إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 83للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • موالاة أعداء الله ومحبتهم جرم عظيم ومعصية كبيرة، فلا يجوز لمؤمن بالله وبرسوله وبدين الإسلام أن يوادهم؛ لأنهم كفروا بالحق الذي جاء من عند الله، وحاربوا دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وآذوا المؤمنين بسبب إيمانهم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

    1.   

    شمول نداءات الرحمن لكل نواحي الحياة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارضَ عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    هذه النداءات هي نداءات الله جل جلاله وعظم سلطانه التي وجهها إلى أوليائه، وهم المؤمنون المتقون، ووجهها إليهم رحمة بهم وشفقة عليهم، وحباً في رفعتهم وكمالهم، وقد أنزل مولاهم وسيدهم في كتابه هذه النداءات، وواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يسمعها، وأن يعرف ما تحمله من هدى، وأن يعمل بهذا الهدى الذي تحمله، وبذلك يكمل ويسعد بعد أن ينجو من خيبة الدنيا وخزيها وعذاب الآخرة.

    هذه النداءات تسعون نداءً من سورة البقرة إلى سورة التحريم، وهي موزعة في السور المدنية، وليس في السور المكية منها نداء؛ لأن الإيمان ظهر في المدينة.

    وهذه النداءات التسعون اشتملت واحتوت على كل متطلبات الحياة من العقائد والعبادات، والآداب والأخلاق، والسياسة في الحرب والسلم والاقتصاد، وأهل القرآن عنها غافلون، وكأن شيئاً لم ينزل.

    1.   

    هجران المسلمين للقرآن

    حسبنا أن نقول: إن المسلمين قد هجروا القرآن، وسوف يشكوهم رسول الله يوم القيامة إلى الله، ويقول: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]. فهم يقرءونه على الموتى، ويحرمون منه الأحياء، ولا يقرءونه عليهم. ووالله إن الميت لا ينتفع بسماع القرآن، فهو لن يقوم يغتسل من الجنابة ويصلي، ولن يقوم معترفاً بحق فلان وفلان عليه ويسدد حقه، وقد صرخنا وبينا بأن هذه حيلة من عدو الإسلام الثالوث الأسود، المكون من المجوس واليهود والنصارى، فقد صرفوا المسلمين عن القرآن فماتوا، فهم لم يستطيعوا أن يمزقوا القرآن، ولا أن ينتزعوه من قلوب الحافظين له، ولذلك احتالوا علينا، وجعلونا نقرأه على الموتى.

    وقد قلت غير ما مرة: لم يقل أحد لأخيه: يا فلان! تعال اقرأ عليّ شيئاً من القرآن، ولم يجلس أحد في المجلس وقال: يا فلان! نحن ننتظر صلاة العشاء، فتعال اقرأ عليّ شيئاً من القرآن؛ لأتدبره، فهذا لم يقع، وكذلك العمال الذين في المعمل يصنعون إذا جاءت ساعة الاستراحة لا يقول أحد لأخيه: أسمعني شيئاً من كلام الله؛ لأننا هجرناه، وسيشكونا رسول الله إلى الله، واقرءوا في سورة الفرقان: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]. وبعض الإخوان يقول: يقول الشيخ: القرآن لا يقرأ على الموتى، وأقول: إن علمت من طريق مالك أو أبي حنيفة أو الشافعي أو الصحابة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما توفيت ابنته أم كلثوم جلس بين يديها يقرأ عليها القرآن فانكر علي، أو إن علمت أن أبا بكر الصديق أو عمر أو غيرهما أنه لما ماتت امرأة أحدهم أو ولده جمع القراء يقرءون عليه فقل: الشيخ ينكر. فهذا لم يثبت في الكتاب ولا في السنة.

