ينزل دون ديارهم جيش لا إله إلا الله فينزلهم من عليائهم إلى أسفل الأرض.

    والآن أي جيش للإسلام؟! عما قريب يظهر جيش الإسلام، وتنتهي هذه الفتنة -فتنة الصناعات- بحرب عالمية أوشكت على الباب، ونعود كما كنا، ونغزو بجيش الإسلام على الخيول والفرسان، ويحل قريباً من دارهم.

    هكذا يقول تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا [الرعد:31]، ولا ننسى الباء وهي للسببية، فبصنعهم تصيبهم قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد:31] إلى يوم القيامة، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد:31]، إذا أوعد أنجز؛ لأنه غير عاجز سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد:32] ليسليه، ويحمله على الصبر والثبات؛ لأنه يعاني، ولو عانينا ما عانى صلى الله عليه وسلم يوماً واحداً لخرجنا من الإسلام والعياذ بالله!

    وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد:32]، أما استهزءوا بعيسى فهموا بذبحه وصلبه، ومن قبله موسى هموا أن يذبحوه ويقتلوه؟ أما ذبحوا زكريا ويحيى؟ أما.. أما.. أما، كل هذا حصل، وأنت يا رسولنا تتعرض لهذا فاصبر، فقد ابتلي من قبلك كما ابتليت أنت.

    وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد:32] وسخروا منهم، وضحكوا عليهم، وكذبوهم، وأنكروهم، فأنت أيضاً: ضحكوا، وسخروا، واستهزءوا بك فاصبر. وصبر صلى الله عليه وسلم حتى نصره الله عز وجل.

    قوله: فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ [الرعد:32]، أمليت لهم ماذا؟ أمليت لهم زنابيلهم؟ قصعهم؟ جيوبهم؟ كلا. بل أمهلتهم وأمليت لهم الطعام والشراب حتى علوا وظنوا أنهم لا يهلكون، وبعد ذلك أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

    فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32]، كان كما أراد الله أن يكون.

    أين عاد في الجنوب؟ أين ثمود في الشمال؟ أين فرعون في الغرب؟ أين قوم شعيب في الوسط؟

    أمم أبيدت عن آخرها، ولكن يأبى الله أن تبيد أمة الإسلام كما علمتم، وإنما يمتحنهم ويبتليهم بأنواع من العذاب: كالفقر، كالذل، كالمجاعة، كالمرض، كتسليط بعضهم على بعض، لكن ليس إبادة شاملة؛ لأن رسول الله موصوف بأنه رحمة الله للعالمين: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فما كان أبداً رسول الله ليكون سبباً في إبادة البشرية وإهلاكها وهو رسول الله إليها جميعاً.

    وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فكيف إذاً يصيب الله البشرية بالدمار والخراب الكامل، هكذا يقول تعالى وقوله الحق: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد:32]، أي: أمهلتهم، وزادهم في طلبهم وما يريدون فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32] كان أشد ما يكون؛ عقاب الإبادة الشاملة، والتدمير، والخراب التام.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    والآن نقرأ الآيات مرة ثانية ونبين معانيها بصورة سريعة، قال تعالى: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد:30] لماذا؟ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد:30-31]، الجواب محذوف تقديره: لكان هذا القرآن؛ لعظمته وجلاله؛ لأنه كلام الله، تحدى به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا، وتحدى العرب بسورة، فعجزوا، فهذا القرآن عجب، قالت الجن: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن:1-2].

    قوله: بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد:31]، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يعز ويذل، ويعطي ويمنع، يرفع ويضع، فارجعوا إليه، ومدوا أكفكم إليه، وأذعنوا واخضعوا وذلوا له، فإن الأمر بيده.

    ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد:31]، وقلنا: ييئس هنا بمعنى يعلم أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31]، إي والله العظيم يجب أن نعلم هذا، فلو أراد الله أن يهدي البشرية كلها لهداهم.

    وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد:31] عرفتم أن معنى كفروا: كذبوا وجحدوا؛ كذبوا بعبادة الله وحده، جحدوا كتابه، جحدوا رسوله، أنكروا البعث الآخر والحياة الثانية.

    وهؤلاء الذين كفروا لا تزال تصيبهم بما صنعوا وبصنعهم الإجرام والشر والفساد، وبصنعهم أيضاً الآن هذه الغازات الأخيرة -آخر ما يملكون- تصيبهم قارعة أو تحل قريباً من دارهم.

