إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 86للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل يبغض من عباده أن يقول الواحد منهم قولاً يخالف فعله، ويحب منهم الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يضحك عندما يرى عباده المؤمنين يقومون صفاً واحداً في ميدان المعركة، فرحاً منه تعالى بهم، ورضا بعملهم.

    1.   

    لوم وعتاب من يقول ولا يفعل وأن ذلك من موجبات مقت الله تعالى للعبد

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    هذا هو [ النداء الثاني والثمانون ] وهو نداء من تسعين نداء من نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وقد درسنا منها واحداً وثمانين نداء، وها نحن في النداء الثاني والثمانين، ولم يبق إلا القليل، والبقاء لله رب العالمين. ومضمون هذا النداء وما يحمله من الهدى هو [ في لوم وعتاب من يقول ولا يفعل، وأن ذلك ] أي: القول بدون فعل [ من موجبات مقت الله تعالى للعبد، وفي بيان حب الله تعالى للمجاهدين في سبيله، الثابتين في المعارك ] الجهادية.

    هذا مضمون هذا النداء. فهيا بنا نتغنى به ساعة؛ علنا نحفظه، فإذا حفظناه فهمناه ووطنا النفس للعمل به، فإذا عملنا به نكون بذلك قد فزنا، ولله الحمد والمنة.

    قال: [ الآيات (2 - 4) من سورة الصف

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:2-4] ] والمنادي بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الصف:2] الله جل جلاله. وسبحان الله! فقد بلغنا نداءه بواسطة كتابه ورسوله، فهو الذي نبأ محمداً وأرسله، وأنزل عليه كتابه ليبينه للناس.

    نداء الله لأوليائه المؤمنين دون غيرهم

    هذه النداءات من الله نادى بها عباده المؤمنين، وهو لم ينادهم لحاجته إليهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهو الغني الحميد. وإنما ناداهم لأنهم أولياؤه.

    وهو يناديهم ليأمرهم باعتقاد أو قول أو عمل يزكي أنفسهم، ويطيب أرواحهم، ويعدهم للكمال والسعادة في الدارين، أو يناديهم لينهاهم عما يخبث نفوسهم ويدسيها، ويحول بينهم وبين رضوانه وجواره في دار السلام، أو يناديهم ليبشرهم أو لينذرهم مما هو ضد مصلحتهم، أو يناديهم ليعلمهم، ولا يناديهم لغير هذا؛ لأنه العليم الحكيم.

    وهو لا يناديهم للهو ولا للعب ولا لباطل. وإن شئت فاقرأ هذه النداءات، وتأملها، فلن تجد الله ينادينا لنلهو ولا لنلعب، ولن تجده ينادينا إلا ليأمرنا بما فيه كمالنا وسعادتنا، أو لينهانا عما فيه شقاؤنا وخسراننا، أو ليبشرنا فنسمو ونزداد حباً في الله وفي الصالحات، أو ليحذرنا من الباطل وينذرنا من الشر؛ لنبتعد عنه وننأى؛ حتى لا نتلوث به، أو ينادينا ليعلمنا؛ إذ العلم سبيل تحقيق ولايتنا له تعالى.

    الجاهل -يا علماء النفس!- لا يكون ولياً لله، وإذا أراد الله أن يواليه علمه.

    وعلة عدم كون الجاهل ولياً -أيها الأذكياء!-: لأنه لا يعرف ما يحب الله حتى يحبه، ولا يعرف ما يكره الله حتى يكرهه، وحينئذ يصبح يخبط ويخلط، فقد يكره ما يحب الله، أو يحب ما يكره الله، فيعاديه الله ويغضب عليه.

    وشيء آخر أيها الأذكياء!: فالجاهل بمحاب الله لا يعرفها، ولا يعرف كيف يستعملها، ومن ثم تكون نفسه خبيثة مدساة، والله طيب لا يقبل إلا طيباً. والجاهل لا يعرف ما يدسي النفس ويخبثها من المحرمات والممنوعات، ولذلك يأتيها ويفعلها، فتخبث نفسه، ويصبح أهلاً لغضب الله، وليس لرضا الله.

    ومعنى هذا: أنه يجب أن نتعلم، ولا يحل لنا أن نعيش الزمن الطويل من السنين ونحن لا نعرف محاب الله ولا مساخطه.

