إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 100للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينادي الله عز وجل عباده المؤمنين داعياً إياهم إلى المسارعة إلى التوبة النصوح، رجاء أن يكفر عنهم ربهم سيئاتهم، ويدخلهم في رضوانه وجنته، فيسعدوا ويكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهذا هو الفوز العظيم.

    1.   

    وجوب التوبة النصوح من كل ذنب على الفور رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    هذا هو مع النداء الأخير من نداءات الله عز وجل لعباده المؤمنين، وهو [ النداء التسعون ] وهذا النداء هو [ في وجوب التوبة من كل ذنب، وعلى الفور، وأن تكون التوبة نصوحاً؛ رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة ] دار الأبرار.

    وهذا النداء هو [ الآية (8) من سورة التحريم ] وليس بعد هذا النداء نداء. فهيا بنا تتغنى دقائق بهذا النداء الكريم.

    قال: [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] ].

    سبب نداء الله لعباده بقوله: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً ...)

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا آخر نداء من نداءات الرحمن جل جلاله، وعظم سلطانه في كتابه العزيز القرآن الكريم. ناداهم ] ونحن إن شاء الله منهم [ إكراماً لهم وإنعاماً عليهم؛ ليأمرهم بما يزكي أنفسهم، ويطهر أرواحهم ] وقد علمنا وحفظنا وفهمنا أن الله تعالى لا ينادي عباده للهو ولا للباطل، ولا للغي، ولا لشيء من هذا، وحاشاه تعالى، وهو منزه عن هذا، وإنما يناديهم لواحدة من أربع: إما ليأمرهم بفعل أو قول أو اعتقاد شيء من شأنه أن يزكي أنفسهم ويطهرها إن هم فعلوه على الوجه المطلوب، أو يناديهم لينهاهم عن فعل أو قول أو اعتقاد ما من شأنه أن يخبث أرواحهم ويلوث نفوسهم، أو يناديهم ليبشرهم إن هم عملوا، أو لينذرهم إن هم تركوا، أو ليعلمهم؛ إذ العلم هو سلم الرقي ومفتاح دار السعادة.

    وهو هنا تعالى يناديهم في هذا النداء [ إكراماً لهم، وإنعاماً عليهم، ليأمرهم بما يزكي أنفسهم، ويطهر أرواحهم ] أولاً [ ولينهاهم عما يخبث أرواحهم، ويدسي نفوسهم؛ إذ بطهرهم يتأهلون ] أي: يصبحون أهلاً [ للنزول بدار السلام ] والله تعالى يقول في سورة يونس: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، أي: يدعوا عبيده وإماءه إلى دار السلام [ حيث النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، إذ أخبر تعالى به في قوله من سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69] ] أي: المطيعون [ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:69-70] ] وإن نسينا شيئاً فلن ننسى هذه الآية، فنحن نكررها طول العام. فلا ينبغي أن تنسى.

    والمراد بالرسول في قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] محمد صلى الله عليه وسلم. ومن لفظ من ألفاظ العموم. فقوله: وَمَنْ [النساء:69] رجل أو امرأة، أو سلطان أو عبد، أو فقير أو غني، أو في الأولين أو في الآخرين يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69]، أي المطيعون، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]. وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]. أربعة مواكب.

    وقد بلغني أنكم الليلة تستعدون لتسهروا على رؤية مباراة للكرة، وأنا أنصح لكم أن تناموا بعد صلاة العشاء، وتقوموا آخر الليل قبل الأذان الثاني بنصف ساعة تصلون ركعتين، فهي خير لكم من الدنيا وما فيها. وإذا بتم تشاهدون فإن مشاهدتكم لن تعين إخوانكم على الغلبة والنصر. إلا إذا كان هناك لا سلكي أو سيارات خاصة وبمجرد ما تعكفون نحو التلفاز تشاهدون ترتفع معنويات إخوانكم إلى قمة الكمال ويصبحون كالأسود يهزمون من أمامهم فهنا نقول: في سبيل عزكم اسهروا الليلة، ولكنه لا يتحقق من هذا شيء. بل أنكم تتركون ذكر الله، ولن يذكر الله منكم أحد وأنتم تشاهدون، ثم يغلبكم النوم فتنامون، ولن يصلي الصبح أحد إلا من شاء الله. وبهذا تكونون قد خسرتم، فاعرفوا هذا.

