إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 101للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحب الله عز وجل من عبده المؤمن المسارعة إلى التوبة، وقد بين له سبحانه طريقها، وأخبر سبحانه أن التائب يكفر عنه سيئاته، ويدخله الجنة دار السلام، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    1.   

    تابع وجوب التوبة النصوح من كل ذنب على الفور رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    قال: [ النداء التسعون: في وجوب التوبة من كل ذنب وعلى الفور، وأن تكون التوبة نصوحاً؛ رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة ] وهذا هو آخر نداءات الرحمن لعباده المؤمنين.

    [ الآية (8) من سورة التحريم

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] ].

    معنى التوبة النصوح وجزاؤها

    التوبة النصوح هي التي لا يعاود فيها العبد الذنب الذي تاب منه، بل تكون معاودة الذنب منفية وشبه مستحيلة، مثلها مثل الحليب الذي يحلب من الضرع، إذ لا يمكن إرجاعه إلى الضرع. وكذلك التوبة التي أمرنا الله تعالى بها في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، أي: من قارف منا ذنباً من كبائر الذنوب فعليه أن يعزم ويصمم على أن لا يعود إليه أبداً، كما لا يعود الحليب إلى الضرع بعد حلبه منه. هذه هي التوبة النصوح.

    وجزاء التوبة النصوح هو: أن يكفر عنا سيئاتنا، أي: يطهرنا ويطيبنا، ثم بعد ذلك يدخلنا دار السلام. ونظير هذا قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] أولاً، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133] ثانياً. وهذه الآية تؤكد القاعدة القائلة: التخلية قبل التحلية. فتكون التخلية عن الذنب قبل التحلي بالعبادة، فمن أراد أن يتطيب ويتطهر ويلبس أحسن ثيابه فعليه أولاً أن يغتسل بالماء والصابون من جميع أدرانه وأوساخه، فإذا طهر فعند ذلك يتحلى بأحسن الثياب، ويتطيب بأطيب الأطاييب؛ لأن التخلية قبل التحلية. ولهذا قال تعالى هنا: يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. ويتم هذا في يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم:8]، أي: لا يذلهم ولا يهينهم يوم القيامة .

    وقوله تعالى: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8] هذا النور شبيه بنور السيارات. فالسيارة يكون نورها أمامها إلى مسافة، والذين تابوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن كبائر الذنوب إلى الصالحات والطاعات فإن نورهم يوم القيامة يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8]. ونور السيارة من جهة واحدة فقط، وأما نور أهل الإيمان فيكون عن يمينهم وشمالهم وأمامهم وخلفهم.

    وقال تعالى: َبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8] ولم يقل: بشمائلهم من باب التغليب.

    وهذا النور لابد منه ضرورة، وإلا وقعوا في حفرة من حفر جهنم. فهم يمشون بهذا النور على الصراط إلى الجنة، والصراط جسر ممدود على ظهر جهنم، والذي يمشي عليه بدون نور يقع، ومن وقع في جهنم خسر خسراناً أبدياً، كما قال الله تعالى في سورة الحديد: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:13-15]. فهذا النور ضروري لاجتياز الصراط.

    إذاً: المؤمنون الذين تابوا إلى الله استجابة لأمره في هذا النداء، في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] جزاؤهم أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التحريم:8]. وهو التطهير والتطييب قبل دخول النعيم المقيم. وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم:8]، أي: يوم لا يهينهم ولا يذلهم، ولا يستصغرهم ولا يحتقرهم في ذلك المشهد العظيم، بل نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8]. وقال تعالى في سورة الحديد: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الحديد:12].