    وقد قلنا: والله الذي لا إله غيره ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميت ولا ميتة، ولا وصى بهذا ولا أمر به، ولا عرفه أصحابه، فلا تبق أنت في شك وحيرة، وتنكر عدم قراءة القرآن على الموتى، وأقول: اقرأ على الأحياء؛ لتبصرهم، ولتنور قلوبهم، ولتعلمهم؛ حتى يفهمون ويعون ويعرفون الحياة ومعناها. ولكننا ما زلنا هابطين.

    1.   

    الإسلام طريق واحد لا طرق متعددة

    آخر يشتكي ويقول: يا شيخ: إن التجاني عندنا محترم مبجل، وأتباعه عندك في الدرس فانصحهم. وأقول: إن التجانية والقادرية والرحمانية والعمرانية والعثمانية وهذه الطرق بدع، ورضي الله عن إخواننا من الجن، فقد قالوا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا [الجن:1-4]. إلى أن قالوا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11]. ونحن ما زلنا نحافظ على الطرق، مع أننا ليس لنا إلا طريق واحد، وهو: اللهم اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]. ولا نصلي ركعة إلا ونتملق الله ونحمده، ونثني عليه ونمجده بقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، أي: لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك. ثم نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]. فهو صراط واحد.

    والذين وضعوا هذه الطرق مزقوا الإسلام وشتتوه، ونحن ليس عندنا إلا منهج واحد، وهو قال الله وقال رسوله، فلا طرق ولا أحزاب ولا دويلات ولا مذاهب، بل نحن أمة واحدة، وقد عرف العدو هذا وحفظه وفهمه، فاستعبدنا واستعمرنا من اندونيسيا إلى موريتانيا قرناً كاملاً، وما زلنا سكارى لا نفقه.

    1.   

    الفلاح معلق بزكاة النفس والخسران معلق بخبثها

    اسمع يا سامع! فقد صدر حكم الله، فقد قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فكن ابن من شئت، وانتمي إلى أي قبيلة أو أي أمة شئت، فقد صدر حكم الله ولن ينقض، وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]. فقد أقسم الجبار بأقسام عديدة على هذا الحكم الإلهي، فقد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب وخسر من دسى نفسه خبثها ولوثها بما صب عليها من أطنان الذنوب والآثام.

    وأكشف النقاب عن حالنا، فأقسم بالله أننا لو كنا متأهلين لننزل في الملكوت الأعلى وسمع أحدنا هذا الحكم أنه قد أفلح وفاز بالنجاة من النار ودخول الجنة من زكى نفسه، وقد خاب من دساها وكان أهل وعي وبصيرة لسأل عما يزكي به نفسه، وكيف يزكيها ما دام المصير هكذا، ولو قلت له: لا أستطيع أن أعلمك لقال: والله لن تغادر هذا المكان حتى تعلمني كيف أزكي نفسي؛ لأن مصيري موقوف على هذه التزكية، ومعرفة أدواتها، ومكان وجودها، وكيفية الحصول عليها، وكيفية استخدامها، ولذلك من الضروري أن أعرفها. ولكان هذا حال العالم الإسلامي في الشرق والغرب.

    وبالله الذي لا إله غيره أنه قد صدر حكم الله على الخليقة كما سمعتم، فلا تشكوا في حكم الله، فقد قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، أي: طيبها وطهرها. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، أي: خبثها ولوثها. وهنا على الآدمي أن يقرر مصيره بنفسه، وقد وكل الله إليك ذلك، فإن زكيت نفسك فطابت وطهرت قبلت في الملكوت الأعلى مع أهل الطهر والصفاء، وإن خبثتها ولوثتها بأدران الشرك والمعاصي فلن ترفع إلى السماء، ولن تدخل دار السلام. وقد صدر حكم الله في هذا، فاسمعوه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا [الأعراف:40] ولم يزكوا أنفسهم، ولم يطيبوها، ولم يطهروها، ولم يستعملوا أدوات التطهير؛ لأنهم إما مكذبون بهذه الشريعة وإما مستكبرون غير مؤمنين بها، فهؤلاء لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]. بل عندما ( يعرج بالروح إلى السماء الأولى يستأذن لها فلا يؤذن لها ). وتكون رائحتها ممتنة كريهة كأرواح الشياطين، فيعودون بها إلى القبر في الأرض، ثم إلى عالم الشقاء في أسفل سافلين. وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ [الأعراف:40]، أي: البعير فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، أي: في عين الإبرة. ولا يقدر أحد أن يرد على الله. ونحن حقاً ما عرفنا هذا، ولهذا نريد أن نكون أتباعاً للشيخ الفلاني وللطريقة الفلانية، وكل هذا هراء ولهو وباطل. فاعرف كيف تزكي نفسك يا عبد الله! ويا أمة الله!