    العلم هو سبيل الأمة لاسترجاع مجدها وعزها

    الطريق إلى التعلم: إن كنت تحسن القراءة والكتابة فتعلم، وإن كنت لا تحسن ذلك فاسأل، والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. فاقرع باب العالم وقف عنده واسأله أن يدلك الليلة على شيء يحبه ربك حتى تفعله، فيدلك، ثم ارجع إليه غداً واسأله أن يدلك على شيء يكرهه حتى تكرهه أنت أيضاً، فيقول لك: ربك يكره الكذب، فلا تكذب، وهكذا تسأله يوماً بعد يوم؛ حتى تعرف ما يحب وما يكره، وتعمل بذلك، ولا يمضي عليك سنة إلا وأنت من علماء الإسلام وربانيي هذه الأمة.

    وإذا لم نسأل ولم نتعلم وهجرنا بيوت الله وكتاب الله وهجرنا مجالس العلم فمستحيل أن نتعلم، بل نكون كالذي يقول: أنا لا آكل ولا أشرب ومع ذلك فأنا دائماً شبعان ريان، فهذا يكذب على نفسه، بل لابد وأن تأكل وأن تشرب باسم الله؛ حتى يذهب جوعك وعطشك.

    لا نقول: لقد مضت القرون ونحن هابطون، ولا نقول: إن أبواب جهنم مفتحة، ولا نرضى بالخسران الأبدي، بل علينا أن نتعلم ونعمل في صدق. ولا نقول: نحن مشغولون، ففلان مشغول بالمزرعة، وهذا تاجر مشغول في المتجر، وفلان موظف مشغول في الوظيفة والعمل، وهذا حمال في السوق يحمل لغيره؛ ليكسب رزقه.

    وأقول: على أهل القرية وأهل الحي في المدينة أن يجتمعوا في بيت أحدهم أو في بيت ربهم، ويتعاهدون على أنهم من غد لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة ولا طفل عن المسجد الجامع لهم، ويجلسون من صلاة المغرب في بيت ربهم إلى أن يصلوا العشاء. ولا شيء يحول بينهم وبين هذا، فعلى الفلاح أن يلقي بالمسحاة إذا مالت الشمس إلى الغروب، وعلى التاجر أن يغلق متجره، والحمال يرمي بالحبل بعيداً، ونأتي إلى بيت ربنا، وكلنا بهجة وغبطة وسرور؛ لأننا ذاهبون إلى بيت سيدنا، ونجتمع فيه، وتجلس النساء وراء الستارة ومكبر الصوت بينهن، والأطفال دونهن، والفحول أمثالكم أمامهم، ويجلس لهم عالم رباني بيده كتاب كهذا، ويعلمهم قال الله قال رسوله، لا قال شيخنا ولا قال إمامنا، بل قال ربنا ورسولنا. ونتعلم ليلة آية، ونتغنى بها حتى نحفظها، ثم يشرحها لنا حتى نفهم مراد الله منها، وكلنا عزم - رجالاً ونساء وأطفالاً- على أن نطبق ما أراد الله منا تطبيقه؛ لأننا أولياء الله، ونتعلم غداً حديثاً صحيحاً شريفاً، ونتغنى به ساعة حتى نحفظه، ثم يبين لنا العالم المربي ما أراد الرسول بهذا، فإن كان عقيدة اعتقدناها، وتمسكنا بها إلى القبر، وإن كان خلقاً تخلقنا به مباشرة، وإن كان واجباً عرفناه وعزمنا على عمله، وإن كان مكروهاً لله كرهناه وعزمنا على تركه، وهكذا يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، ووالله لن يبقى بيننا جاهلاً ولا جاهلة، بل نصبح كلنا لله أولياء، ولو كادنا أهل الأرض لما استطاعوا أن يزلزلوا أقدامنا. وهذا لا يكلفنا شيئاً، فلا نبقي على الجهل والبعد عن الله إذاً.

    وإذا لم تكونوا قد سمعتم بهذا الكلام أبداً ولا بلغكم فأنتم معذورون، ولكنكم قد سمعتم الآن. فمن الآن نبدأ، وقد علمتم أن كل الكفار من اليهود والنصارى والمشركين يشتغلون ثمان ساعات أو عشر ساعات، وإذا دقت الساعة السادسة أوقفوا دولاب العمل، ولبسوا أحسن ثيابهم، وخرجوا بنسائهم وأطفالهم إلى بيوت الشيطان، وإلى المقاهي والمقاصف، والمراقص ودور السينما، ويجلسون إلى نصف الليل؛ لأنهم أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ [النحل:21]. لأنه مكتوب خلودهم في عالم الشقاء؛ لكفرهم بالله ورسوله، وكفرهم بالله ولقائه وشرعه.