    وقال تعالى في هذا النداء: يَقُولُونَ رَبَّنَا [التحريم:8]! أي: يا ربنا! أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8] حتى لا ينقطع، فإنه لو انقطع في نصف الطريق مثلاً أو في ثلثه أو في أوله هبطوا إلى الجحيم. وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    الطريق إلى التوبة النصوح لله تعالى

    لابد من معرفة ما يحبه الله وما يكرهه، بل يجب أن نعرف محاب الله ومكارهه، أي: ما يحبه الله من الاعتقادات والأقوال، والأفعال والصفات والذوات من أجل أن نحب ما يحب، ويجب أن نعرف ما يكرهه الله من الاعتقادات والأقوال، والأعمال والصفات والذوات؛ لنكره ما يكرهه الله، ونحب ما يحبه الله. وإذا أصبحنا نحب ما يحبه الله ونكره ما يكرهه تمت ولايتنا له جل شأنه.

    ولابد من العلم، فمن لم يعلم ما يحبه الله وما يكرهه فلن يتأتى له أن يفعل المحبوب، ولا أن يتخلى عن المكروه، وبذلك فلن يكون ولياً لله وإنما سيكون عدو لله. فطلب العلم فريضة، وهذا العلم لا يتوقف على القرطاس والقلم، بل كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    وخير طريق وأعظم سبيل للحصول على هذا العلم المزكي للنفس البشرية هو أن يجتمع أهل الحي في مسجد حيهم، وأهل القرية في مسجد قريتهم وذلك طول الحياة، ويتركون العمل مع غروب الشمس؛ لأن شأنهم غير شأن اليهود والنصارى والمشركين. فيتطهرون في بيوتهم، ويأتون بنسائهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، فيجلسون جلوسنا هذا، ويتعلمون الكتاب والحكمة، ويزكون أنفسهم، فيصبحون أشبه بالملائكة في السماء في طهرهم وصفائهم.

    وإذا لاحت أنوار اليقين في نفوسهم، وتجلت حقائق المعرفة فيهم أصبحوا أطهر وأرحم وأعز أهل الأرض، ولو كادهم أهل الأرض من كل جانب لم يسلطهم الله عليهم، كما قال تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141].

    ووالله الذي لا إله غيره! لن نستطيع أن نعود إلى ما كان عليه أسلافنا من مجد وكمال وعز وسيادة إلا إذا نهجنا نهجهم، وسلكنا سبيلهم، كما قال تعالى عنهم: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2].

    وكل مظاهر الظلم والشر والخبث والفساد المنتشرة بين الناس مردها إلى الجهل، فقد جهلوا، ولم يعرفوا الله حتى يحبوه ويخافوه، ولم يعرفوا محاب الله حتى يفعلوها؛ لتزكو بها نفوسهم، ولم يعرفوا مكارهه ليتجنبوها؛ حتى يذهب خبث نفوسهم ودنسها.

    والبرهان على هذا الكلام هو واقع الحياة، ولا نحتاج إلى دليل آخر. فأعلمنا بالله وبمحابه وبمساخطه هو أتقانا لله عز وجل، وأعرفنا به هو أحبنا له وأخوفنا منه، ومن أحب الله وخافه استقام في الحياة، ولم يعوج، ولم يميل يميناً ولا شمالاً، بل كل اعوجاج وانحراف وسقوط هو نتيجة ظلمة النفس التي لا نور لها.

    1.   

    ما يحبه الله عز وجل

    قال: [ وإليك أيها القارئ الكريم قائمة بمحاب الله تعالى وأخرى بمكارهه؛ لتفعل المحبوب بشرطه، وتترك المكروه بشرطه.

    قائمة المحبوب لله عز وجل ]:

    أولاً: الإخلاص

    قال: [ أولاً: الإخلاص لله عز وجل في فعل المحبوب وترك المكروه. ومعنى الإخلاص: أن تفعل ما تفعل وتترك ما تترك طاعة لله وخوفاً منه وحباً فيه، وتترك ما تترك كذلك، لا تلتفت بقلبك إلى شيء أبداً ] فأول واجب يا عبد الله! ويا أمة الله! أن نخلص عملنا وتركنا لله، فلا نصلي إلا لله، ولا نترك الربا إلا لله، ولا نجاهد إلا لله، ولا نتصدق إلا لله، ولا نترك أذية مؤمن أو مؤمنة إلا لله، فمن التفت بقلبه أو بوجهه إلى غير الله تمزق وتلاشى، كما قال تعالى في سورة الحج وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، أي: ومن يشرك بالله غيره من مخلوقاته في عبادته بفعل واجب أو ترك حرام فشأنه شأن من خر من علياء السماء فإما أن تتلقاه العقبان والبازات من الطيور فتمزقه، أو يسلم من العقبان والطيور فيقع في مكان سحيق لا يعثر عليه.

    فالإخلاص أول محبوب لله، وهو أن لا تنظر إلا إلى الله، فلا تنام إلا لله، ولا تستيقظ إلا لله، ولا تأكل إلا لله، ولا تشرب إلا لله، ولا تلبس إلا لله، وهكذا، وهذا فضلاً عن العبادات التي تعبدك الله بها، فيجب أن تؤديها إيماناً به، وخوفاً منه، ورغبة فيما عنده.

    ثانياً: إقام الصلاة

    قال: [ ثانياً: إقام الصلاة بأن تؤديها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن تخشع فيها، مراعياً فيها شروطها وأركانها، وواجباتها وسننها ] فتؤديها أداءً دقيقاً وصحيحاً حتى تنتج لك الطاقة، وتولد لك النور، فهي مثل أجزاء المركبات الكيميائية الدقيقة لو حصل فيها تفاوت فسدت، وكذلك العبادة إذا لم تؤد على النحو الذي بينه ووضعه الحكيم العليم فلن تنتج الطاقة، ولن تولد النور. والبراهين ساطعة على ذلك.

    وقد مر رجلان ببيت فيه رجل يغني فقال أحدهما للآخر: هل صلى هذا العشاء؟ فقال الآخر: لو صلى ما غنى.

    والبرهنة على ذلك هي: أن المقيم للصلاة المؤدي لها على الوجه المطلوب كما شرع وقنن الشارع الحكيم فإنها تغمر صاحبها بالنور، فيظهر على سمعه، فلا يقوى أن يسمع باطلاً، ويظهر على بصره، فلا يقدر أن يرى منكراً، ويتجلى في لسانه، فلا يقوى أن ينطق بسوء، وهكذا. وقد قال الله العليم الحكيم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]. وعلل هذا الأمر بقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]. والصلاة لا يسمع لها صوت، فهي لا تقول: يا عبد الله! لا تسرق، أو لا تسب، وإنما تنهي بواسطة النور الذي تولده، فهذا النور يملأ القلب والسمع، والبصر والمنطق، ويتجلى أمام صاحبها، فلا يقوى على أن يتلوث أبداً.

    والذي يمشي في الظلام وفي يده مصباح فإنه يمشي والنور أمامه، ويصل إلى بيته، ولا يقع في حفرة، ولا تصيبه شوكة، ولا يصيبه أذى؛ لأن النور بين يديه، وأما الذي يمشي بلا نور فمن الممكن والمحتمل أن يقع على ثعبان فيؤذيه، أو يدوس أفعى فتعضه، أو يقع في حفرة، أو يدوس مزبلة أو أوساخاً؛ لأنه يمشي في الظلام.

    والزنا والربا والمعاصي والجرائم أشد أذى من الحية والعقرب، وأكثر خبثاً من الزبل والوسخ والبراز، ولذلك صاحب هذا النور لا يرضى أن يتلوث أبداً، ولا يرضى أن يخبث نفسه بعد أن طيبها وطهرها.

    وقد دللنا على هذا، وكررنا عليه الأدلة والبراهين، ولكن ليس هناك من يستجيب.

