إسلام ويب

تفسير سورة الرعد (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة أن الدعاء هو العبادة، ولهذا كان الله وحده هو المستحق لهذه العبادة دون غيره، ويكفي بياناً لهذا أن من يُدعون من دون الله لا يستجيبون بشيء، والسبب أن هذه الآلهة لا تملك نفعاً ولا ضراً، ومع وضوح هذه الحقيقة تجد المشركين يصرون على عبادة آلهتهم والاستغاثة بها، وكأنهم لا يبصرون؛ ولهذا شبه الله المسلم والمشرك بالأعمى والبصير، لكن العمى هنا قابل للشفاء بشيء من التفكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن اليوم مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا نصغِ مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها، مع التنبيه بأن الآيات فيها سجدة وبجلوسكم لا يتأتى لكم السجود، فإذا لم يسجد القارئ لا تسجدوا. هذه قاعدة عامة، فالمستمع يسجد إذا سجد القارئ، فإذا سجد القارئ اسجد، فها أنت تسمع في الإذاعة التلاوة وتأتي السجدة ولا تسجد؛ لأن الإمام والقارئ إذا قال: الله أكبر وسجد تعين عليك، فلما لم يسجد لا تسجد، وليس السجود واجباً، بل هو مستحب من فضائل الأعمال.

    لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:14-16]. ‏

    معنى قوله تعالى: (له دعوة الحق)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد:14] من هو هذا الذي له دعوة الحق؟

    إنه الله ربنا ورب العالمين، له خاصة، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أي: له خاصة دعوة الحق سبحانه.

    ما المراد من دعوة الحق؟

    الدعاء، فلا يستحق أحد أو كائن من كان أن يدعى إلا الله، فالدعوة الحق الواجبة الثابتة لله، أما دعوة غير الله فباطلة باطلة باطلة، كذب وافتراء، وليس لها من الحق شيء، فدعوة الحق له سبحانه خاصة.

    معنى قوله تعالى: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء)

    قوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ [الرعد:14] والذين يدعون دون الله، يدعون الملائكة، الأنبياء، الأولياء، يدعون الأشجار، الأحجار، التماثيل، الأصنام، الرجال، النساء، كل مدعو دون الله لا يستجيب لداعيه شيئاً والله العظيم.

    تعال وقف على قبر فاطمة أو علي وادع وارفع صوتك، فهل تمتد إليك أيديهم بالطعام أو بالمال؟ هل يستجيبون لك؟!

    ارفع صوتك: يا عبد القادر ، يا راكب الحمراء! كذا علموهم: يا راعي الحمراء! يا مولى بغداد، والله لا يستجيبون لك؛ لا بالكلام، ولا بالفعل.

    وهذا إخبار مَن؟ إخبار الله تعالى إذ يقول: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الرعد:14] أي: من دون الله لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ [الرعد:14] وإن قلّ، وإن صغر، وإن كان كلمة أو أقل من الكلمة.

    معنى قوله تعالى: (إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه)

    ثم قال: إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد:14] هذا مثل عجيب ضربه الله عز وجل؛ لتعرف نتيجة الداعي غير الله وأنها باطلة، وليس يناله شيء، ولا يفوز بشيء، مثال لهذه الحقيقة بأنه كالعطشان يقف على حافة البئر، والماء بعيد في قعر البئر، ويمد يديه ويبسطهما، هل يحصل على الماء؟ يريد ماء ليبلغ فمه، وما هو ببالغه.

    هذا الذي يدعو غير الله، ولو دعا الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين فضلاً عن الأموات والقباب والأحجار، ما هو إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ الماء فمه، وما هو ببالغه.

    معنى قوله تعالى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)

    وأخيراً: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14].كأنما يقول: كل مشرك كافر. ما قال: وما دعاء المشركين، قال: الكافرين، دعاء الكافرين في ضلال، لا يستجاب لهم، ولا يعطون أبداً ما طلبوا، ولا يكرمون، ولا يعزون أبداً؛ لأنهم عادوا ربهم، ووالوا غيره، عادوا خالقهم ورازقهم، خالق الكون كله من أجلهم، والتفتوا إلى الأصنام، والأحجار، والعباد يدعونهم.