    والآن إذا اكتفينا وسكتنا فلن يقول أحد: يا شيخ! والله لن تقوم من مقامك حتى تعلمنا وتعرفنا كيف نزكي أنفسنا، ما دام مصيرنا هكذا، وما الذي يدسيها؛ حتى نتجنبه. ويمكن أن يقوم الآن أحد ممن وعوا هذا وعملوا، ولكنك إذا خطبت وتكلمت هكذا من إندونيسيا إلى المغرب وخرجت من الدرس فلن يأتيك أحد يقول لك: من فضلك يا شيخ! علمني كيف أزكي نفسي، إما لأنهم لم يفهموا، أو لأنهم غير مؤمنين بهذا، ولا موقنين بعالم السعادة وعالم الشقاء.

    ما تزكو به النفس أو تخبث

    النفس البشرية كالنفس الجنية، وعالم الإنس وعالم الجن تعبدهم الله في الأرض. والنفس تزكو بشيئين وأداتين وعقارين: الأول: الإيمان الصحيح، والثاني: العمل الصالح، فاطلب الإيمان والعمل الصالح، واستعمل ذلك في تزكية نفسك، فإنك والله لتزكون وتطيب وتطهر.

    والذي يدسي النفس ويخبثها ويلوثها شيئان فقط: الشرك، والمعاصي وكبائر الذنوب، ولا شيء آخر غير هذا. والشرك كالكفر لا فرق بينهما؛ إذ كلاهما التفات إلى غير الله، وكل ذنب أو كبيرة تقع على النفس فإنها تلطخها، وتجعلها منتنة سوداء، فإما أن يتوب ويمسحها ويغسلها، أو تتعفن النفس وتصبح لا تقبل الطهر ولا الصفاء.

    فالنفس تزكو بالإيمان الصحيح الموافق لإيمان رسول الله والمؤمنين، وبالعمل الصالح الذي شرعه الله وبينه رسوله، وليس بالبدع والخرافات والضلالات والأوهام وما يحسنه الرجال، بل العبادة التي تنتج طهراً وزكاة للنفس ينبغي أن تكون مما شرعها الله في القرآن، أو على لسان رسوله، ثم يؤديها العبد كما أداها الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يزيد فيها ولا ينقص منها، ولا يقدمها ولا يؤخرها، ولا يوقعها في غير الموضع الذي شرع الله أن تقع فيه.

    وهذا العلم يحتاج إلى أن يجتمع أهل القرية عليه في بيت ربهم بنسائهم ورجالهم وأطفالهم، وذلك كل ليلة، وفي تواضع وطمأنينة وصفاء ورغبة في الملكوت الأعلى، ويوماً بعد يوم وطول العمر، فنتعلم كيف نزكي أنفسنا، وكيف نبعدها عما يدسيها، وأما أن نعيش في المقاهي والملاهي والأضاحيك والأباطيل والأغاني والمزامير والتهافت على الأكل والشرب وغير ذلك ثم نريد أن نسكن الملكوت الأعلى فهذا ضلال وخطأ وأوهام باطلة، وقد صدر حكم الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. ولن يعقب أحد على الله، كما أخبر بنفسه عن ذلك كما في سورة الرعد، إذا قال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41].