    ومن الأدلة على هذا: أننا لو طلبنا من محافظ المدينة المنورة أو القاهرة أو دمشق أو المغرب أو اسطنبول أو أي بلد آخر بأن يعطينا قائمة بالمجرمين أسبوعياً أو شهرياً، وكان في هذه القائمة ألف مجرم أو خمسمائة أو أقل أو أكثر فإنك لن تجد بين هؤلاء المجرمين أكثر من (5%) ممن يقيمون الصلاة، و(95%) من هؤلاء المجرمين هم من تاركي الصلاة، أو من المصلين غير المقيمين لها. وأما المقيمون لها فلا يتلوثون أبداً لا بسرقة، ولا بزنا ولا بفجور، ولا بسب مؤمن ولا بشتمه، ولا بانتزاع ماله بحال من الأحوال. بل هؤلاء هم أهل النور، وإن لم نعترف بأن هؤلاء هم أهل النور نكون قد كذبنا الله، وبذلك نهلك ونكفر، فقد قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت:45]، أي: إن الصلاة تنهى صاحبها عن فعل فحشاء أو ارتكاب منكر.

    وإن الدعائم التي تقوم عليها الدولة الإسلامية أربع، لا خامس لها، وهي:

    أولاً: إقام الصلاة. ولو اجتمع علماء الفلسفة والمنطق والقانون والسحر والباطل لم يستطاعوا أن يغيروا كلمة واحدة في القرآن. وإذا قامت دولة من الدول على غير هذه القواعد الأربع فلن تستطيع أن تجعل الأمن والطهر يسودانها، بل إنه من المستحيل أن يسودها طهر أو أمن بدون هذه القواعد الأربع. وقد استقل من الدول الإسلامية نيفاً وأربعون دولة من إندونيسيا إلى موريتانيا ولم يسد الأمن والطهر دولة منها.

    ولما أقام عبد العزيز - تغمده الله برحمته- الدولة السعودية على هذه الدعائم الأربع تحقق فيها أمن وطهر لم يتحقق في بلد من عهد القرون الأولى، وأقسم بالله الذي لا إله غيره على هذا. ولم يتحقق هذا بالسحر ولا بالبوليس، ولا بالكرباج ولا بالطائرة، ولا بشيء من هذا. وإنما أقاموا الصلاة إجبارياً، وآتوا الزكاة إلزامياً، ووجدت هيئات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومنذ خمسين عاماً ونحن ننبه على هذا. وكنا كلما استقلت دولة إسلامية عن دول الكفر كبرنا وهللنا، ثم نفاجأ أنها لا تريد أن تقيم دولتها على القواعد التي وضعها الله لإقامة الدولة. ومع البلاء الذي حل بنا والخزي والذل والفقر والمصائب إلا أننا لم نفق من نومنا، بل ما زلنا سكارى.

    وقد ذكر الله الدعائم التي تقوم عليها الدولة في جزء من آية من بين ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، ولكن المسلمين لم يفهموها، وليسمع الجواسيس والعيون والخبراء هذا الكلام ويبلغوه، وهم لا يبلغون هذا؛ لأنهم غافلون، وهم أمثال البهائم، ولا يهمهم أن يقولوا: لا إله إلا الله! وليس هناك موت أعظم من هذا الموت.

    والله جل جلاله يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، أي: حكمناهم وسودناهم، وأصبحوا الحاكمين المديرين للبلاد، أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]. ونحن نفهم هذا، ويفهمه حتى الأتراك الأعاجم. فهذه آية في سورة الحج.

    وقد أبعد الله بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عنا ومع ذلك لم نقم دولتنا على هذه القواعد الأربع؛ لأننا لم نؤمن بالله.

    وقد عرف العدو، ولذلك فهو يعمل بجميع الحيل في هذه البلاد على أن لا يؤمر فيها بالصلاة، بل كتبوا يستنكرون إغلاق المحلات أثناء الصلاة، ولديهم عزم على أن يطفئوا هذا النور، وهم يطعنون وينتقدون والله في هيئات الأمر بالمعروف. وهؤلاء الذين يفعلون هذا هم من كبار الشخصيات الذين ليس لهم نور في قلوبهم، والذين لم يعرفوا الله تعالى، ولم يجلسوا في مجالس العلم، فهم لا يريدون أن يبقى الأمن في هذا البلد، بل إنهم يحاولون نشر الخوف والخبث في هذا البلد بعد أن حل فيه الأمن والطهر، ويريدون أن نكون كبقية البلدان، ولكنهم لم يستطيعوا.