    ثمرة طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69]. ونحن لم نعرف هذه الطاعة بعد. وطاعة الله هي: إذا أمرنا أن نقول فنقول، وإذا أمرنا أن نسكت فنسكت، وإذا قال: صوموا صمنا، وإذا قال: افطروا أفطرنا، وإذا قال: لا تسب مؤمناً فلا تسبوه أبداً.

    وهذه الطاعة تنتج وتولد لك نوراً في قلبك، وزكاة في روحك، فإذا زكى وطاب أصبح أهلاً لأن يجالس النبيين، ويواكب الصديقين والشهداء والصالحين، ومن كانت روحه خبيثة فوالله ما كان لينزل هذه الدار ولو كان ابن النبي أو كان والد النبي، وأقسم بالله على هذا؛ لأن هذا حكم الله صدر، وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]. ولا استئناف ولا مراجعة.

    وحكم الله الصادر على البشرية هو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. ولن يستطيع من تحت السماء أن يرد هذا القول، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. والنفس تزكو وتتدسى، كالثوب ينظف ويطيب ويطهر، ويخبث ويسود ويتعفن بحسب ما تضع عليه. وسنن الله والله ما تتبدل، ولا تقبل التحويل ولا التبديل.

    وأهل هذا الدرس يعرفون من هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ولكن أهل المقاهي والكرة لا يعرفون هذا.

    الصالحون ليسوا بني العباس، وإنما هم الذين يؤدون فرائض الله كاملة، ولا ينقصوا منها شيئاً، ويؤدوا حقوق الخلق كاملة، ولا ينقصوا منها شيئاً. هؤلاء هم الصالحون، اللهم اجعلنا منهم. آمين. فإذا كنت راغباً في صحبتهم والنزول معهم في دار السلام فأد حقوق الله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأد حقوق العباد الواجبة لهم عليك، ومنها: السلام عليهم، وحبهم، وعدم بغضهم، ورفع الأذى عنهم، وتسليم حقوقهم، وهكذا. فإذا أديت حقوق العباد فإنك تصبح صالحاً في الصالحين. وها هو سليمان عليه السلام يقول: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]. فمن أراد أن يدخل معهم فيلازمهم في الحياة، ولا يهجرهم ويجالس الفاسدين فينتقل إلى محنتهم.

    الحث على التوبة النصوح

    قال: [ وقد ناداهم سبحانه وتعالى في هذا النداء الأخير، ناداهم ليأمرهم بالتوبة إليه سبحانه وتعالى؛ إذ قال وقوله الحق وله الملك وهو على كل شيء قدير: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، أي: ارجعوا إليه ] أي: توبوا إليه [ بذكره ] بذكره بالقلب واللسان [ وشكره ] بالطاعات [ وحسن عبادته ] وتجويدها وإتقانها وإحسانها، وبهذا نعود إلى الله عز وجل [ رجوعاً صادقاً ].

    وعلة الحياة وسر الوجود: ذكر الله وشكره. ولو جمعتم علماء الدنيا كلهم وسألتموهم عن علة خلق الحياة بكاملها لحاروا في الجواب والله، ولو مكثوا مليون سنة فوالله لن يعرفوا هذا. وقد عرفنا نحن لأن الخالق هو الذي علمنا سر خلقه، ولا أحد أعلم من الله، وقد قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. فهو لما أراد أن يذكر ويشكر خلق الكون كله وأعده، وخلق آدم وحواء ومنهما كانت هذه البشرية، وسر ذلك: أن الله أراد أن يذكر في هذا الكون ويشكر، فأوجد الكون كالمائدة، وأوجد الضيف ليأكل منها ويشرب.

    فسر الحياة: الذكر والشكر.

    وعندنا ملحوظة يجهلها البشر، وهي: أنه قد يقول متفلسف: إن ربكم ليس عنده عدالة؛ لأن عبده يعصيه مائتي سنة أو ثلاث مائة سنة وربه يخلده في العذاب مليارات السنين، فهو ليس عادلاً. والجواب: إن الذي لم يعبد الله جل جلاله وعظم سلطانه بفعل ما أوجب وترك ما حرم جريمته أنه نسف الكون كله - علويه وسفليه، حتى الجنة والنار، والسماوات الأكوان كلها-، والذي ينسف فقط إقليماً كاملاً ويدمره فأنتم تسجنونه السجن المؤبد، والذي نسف الأكوان كلها جريمته أعظم. والأكوان كلها خلقت من أجل أن يذكر الله ويشكر، فرفض هذا المجرم، فكانت جريمته كجريمة من دمر الكون كله، ولهذا يعذب بلا نهاية، وهذا لا يكفيه أيضاً.