    ونحن المؤمنون علينا أن نجتمع في بيت ربنا، ونبكي بين يديه، ونستمطر رحماته علينا، ولا تمضي سنة واحدة إلا وقد طهرت القرية، ولن يبقى فيها من يكذب ولا من يغش، ولا من يخدع ولا من يسرق، ولا من يفجر ولا من يشهد شهادة زور، ولا من يبخل أو يظن بما زاد عن حاجته، ويصبح أهل القرية كلهم أولياء الله.

    وليس هذا صعباً، ولو كان صعباً لما شرعه الله، وقد قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. فليس هناك صعوبة في أن نذهب إلى بيت ربنا، والكفار يذهبون إلى بيوت شياطينهم، ولا يقولون: في هذا صعوبة، ونحن نقول: إن هذا صعباً. والحقيقة أن الذي يقول: في هذا صعوبة هو الشيطان، فهو الذي يتكلم على لسانه، في حين إنه لو تم هذا في أي بلد لما بقي الهرج والقتل، والانقلابات والدماء، والصياح والضجيج، وحانات الخمر والزنا، بل ينتهي كل هذا وبدون سلاح، ولا يطلق رصاصة واحدة، بل بالابتسامة والكلمة الطيبة.

    فإذا حضر أهل البلاد كلهم إلى بيوت ربهم يتلقون الحكمة والكتاب لم يمر عليهم عام واحد إلا وهم ربانيون أولياء الله، من أرادهم بسوء أعلن الله تعالى الحرب عليه ومزقه، وإن الله ليثأر لأوليائه كما يثأر الأسد الجريح.

    ولكن العدو صرفنا عن ولاية ربنا حتى أصبحنا أعداء الله، ندعو ولا يستجاب لنا، ولا نستطيع العودة، مع أنه لا يطلب منا مالاً، ولا أن نترك أعمالنا، ولا أن نوقف دولاب حياتنا، وإنما يطلب منا فقط أن نجلس من المغرب إلى العشاء كهذا الجلوس؛ حتى يتحدث الله عنا في السماء، وتحفنا الملائكة والله، وتنزل علينا السكينة، وتغشانا الرحمة، وهذه بشرى أبو القاسم، إذ يقول: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). وأنا لا أغشكم في هذا، فلا يوجد في الحلقة الآن من يسب الله والرسول، أو من يأكل أخاه، أو من يمد يده ليسرق ماله، ولن يكون هذا. ولكن أعداءنا صرفونا عن هذا النور، وأعداؤنا هم المجوس اليهود النصارى.

    والآن بعد هذا البكاء نعود إلى النداء.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون...)

    قال: [ الشرح: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]، هذا النداء نزل في جماعة من المؤمنين ] والعبرة دائماً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية قد تنزل في شخص ولكن حكمها عام في كل المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب كتاب هداية للبشرية، لا يختص بشخص ولا بقبيلة. فهذا النداء نزل في جماعة من المؤمنين [ جلسوا يتحدثون ] مثل ما لو خرجت الآن تجد الناس جالسين عند باب المسجد يتحدثون [ فقالوا ] وتمنوا فيما بينهم: [ لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لفعلناه ] وعملناه، وبادرنا إليه. وقد قالوا هذا في صدق، فهم يريدون أن يحبهم الله ويحبوه [ فلما علموه ] أي: علموا أحب الأعمال إلى الله، ونزل القرآن يبين أفضل الأعمال [ ضعفوا عنه ] وعجزوا ولم يفعلوا [ ولم يعملوا. نظير هذا ما جاء في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:77] ] وهذه الآية من سورة النساء المدنية. فقد قال: ألم تر [النساء:77] أي: يا رسولنا! أو يا أيها السامع! أفلم ينتهي إلى علمك؟ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء:77]. وكان هذا قبل أن يفرض الله القتال، فقد كان هناك من يتحمس ويريد أن يغتال أبا جهل ، أو يقتل فلاناً -كالجماعات الآن في العالم الإسلامي والشباب الذين يسمون أنفسهم الجهاديين- وقد كان يقول لهم الرسول: ما أذن لنا في القتال، ونحن لم نتهيأ، ولم نعد العدة، فـ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77] عن الحماس. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ [النساء:77] ودقت الساعة ورفعت راية الجهاد إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [النساء:77]. وهذا قرآن، وليس خيالاً. والذين يتحمسون الآن من الشباب للجهاد في سبيل الله لو قلت لهم: أقيموا الصلاة واذكروا الله وتصدقوا واعملوا حتى يأذن الله بالجهاد فإنهم يغضبون، ويتهمونك: هذا رجعي .. هذا عميل .. هذا كذا وكذا، ولو رفعت راية لا إله إلا الله في صدق ودعي للجهاد ليدخل العالم في الإسلام لتململ منهم (75%)، ولاختفوا ولم يظهروا.