    ولا تظنوا أن الشيخ بربري، أو عميل، أو ذنب، أو تابع، فهذا الكلام هراء، وهو من وحي الشياطين والهابطين اللاصقين بالأرض، الذين لا بصيرة لهم ولا قيمة في هذه الحياة.

    بل نحن نتكلم بحكم الله، ونحن نريد لهذه الحكومة أن تبقى وتخلد، وأن يبقى فيها هذا النور، ونريد لأمة الإسلام أن تقتبس من هذا النور. ونريد أن يصدر قرار في كل بلد إسلامي بأن الصلاة إجبارية، بحيث لا نرى شخصاً لا يصلي إلا وأقمنا عليه حد الله. ونريد أن تجبى الزكاة إجبارياً، وأن تكون بدلاً من الضرائب الفادحة؛ حتى نرضي الله عز وجل. ونريد أن توجد هيئات الأمر بالمعروف في القرى والأحياء، وفي كل منعطف وزاوية. وياليتهم يعترفون بخطئهم ويبكون، ويرجعون إلى الله!. ويا ليتهم يسكتون عن هذا البلد، ولا يطعنوا فيه، أو ينتقدوه.

    وبعض الهابطين منا لما يشاهد رجل الهيئة يخاف منه، فيصلي بلا وضوء، ثم يقول: أنا صليت صلاة سعودية، بلا وضوء ولا نية، ونقول له: صلها ولو بدون وضوء؛ حتى تتعود على أدائها وإقامتها، ومن ثم ستتطهر وتستعد لها. وثلث أهل البلاد لا يصلون، فلهذا لابد وأن تصلي سواء كنت متوضئاً أم غير متوضئ، ومن اسأل نفسك عن سبب امتناعك من الوضوء.

    ثالثاً: إيتاء الزكاة

    قال: [ ثالثاً: إيتاء الزكاة ] أي: إعطاؤها وإخراجها [ متى وجبت عليك لملكك مالاً صامتاً كالدراهم والدنانير، والحبوب والثمار، أو ناطقاً كالأنعام من الإبل والبقر والغنم، وبلغ مالك نصاباً، وحال عليه الحول إن كان غير الحبوب والثمار ] فالمال نوعان: صامت وناطق، فالناطق هو الإبل والبقر والغنم.

    رابعاً: صيام رمضان

    قال: [ رابعاً: صيام رمضان ] لأنه قاعدة الإسلام، فقد فرضه الله، وأوجب على عباده أن يصوموه، وبشرهم ووعدهم بأعظم الأجر والخير [ مع تجنب مفسداته ] ومبطلاته [ كالغيبة ] والنميمة [ وسائر الآثام و] سائر [ المفطرات ] لأن سر الصيام تزكية النفس وتطهيرها، فإذا كنت صائماً وارتكبت الذنوب لم يؤثر فيك الصيام أبداً؛ لأنك قد أفسدته.

    خامساً: الحج

    قال: [ خامساً: حج بيت الله الحرام إن ملكت زاداً لنفقتك ونفقة أهلك بعدك، وقدرت على المشي أو الركوب ] وأما المؤمنة فيشترط لها إلى ما سبق وجود المحرم الذي يمشي معها. فيجب أن نعرف هذه المحبوبات لنعملها، متقربين بها إلى الله، ومتزلفين إليه بها.

    سادساً: بر الوالدين

    قال: [ سادساً: بر والديك بطاعتهما في المعروف ] فتكون الطاعة للوالدين وللأمير وللرسول صلى الله عليه وسلم في المعروف، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12]. وأما إن عصينك في غير معروف فلا حرج عليهن في ذلك. وتكون طاعتك لوالديك أو مربيك أو أمينك في المعروف، وأما في المنكر فلا.