    فارجعوا إلى الله بذكره وشكره وحسن عبادته رجوعاً صادقاً [ أنتم فيه ناصحون لأنفسكم غير خادعين لها، ولا غاشين؛ إذ من الخداع للنفس والغش لها أن يقلع العبد عن الذنب، فتطهر نفسه اليوم، ثم يعاود الذنب ] غداً [ ويرجع إليه، فيعظم خبث النفس ويكثر ] ومن الخداع للنفس والغش لها أن يقع العبد في حفرة من القيح والدماء ثم يخرج منها يبكي نادماً مستغفراً إلى الحمام، ويتنظف بالماء الصابون حتى يصبح أنظف ما يكون، ثم بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أيام يغمس رأسه في حفرة العذرة مرة أخرى. وليس هذا حال الآدمي العاقل الناصح لنفسه، بل هذا هو حال الغاش لنفسه. وقد قال تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] [ إذ التوبة النصوح هي: التي لا يعود العبد إلى الذنب الذي تاب منه، ولا يرجع إليه أبداً، كما لا يرجع ] ويعود [ اللبن في الضرع بعد حلبه منه ] فإذا حلب المرء من ضرع شاته أو بقرته حليباً لم يستطع أن يرجعه إلى ثديها، ولا يمكنه ذلك ولو بالإبرة، ولو كان طبيباً، فهذا مستحيل. التوبة من حيث هي: الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، وعدم الرجوع إليه. وأما التوبة النصوح فهي: التي لا يعاود العبد فيها الذنب أبداً كما لا يعود الحليب إلى الضرع، ولو قطع أو صلب أو حرق لم يعود. والذي دعانا إلى هذا هو مولانا، فقد قال: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].

    قال: [ وإليك أيها القارئ الكريم! قائمة بمحاب الله تعالى وأخرى بمكارهه؛ لتفعل المحبوب بشرطه، وتترك المكروه بشرطه ].

    الجاهل لا يكون ولياً

    سبق أن علمنا وعرفنا وكررنا: أن الذي لا يعرف لا يمكن أن يكون ولياً لله، ومن المستحيل أن يكون الجاهل ولياً لله؛ لأن الله يغضب إذا أغضبته، وإن كنت تعاكسه يومياً فلن يرضى عنك، والذي لا يعرف ما يحب الله ولا ما يكره الله فلن يصبح ولي لله، بل لن يصبح إلا عدواً لله؛ لأنه قد يفعل ما يكره الله وهو لا يدري، ويترك ما يحب الله وهو لا يدري، ولن يزال يخلط ويتخبط حتى يلفظه الله ويطرده من رحمته.

    ولهذا قال العلماء: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه، فإذا أراد الله أن يتخذك ولياً وأنت جاهل فلابد وأن يعلمك؛ حتى يحبك وتحبه. وأما الجاهل الذي لا يفرق بين الكوع والبوع فلن يصبح ولياً لله، ولا يمكن أن يقع هذا. وقد تقرر عندنا هذا الكلام من قبل.

    طريق النجاة

    طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وهم اليوم مشغولون في المصانع والمزارع والمتاجر، ولا يطلبون العلم.

    ونقول لهم: إن أعداءكم رجالات الغرب الذين تقتدون بهم إذا مالت الشمس إلى الغروب ودخلت الساعة السادسة أوقفوا دولاب العمل في المصانع والمتاجر والمزارع، وحملوا أطفالهم ونساءهم إلى دور السينما والملاهي، والمقاصف والملاعب إلى نصف الليل. وأنتم يا من تعشقون دار السلام وتريدون أن تتبوءوا فرادبيسها تعجزون عن أن تجلسوا ساعة ونصفاً فقط في بيت الله بنسائكم وأطفالكم، تتلقون الكتاب والحكمة؛ لتعلموا وترتقوا، وتصبحوا أولياء الله بحق، وتقولون: لم نتعود على هذا يا شيخ! وبعد ذلك تطمعون في دار السلام. ونحن إلى الآن نصرخ.

