إسلام ويب

تفسير سورة الرعد (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرب الله مثلين للإيمان والكفر، للحق في بقائه، والباطل في تلاشيه، فمثّل الكفر بالزبد الذي يعلو السيل، وهذا مثل مائي، أو هو كالخبث الذي يعلو الذهب والفضة والنحاس عند نفخه، وهذا مثل ناري، فيرمى بالزبد؛ يرميه السيل إلى ساحل الوادي، ويرميه الصائغ عن بوتقته، وأما الماء الصافي فيمكث في الأرض، وأما الذائب الخالص فيصاغ منه الحلي والأواني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم اجعلنا منهم.

    وها نحن ما زلنا مع سورة الرعد المكية التي تعالج العقيدة: التوحيد، وإثبات النبوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر والجزاء فيه على الكسب والعمل في هذه الحياة.

    وها نحن مع هاتين الآيتين، فهيا بنا نصغِ مستمعين تلاوتهما مجودة مرتلة من أحد الأبناء، ثم نتدارسهما إن شاء الله.

    قال تعالى: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد:17-18].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات: يخبر تعالى في هاتين الآيتين فيقول: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد:17] فهذان مثلان للحق والباطل، للإيمان والكفر، للعدل والظلم، مثلان للشك واليقين:

    المثل الأول في قوله: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أي: أنزل الله ماء المطر فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ جمع واد، وهو المكان المنخفض بين جبلين، والمراد بسيلانها: سيلان الماء فيها بحسب قوة الماء، وكثرته وقلته بِقَدَرِهَا .

    إذاً: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا والزبد تسمونه ربوة زَبَدًا رَابِيًا الزبد: الوضر والغثاء، وهذا يشاهد في سيلان المياه سواء في الأنهار أو في الأودية، يرتفع زبد أبيض؛ غثاء، ويقال فيه: الوضر، يرتفع ثم بعد ذلك يتلاشى ويبقى الماء في الأرض فيحيي الله به الأرض، فصيحة أهل الظلم، وضلالهم، وشركهم، وكفرهم مضروب له مثل زبد؛ حيث يتناهى ويتلاشى، وكله غثاء ووسخ.

    وأما أهل الإيمان واليقين، أهل التوحيد فهم كالماء الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.

    هذا مثل للماء في الأرض، ومثل آخر في البوتقة: الصائغ يصيغ الذهب أو الفضة أو غير ذلك، أو الحداد كذلك، والصانع لما يضع الذهب أو الفضة في بوتقته ينفخ عليها، فإذا بالزبد فوقها، فيزيله، فيصبح صالحاً للاستعمال، فهو يبعده ويسقطه بعيداً عنه، ويبقى الذهب والفضة أو الحديد الذي يصلح للعمل.

    أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ أي: الله تعالى مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا بقدر الماء فيها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ احتمل: تحمل ورفع زَبَدًا رَابِيًا عالياً، والزبد ذاك الغثاء. هذا مثل.

    قوله: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أيضاً كما قلنا الصائغ أو الحدادون وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ لماذا يوقدون عليه؟ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ من ذهب وفضة أَوْ مَتَاعٍ كالآلات التي يستعملونها من الذهب والفضة والحديد زَبَدٌ مِثْلُهُ مثل ذاك الذي ارتفع، هكذا يقول تعالى.

    قوله: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ هذا مثل للحق والباطل، للكفر والإيمان، للشك واليقين، للشرك والتوحيد؛ إذ هذا حق وهذا باطل، فانظر عواقب الباطل ضرب لها مثلاً بالجفاء.. بالزبد يتلاشى ولا ينفع شيئاً، والذهب والفضة يبقيان وينتفع بهما الناس، والماء يسيل عليه ذاك الزبد ويذهب جفاء لا شيء فيه، ويبقى الماء الصحيح فيحيي به الله الأرض بعد موتها.

    يقول تعالى كَذَلِكَ أي: هكذا يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ؛ لأن الأمثال تقرب المعاني من الذهن، والعرب يعيشون على ضرب الأمثال، لا يخلو شيء من مثل عندهم، فيضرب الله تعالى الأمثال ليتبصروا.. ليتعلموا.. ليتفقهوا.. فأخبرهم أن كفرهم وشركهم وظلمهم مثله كالزبد الذي على سطح الماء أو على سطح البوتقة لا ينفعهم شيئاً، وعاقبته عاقبة السوء.

    وأما الذي يدعو إليه رسوله من الإيمان بالله ولقائه، والتوحيد في عبادته، وطاعة الله ورسوله، فمثلها كمثل الماء الذي الناس في حاجة إليه، والحيوان في حاجة إليه، وينتفع به الكون في الأرض بخلاف الزبد فوقه.