    والطاعة بالمعروف كأن يقول لك أبوك: لا تذكر فلاناً بسوء، أو توضأ فقد آن أوان وقت الصلاة، فيجب أن تطيعه في ذلك، وهكذا في كل معروف [ وإيصال الخير إليهما ] أي: أن توصل الخير إليهما [ وذلك بتقديم ما يحتاجان إليه من غذاء وكساء، ودواء وإيواء ] حسب قدرتك واستطاعتك. والمأوى هو: المكان المعد للمبيت والجلوس فيه [ مع كف الأذى عنهما، حتى ولو بكلمة نابية بصوت مرتفع ] وقد قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]. ومن المنكر أن يضرب الولد والده. بل واجبك مع والديك الطاعة العمياء في المعروف.

    ويجب أن يكون صوتك دون صوت أمك أو أبيك. وبعض الصالحين كان إذا مشى مع أبيه لا يمشي أمامه، بل كان يمشي وراءه، وإذا مشى إلى جنبه وكان الأب قصيراً والولد طويلاً يتقاصر؛ حتى لا يتفوق على أبيه طولاً.

    وبعض الناس لا يفعلون مع أبائهم هذا؛ لأنهم لا يعرفون هذا الأدب. ولو تربوا منذ صباهم في حجور الصالحين لزكت أنفسهم، وطابت أرواحهم، وأصبحوا كالملائكة.

    سابعاً: صلة الأرحام

    قال: [ سابعاً: صلة رحمك بالإحسان إليهم ] بالفعل والقول [ في حدود قدرتك ] وطاقتك واستطاعتك.

    ثامناً: الجهاد في سبيل الله

    قال: [ ثامناً: الجهاد في سبيل الله متى دعا إليه إمام المسلمين وعينك له ] وخطأ واحد قد يبطل الجهاد كله، ويهبط به. فمثلاً جهاد الأفغان شاركنا فيه بأموالنا ودمائنا، وكانت النتيجة: عدم وجود الدولة الإسلامية القائمة على الدعائم الربانية: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

    والسبب في ذلك: أن جهاد الأفغان لم يقم على مبايعة إمام. وكانت هذه هي الحلقة المفقودة في هذا الجهاد. وقد زرناهم وزرنا مخيماتهم ورؤساءهم، وقلنا لهم: عجلوا قبل الفوات بمبايعة إمام واحد، وليكن الجيش واحداً، وخزينة المال واحدة، والجهاد واحداً، ويكون المجاهدون صفاً واحداً؛ فإن هذا هو طريق الله، فعجلوا، ولكنهم تمايلوا، فلم تقم الدولة الإسلامية.

    واليوم في بلاد العرب من الشرق إلى الغرب ينادي المسلمون: القتال القتال! الجهاد في سبيل الله! ووالله لن يحصدوا إلا الندم والدم، والبلاء والشقاء، ولن ترتفع راية لا إله إلا الله إلا على بيعة إمام للمسلمين.

    ويكون الجهاد في سبيل الله من أجل أن يعبد الله وحده، وتقوم شريعته، وينتشر نور هدايته، وليس من أجل السمعة والمنصب والمال، ولا القبلية والنزعات، ولا لشيء غير ذلك. بل كل هذا شرك في هذه العبادة ومبطل لها. ولنذكر أن أول محبوب لله هو الإخلاص، وهو أن يكون القلب مع الله.

    ودماء المسلمين اليوم تسيل في الشرق والغرب، والنتيجة هي: الثار، ولا نجني من هذا سوى الدماء والدموع، والمصائب والمخاوف. وقد شرع الجهاد من أجل أن يعبد الله، ونحن لم يمنعنا أحد من عبادة الله، ولم يطردنا أحد من بيوت الله، ونحن الذين لم نرغب في ما عند الله، ولم نلجأ إلى الله، ولم نطرح بين يدي الله بنسائنا وأطفالنا، ولم نبك بين يديه كل ليلة نستمطر رحماته. ومع ذلك يأبى بعض المسلمين إلا جهاد بعضهم بعضاً، ويحصدون أنفسهم حصداً.