    ولم يبلغنا أن أهل قرية أخذوا بهذا المبدأ الإسلامي المحمدي، وأخذوا يجتمعون عليه، ولو بلغنا هذا لذهبنا إليهم نحييهم، ونشاهد النور الذي فيهم. فلو أن أهل قرية عددهم ألفان أو ثلاثة آلاف نسمة التزموا بوقف دولاب العمل بمجرد أن تدق الساعة السادسة، وأغلق صاحب المقهى مقهاه، وأغلق صاحب الدكان دكانه، وأوقف صاحب المزرعة عمله ورمى مسحاته، وحمل الكل أطفالهم ونساءهم إن كانت المسافة بعيدة أو يأتوا بهم على أرجلهم إلى بيت الرب تعالى، واجتمعوا فيه كاجتماعنا هذا، ويتعلمون ليلة آية وليلة حديثاً، ثم يصلون العشاء ويعودون إلى بيوتهم لكانت النتيجة والله أن يتوفر المال؛ لأن أكثر من يفسد المال في العبث هم الجاهلون الضالون، ويذهب الشح والحرص والبخل، وتنتهي السرقة والغش والخداع، وتنتهي مظاهر الباطل والشر، ويصبح أهل القرية كأنهم أسرة واحدة، بل يصبحون والله أكمل وأطيب وأطهر. وهذا لا يكلفنا شيئاً حتى نقول: لا نستطيع.

    وهكذا تربى أصحاب رسول الله الذين قال فيهم: ( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ). وهم لم يدرسوا في جامعات أمريكا ولا الاتحاد السوفيتي. بل مع إنهم والله لم تكتحل عين الوجود بأمة أطهر ولا أعدل ولا أرحم منهم فقد كانوا لا يحملون حتى الشهادة الابتدائية، ولكنهم تعلموا فقط كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2].

    1.   

    من الأعمال التي يحبها الله عز وجل

    [ قائمة المحبوب لله عز وجل ] وليعرف الذي لا يحفظ ما في هذا القائمة والله أنه لاصق بالأرض، وأنه ليس له هم بولاية ولا قصد له فيها، وأنه لن يكون ولي الله. ولا تقولوا: دعنا يا شيخ! كما كان عليه آبائنا وأجدادنا، فالحازم المؤمن يقيناً لا يقول هذا.

    فهذه القائمة فيها محاب الله، أي: ما يحبه الله عز وجل، وأمر عبده به؛ لتتحقق ولايته له.

    أولاً: الإخلاص

    قال: [ أولاً ] من محاب الله : [ الإخلاص لله عز وجل في فعل المحبوب وترك المكروه ] ولا تلتفت إلى غير الله، بل ليكن ما تفعله لله وحده، وكذلك ما تتركه لله وحده، فإن التفت بقلبك أو بعينك تمزقت وتلاشيت. هذا هو أول محبوب لله، وقد قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]. فإذ قمت بفعل المحبوب لله فإياك أن تجري في قلبك اسم شخص! أو أن تلتفت إليه بعينك أو بيدك! ولا تفعله إلا طلباً لرضا الله وحبه، وكذلك إذا تركت مكروهاً من مكروهات الله فإياك أن تلتفت إلى فلان؛ ليثني عليك أو يشكرك، أو يقول: إنك طيب أو طاهر. وهذا هو الإخلاص الذي قال الله فيه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

    قال: [ ومعنى الإخلاص: أن تفعل ما تفعل وتترك ما تترك طاعة لله وخوفاً منه وحباً فيه. وتترك ما تترك كذلك، لا تلتفت بقلبك إلى شيء أبداً ] هذا معنى الإخلاص، فهو: إخلاص وتخليص العمل لله تعالى؛ إذ هو خالقك ورازقك ومولاك، وهو الذي ينعم عليك أو يعذبك إن شاء. فلتكن أعمالك كلها له، فإن التفت إلى فلان أو فلان فقد هبطت تمزقت، كما قال تعالى في آية الحج: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]. وتفسير الشرك: أن تلتفت بالعبادة إلى غير الله تريد بها وجهاً غير وجه الله. فمن فعل هذا فشأنه شأن من خر من السماء، وقد يظل يهوي خمسمائة سنة قبل أن يصل إلى الأرض، فتتلقاه العقبان والبازات، فيمزقونه أشلاء، وإن لم يصادف ذلك ويوافقه وقع في أعماق الأرض في مكان سحيق. ولذلك قال تعالى: حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]. وهكذا يتمزق الذي يلتفت إلى غير الله.

    إذاً: أول محبوب لله هو الإخلاص، وهو: إرادة وجه الله بالعمل أو الترك.