    واسمعوا وعوا وبلغوا، فأنت تعرفون أن الشيخ ليس عميلاً لروسيا ولا لبريطانيا ولا لليهود، ولست عميلاً إلا لله فقط، فأنا عبد الله فقط.

    أهمية توفر الظروف الملائمة لرفع راية الجهاد

    مواطن الجهاد: جهاد الكفار لإدخالهم في الإسلام رحمة بهم؛ حتى لا يخلدوا في عذاب النار. هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى: أن يعبدوا الله لتطهر نفوسهم، وتزكو أرواحهم، وتتهذب أخلاقهم، ويسعدون في دنياهم قبل آخرتهم. وإلا وهم على الكفر فهم شر البرية.

    ويكون جهاد الكفار إذا كان هناك إمام للمسلمين يحمل رايته، وينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة أمته، وإلا فكل قتال دون هذه الراية باطل، وهو بغي وخروج عن حكام المسلمين.

    من استنكر إنكارنا الجهاد الآن قلنا له: انظر إلى الجماعة التي ثارت ورفعت أصواتها فقد أخمدت، وجرت بلاء على المسلمين، ولو كان الزمان يسمح لأكملونا بلداً بلداً. ولم يستطع أي شباب قاموا متحمسين سواء كانوا تحت شعار الإخوان أم أنصار كذا وكذا أن يرفعوا راية لا إله إلا الله، وأن يقيموا دعوة الله، وأن يزحفوا لتطهير البشرية.

    وسبب عدم استطاعتهم: أنهم مازالوا في الزمن الذي يقال لهم: كفوا أيديكم أولاً، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ حتى توجد أمة الإسلام ورايتها وإمامها الذي إذا قال: أنصتوا أنصتوا، وإذا قال: كبروا كبروا، والذي يخرج عن هذا الإمام جزاؤه السيف. وهذا ليس موجوداً، بل لا يتفق ثلاثة من الشباب، وليس أمة. وقد شاهدنا ما حل بإخواننا، وقد كانت البلاد يذكر فيها الله، ويدعى فيها إلى الله، وما انتفضت تلك الشبيبة حتى أنهي فيها الدعوة إلى الله نهائياً، وأصبحت البلاد إذا أحببت أن تغني فيها أو تتحدث بالخرافات فافعل، وأما لا إله إلا الله فلا. والسبب: أننا ما عرفنا.

    وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة يمر بأصحابه وهم يعذبون بغمسهم وتغطيسهم في الماء، وبالكي وبالنار، ولا يزيد على أن يقول: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ). ولم يقل لـعمر ولا لـحمزة ولا لـعلي ولا للصديق : اغتل فلاناً واقتله وخلصنا منه، بل كل ما في الأمر أنه كان يقول: اصبروا. وكان الله يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النور:56]. واصبروا. وهاجر إلى المدينة، وهاجر رجاله، وبعث بأصحابه إلى بلاد الحبشة، ولم يقل لهم: قاتلوا واشفوا صدوركم. ولما أذن الله في القتال ونزل قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]، حمل الراية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتف حوله المؤمنون والمؤمنات، وكان الله معهم؛ إذ هو الذي أذن لهم، فخاضوا المعارك في شرق البلاد وغربها، وتم النصر لهم؛ لأنهم يقاتلون المشركين والكافرين، وأعداء الله والمؤمنين.