    والمفروض أن يكون هذا حال أهل كل قرية من قرى العالم الإسلامي عرب وعجم، وأهل كل حي في أحياء المدن وطول العمر، فيتعلمون الهدى والعلم، ويزكون أنفسهم. وبدون هذا لن نفلح، ولن نفوز إلا أن يشاء الله؛ لأننا جهلة لا نعرف كيف نزكي أنفسنا، وكيف نستعمل تلك الأدوات حتى تنتج الحسنات وتطهر النفوس، ولن يوحى إلينا بذلك، ولن يتردد علينا جبريل، فنحن لسنا أنبياء ورسلاً، والرسول يقول: ( إنما العلم بالتعلم ). ويقول: ( ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ). وقد بعث الله جبريل ليعلمنا كيف نتعلم العلم عندما كان الرسول جالساً مع أمته في تلك الروضة والمسجد الطاهر، فدخل جبريل فجلس إلى رسول الله، ووضع يديه على فخذيه، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه؛ ليعلمنا كيف نتلقى العلم. ونحن أول ما نجتمع إذا بهذا متكئ، وهذا يتكلم، وهذا يضحك، وكأننا ما عرفنا الله ولا رسوله. وهذه حالنا ألف مليون مسلم. والعلماء والحكام نائمون وجاهلون؛ لأنهم لم يعرفوا. وهذا الواقع شاهد.

    ولذلك أذلنا الله، وسلط علينا بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وحتى هولندا العجوز؛ ليرينا أننا فسقنا عن أمره، وخرجنا عن طاعته، وتحولنا عن ولايته إلى ولاية الشيطان عدوه، فأصبحنا كالمشركين، فهذا قادري، وهذا رحماني، وهذا يدعو: يا سيدي عبد القادر ! وهذا يا رسول الله! وهذا يا فاطمة ! وأصبح الشرك واضحاً، فقد ذبحنا لهم الذبائح، ونذرنا لهم النذور. ثم بعد ذلك انتشر فينا الزنا واللواط، والربا والخيانة، والسرقة والكذب، وخلف الوعد، والسب والشتم والتعيير، ولا إله إلا الله! فآل حال المسلمين إلى الجهل والجهالة، وقد كان المسلم يعيش سبعين سنة لا يسب مؤمناً، ولا يعيره ولا يشتمه، ونحن نتكلم بدون علم، فلو حضرت مجلساً فإنك تسمع: هذا عميل .. هذا كذا .. هذا أمريكي. ولا إله إلا الله! فلا إيمان، ولا بصيرة، ولا علم، ولن نكمل ونسمو ونسعد وقد هجرنا بيوت الله، وهجرنا كتاب الله.

    وخلاصة القول: ليس عندنا تجانية ولا رحمانية، ولا قادرية ولا عيساوية، ولا برهانية ولا غير ذلك، وكل هذه بدع محدثة، مزقت العالم الإسلامي، وليس عندنا أيضاً مذاهب، لا حنفي ولا شافعي، ولا مالكي حنبلي، ولا يحل أبداً أن تقول: أنا حنفي، بل قل: أنا مسلم، ولا تقل: أنا حنفي، ثم ترد سنة رسول الله وشرع الله بهذا التزمت والانتحال لهذه النحلة، بل قل: أنا مسلم، وأسلم قلبك ووجهك لله، فإذا بلغك أمر الله أو أمر رسوله فقل: على الرحب والسعة، وسمعاً وطاعة. ولكنهم مزقونا وشتتونا وفرقونا، وما زلنا نائمين.

    فمن أراد أن يزكي نفسه فليسأل عن إيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان، ثم يسأل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وكيف كان يغتسل، وكيف كان يصوم ويفطر، ويفعل كما كان يفعل، ويزكي نفسه، مع إبعادها عن الملوثات والمخبثات، من كلمة سوء إلى نظرة محرمة .. إلى كلام باطل .. إلى لقمة محرمة، وبذلك تبقى النفس في طهر وصفاء، فإذا دقت الساعة وجاء ملك الموت وأعوانه فإنهم والله ليحتفلون بهذه النفس في السماء، وتزف كما تزف العروس ليلة الزفاف، ويرحب بها أهل الملكوت الأعلى؛ لطهرها وصفائها، وأما النفس الملوثة المخبثة والتي عليها أوضار الذنوب والآثام فلن يقبلها أحد.