    أيضاً: البوتقة التي في يد الحداد أو الصائغ كذلك يعلو فوقها الزبد، ولا ينفع شيئاً ويذهب، ثم تبقى الفضة أو الذهب أو النحاس الذي يستعمل لصناعة الآلات أو الأواني وما إلى ذلك.

    ومعنى هذا: أنه أيقنهم أن باطلهم لا ينفعهم، وأن إصرارهم على الشرك والكفر والله لا يجديهم، فمن الخير لهم أن يتنازلوا عن كبريائهم، ويقولوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وكذلك كان.

    فقد قلت لكم: ما مضى ربع قرن حتى لم يبق على سطح الجزيرة كافر قط، خمس وعشرين سنة فقط، انتفعوا بهذه الآيات.

    إذاً: المثال الأول: أَنزَلَ أي: الله تعالى مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا بقدر ما فيها من الماء فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا والماء نفع الله به الأرض فأنبتت النبات وانتفع به الناس، والزبد ذهب غثاء ووسخاً.

    المثال الثاني: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الصائغ كما قلنا والحدادون ومن إليهم ابْتِغَاءَ أي: طلباً حِلْيَةٍ ذهباً وفضة أَوْ مَتَاعٍ أوان ينتفعون بها أو سيوفاً أو ما إلى ذلك زَبَدٌ مِثْلُهُ أيضاً، كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل، يدخل فيه الكفر والتوحيد والشرك، الإيمان واليقين فَأَمَّا الزَّبَدُ ذاك الغثاء الذي يطلع فوق الماء أو فوق هذه البوتقة التي يصنع بها الصانع فَيَذْهَبُ جُفَاءً غثاء لا ينتفع به أحد وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ في البحر.. في الأرض، أو في البوتقة في الذهب والفضة والحديد والنحاس، فيمكث في الأرض كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد:17] هكذا يضرب الله تعالى الأمثال للناس لعلهم يفهمون.. يفقهون.. يتبصرون.. يرجعون إلى الحق بعد ضلالهم وشركهم وكفرهم، وقد فعل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (للذين استجابوا لربهم الحسنى ... )

    قال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد:18].

    وهذا خبر ثان عظيم: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى أخبر تعالى أن للذين استجابوا لربهم إذ طلب منهم الإيمان، والتوحيد، والتخلي عن الظلم والشرك فاستجابوا وقبلوا دعوة الله ورسوله وآمنوا ووحدوا.. هؤلاء لهم الحسنى.

    ما هي الحسنى؟ إنها الجنة، واللفظ يشمل أيضاً سعادة الدنيا، الطهارة والصفاء، والعز والكمال فيها؛ لأن حالهم حسنى، ويشمل ما أريد به الجنة؛ إذ قال تعالى من سورة يونس: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس:26] أي: الجنة.

    أحسنوا ماذا؟ في أعمالهم، في أقوالهم، في معتقداتهم.. في كل ما يقومون به، يحسنونه ولا يسيئون فيه.

    لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] قالت العلماء: الزيادة هنا ليست هي الزيادة فوق الجنة، بل النظر إلى وجه الله الكريم؛ إذ يكشف تعالى الحجاب عن وجهه ويناديهم ويخاطبهم، وهم يشاهدونه، فلم يعرفوا نعمة أجل من هذه، ولا أكبر من هذه النعمة وهي: رؤية الرب تبارك وتعالى.

    لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا في إيمانهم، في أعمالهم.. في كل حياتهم، ما يسيئون بالباطل، والخبث، والزيادة، والنقصان لهم الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26].

    قال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ ماذا لهم؟ الْحُسْنَى أي: الجنة، وسعادة الدنيا أيضاً.

    وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ دعاهم رسول الله، دعاهم عباد الله، دعاهم علماء.. أبوا أن يجيبوا، أعرضوا وتكبروا حفاظاً على المناصب.. على أموالهم.. على ما شئت قل، لم يستجيبوا له.

    هؤلاء ما هو حكم الله فيهم؟

    قال تعالى: لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا من أموال الذهب، والفضة، والمواشي، والمساكن، وكل ما في الأرض وَمِثْلَهُ مَعَهُ أيضاً، مثل الأرض مرتين لافتدوا به؛ لما يقفون ذلك الموقف في عرصات القيامة، بل فقط لما يدخلون القبر ويبدأ العذاب، وتبدأ الاستنطاقات، والله يودون لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من هذه الحال.

    هذا الخبر من أخبر به؟ إنه الله خالق كل شيء، والعليم بكل شيء.

    وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ عز وجل، هؤلاء لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وهذه العبارة تشمل الذهب، والفضة، والبشر، والبهائم، والملكوت بكامله وَمِثْلَهُ مَعَهُ لو أن لهم مثل هذا ومعه مرتين لافْتَدَوْا بِهِ أي: لفدوا أنفسهم بهذه الدنيا وما فيها.

