إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 85للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليهود هم أعدى أعداء الله عز وجل، فهم قتلة الأنبياء، وهم من دأبوا على نقض العهود والمواثيق، والتحايل على أوامر الشريعة، حتى إنه لم يدخل منهم في الإسلام إلا العدد القليل على مدى سنوات الدعوة الإسلامية، لذلك فقد حذر الله عباده المؤمنين من التشبه باليهود، الذين لن يدخلوا الجنة ولن يجدوا ريحها، بل انقطع رجاؤهم فيها كما انقطع رجاء الكفار من أصحاب القبور.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    نحن اليوم مع النداء الحادي والثمانين من النداءات التسعين، وهذا النداء هو آخر نداء من سورة الممتحنة، وقد اشتملت هذه السورة على ثلاثة نداءات، فلنسترجع ما قد درسناه منها وعلمناه فيها.

    النداء الأول: وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1] ... الآيات.

    وقد علمنا أن الله تعالى حرم علينا -نحن أولياءه- أن نتخذ الكافرين أولياء نحبهم وننصرهم، فعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يعلم أن الله تعالى -وهو ربنا وولينا- قد حرم علينا أن نتخذ الكافرين أولياء، بمعنى: حرم علينا حبهم ونصرتهم، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحب كافراً أو كافرة، أو أن ينصره على المسلمين.

    النداء الثاني: في بيان حكم المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، وكيفية معاملتهن مع أزواجهن.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10] ... الآية. فإذا جاءت امرأة كافرة قد هربت بدينها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وقالت: إني مسلمة فاقبلوني في دياركم، وانصروني بنصرة الإسلام، وأحبوني بحب الإيمان فقد أرشدنا الله تعالى إلى أن نمتحنها ونختبرها؛ لنتأكد من صحة إيمانها أو عدمه، فنستحلفها بالله بأن تقول: بالله الذي لا إله غيره أنها أتت مهاجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، وأنها ما جاءت هنا من أجل أنها عشقت رجلاً فأرادت أن تتزوجه، ولا جاءت لغرض من الأغراض الدنيوية، وأنها والله ما جاءت إلا فارة بدينها؛ إذ لا يحل لها المقام بين ظهراني الكافرين؛ لأنهم يمنعونها من أن تعبد ربها وأن توحده.

    إذا امتحنت المرأة المهاجرة ونجحت في صحة إيمانها ودخولها في الإسلام فيجب علينا أن نؤويها وننصرها، وإذا جاء زوجها يطالب بها فلا يحل لنا أن نردها إليه أبداً؛ لأن الإسلام فصم وقطع تلك الصلة التي كانت بينهما.

    ولكن إذا طالب الزوج بما أنفق عليها من مهر أو صداق وجب علينا أن ندفع ذلك، وأن نرد عليه ما أنفق على هذه الزوجة؛ إذ هذا حق من حقوقه. فقد قال تعالى في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]. فلا تحل المؤمنة للكافر أن يتزوجها، ولا أن يبقى معها زوجاً لها، فقد تمزقت تلك العصمة بالإسلام، ولا يحل له هو أيضاً إذا أسلم أن يبقى مع زوجته إذا لم تسلم؛ لقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    والكتابية سواء كانت يهودية أو نصرانية ليست كالمشركة والكافرة؛ لأن الله تعالى أذن لنا في نكاح الكتابيات، ولم يأذن لنا في حب أهل الكتاب أو نصرتهم، ولكن أذن لنا في الزواج منهم. ومن هنا لو جاءت كتابية مهاجرة فلا نردها أبداً إلى بلاد الكفر، ولو جاء زوجها يطالب بها فلا نردها عليه، بل نعطيه مهره الذي أمهرها إياه كالمشركة في هذه الحال

    يجوز لنا أن نتزوج هذه المرأة المهاجرة قطعاً ما دامت قد أسلمت، بل ويجوز الزواج بها ولو لم تسلم إذا لم تكن مشركة، وإذا كانت كتابية فالزواج بها من باب أولى، وأما المشركة إذا أصرت على شركها وبقيت على كفرها فلا يحل نكاحها؛ لقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10]. فلا جناح علينا أن ننكح تلك المرأة المهاجرة إن نحن أعطيناها مهرها.