    الطريق إلى تزكية النفس

    الطريق لتزكية النفس هو ما سمعتموه: أن تجتمعوا في بيت ربكم في قراكم ومدنكم، وتطلبوا عالماً بالكتاب والسنة، فيجلس لكم كل ليلة، ويعلمكم في هدوء وطمأنينة ليلة آية وأخرى حديثاَ، فيعلمكم قال الله وقال رسوله، والنفوس طيبة، والصدور منشرحة، وأنتم تعلمون وتعملون، ولن يمضي زمن إلا وأنتم كلكم أولياء الله، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. ومن غير هذه الطريق فلن يتم شيء.

    وقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]. يعرفون لسانه ولغته يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة؛ لأن كلمات الرسول لا تخطئ، ولو اجتمعت البشرية كلها بفلاسفتها ورجال السياسة والقانون والهراء والباطل على أن ينقضوا كلمة واحدة من كلام رسول الله الصحيح فوالله إنهم لن يستطيعوا، ولن يقدروا.

    ومثلاً: يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( من تشبه بقوم فهو منهم ) . ولن يقدر علماء النفس في الدنيا أن ينقضوا هذا الحكم، ويقولون: بل قد يتشبه بالعاهرة ولن يكون عاهراً، أو يتشبه باليهودي ولن يكون يهودياً، أو يتشبه بالصالح ولن يكون صالحاً. ولن يقدروا ولن يستطيعوا أن ينقضوا قاعدة وضعها رسول الله.

    وقد فعل بنا الثالوث اليهود والمجوس والنصارى ما فعل، ونحن ما زلنا مطأطئين رءوسنا، ولا نفكر في الخلاص ولا الخروج أبداً إلا بالثورات والانقلابات والتزمتات. وليس هذا هو الطريق، بل هذا طريق زيادة الفتنة. والطريق الصحيح: أن نؤمن، وأن نجتمع في بيوت الرب، ونرفع أيدينا إليه، ونستمطر رحماته، أن يبعث لنا من يوجهنا ويربينا.

    ووالله إذا اطرح أهل البلد بين يدي ربهم ما تركهم، ولأرسل إليهم من يعلمهم. فعليهم فقط أن يجتمعوا في بيت الله طالبين هداه، يريدون أن يحبوه ويحبهم، ويتعرفون إليه حتى يعرفوه؛ حتى يكملوا ويسعدوا. ولن نستطيع هذا إذا كانت الدكاكين والمقاهي والملاهي مفتوحة. واليهود والنصارى إذا فرغوا من العمل ذهبوا إلى الترويح والترفيه على نفوسهم في السينما والمراقص والمقاصف. ونحن لسنا هنا ولا هناك. والعياذ بالله من حالنا.

    فعلينا إذا فرغنا من العمل أن نذهب إلى بيوت الرب نستمطر رحماته، ونطلب هداه وإحسانه وبره، ونتعلم الهدى، ونتعلم الكتاب والحكمة؛ لنكمل ونسعد. ولكنهم صرفونا وأبعدونا، وحالوا بيننا وبين ذلك، وأصبحنا إذا جاء العالم هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، ولا إله إلا الله! ولم نعد حتى نتفق على حكم واحد، ولا تقولوا: هذا الشيخ قد خرف، فقد قضينا أكثر من ستين سنة في هذه الدعوة، ووالله ما نقول إلا على علم وبصيرة. فلا تفهم غير هذا.

    1.   