    إذاً: إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ [الرعد:14] هذا مثل لمن يدعو غير الله؛ ليستجيب له ويقضي حاجته، فإذا وجد عقيم يريد ولداً! فقير يريد مالاً! عزيز يريد وظيفة ويأخذ في دعاء الصالحين والأنبياء، فاضرب له مثلاً في حرمانه، وعدم الحصول على شيء بمن عطش أو ظمئ ووجد الماء في البئر، وما استطاع أن يدخل له ولا يخرجه فدلى كفيه من أجل أن يصل الماء إلى فيه وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً ...)

    قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد:15].

    قال تعالى وقوله الحق: وَلِلَّهِ [الرعد:15] أيضاً لا لسواه، لا لغيره بل له خاصة يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15] سبحان الله! ولله جل جلاله وحده دون غيره من سائر الخلق يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ [الرعد:15] من الملائكة وهم بالبليارات وبلا عدّ، ومن في الأرض أيضاً: المؤمنون، المتقون يسجدون بجباههم ووجوههم، والكافرون، والفاسقون، والمتمردون يخضعون لأوامر الله وتنفيذها فيهم، لن يستطيع كافر أن يخرج عن إرادة الله، فإن أراده بمرض فوالله ليمرضن، وإن أراده بفقر فوالله ليفتقرن، وإن أراده بذلّ فوالله ليذلن، ولا يستطيع أبداً أحد أن يخرج عن دائرة الخضوع لله والذلة له.

    وَلِلَّهِ يَسْجُدُ [الرعد:15] أي: يذل، وينحني، وينكسر مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15] الطوع لمن؟ للمؤمنين، فنحن نسجد طائعين؛ غير مكرهين.

    وَكَرْهًا [الرعد:15] من هم المكرهون؟ قد يكون المنافقون، إذا كانوا في الدولة الإسلامية لا يستطيعون إلا أن يشهدوا الصلاة، فيصلون وهم كارهون، فليس طوعاً بل كرهاً.

    والكافرون -كما قلت لكم- خاضعون لأمر الله، ساجدون له، يميتهم، يحييهم، يعطيهم، يمنعهم، يضرهم، ينفعهم، لا يخرجون أبداً عن تدبير الله وقضائه فيهم، وحكمه عليهم.

    تأملتم قوله تعالى: وَلِلَّهِ [الرعد:15]وحده يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15] فالطوع يتناول المؤمنين والمؤمنات من عهد آدم، والكره يتناول المنافقين؛ لأنهم يسجدون خوفاً فقط، ويتناول الكافرين والمشركين؛ لأن أعمالهم كلها مدبرة لله، وهم خاضعون لأمر الله، إن شاء أعماهم، وإن شاء أبصرهم، إن شاء أغناهم أو أفقرهم، إن شاء أماتهم وإن شاء أحياهم، فهم خاضعون، والسجود هو الخضوع.

    معنى قوله تعالى: (وظلالهم بالغدو والآصال)

    ثم قال تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد:15] وظلال المؤمنين والكافرين في الصباح والمساء ساجدة.

    امش في الشمس وظلك خارّ على الأرض، انزع ظلك وقل: لا أسجد أنا، فهو رغم أنفك ساجد، والغدو: الصباح. والآصال: الأصيل، وهو: العشي، من العصر إلى المغرب.

    وهذه ملاحظة بالعيون، فهذا المتكبر الجبار إذا مشى في الشمس يكون ظله على الأرض يداس، وعلى الغائط والبول يوضع.

    وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد:15] بالغدو أي: بالصباح من طلوع إلى الشمس إلى الزوال أو إلى العصر، والآصال: من العصر إلى المغرب.

    ساجدة الظلال أم لا؟ ساجدة. فلم يتكبرون ولا يسجدون لله رب العالمين؟ ما المانع لهم؟ إنها الشياطين، الدنيا والهوى، وحب الحياة في الدنيا يصرفهم عن الإيمان والإسلام والإحسان حتى لا يسجدوا، ولكنهم خاضعون أذلاء لله، ساجدون أحبوا أم كرهوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من رب السموات والأرض قل الله ...)

    قال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:16].

    الله هو المعبود بحق

    قال تعالى لنبيه ومصطفاه المبلغ عنه صلى الله عليه وسلم: قُلْ [الرعد:16] يا رسولنا مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد:16] يا أبا جهل ! يا عقبة بن أبي معيط ! يا المغيرة ! يا فلان؟! من رب السماوات والأرض؟ والله ليقولن: الله.