    إذاً: هذا العذاب عجب، لا تستطيع أن تتصوره، فالذي يجعل المرء يفدي نفسه بكل الدنيا ما هو بأمه وأبيه، بالحياة كلها، ومرتين أيضاً، وهذا لشدة العذاب، وعظم السؤال والاستنطاق، وبعد ذلك الدخول في جهنم.

    وأخيراً! إليكم هذا البيان: أُوْلَئِكَ البعداء لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ هؤلاء الذين لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به، هؤلاء لهم سوء الحساب، أي: أسوأ الحساب وأشره وأقبحه، والحساب إذا كان يسيراً فأبشر يا من حوسب حساباً يسيراً، وإذا كان عسيراً فصاحبه هالك هالك، ينقل إلى عالم الشقاء؛ ليعيش أبداً في ذلك الشقاء الأبدي.

    أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ أولاً وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ بعد الحساب الشديد في ساحة فصل القضاء ينقلون إلى جهنم مأواهم، يأوون إليها، وبئس هذا المأوى، وبئس هذا المهاد الذي مهد لهم؛ ليجلسوا عليه، ويبقوا فيه.

    أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد:18].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم الآن شرح الآيات من الكتاب! ‏

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في تقرير التوحيد، والتنديد بالكفر والشرك، ففي هذه الآية الكريمة ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، للحق في بقائه، والباطل في اضمحلاله وتلاشيه فقال: أَنزَلَ أي: الله مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا أي: بحسب كبرها وصغرها؛ لأن الوادي قد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ أي: حمل سيل الماء في الوادي زَبَدًا رَابِيًا أي: غثاء ووضراً عالياً على سطح الماء. هذا مثل مائي.

    ومثل ناري قال فيه عز وجل: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أي: ومما يوقد عليه الصاغة والحدادون.

    ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أي: طلباً للحلية أَوْ مَتَاعٍ أي: طلباً لمتاع يتمتع به كالأواني إذ الصائغ أو الحداد يضع الذهب أو الفضة أو النحاس في البوتقة وينفخ عليها بالكير، فيعلو ما كان فاسداً غير صالح على صورة الزبد، وما كان صالحاً يبقى في البوتقة، وهو الذي يصنع منه الحلية والمتاع.

    وقوله تعالى: كَذَلِكَ أي: المذكور من الأمور الأربعة مثلي الحق وهما: الماء والجوهر، ومثلي الباطل وهما: زبد الماء وزبد الجوهر فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً أي: باطلاً مرمياً به، يرميه السيل إلى ساحل الوادي، فيعلق بالأشجار والأحجار، ويرميه الصائغ عن بوتقته، وأما ما ينفع الناس من الماء للسقي والري فيمكث في الأرض، وكذا ما ينفع من الحلي والمتاع يبقى في بوتقة الصائغ والحداد.

    وقوله تعالى: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد:17] أي: مثل هذا المثل الذي ضربه للحق في بقائه والباطل في ذهابه وتلاشيه وإن علا وطغى في بعض الأوقات، يَضْرِبُ أي: يبين الأمثال، ليعلموا فيؤمنوا ويهتدوا فيكملوا ويسعدوا. هذا ما تضمنته الآية الأولى (17).

    وأما الآية الثانية (18) فقد أخبر تعالى بوعد له ووعيد، أما وعده فلأهل طاعته بأن لهم الحسنى: الجنة، وأما وعيده فلأهل معصيته وهو أسوأ وعيد وأشده، فقال تعالى في وعده: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ] هذا وعد [ وقال في وعيده: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا أي: من متاع ومال وَمِثْلَهُ مَعَهُ أيضاً لافْتَدَوْا بِهِ من العذاب الذي تضمنه هذا الوعيد الشديد.

    ويعلن عن الوعيد فيقول: أُوْلَئِكَ أي: الأشقياء لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وهو أن يحاسبوا على كل صغيرة وكبيرة في أعمالهم، ولا يغفر لهم منها شيء وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أي: مقرهم، ومكان إيوائهم وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد:18] أي: الفراش جهنم لهم ] بئس الفراش جهنم.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.

    ثانياً: ثبات الحق، واضمحلال الباطل سنة من سنن الله تعالى ] لا تتخلف مهما طغى الباطل وانتفش، والله لا بد وأن يزول، والحق كلما كمل طالت مدته.

    [ ثالثاً: بيان وعد الله للمستجيبين له بالإيمان والطاعة وهي الجنة.

    رابعاً: بيان وعيد الله لمن لم يستجب له بالإيمان والطاعة ].