    فالجهاد محبوب لله. ولا يكون من محابه ولا في سبيله إلا إذا دعا إليه إمام المسلمين وعينه، فلا جهاد بدون إمام يبايعه المسلمون، ويضعون أيديهم على يديه، على أن يعبدوا الله وحده في الأرض.

    وإذا وجد إمام المسلمين وأمرك بالجهاد وعينك له وجب عليك أن تجاهد، وإن دعا إلى التعبئة العامة والنفير العام تعين عليك، إلا أن تكون مريضاً أو أعرج، أو أعمى أو كنت عاجزاً؛ لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61].

    تاسعاً: الإحسان إلى المسلمين

    قال: [ ثامناً: الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، وإلى كل المسلمين، بإكرامهم وعدم أذيتهم بقول أو فعل ] ولا يمكن لأمة جاهلة أو أهل قرية أو إقليم جهال أن يحسنوا إلى الفقراء واليتامى والمساكين؛ لأنهم لا يعرفون الإحسان. وليس عندنا إلا أن نكرر شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ونزحف إلى بيوت الرب بنسائنا وأطفالنا، نتعلم الكتاب والحكمة؛ لنعلم ونزكو، ونطهر ونفهم، ونصبح أهلاً لأن نقيم الواجبات ونؤدي الفرائض، ونتجنب المحرمات. ويوم أن تصبح كلمة أهل القرية واحدة إذا قال لهم المربي: صوموا صاموا، أو تصدقوا تصدقوا، أو نادى: الله أكبر رددوها. ولا يبق بينهم فقير يموت جوعاً، أو يمشي عارياً، أو يبحث عن مأوى يأوي فيه، ويصبحون كالأسرة الواحدة، ويكونون والله أعظم من الأسر الطائشة الهائمة في الأرض، وبدون هذا لا يمكن أن يتم إحسان أو معروف على الوجه الحقيقي.

    وأهل القرية لما يتعاونون ويتحابون ينشئون في بيت الله صندوقاً يجمعون فيه مال الزكاة والصدقات، وحينئذ لن يبقى في القرية شحاذاً ولا سائلاً، بل إنهم يتنزهون عن مثل هذا، كما أنه لن يمد أحدهم يده ليسرق أو ليختلس، ولا يمد يده ليسأل الناس؛ لما عندهم من العفة والكمال والطهر، بل يفيض عليهم المال، ولا يجدون ما يفعلون به. وبدون هذا لا يمكن أن يطهر المجتمع ويكمل ويسمو.

    ولو اجتمع رجال السياسة والقانون والاجتماع على أن يوجدوا لنا قرية نموذجية لا خيانة فيها ولا سرقة، ولا كذب ولا بذاءة ولا فحش، وأن تكون سليمة من كل ذلك، وفيها الطهر والصفاء فوالله إنهم لن يستطيعوا.

    ولو أغدقوا عليهم بالمال لفجروا به، ولتآكلوا عليه. فلا علاج ولا دواء إلا مع الله في بيته، بأن نتعلم الكتاب والحكمة، ونزكي أنفسنا، ونطهر أرواحنا بهذه الآيات الإلهية.

    عاشراً: الصبر

    قال: [ عاشراً: الصبر ] وهو حبس النفس على ما تكره [ بأن تصبر على عبادة الله تعالى، فلا تضجر ولا تمل، وتصبر على ما يبتليك به امتحاناً لك، كالمرض والجوع والخوف ] وما إلى ذلك. فالله يحب الصبر، ويحب الصابرين، وهو مع الصابرين. اللهم اجعلنا مع الصابرين.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.