    هنا مشكلة، وهي: إذا هربت منا امرأة إلى دار الكفر وطالبنا بالمهر الذي دفعناه فرفضوا، وقالوا: لن نعطيكم، والحل هو: أننا إذا غزوناهم وغنمنا منهم غنائم فقبل أن نقسم الغنيمة نعطي للذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا؛ لأنهم أنفقوا على زوجات ولم يرجعن إليهم، وبقين في دار الكفر. فكما نرد على الكافر المهر فيجب أن يردوا علينا المهر، فإذا سلموا بهذا الحكم وأعطوا قبلنا، وإذا رفضوا وغزوناهم وغنمنا فحينئذ ينبغي قبل قسمة الغنائم أن نعطي للذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا.

    وإذا لم نغز ولم نغنم فعلى إمام المسلمين أن يدفع المهور لأولئك الأزواج الذين ذهبت أزواجهم، فإن عجز إمام المسلمين فعلى جماعة المسلمين أن يجمعوا المال، ويدفعون مهور من فقدوا نساءهم.

    وهذا النداء هو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ [الممتحنة:10]. ولا بد من الامتحان، فالله لن ينزل آية في أنهن مؤمنات، بل كل الأمر في الامتحان. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10]. كما رفض الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد أم كلثوم لأخويها في مكة.

    وعلل تعالى لعدم الإرجاع بقوله: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]. فلا هي حلال للكافر، ولا الكافر حلال للمؤمنة؛ لأنه مشرك وهي موحدة.

    وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]، أي: أعطوا لأولئك الكفار ما أنفقوا على أزواجهم اللائي أسلمن وهاجرن. وهذا هو العدل والحق.

    وقوله تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: لا حرج ولا إثم علينا أن نتزوج هذه المهاجرة إذا نحن أعطيناها مهرها، وهو مهر مثيلاتها بعدل وإنصاف، ولا نقل: هذه مهاجرة نتزوجها بدون مهر، بل لابد أن تمهر مهر مثلها؛ إذ قال تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: تتزوجوهن، إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10].

    قال تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10] أي: إذا بقيت المرأة كافرة في دار الكفر وأسلم زوجها وهاجر لم تبق العصمة موجودة؛ لأن الإسلام يحل عقدة النكاح. فلو أن المرأة بقيت على الكفر في بريطانيا وأسلم زوجها وجاء إلى المدينة لم يبق بينهما زواج، بل إنه ينحل بمجرد أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ولو أسلمت المرأة قبل انقضاء العدة عادت إليه، ولكن إذا انتهت العدة وأسلمت فإنها تعود إليه بنكاح جديد.

    وقوله تعالى: وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]، أي: اطلبوا مهور أزواجكم من الكفار، وهم أيضاً يطلبون مهور أزواجهم منا إذا أسلمن وهاجرن إلينا. وهناك تتجلى عدالة الله عز وجل بين عباده، فكون الزوج كافراً فإن هذا لا يحرمه مالاً دفعه.

    قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26]. فسلموا لقضائه ولحكمه؛ لأنه حكم عليم يضع كل شيء في موضعه، فلهذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يسلم لحكم الله؛ لأنه حكم غير جائر وغير حائد؛ لأن الحاكم عليم بأسرار الكون وخلقه، وعليم بالظواهر والبواطن، وهو حكيم يضع الشيء في موضعه.