    ثانياً: إقام الصلاة

    [ ثانياً ] من محاب الله: [ إقام الصلاة ] ولو لم يكن الله يحبها لما أمر بها؛ لأن الله لا يأمر إلا بفعل شيء يحبه. وقد أمر هنا بإقام الصلاة [ بأن تؤديها ] يا عبد الله! [ في بيوت الله مع جماعة المسلمين ] وقد بنيت بيوت الله من أجل الصلاة فيها. فلا يصلين مسلم في غير بيت الله إلا من كان ذا عذر، وهو الخوف أو المرض، فقد حصر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم العذر في شيئين: الخوف عن النفس أو المال أو العرض، أو المرض.

    وأما النساء فيصلين في بيوتهن، فتتحول بيوت النساء إلى بيوت لله، فلا يسمع فيها باطل ولا منكر، ولا يشاهد فيها زوراً بل إن النساء يذكرن الله فيها، والبنات يقرأن كتاب الله. ولا تكون ديار الإسلام والمسلمين صورة مصغرة عن ديار بريطانيا وفرنسا، ثم نقول: إننا مسلمون. فلا يجوز أن يكون بيتي كبيت البريطاني، وإلا لم أكن مسلماً إذاً.

    قال: [ وأن تخشع فيها، مراعياً فيها شروطها وأركانها، وواجباتها وسننها ] حتى تنتج لك الطاقة المطلوبة، فالصلاة عملية توليد للنور، كمكائن توليد الكهرباء، وإذا حصل في هذه المكائن خلل فإنها تولد الدخان، وليس النور. وإذا لم تقم الصلاة إقامة حقيقية فإنها والله لا تنتج لك الطاقة، ولا تولد لك النور المطلوب. وقد علمنا أن أكبر مولد للطاقة النورانية هو: إقام الصلاة، ولهذا فرضها الله خمس مرات في الأربع وعشرين ساعة، فكلما ضعفت عن السير فقوي الطاقة، وبذلك تصبح كالمعصوم، فلا تقوى على أن تقول كلمة سوء، ولا تقدر على أن تنظر نظرة محرمة، ولا تقدر أن تتناول محرماً أبداً؛ لكثرة النور الذي تعيش فيه. والبرهان على ذلك: قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]. والسبب إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أديت على نظامها الخاص، فتولد النور الذي يملأ القلب، ويتدفق عن السمع والبصر واللسان، حتى يصبح العبد معصوماً، فلا يقع في معصية الله. وإن أداها أداءً ضعيفاً لم تنتج شيئاً.

    والبرهان على هذا: أنك تجد أحدنا يصلي ثم يخرج من المسجد يلعب الكيرم والورق والله العظيم، أو يصلى ثم تجده جالساً في الخارج والشيشة في يده أو في جيبه، أو الدخان، وينفخ في الملائكة ووجوههم، والعياذ بالله. ولو أعطتك الحكومة جنديين يحميانك هذا عن يمينك وهذا عن شمالك لم تمكر بهم هذا المكر، وتنفخ في وجوههم، والله أعطاك ملكين كريمين والله، لا لؤم عندهما ولا فيهما، وعندما تعمل السيئة ينتظرانك ساعة كاملة لا يسجلانها، وأنت تنفخ في وجوههم النتن والعفونة؛ من أجل أن فلان قال: إن شربه مكروه، وليس حراماً.

    وكذلك تجد من يخرج من المسجد ويجلس على أريكة البنك يتعاطى الربا، أو يخرج من المسجد يجلس أمام التلفاز ويشاهد عاهرة ترقص، وتلوح بيديها، وثديها مفضوحاً، وهي تغني، وهو يبتسم ويضحك، ويظن أنه قد صلى، ولو صلى هذا لما غنى. وقد مر أحد الصالحين مع أخ له على بيت من بيوت المدينة الطاهرة وإذا رجل ينشد ولا يغني بأغاني عبد الوهاب ولا فريد الأطرش ، بل أغانٍ عادية، فقال أحدهما: يا ترى هذا صلى؟ قال: لو صلى ما غنى؛ لأن الصلاة تعصم إن أديت على الوجه المطلوب، فإن اختل أداؤها بالزيادة أو بالنقص، أو بالتقديم أو بالتأخير فشلت في عملية الإنتاج، ولم تنتج. وقد قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114]. ولم يقل: وصل. بل قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114]. حتى تكون قائمة باعتدال وانتظام تولد الطاقة النورانية. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] في العصمة.