    ونحن لم نقم بما أوجب الله علينا في مدننا وقرانا من الدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، والوجه الهاش الباش، والحسنة في اليد وفي اللسان، ونجمع المؤمنين على تقوى الله؛ حتى تطهر بلادنا من الخبث ومن الربا، ومن الزنا ومن الخمر، ومن الباطل ومن الحشيشة، ومن السب والشتم، والنقد والطعن؛ حتى نصبح أمة واحدة، وكأننا أسرة واحدة بما حققنا والحمد لله من أنوار الله وقال الله وقال رسوله. بل وبدلاً من أن نفعل هذا أعرضنا عن هذا كله، ولم ننه عن الخمر والزنا، ولا عن الأباطيل الأكاذيب، ولا عن الدجل والخرافات الشركيات، ولا ندعوا إلا إلى الجهاد؛ لأن الشخص يريد أن يشفي صدره، ويقتل عمه أو أخاه، ويسمي هذا جهاداً! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله؟! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل أخيه ). ويقول لـعبد الله بن عمر : ( يا عبد الله ! إذا ظهرت هذه الفتن كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ).

    لقد بكينا وصرخنا من قبل خمسين سنة، وقلنا: الجهاد لابد له من عدة، ولابد له من هدف، ولابد له من قيادة، فهو ليس فوضى ولا ترويع للمؤمنين.

    وهنا شيء آخر: هيا نقيم دولة الإسلام باسم الله، ولنبدأ من الليلة، ويكون ذلك بالآتي: يلتزم أهل كل بلاد ألا يسمع الله من أحدهم كلمة سوء ولا باطل، ولا يبقى من الليلة في بيت أحدهم باطل ولا منكر، ولا في دكانه ولا في عمله، وإذا كنا مسلمين أطهاراً أتقياء فمن الآن لا يبقى في بيوتنا من لا يصلي، أو من يتأخر عن الصلاة في وقتها في بيت الرب، وكذلك من الليلة لا يبقى بيننا مانع للزكاة، ولا من يمد يده إلى الحرام فيأخذه ويأكله. وإذا صفونا وطبنا وأصبحنا أولياء الله فسوف يوجد الله لنا الإمامة التي نطلبها.

    سب الحكام وتكفيرهم وجنايته على الدعوة

    قلت لهؤلاء الذين يدعون الجهاد كتابة وكلاماً قبل خمسين أو أربعين سنة: لا تسبوا الحكام، ولا تكفروهم، ولا تشهروا بهم؛ لأنكم بهذا تزيدون في كفرهم وفي ظلمهم وفي فسادهم، وهذا لا يحل، وكذلك لا تعلنوا الخروج عليهم، ولا الاحتيال عليهم؛ فإنكم عاجزون. والرسول يقول: ( اسمعوا وأطيعوا، ولو تأمر عليكم عبد رأسه كالزبيبة )، أي: ليس شريفاً ولا غير ذلك. وقال: ( عليكم بالسمع والطاعة حتى تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ).

    وقلت لهم قولاً وكتابة -وهم يضحكون علي؛ لأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون-: وإن رأينا الكفر البواح وكنا عاجزين فلا نقاتل، وهذا كما رأى الرسول وأصحابه وخديجة والمؤمنون أبشع كفر، فقد كان هناك ثلاثمائة صنم حول الكعبة والله، وليس هناك كفر بواح أعظم من هذا. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان غير قادر على أن يفعل شيئاً لم يقل شيئاً.

    فإذا رأيتم كفراً بواحاً وكنتم قادرين على أن تقاتلوا وتجاهدوا فجاهدوا، وأما إذا كنتم عاجزين ومقيدين ومكبلين، وكنتم أفراداً هنا وهناك، وكانت الأمة كلها تائهة بحكوماتها وجيوشها، وأنتم تكفرونهم فمعنى هذا: أنكم تريدون القضاء على البقية الباقية من الإسلام، وقد حصل هذا، وتم في بلاد عديدة.

    فقضية الحكم هذه قضية ثانوية، والقضية الرئيسية هي أن نسلم، بحيث لا نعد نر الفواحش ولا المنكرات، ولا الباطل ولا الظلم، ولا الفساد بين المؤمنين والمؤمنات، وأما أن يكون المؤمن يزني بامرأة أخيه المؤمن، ويغشه ويخدعه ويكذب عليه فهذا ليس إيماناً، ولا هؤلاء مؤمنون إلا بالاسم فقط.

    ونحن لا أن ندخل على الحكام ونصافحهم ونقبل رؤوسهم وندعوا لهم ونحن نبتسم: زادكم الله قوة، اثبتوا فأمامكم إخوانكم، وغير ذلك، وإنما نشهر بهم، ولما نشهر بهم يغضبون ويضربون، ويهرب من شهر بهم، ولا نجني من ذلك فائدة.