    فلهذا إذا صدر حكم عليك في كتاب الله أو في سنة الرسول فافرح، ولينشرح صدرك، ولتطمئن نفسك؛ لأنه حكم عادل مبني على علم الله وحكمته، ولو كان الله غير عليم أو غير حكيم لارتاب الناس واضطربوا. وهذا الحكم ليس فيه جور، ولا غير ملائم، بل ما دام الله عليماً حكيماً فيجب أن تنشرح صدور المؤمنين إذا حكم عليهم بحكم. وقد قال تعالى في سورة النساء: فَلا وَرَبِّكَ [النساء:65] يا رسولنا! لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65]، ولا يصبحون من المؤمنين بحق حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65]، ولا ضيق ولا تململ. وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. ولهذا إذا رفعت القضية إلى المحكمة الشرعية وحكم القاضي أنه يجب عليك كذا؛ لأن الله بقول كذا أو الرسول يقول كذا فيجب عليك أن ينشرح صدرك وتطيب نفسك، وأنت هنا ترضى بحكم الله لا بحكم القاضي، فالقاضي نفذ فقط. فلتنشرح صدورنا وتطيب نفوسنا، لأن الحاكم القاضي عليم حكيم، فلا تخف أن هناك جهلاً سبب حكماً غير ملائم أو غير موافق، أو أن هناك عدم بصيرة أو عدم وعي أو غير ذلك، ولا يقع في نفسك ذلك ما دام الحاكم هو الله، والله عليم حكيم، فلتفرح بحكم الله.

    ومن أراد أن يختبر إيمانه فليتفضل يرفع قضية إلى المحكمة، فإذا صدر الحكم بقال الله وقال رسوله فلينشرح صدره، ولا يشتم القاضي ويسبه كما يفعل الجهال، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65]، أي: يا رسولنا! فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65]، أي: ضيقاً مما حكمت به، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. بلا نزاع ولا نقد ولا طعن.

    وآخر هذا النداء قوله تعالى: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:11] أو بقيت زوجة فلان في بلاد الكفر فَعَاقَبْتُمْ [الممتحنة:11] فغنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:11]، أي: القدر الذي أنفقوه على زوجاتهم قبل فرارهن وهروبهن إلى ديار الكفر، وأعطوهم مثلما أنفقوا قسمة الغنيمة.

    فإن لم يكن غزو ولا غنيمة فعلى إمام المسلمين أن يدفع هذا من بيت المال، فإن لم يكن فيها فعلى جماعة المسلمين أن يجمعوا المال ويعطونه للمؤمنين الذين ذهبت أزواجهم عنهم. هذه تعاليم الله عز وجل.

    1.   

    حرمة موالاة اليهود

    هذا هو النداء الأخير من السورة، وهو [ النداء الحادي والثمانون ] وهذا النداء مضمونه وفحواه وما يدعو إليه هو [ في حرمة موالاة اليهود ] بصورة خاصة، وقد سبق نداء في حرمة موالاة الكافرين المشركين، وهذا في حرمة موالاة أهل الكتاب من يهود ونصارى. وهذا النداء في آية واحدة، فهيا نتغنى به:

    قال: [ الآية (13) من سورة الممتحنة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13] ] والكافر لا يرجو أن يخرج ميته من القبر ويعود، فهو إذا دفن أباه أو أخاه أو امرأته لا يرجو أن يعود إليه ويخرج من القبر، بل إنه ييأس من هذا يأساً كاملاً، واليهود قد يئسوا من دخول الجنة يأس الكافر من عودة أخيه من القبر؛ وذلك لأن اليهود يعرفون أنهم قد حاربوا الله ورسوله وأولياءه، وأنهم قتلوا أنبياءه وقتلوا رسله، وفعلوا ما فعلوا، فأيسوا من أن يدخلوا الجنة، وهم على علم بهذا. ونحن عندنا علم بأن الله قد غضب عليهم، فنحن نقرأ في كل ركعة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]. والمغضوب عليهم هنا هم اليهود والله، وقد غضب الله عليهم لأنهم عاكسوه، فهم يكرهون ما يحب، ويحبون ما يكره، فالله يحب المؤمنين والمؤمنات وهم يكرهونهم، ويكره تعالى الظلم والاعتداء والغش والخديعة والربا وهم يحبون ذلك، ويدعون إليه وينشرونه إلى الآن. ومن عاكس الله يوماً بعد يوم يغضب عليه، وإذا غضب عليه لعنه وآيئسه من رحمته.