    ولذلك فعلينا أن لنعرف أننا إذا لم نؤد الصلاة على الوجه المطلوب فلسنا بشيء، وأنها لن تنتج لنا النور، بل نصبح كالعميان نشاهد الباطل والمنكر، ونغشى الشر والفساد.

    والبرهان والدليل على هذا قد قلته من أربعين سنة، وهو: إذا مشينا إلى محافظ المدينة أو مدير الشرطة وطلبنا منه أن يطلعنا على قائمة بالمجرمين في هذا الأسبوع فإذا أتانا بهذا السجل أو القائمة وفيها: هذا ضرب أباه، وهذا طلق امرأته، وهذا سرق فلان، وهذا سب فلان، وغيرها من الجرائم فأتحداكم إن لم نجد أن أكثر من نسبة (95%) من المجرمين في تلك القائمة من تاركي الصلاة، وأنه لا يوجد من المصلين (5%)، وإن لم تجدوا هذا فاذبحوني. وهذه الخمسة في المائة عبارة عن شذوذ؛ لأن الذي يجالس ربه، ويجلس بين يديه خمسة أوقات في الأربع وعشرين ساعة يتكلم معه ويناجيه، ويتطهر له ويجلس بين يديه لن يخرج من المسجد يعصيه، ولن يكون هذا.

    والأمر واضح، فالجرائم التي ترتكب في العالم بأسره علتها: الجهل وظلمة النفس.

    وقد قلنا: لن يستطيع مؤمن يذكر الله بقلبه ولسانه أن يرتكب المعصية أثناء ذكر الله بالقلب واللسان، بل هذا مستحيل. وعندنا لهذا مثلاً بينه لنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وهو أن شاباً من شبيبة بني إسرائيل في الزمان الأول كانت له بنت عم، وكان يرغب فيها، وراودها عن نفسها بالمال سنة كاملة، وهي تقول: أخاف الله، فقد كانت من بيت مؤمن، ودارت الأيام وأصيبت الأسرة بفقر وحاجة، وكان الفقر من طبع الحياة؛ لأنه لا توجد فيها مواصلات ولا استعدادات. ولما ألجأها الفقر ومزقها سلمت نفسها لابن عمها مقابل مائة دينار، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت: أما تخاف الله! تفتض خاتماً بغير حقه؟! وما إن ذكرته وذكر الله حتى قام والله ترتعد فرائصه يجري، وترك لها ذلك المال كله.

    ولن نذهب إلى بني إسرائيل، بل دعونا هنا في المدينة، فقد كان هنا في المدينة سوق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بائع التمر يقال له: التمار، فجاءته امرأة تشتري تمراً لأولادها الذين خرج والدهم غازياً مع المجاهدين، فاضطرت هذه المؤمنة إلى أن تشتري تمراً لأبنائها، فأخرجت كفها وفيه النقود من داخل خمارها أو ملاءتها، لما أخرجت كفها أعمى الشيطان ذلك الصحابي، فأكب على ذلك الكف يقبله، فقالت له: أما تخاف الله؟! فتنبه والله، وجاء من هنا إلى أحد وهو يحثوا التراب على رأسه، وينتف في شعر لحيته ويصرخ، وعاد من أحد إلى من هنا إلى هذا المسجد والنبي يصلي بالناس المغرب بعد أن ذكر الله.

    والذين يجلسون على الأغاني، أو على طاولات العبث واللعب، أو على مجالس الغيبة والنميمة، والنقد والطعن، والكلام على أعراض الناس، وما إلى ذلك فإن هؤلاء لا يذكرون الله، ويغرون أنفسهم بأنهم سيتبوءون الفراديس العلى، مع أنهم يعلمون أنهم لا يحصلون على رغيف العيش إلا بنصف ريال، ثم يريدون أن يسكنوا الجنة بكلمة: أنا مسلم، ويظنون أن هذا كافٍ.

    ثالثاً: إيتاء الزكاة

    [ ثالثاً: إيتاء الزكاة ] مما يحبه الله [ متى وجبت عليك لملكك مالاً صامتاً، كالدراهم والدنانير، والحبوب والثمار، أو ناطقاً كالأنعام من الإبل والبقر والغنم، وبلغ مالك نصاباً، وحال الحول عليه إن كان غير الحبوب والثمار ] فإن كانت زكاتك تجب في رمضان وأنت الآن في محرم فهي ليست واجبة عليك الآن.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.