    إلى متى؟ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد:31]، وهو قيام القيامة، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد:31].

    وأخيراً يقول تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد:32] يا رسول الله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الرعد:32]، فما أنت أول من استهزئ به وسخر منه.

    فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد:32]، أي: أرخيت لهم الزمام، وأطلت لهم الأيام ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32]، فما هي إلا ثمانِ سنوات والرسول في المدينة حتى فتح الله عليه مكة، وأذل المشركين والكافرين، ودخلوا في رحمة الله أجمعين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المصنف غفر الله لنا وله: [هداية الآيات:] وأنتم تدرون أن لكل آية هداية، فقوله تعالى: يس [يس:1]، هذه آية لها هداية، فإلى أي شيء تهدي؟

    الجواب: تهدي إلى أن الله موجود، عليم، حكيم؛ إذ هذه كلمته!

    تهدي وتبين وتقرر أن محمداً رسول الله؛ إذ عليه نزلت!

    تهدي وتبين وتقرر أن الله تعالى متكلم، وهذا كلامه..

    وهكذا، فكل آية تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الذي أنزل هذه الآية هو الله.

    إذاً: قل: الله موجود، عليم حكيم، متكلم، رحيم، أنزل الآية لهدايتنا، فهيا نقُل: لا إله إلا الله، ومن نزلت عليه وبلغها عباد الله هو محمد، إذاً: هو والله رسول الله.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير التوحيد ] وأخذنا هذه الهداية من قوله تعالى: قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30]، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الرعد:30]، أي: لا مستحق للعبادة إلا الله.

    إذاً: قررنا التوحيد، وهو أن يعبد الله وحده، لا يعبد معه ملك، ولا نبي، ولا رسول، ولا ولي، ولا شيخ، ولا أحد.

    [ ثانياً: لا توكل إلا على الله ولا توبة لأحد إلا لله ] لا توكل إلا على الله، والتوكل: هو تفويض الأمر إلى الله.

    وبيانه: أردت أن تسافر غداً إلى مكة أو إلى مصر، فلا تدري، فقد تؤخذ في الطريق، قد تخطف، قد تمرض، قد تهلك.. تبقى المخاوف، فكيف تصنع؟

    الجواب: فوض أمرك إلى الله، فقل: توكلت على الله، وامش.

    قال: [ ثالثاً: عظمة القرآن الكريم وبيان فضله.

    رابعاً: إطلاق لفظ اليأس والمراد به العلم.

    خامساً: توعد الرب تعالى الكافرين بالقوارع في الدنيا إلى يوم القيامة ]، توعد الله عز وجل الكفار بالقوارع إلى يوم القيامة، ما يمضي قرن إلا ويصابون بقارعتين أو ثلاث، وهذا القرن العشرون فيه قارعتان: الحرب في الرابعة عشرة، وتسعة وثلاثين.

    ما عرفتم عن الحرب؟

    أصابتهم، كان الرجل يسلم امرأته من أجل قرص عيش!

    إذاً: والثالثة على الأبواب، الآن أو بعد ثلاثين أو ستين سنة أو سبعين، فلهذا الغرب يتوقع الحرب العالمية، وأسبابها متوفرة، وإنما -فقط- ما أذن الله.

    وهناك آيات وأحاديث تشير إلى هذا، والآن هذا التكتل العجيب: روسيا مع الصين واليابان، هؤلاء اتحدوا اتحاداً كاملاً؛ لأنهم كافرون؛ مشركون؛ لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، وأمريكا وأوروبا والعرب فيهم مؤمنون بالله! فهم كتلة.

    ومتى يأمر الله بالدمار فقد تتفجر قذيفة واحدة ويحترق العالم، ونعود كما كنا، كما سيرى الذين يعيشوا بعد ذلك، أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: توعد الرب تعالى الكافرين بالقوارع في الدنيا إلى يوم القيامة؛ لأنهم كفرة.

    قال:[ سادساً: الله جل جلاله يملي ويمهل، ولكن لا يهمل، بل يؤاخذ ] يملي ويمهل، ولكن لا يهمل ويترك أبداً، بل لما تدق الساعة التي قدرها تقع الكارثة والعياذ بالله.

    فالله تعالى نسأل أن يحفظ المسلمين، وأن يقينا شر هذه الفتن، إنه ولي المؤمنين، ومتولي الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.