    ولا لوم ولا عتاب؛ لأننا ما تربينا في حجور الصالحين، ودائماً نعود إلى هذا الكلام؛ إذ لو تربينا في حجر رسول الله لما فعلنا هذا، وكذلك لو تربينا في حجر مالك أو أبي حنيفة لما فعلنا هذا، وكذلك لو تربينا في حجور الصالحين، ونحن إنما تربينا في المقاهي والملاهي، والبيوت التي لا تخلو من تلفاز أو فيديو، وعواهر يرقصن ويغنين، والباطل والشر في كل مكان. ولذلك فنحن لا نوصف بأننا أولياء للرحمن.

    وأنا أريد من هذا الكلام ما أراد الله منا، وهو: أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله، ونعمر بيوته، ونتعلم هداه، ونتعلم قال الله وقال رسوله، وإذا بنا بعد عام أو عامين أو عشرة نصبح أهلاً للكمال البشري.

    قيام الدولة الإسلامية لابد له من مقومات

    لقد قلت غير ما مرة: إننا نريد الدولة الإسلامية، ولكننا غير متأهلين لذلك، وعندنا التجارب على هذا. وأقول أيضاً: لما ترفع راية لا إله إلا الله وتقام الدولة الإسلامية فيجب أن يفتح فيها بابان، باب شرقي وباب غربي، فالباب الشرقي يدخل منه اللاجئون والمهاجرون، وهم سيتدفقون بالآلاف؛ لأن الكفر يعرف أننا أعداؤه وأننا قد أعلنا الحرب عليه، ولذلك سيأخذ الكفار في طرد المؤمنين وتعذيبهم، فيتدفق علينا ملايين المهاجرين، وهنا إيانا أن نغضب أو أن نبعدهم، بل يجب أن نقاسمهم طعامنا وشرابنا ومنازلنا. والمسلمون اليوم ليسوا مستعدين لهذا، فهم والله لن يعطوا ولا حتى نعالهم.

    والباب الغربي هو الجهاد؛ وتدور الدورة الدموية طول العام، فالمهاجرين يدخلون، والأبطال يخرجون، وكل من يقدر على حمل السلاح يتدرب أربعين يوماً ويخرج إلى الله وإلى الملكوت الأعلى. والأمة في هبوطها ليست مستعدة لهذا، ولا تقدر على أن تقوم به.

    وأقول للزوار: ليس عندي إذاعة بلغتم، وليس عندي وسيلة إلا هذا الصوت لا أقل ولا أكثر، وقد يقال لكم: هذا الشيخ عميل لأمريكا. وأعوذ بالله من هذا الهبوط، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]. ونعود إلى الآية.

    توبيخ وتأنيب من يقول ولا يفعل

    قال: [ أي: جبنوا عن القتال وقعدوا عنه؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ المؤمنون في كل زمان ومكان يوجد بينهم من تكون حاله كحال أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات، والقرآن كتاب هداية وإصلاح، والمؤمنون في حاجة إلى ذلك في كل عصر و] كل [ مصر.

    فقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2] أي: لم تعدون ولا توفون، فهذا توبيخ وتقريع لكل من يعد ولا يفي ] ولا يوفي [ وقد أعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أمته أن ( آية المنافق ثلاث ) ] أي: علامة المنافق ثلاث علامات: أولاً: [ ( إذا حدث كذب ) ] أي: إذا حدث كما نحدثكم يكذب والعياذ بالله [ ( وإذا وعد أخلف ) ] الموعد والوعد [ ( وإذا اؤتمن خان ) ] ولو اؤتمن ولو بكلمة أو بريال أو بأية أمانة خانها. فإذا شاهدت نفسك أو أخاك متصفاً بهذه الصفات فابكي، فهذا هو النفاق.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده بوليس ولا آلات، وإنما كان يعطي رجاله هذه العلامات، فهو يقول لهم: إذ أردتم أن تضبطوا المنافقين فخذوا بهذا: إذا رأيت الرجل يحدث وهو يكذب، وكذب عليك مرة أولى وثانية وثالثة فهذه علامة، وإذا رأيته يعدك ويخلف كأن يقول: سنلتقي إن شاء الله الساعة الثانية عشر في مكان كذا ولم يحضر، بل يتلذذ بتعبك، فهذه أيضاً علامة، وكذلك كلما اؤتمن على أدنى شيء قال: لم تعطني، وأنت واهم، فأنت لم تضع عندي شيئاً، بل راجع نفسك. هذه هي العلامات التي يضبط بها المنافقون.