    قل للملاحدة الآن والبلاشفة، والعميان، والضلال وهم أكثر العالم: من خلق السماوات والأرض؟ سيقولون: الطبيعة. فقل له: من طبع الطبيعة يا أعمى؟ لم تهرب وتفر؟ انطق بفطرتك: الله. ليس هناك جواب إلا هذا.

    قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد:16] أي: من خالق السماوات والأرض ومدبر ما فيهما، يحيي ويميت، يرفع ويعز، ويضع ويرفع، من؟ سيقولون: الله.

    قُلِ اللَّهُ [الرعد:16] أي: فاسبقهم أنت يا رسولنا، لا تنتظر الجواب؛ لأنهم سيقولون الله، اسبقهم أنت وقل: الله.

    أسألكم أنا: من رب السماوات والأرض؟ وأقول: الله. قبل أن تقولوا، فليس إلا هو؛ لأن الرب ليس معناه المعبود فقط، بل الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المعز، المذل، المعطي، المانع.

    ابحث في الشرق والغرب واجتمع مع الفلاسفة والمناطقة والدهريين والبلاشفة ، قل لهم: انطقوا بحق! من خلق السماوات والأرض؟

    ماذا يقولون؟ سيقولون: ها ها، لا ندري؟ هؤلاء حيوانات.

    وقد قلت لكم: افضحه، قل له: قف! أسألك وتصدق؟ فإن قال: اسأل. فقل له: أنت مخلوق أو غير مخلوق؟ أنت موجود أو غير موجود؟ فإن قال: غير موجود؛ فهذا مجنون أحمق. وإذا قال: موجود. فقل له: من أوجدك؟ فيتحطم، يرجع ويقول: الله، ويستريح.

    قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الرعد:16] قل يا رسولنا لمن تسألهم عن الخالق، عن رب السماوات والأرض ويجيبون بأنه الله، إذاً قل لهم: أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الرعد:16]؟

    كيف تعرفون هذا وتتخذون من دونه أولياء؟

    كيف تعرفون أن لا خالق إلا الله للسماوات والأرض وما فيهما ومع هذا تتخذون من دونه أولياء وآلهة تعبدونهم بالدعاء، بالذبح، بالنذر، بالتقرب بأنواع القربات؟

    لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الرعد:16] فضلاً أن يملكوا لكم أنتم.

    الصنم لو جاء رجل وكسره لا يستطيع أن يرد عليه!

    القبر والقبة لو جاء واحد يهدمها لا يقوم الولي فيدفعه عنها.

    لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ [الرعد:16] هم نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الرعد:16] فكيف يملكون لكم أنتم النفع، ويدفعون عنكم الضر؟!

    سبحان الله العظيم! هل يبقى مع هذا أحد يقول غير لا إله إلا الله؟ أبداً، فلا إله إلا الله.

    وقد قلت غير ما مرة: اجلس في أعظم مجلس من علماء الكون والنفس والطبيعة والصناعة و.. و.. في مؤتمر يحمل الآلاف، وقل لهم: اسمعوا! لا إله إلا الله، من ينقض هذه الجملة؟ هاتوا ما عندكم.

    نقضها بم يكون؟ يكون بأحد أمرين: الأول: أن تثبتوا أنه لا يوجد إله أبداً. وهذا كلام باطل باطل باطل، فأنت من خلق قلبك وعينيك؟

    ثانياً: أن تنفوا أنه لا يستحق أن يعبد إلا هو، وهذا مستحيل أيضاً، فلا يستحق العبادة إلا هو سبحانه، إذ هو الخالق الرازق المدبر، أما غيره فمخلوق مرزوق مدبَّر، ما يملك نفعاً ولا ضراً، فكيف يؤله مع الله؟

    إذاً: قف في أعظم مجتمع وقل: اسمعوا هذه القضية يا علماء السياسة، اعلموا أنه لا إله إلا الله، انقضوها.

    إنها لا تنقض أبداً بوجود خالق رازق مع الله، والله لا يجدون، ولا تنقض أبداً بأن يوجد من يعبد مع الله كعيسى وأمه أو العزير أو فلان وفلان، والله ما ينقضونها أبداً، وتبقى إلى يوم القيامة، فلا إله إلا الله.

    لا يستوي الأعمى والبصير

    ثم قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الرعد:16] أسألكم بالله! الأعمى والبصير سواء؟ من يسوي بين الأعمى والبصير؟ الأصم والسميع سواء؟ الميت والحي سواء؟ الضال والمهتدي سواء؟ لا.

    قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الرعد:16] والله ما يستويان، فالمؤمن الموحد بصير، والمشرك الكافر أعمى!

    المؤمن البصير شاهد الله في آياته في الكون، في الأرض والسماء، وفي الكتاب فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، والكافر ما فتح عينيه، ولا أعطى أذنيه فهو كالبهيمة، أعمى لا يبصر.

    قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد:16] من يقول الليل كالنهار؟ من يقول الظلمة في غرفة.. في حجرة كالضوء في أخرى؟

    هل هناك عاقل يقول: هما سواء؟ لا بأس؟ والله ما يستويان، أجهل الخلق لا يقول: يستويان. فسبحان الله!

    هذه مسائل مشاهدة، ملموسة، مرئية، ولهذا فتح الله قلوب أولئك العرب، وما هو إلا ربع قرن حتى انتظم الإسلام من أقصى الشرق إلى الغرب بهذه الآيات القرآنية؛ لأن هذه الآية تفعل العجب في القلوب إذا وجدت من يبلغها. وعرف هذا الثالوث الأسود، فسعوا لصرف العرب والمسلمين عن القرآن، وحولوه إلى الموتى فقط؛ خشية أن يحيا المسلمون؛ لأنهم إذا حيوا ما يذلون لليهود والنصارى ولا يركبون على ظهورهم. عجب هذا! فهموا وما فهمنا.

    الله خالق كل شيء

    قل يا رسولنا، قل لهم: هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ [الرعد:16] أي: بل جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد:16] هذا استفهام للتوبيخ، والتعيير، والتقبيح جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد:16] محنة الكفار الآن والمشركين و.. و.. أنهم عبدوا خالقاً خلق خلقاً فاشتبه الأمر عليهم، ما عرفوا الله أو سيدي فلان؟

    هل الأصنام، وعيسى ومريم؟ وكل معبود خلقوا شيئاً؟

    ما خلقوا شيئاً، فالخالق هو الله وحده، فكيف إذاً يلتبس علينا الأمر وتختفي دعوة الله؟

    اسمعوا الآية ماذا تقول: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد:16] أوجدوا لله شركاء خلقوا كخلق الله لهذه المخلوقات فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد:16] ما عرفوا يعبدون من خلق الدنيا أو من خلق الآخرة، ما عرفوا يعبدون من يرزق أو من يمرض أو يعطي، فيعذرون في هذه الحال فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد:16] فهم معذورون، ولكن: هل من خالق غير الله يخلق حتى بعوضة، ذبابة، قملة؟!

    لو تجتمع البشرية كلها على أن تخلق مخلوقاً -والله- ما خلقت، ولن تستطيع، إذ الخلق لله أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

    قد يقال: هم خلقوا هذه الصور لكن هذه أصنام وأحجار، نريد من فيه روح، يعي، ويبصر، ويأتي، ويذهب من الحيوانات، فلهذا نقول: والله لو اجتمعوا على أن يخلقوا ذبابة ما خلقوا ولا بعوضة؛ فالخلق لله فقط، أعلن سبحانه فقال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] فما بقي من يتكلم، الخلق خلقه والأمر أمره، هو إذا أمر يطاع، وإذا لم يأمر فالناس في عافية، إذ الأمر له.

    أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [الرعد:16] أي الشركاء فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد:16] أي: على أولئك المشركين.

    قل لهم يا رسولنا: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16] الله خالق كل شيء حتى البعوضة، حتى هذه الشعرة في عيني، حتى.. وحتى، كل شيء خالقه هو الله عز وجل.

    وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:16] الذي يميت الأمم والشعوب ويدمر المدن والأرض كما هو مشاهد!

    هو الواحد، الأحد، القهار، القاهر لكل مخلوقاته، المتحكم فيها، يعطي ويمنع، يمرض ويصح، يعز ويذل، هو الله جل جلاله، وعظم سلطانه.

    إذاً: يقول تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد:14-16] اسبقهم، إذ ما في جواب إلا الله قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الرعد:16] كيف هذا؟

    قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد:16] أم يستوي الأحياء والأموات؟ الجواب: لا لا.

    إذاً: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد:16] يعبدون الله ويعبدوا هذا الخالق الجديد، لا خالق إلا الله قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:16].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.