    شدة عداوة اليهود للمسلمين

    قال تعالى في سورة المائدة لَتَجِدَنَّ [المائدة:82] يا رسولنا! أو أيها السامع! أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82]. وهذا إخبار من خالق الخلائق وغارز الغرائز وطابع الطبائع، الذي يعلم الظواهر والبواطن، فقد أصدر حكمه بأنك يا عبد الله! لو طلبت في الناس من هو أشد عداوة للمؤمنين لوجدتهم اليهود والمشركين والله العظيم، ومن شك كفر، فلا تشك في إخبار العليم الحكيم خالق الطباع والنفوس، فهو الذي قال: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:82]. فالنصارى أقرب الناس للدخول في الإسلام لولا صنفان من الناس: رؤساء الكنائس، الذين يعيشون متمتعين متعظمين عن طريق إضلالهم لإخوانهم، وملوك النصارى أيام كان لهم ملوك، فقد كان ملوك النصارى متعاونين مع رجال الكنيسة، وكانت الشعوب الصليبية أو النصرانية خاضعة خانعة، فحرموهم من دخول رحمة الله ومن دخول الإسلام لا لشيء إلا للمصالح المادية، حتى يحافظ الملوك على ملكهم، ويحافظ رجال الكنيسة على مناصبهم ومراتبهم، ويبقون مبجلون معظمون، وتقبل الأرض تحت أقدامهم. فإذا دخل النصارى في الإسلام زال ذلك كله منهم، فرضوا بجهنم، ولم يرضوا بأن يتركوا أممهم تدخل في رحمة الله.

    وإلى الآن النصارى الذين ليسوا أهل كنيسة ولا حكم أقرب الناس إلى الدخول في الإسلام، ولو وجدوا من يدعوهم ويبين لهم ومن يحميهم لدخلوا في دين الله أفواجاً والله.

    معنى الموالاة

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]، معنى: لا تتولوا قوماً أي: لا تتولوهم بحبهم ونصرتهم، بل ابغضوهم واخذلوهم؛ لأنهم أعداؤكم.

    فلا تحب عدوك؛ لأنه يضحك ويسخر منك إن أحببته، فهو يكرهك ويبغضك، ويريد أن يمتص دمك، فإذا أحببته فإنه والله يسخر منك لما يشاهد حبك له، فيضحك منك في قلبه ويقول: إنك بهيمة لا تفهم.

    وقد قال تعالى: لا تَتَوَلَّوْا [الممتحنة:13]، أي: بالحب والنصرة قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]. فلا نتولى أباً ولا أماً لو كانا منهم، ووالله لو أن أبي أو أمي يهودي أو نصراني أو كافر ما جاز لي أن أحبه أبداً، بل يجب أن أبغضه، لا أن أحب من يبغضه الله، ومن يكره أولياء الله، فهذا لا يجوز. ومن أحبهم فليس له عقل إذاً.

    قتل اليهود للأنبياء وتآمرهم على قتل نبينا صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ [الممتحنة:13]. وذلك لأنهم قتلوا الأنبياء، فقد قتلوا زكريا وولده يحيى، وتآمروا على قتل نبينا مرتين، وحكمهم في هذا حكم من قتل.

    فقد تآمروا عليه هنا في المدينة وأرادوا أن يلقوا عليه صخرة من الأعلى، وكان هذا في بني النظير، وهم قبيلة تسمى قبيلة بني النظير على بعد كيلو أو اثنين كيلو من المسجد النبوي من جهة الشرق، وهم من أشراف اليهود .