    حرمة اتخاذ الكفرة أحباء يودون وأولياء ينصرون، وأن من يفعل ذلك فقد ضل طريق السعادة والكمال

    نداء اليوم نداء سياسي، وهو [ النداء التاسع والسبعون ] ومضمونه وفحواه والذي يحمله هو [ في حرمة اتخاذ الكفرة أحباء يودون، وأولياء ينصرون، وأن من يفعل ذلك فقد ضل طريق السعادة والكمال ] فهذا النداء خطير، والذي وجهه هو الله، وقد وجهه لعباده المؤمنين؛ ليعلمهم سبيل نجاتهم وطريق خلاصهم؛ حتى لا يخسروا دنياهم وأخراهم. وهذا النداء آيتاه طويلتان.

    قال: [ الآيتان (1 ، 2) من سورة الممتحنة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:1-2] ] وقد نزل هذا النداء بسبب حادثة حدثت أيام نزول هذه السورة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزو قريش وفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة.

    غزوة الأحزاب

    تحزب الأحزاب، وجاءوا من كل باب، وطوقوا المدينة في السنة الخامسة في غزوة الأحزاب، وجاءوا من الشرق والغرب والشمال، وكان جبل سلع في الجنوب، وأرادوا تصفية الإسلام مرة واحدة، وحاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ورجاله -في سفح الجبل- خمسة وعشرين ليلة، ولا تسأل عن الجوع والبرد في الشتاء، ولم يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم؛ لأن الله ناصر أولياءه، فحاصروا المسلمين خمسة وعشرين ليلة، ثم أرسل الله عليهم في الليلة الخامسة والعشرين ريحاً لم يعرفوها، فاقتلعت الخيام، وأكفأت القدور، وأخافتهم، فما كان من رجال الحرب فيهم إلا إعلان الرحيل، وأنه لا حاجة إلى بقائكم هنا، فرحلوا، ونال الرسول صلى الله عليه وسلم من الشقاء والتعب والجوع والألم ما لا تدركون، واقرءوا في ذلك من سورة الأحزاب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:9-11]. إلى عدة آيات.

    والشاهد هنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا ).

    صلح الحديبية

    كان صلح الحديبية في السنة السادسة مباشرة، ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم في موقف لو يعرفه الشباب المتهورون من المسلمين اليوم لبكوا الدماء، فقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بألف وأربعمائة مقاتل يريدون العمرة فقط، وفاوضوا قريشاً ومنعتهم، وقالت: لن تدخلوها، ولن يسمع العرب: أن محمداً انتصر علينا، وتمت مفاوضات صعبة، وبكى فيها عمر وعلي والمؤمنون من البنود العظيمة، والرسول صابر ثابت كالجبل. وكان ممثل قريش هو سهيل بن عمرو ، ثم دخل في رحمة الله رضي الله عنه وأرضاه، ولما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ) وكان الكاتب علي بن أبي طالب صهر الرسول صلى الله عليه وسلم وابن عمه قال سهيل : لا، لا نعرف الرحمن الرحيم، اكتب: باسمك اللهم فقط، فاشرأبت أعناق الصحابة إلى الرسول عندما تنازل عن اسم الله، وقال لرجاله: اسكتوا! أنا رسول الله، اكتب باسمك اللهم، وتنازل عن كلمة الرحمن الرحيم.

    ثم قال: ( اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله ). فقال سهيل : لو عرفنا أنك رسول الله لما قاتلناك، اكتب: محمد بن عبد الله. واستشاطت صدور الصحابة غيظاً، فقال رسول الله: اسكتوا، أنا رسول الله، وتنازل وكتبوا: محمد بن عبد الله؛ لأنه كان يهدف إلى تحقيق نصر لا حد له، وهو أن تتم هدنة عشر سنوات، بحيث يصبح المؤمنون يتنقلون من الشرق إلى الغرب في الجزيرة، وينشرون دعوة الله بين الناس، ومن أراد أن يأتي إلى المدينة وإلى المؤمنين فليتفضل، وإذا وقع الأمن مدة عشر سنوات تحقق نصر لا حد له، واطمأنت نفوس المؤمنين والمؤمنات المضطهدين المنكل بهم في كل مكان من الديار. ونحن بمجرد ما نعرف قام زيد وقام عمرو قلنا: الحاكم كافر، ونقاتله، وندعو إلى الجهاد، فيغضب ذلك الحاكم، ويضع رجله على الصدور، ويقطع أنفاسهم، وتخبو الدعوة إلى الله. فكونوا بصراء عقلاء.