    قال: [ فجعل خلف الوعد من علامات النفاق، فلذا كان قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ [الصف:2]؟ استفهام معناه: التأنيب والتوبيخ ] والتقريع [ ومثل من يعد ولا يفي -أي: يخلف ما وعد به- من يقول: فعلت وهو لم يفعل أيضاً ] بل يكذب [ إذ قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]. يحمل معنى: لم تقولون: فعلنا وأنتم لم تفعلوا؟ كقول الرجل: قاتلت وهو لم يقاتل، وطعنت وهو لم يطعن، أو أعطيت وهو لم يعط ] فهناك من الناس من يتبجحون بالكذب وأنهم فعلوا وهم لم يفعلوا.

    قال: [ وقوله تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ [الصف:3] أي: أن قولكم نفعل كذا ولم تفعلوا مما يمقت عليه صاحبه أشد المقت، أي: يبغض أشد البغض، والعياذ بالله تعالى من مقته وبغضه وغضبه ].

    فضل الجهاد في سبيل الله

    قال: [ وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] ] وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى رضا الله عز وجل، وكل طريق يصل بك إلى رضا الله فهو سبيله، وكل طريق يصرفك عن رضا الله ويحملك على بغضه فهو سبيل الشيطان. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] [ فيه إشارة واضحة إلى أن الذين وبخهم بقوله: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2] كانوا قد وعدوا بالجهاد ثم تخلفوا عنه، ولم يفوا بما وعدوا.

    كما يحمل إشارة أخرى إلى الذين انهزموا يوم أحد، وفروا من المعركة. ولما كان تعالى يمقت أشد المقت المخلفين للوعد العظيم ذي الأثر الكبير كالوعد بالجهاد ولم يجاهدوا فإنه تعالى يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] متراصاً، لا فرجة فيه حال الزحف كالبنيان المرصوص، أي: المتلاصق بعضه ببعض، لا فرجة فيه ولا خلل بين أجزائه ] وأعطيكم مثالاً حياً على ذلك: الجهاد الذي قمنا به في ديار الأفغان شارك فيه المؤمنون والمؤمنات، ووالله إن امرأة من اليمن بعثت لنا زمبيلاً مملوء ذهب وفضة، ووالله إن امرأتي نزعت حليها مرتين للجهاد الأفغاني، وشارك فيه المسلمون من الشرق والغرب، ثم خاب هذا الجهاد؛ لأننا لم نكون لنا الدولة الإسلامية. فلندرس ولنفكر فيه. وأولئك المجاهدون منا ومن أمثالنا، وهم ليسوا أهلاً لذلك؛ لأنهم ما ربوا في حجور الصالحين. هذه واحدة.

    والثانية: أنهم عجزوا عن بيعة إمام رباني، ويسلمون له قيادة، ويعطونه الأمر والنهي، ويمشون وراءه. فالنفوس لا تقبل هذا، بل كل واحد يرفع رأسه ويقول: كذا، فخاب ذلك الجهاد أبشع خيبة. وقد كان يكفي هذا. ولكن اليوم قامت جماعات ضائعة تطالب بالجهاد في بلادهم؛ ليقتل الرجل الرجل، والولد الولد. وكانت نتائج هذا الجهاد: المقت والخزي والعار والدمار والشنار. وبلغوا هذا أيها الزوار! فنحن ليس عندنا إذاعة.

    قال: [ ولنستمع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخبر بضحك الله تعالى إلى بعض عباده الصالحين ] والله أكبر! فربنا يضحك، ولما سمع هذا أعرابي قال: لن نخاف اليوم ما دام ربنا يضحك، ولا نخاف من جهنم.

    ولما هبط المسلمون بكيد الثالوث الأسود من القرن الثالث إذا قلت: ربنا يضحك غضب المسلمون وقالوا: أنت تصف الله بالضحك، فأنت كافر. ومضى زمان لو سمعوك تقول: يضحك الله لكفروك وقاتلوك، كما كاد لهم العدو. وهذا الرسول يخبر عن ربه بهذا، وهم يقولون: لا، ويكذبون رسول الله، والعربي قال بالبداهة: ما دام ربنا يضحك والله لا نخاف، فالجنة لنا.

    قال: [ فيقول: ( ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل ) ] وهذا الرجل لا يقوم من الليل ليغني أو يجلس أمام الدش، وإنما يقوم الليل يتهجد ويبكي، فالناس نائمون، وهو يتململ على الأرض بكاءً ودعاءً وذكراً. فهذا يضحك الله إليه فرحاً به.