    وكانت الاتفاقية المبرمة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم تقتضي إذا تحمل الرسول ديات أن يساهموا فيها، ويدفعوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم أيضاً إذا تحملوا فعلى الرسول أن يدفع معهم، فوقعت حادثة قتل فيها اثنان من المسلمين خطأً، فطالب أهلهم بالدية، فتحملها الرسول، وذهب إلى بني النظير ليطلب الحق الذي عليهم، فقالوا: اجلس، وبسطوا له القول باللسان، وفرشوا له الفراش، وقالوا: انتظر يا أبا القاسم! وكان عندهم مطحنة - والمطاحن القديمة معروفة، وتسمى رحى. والطحان عند المغاربة هو الديوث؛ لأن امرأته غلبته، فتتركه يطحن في البيت وتتجول هي في الشارع، وأما في بلاد الشرق فاسم الطحان ليس عيباً، وأما في المغرب فلو قلت لأحدهم: يا طحان! لقتلك؛ لأنه يفهم أنك قلت: يا ديوث! فإياك أن تقول لمغربي: يا طحان! حتى لا يذبحك- فصعد اليهود بالمطحنة إلى السطح وأرادوا أن يلقوها على رأسه صلى الله عليه وسلم، وقالوا: هذه الآن فرصة ذهبية؛ حتى ننتهي من هذا الإشكال نهائياً، ولكن أوحى الله إليه على الفور باللاسلكي أن قم، فقام وتبعه أصحابه، وعادوا إلى المدينة، وعض بنو النظير أصابع الندم. ونزل قول الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:1-2]. وما إن حشر الرسول جيشه وطوقهم حتى انهزموا وسلموا واعترفوا، وخرجوا من ديارهم يحملون حتى الأخشاب والأبواب؛ لأن الرسول أذن لهم أن يخرجوا، فالتحقوا بالشام وبخيبر.

    والشاهد عندنا: أن هؤلاء أرادوا قتل النبي.

    وكانت المؤامرة الأخرى في خيبر، فقد أطعموه السم، ومات صلى الله عليه وسلم بعد سنة أو سنتين أو ثلاث وهو يجد آلام ذلك السم في نفسه. ولذلك فهم يعتبرون قد قتلوا النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما قتلهم العلماء فلا تسأل، بل ولا تسأل عن قتلهم للأنبياء دون الرسل، فقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم قتلوا سبعين نبياً في يوم واحد، وأسواقهم عامرة والبيع والشراء كما هي.

    كثرة جرائم اليهود

    غضب الله على اليهود لجرائمهم، فقد اسودت نفوسهم وخبثت طباعهم، فلعنهم الله وغضب عليهم، فلا يجوز توليهم بالمحبة والمودة والتعاون، كما قال تعالى: لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13].

    وبالمناسبة فقد قلت لكم: إلى الآن أغلب من دخل في الإسلام النصارى، وليس اليهود، فاليهود لم يدخل منهم في الإسلام إلا مجموعة يعدون على الأصابع، وأما النصارى فبالملايين؛ لأن النصراني يؤمن بدار السلام، ويؤمن بالنار، وبعالم السعادة والشقاء، ويؤمن بالوحي الإلهي، وبرسل الله، فإذا بين له الطريق سلكه، ولا يبالي بأمه ولا بأبيه.

    ولكن رؤساء الكنيسة والملوك متعاونون من عهد قديم على منعهم من الإسلام؛ حفاظاً على الدنيا فقط، وإن خسروا الآخرة فهذا غير مهم عندهم.

    وقد أسقط اليهود ملوك النصارى، وقضوا على أكثرهم؛ لأن المسيحي كان يرى اليهودي أمامه كالشيطان، ومضت فترة طويلة وقرون لم يكن يستطيع المسيحي الحق أن يفتح عينيه على وجه يهودي، بل كان يبخل بأن يفتح عليه عينيه؛ لأنه كان يعتقد أنه قاتل إلهه، فلم يكن يستطيع النظر إليه، ولا حبه.

    ثم فعل اليهود فعلتهم، فبغضوا إلى الناس ملوكهم، حتى أن ضعفاء الإسلام مشوا في هذا الطريق، وأصبحوا يبغضون كلمة ملك وملوك؛ لأن السحر واحد، واليد التي عملته هي يد اليهود ، وقلدْنا الأوروبيين في هذا، مع أن هناك فرقاً بيننا وبينهم كما بين السماء والأرض.

    فاليهود بغضوا إلى النصارى ملوكهم وكنائسهم، بل - كما علمتم- المذهب الشيوعي الإلحادي قائم على (لا إله والحياة مادة)، وهذا المذهب هو الذي جعل الأوروبيين في الشرق والغرب يقتلون الملوك ويبعدونهم، ويهجرون الكنائس ويبتعدون عنها. وكان هذا المذهب في صالح اليهود، فهم الذين وضعوه، واستطاعوا بذلك أن يكسبوا حب النصارى، وهم وإن لم يحبوهم من قلوبهم إلا أنهم أصبحوا يحترمونهم ويبجلونهم ويعظمونهم.

    وفعل اليهود هذا لأنهم كانوا يأملون في إقامة مملكة بني إسرائيل، فبدءوا بأكبر عدو لهم، وهو الصليبية، فقد كانت أكبر عداوة لهم من الإسلام، واستطاعوا أن يمسخوا أوروبا مسخاً، فالكنائس الآن ينعق فيه البوم والحمام، ولا يدخلها أحد، وثلاثة أرباع أوروبا والشرق والغرب لا يؤمنون بالله. وبذلك تمكن اليهود أن يعيشوا حاكمين وسادة في أوروبا، فقد كانت بأيديهم مقاليد البلاد كلها. وهذا لا يليق بالمسلمين، فقد قال تعالى: لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13].

    استباحة اليهود للربا

    من أسباب غضب الله على اليهود: أنهم استباحوا الربا، فهم الذين ينشرونه ويدعمونه في كل بلد العالم مع أنها جريمة من أعظم الجرائم، والغافلون والمستغربون والجهال من المسلمين والله لا يطيقون هذا الكلام، مع أن جريمة الربا والله من أقبح الجرائم وأفظعها.

    والذي حرم الربا عليم حكيم، وليس جاهلاً ولا أحمق. فالله هو العليم الحكيم، وقد حرم الربا لأنه ضار بأوليائه، وهو لا يحرم ما ليس فيه ضرر، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فقد حرم الربا لأنه ضار بأوليائه المؤمنين، وانظر إلى نتائج الربا، فقد منع وعطل شيئاً اسمه القرض لله، أو السلفة لوجه الله، فإذا ذهبت إلى عمك أو خالك أو جارك أو صديقك وقلت له: من فضلك أعطني مائة ألف أو مليون لمدة كذا لم يعطك، ويقول لك: اذهب إلى البنك ليعطيك.

    ومن هنا وفي هذه بالذات منعوا وقطعوا الصلة التي توثق مودة المؤمنين فيما بينهم، ولو بحثت الآن عمن يسلفك لم تجد أبداً من يقرضك، ولا تجد إلا البنوك موجودة، وأصحابها يرحبون بك من عند الباب، ويعطونك الألف بألف ومائة، وإن تمردت عليهم فإنهم يعرفون كيف يلوون رأسك بالسجن أو بالتغريم. فالربا قطع صلة الرحمة بين البشر.