    وأيضاً [ ( والقوم إذا صفوا للصلاة ) ] يضحك الله لهم فرحاً بهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( صفوا كما تصف الملائكة في السماء ). ولهذا يجب أن تتراص الصفوف وتنتظم وتتحد؛ لأن هذه الهيئة يحبها الله عز وجل.

    وكذلك [ ( والقوم إذا صفوا للقتال ) ] فصفوف الصلاة كصفوف القتال؛ لأن القتال كان بالسلاح الأبيض، وأما الآن فهو بالتدجيل والكذب والصواعق، فالآن أجبن الناس يتشجع، ولكن المواجهة لا يدخلها إلا الأبطال، ويكونون صفاً واحداً متراصاً.

    قال: [ وكان بعض السلف يكرهون القتال على الخيل ] والفرس [ ويستحبون القتال على الأرض ] على أرجلهم [ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] ] أي واحداً [ كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] ] أي: يشد بعضه بعضاً. فكان هؤلاء السلف يرغبون أن يأخذوا بهذه الثمرة الطيبة [ وكان صاحب هذا الحديث وهو أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف - أي: صف القتال- فجئوا في لحيي ] يعني: إذا رأيتموني ألتفت وما بقيت متراصاً معهم فاضربوني واطعنوني في لحيي. وهذا عجب [ وهذا عين ما جاء في حرمة تولي المجاهد عن الصف، وخروجه منه لغير سبب يقتضي ذلك، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:15-16] ] وعندي هنا فذلكة مادام يوجد الأتراك بيننا: في مثل في اللغة الفرنسية - وأهل المغرب يعرفونه- وهو: القوة تركية؛ لأنهم لما دخلوا في رحمة الله ودخلوا في الإسلام وفتحوا الشرق والغرب كان أحدهم يربط نفسه بسلسلة على المدفع ويقاتل، حتى يصل إليه العدو ويقتلونه على مدفعه، ولا يميل برأسه يميناً ولا شمالاً؛ أخذاً بهذه التعاليم الإلهية: إِِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15]. وقد كان هذا أيام أن كان هناك إيمان وإسلام. وقد عرف العدو هذا، فكفرونا وفسقونا، وأبعدونا عن ساحة الكمال. والله أعلم.

    الأحكام التي اشتمل عليها هذا النداء

    قال: [ وأخيراً: إليك خلاصة هذا النداء ] أيها المستمع! أو أيها القارئ الكريم! [ ولا تنسه، وهي:

    أولاً: حرمة الكذب وخلف الوعد ] فحرام على المؤمن أن يكذب كذبة، بل يعيش سبعين سنة ولا يكذب، وحرام عليه أن يخلف وعداً وهو قادر على الوفاء به. وليس من صفات أهل الإيمان أن يكذبوا أو يخلفوا الوعود، بل ذلك من صفات المنافقين [ إذ قول القائل: أفعل كذا ولم يفعل هو ] أي: قوله [ كذب وخلف وعد ] أيضاً [ ولذا كان قوله من المقت الذي هو أشد البغض، ومن مقته الله فقد أبغضه أشد البغض، وكيف يفلح من مقته الله ] وأبغضه؟

    [ ثانياً: فضيلة الجهاد في سبيل الله ] لا في سبيل المنصب. وثمرة ذلك هي: من أجل أن يعبد الله حقاً في الأرض. ولو قلتم اليوم: هيا نقاتل ونغزو فرنسا، والله لقلت لكم: والله ما يجوز لكم هذا، حتى ولو قلتم: نغزوهم ليستقيموا على منهج الحق، وليصدقوا وليكملوا وليطهروا، لأنا نقول لكم: ابدءوا بأنفسكم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وابتعدوا كل المنكرات، وعن كل الباطل والشر، وبعد ذلك انقلوا الخير إلى دولة كافرة، وأما أن نحول بريطانيا وفرنسا إلى ما نحن عليه فهذا ليس فيه فائدة، ولن نفيدهم بهذا، بل سيضحكون منا، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.

    قال: [ وفضيلة الوحدة والاتفاق، وحرمة الخلاف الممزق للصفوف.

    ثالثاً: اذكر أن الصف في الصلاة يجب رصه بعدم الفرج فيه، وأنه مما يحب الله تعالى، فلنطلب ذلك في صفوف الصلاة كما في صفوف الجهاد. والله رءوف بالعباد.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وصلى الله على نبينا محمد.