    ومن أسباب منعنا للقرض والسلفة وتعاملنا بالربا: أن اليهود جهلونا وفسقونا، وأخرجونا عن تعاليمنا، فلم يصبح من المؤمنين من يفي بوعده إلا واحد في المليون. فلو أنك أقرضت أخاك ما في جيبك أو صندوقك فلن يدفع لك ذلك، ولن يرده إلا مع العناء والمشقة وطول الزمان، ولا يدفعه كاملاً أيضاً. فتمزقت الأخوة، وانقطعت حبالها فيما بيننا. وهذه وحدها كافية في تحريم الربا. وبدلاً من أن يتعاون أهل القرية أو أهل الحي ويجمعون نقودهم في صندوق واحد في المسجد، ويتراحمون به ويتعاونون أغلقوا هذا الباب، وحولوا المال إلى البنك اليهودي، حيث لا أخوة ولا مودة ولا لقاء أبداً.

    وحسبنا في بغض الله تعالى لليهود أنهم قتلوا الأنبياء والعلماء، وكما قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21]. والآية تحذرنا من أسباب غضب الله عليهم، وهذه الأسباب هي: الفسق، وأكل الربا، وقتل العلماء، وقتل الأنبياء. فهذه الآية ليست مجرد إخبار فقط، وإنما هي إخبار وإعلام لنا أن لا نسلك مسالكهم، وألا نتعرض لغضب الله كما غضب عليهم.

    يأس اليهود من دخول الجنة

    قال تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ [الممتحنة:13]، أي: من دخول الجنة. وقد تبجحوا مرة وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80]. فرد الله عليهم وأبطل ذلك، فهذه حيلة منهم فقط يكذبون بها على إخوانهم، فقالوا لهم: لن تمسنا النار ولن نحترق بها إلا أربعين يوماً، وهي تلك الأربعين يوماً التي عبدنا فيها العجل لما ذهب موسى إلى المناجاة. وهذه الحيلة اليهودية قالها علماؤهم لعوامهم، فقالوا لهم: لن نحترق إلا أربعين يوماً فقط، وهذه هي المدة التي تمسنا فيها النار. وقد أبطل الله قولهم هذا بطلاناً كاملاً؛ لأن النار لن تصفيهم، وإنما اليوم من احترق ظلماً وعدواناً فإن النار تطهره، وأما النار يوم القيامة فليست للتصفية؛ لأن من دخلها من أهل الكفر قد دخل ليخلد فيها.

    والآن لو تتصل بعلمائهم وصدقوك القول لأعلموك أنهم آيسون من دخول الجنة؛ وذلك لعظم ذنوبهم، وقوة كفرهم وجرائمهم.

    وقوله: كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13] أي: يئس اليهود من دخول الجنة يوم القيامة وبعد الموت كيأس الكافر من عودة أخيه من القبر سواءً بسواء، فهو يأس كامل، فالكفار يئسوا أن يعود إليهم أصحاب القبور يأساً كاملاً.

    حرمة موالاة المؤمنين للكفار ولو كانوا أقرب الأقرباء

    [ الشرح ] ولنستمع الآن إلى شرح هذا النداء الكريم بعد أن فهمناه في الجملة.

    قال: [ اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء الذي ختمت به سورة الممتحنة هو كالنداء الذي افتتحت به؛ إذ الأول حرم موالاة الكفار والمشركين؛ لأنهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وحرم في هذا موالاة أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأنهم أيضاً أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

    والموالاة المحرمة هي: النصرة والمودة ] أي: الحب، وأما أن تتعامل معهم بيعاً وشراء وتجارة فهذا شيء آخر. فالمحرم هو حبهم ونصرتهم [ إذ ليس من المعقول ولا المقبول أن شخصاً يعادي ربه الذي خلقه ورزقه وحفظه طوال حياته، يعاديه فلا يذكره ولا يشكره، ولا يطيعه في أمر ولا نهي، ويعاكسه شر معاكسة، إذ هو يحب كل ما يكره الله تعالى، ويكره كل ما يحب الله تعالى، والعياذ بالله من هذا المخلوق الذي عادى خالقه وتحداه، وحارب رسوله وأولياءه.

    من هنا كانت موالاة الكفار من الذنب العظيم، ولا توجد في قلب مؤمن صادق الإيمان محبة عبد يحاد الله تعالى ورسوله والمؤمنين، واسمع قوله تعالى في هذا الشأن ] من سورة المجادلة: [ لا تَجِدُ [المجادلة:22] ] يارسولنا! ويا أيها السامع [ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ [المجادلة:22] ] فقد خرج أبو بكر ليقاتل ولده في بدر، وهذه هي حقيقة أهل الإيمان الصادق، كما قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ [المجادلة:22]، أي: يحبون، مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22]، أي: من وقف في حد وكان الله ورسوله في حد، ولم يكن من أهل الإيمان ولا الطاعة ولا المودة ولا اللقاء. وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22] [ أُوْلَئِكَ [المجادلة:22]، أي: الذين نفى تعالى وجود مودة لكافر في قلوبهم ولو كان أقرب قريب. كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:22]. كتابة راسخة ثابتة، لا تحول ولا تزول ] ولا تتزعزع ولا تتبدل ولا تتحول [ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22] أي: ببرهان وهدىً ونور ] إلهي ورحمة إلهية. ولهذا يرى أحدهم ابنه أو أباه الكافر من أعدائه، فلا تميله عاطفة أبداً إلى هذا الكافر؛ لأنه عادى الله وحاربه [ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [المجادلة:22] أي: ] لا يخرجون [ منها ولا يموتون فيها.

    وزيادة في الإنعام عليهم أنه رضي عنهم ورضوا عنه. أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ [المجادلة:22]. لا حزب الشيطان؛ إذ طاعتهم للرحمن، وليس للشيطان فيها نصيب.

    ثم ختم تعالى على البيان بهذا الإعلام فقال: أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، أي: الفائزون بالنجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار، وحزب الشيطان وهم الكفرة والمشركون والفسقة والمجرمون هم الخاسرون؛ حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؛ إذ قال تعالى فيهم: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم ...)

    قال: [ والآن مع النداء الإلهي الذي درسناه إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:13]! أي: يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً، لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]، أي: لا تتولوهم بالنصرة والمودة ] والحب [ نهاهم الرب تبارك وتعالى عن موالاة اليهود بصورة خاصة؛ إذ هم الذين غضب الله عليهم، وعلة غضب الله تعالى عليهم هي أنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا ما حرم الله تعالى وفعلوه، وعرفوا الهدى وتركوه، واتبعوا الضلال والتزموه، فهذه بعض موجبات غضب الله تعالى عليهم.

    وقوله تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ [الممتحنة:13] أي: من السعادة فيها بدخول الجنة بعد النجاة من النار. ويأسهم سببه ما عرفوه من التوراة والإنجيل من قضاء الله وحكمه فيهم وفي أمثالهم ممن عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا محاب الله وكرهوها، وعرفوا مساخط الله تعالى وأحبوها وأتوها وفعلوها. فلما غرقوا في خضم الجرائم والموبقات من الشرك والكفر واستباحة محارم الله يومها أيسوا من النجاة من النار ودخول الجنة. وشبه تعالى يأسهم بيأس الكفار من أصحاب القبور، وهم الذين كفروا - يعني- وماتوا على ذلك، فإنهم يئسوا من دخول الجنة؛ لأنهم ماتوا على الكفر، وكما يئس أصحاب القبور من العودة إلى الدنيا بعد موتهم، وكما يئس أقرباؤهم من عودتهم إلى الحياة ] الدنيا [ بعد موتهم، إذ الكل يأس وقنوط. وهؤلاء اليهود المغضوب عليهم ] قد [ يئسوا من سعادة الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور كما بيناه آنفاً فلنذكره. واستعذ بالله ] تعالى [ من غضبه وعقابه ] ولنتعوذ نحن بالله من غضبه وعقابه، ولنتجنب موجبات ذلك، ولنسلك سبل الرضا بالإيمان الصحيح، والعمل الصالح مع اجتناب المحرمات والمنهيات.

    [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.