    ولو أردنا أن نسلك مسالك الرشد بصدق لتحولت ديار الإسلام إلى أنوار، فلا سرقة ولا زنا، ولا فقر ولا خيانة ولا كذب، بل ربانية وصفاء ومودة ومحبة بين المؤمنين والمؤمنات.

    والذي يريده هؤلاء فقط هو أن يطبقوا الإسلام بالحديد والنار، ولا يوجد المسلمون الذين يطبقون فيهم الإسلام، فليعملوا على إيجادهم أولاً، حتى إذا قلت: الله أكبر رددوها، وإذا قلت: اخرجوا من دياركم خرجوا، ويومها توجد الحكم الإسلامي، ونحن نستطيع اليوم أن نصلي ونذكر الله ونتعلم، ولكننا انتكسنا، فإذا بنا في وضع لا نحسد عليه، ولا إله إلا الله!

    وسبب هذا هو: الجهل والعمى، وعدم وجود البصيرة والنور والهداية، وعدم إقبالنا على الله في صدق أبداً، ولا تلومونا؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، ولذلك كل من يفهم فهماً يرى أنه علم بكل شيء، وكل من رأى رأياً ظن أنه لا رأي إلا هذا، وظللنا هكذا حتى احترقنا، وانطفأ نور الإيمان في مجالات كثيرة، وفي مدن وعوالم في بلاد المسلمين، وأصبح المسلم أذل من الشاة فيها. وهذا لأنهم لم يدرسوا كتاب الله ولا عرفوه.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ...)

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذه السورة المدنية ] التي نزلت بالمدينة [ قد نزلت لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فهي وإن نزلت في حادثة معينة فهي صالحة إلى يوم القيامة، فكلما حدثت حادثة كالأولى طبقت عليها هذه الآية، وانتفع بها أهل الإيمان والإسلام، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [ وإليك ما رواه مسلم في سبب نزولها: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد ] ثلاثة رجال، وكان الواحد منهم بألف، فهؤلاء من أصحاب الألف، فإذا طلب قائد معركة ألفاً اكتفوا ببعث المقداد له، أو علي بن أبي طالب ، أو الزبير رضي الله عنهم [ وقال: (ائتوا روضة خاخ -موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلاً- ) ] والروضة: أرض فيها بساتين أو أشجار وخضرة، وخاخ: مكان بينه وبين المدينة حوالي خمسة عشر كيلو [ ( فإن بها ضعينة -أي: امرأة مسافرة- معها كتاب ) ] مكتوب [ ( فخذوه منها ). فانطلقنا نهادي خيلنا، أي: نسرعها، فإذا نحن بامرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب ] وكانت قد لفته في شعرها [ فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب، (أي: من عليك) ] أي: تنزعين ثيابك؛ لأن الكتاب عندك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا، ومستحيل أن يكذب [فأخرجته من عقاصها (أي: من ضفائر شعر رأسها)] فقد أدخلت الكتاب في شعر رأسها، وظفرت عليه الشعر [ فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به ] أي: الكتاب [ من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم] وأنه عزم على غزوهم. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج في غفلة؛ حتى يفاجئهم فيضعوا السلاح، ولا تسيل دماء، ولا تزهق أرواح، وهذه سياسية عسكرية رشيدة. ووقع حاطب رضي الله عنه في هذه الفتنة، ونجاه الله؛ لأنه كان صادق النية، طيب القلب، صادق الإيمان [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا حاطب! ما هذا؟ )] أي: ما هذا الكتاب والإعلان وإخبار المشركين؟ [ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش، ( أي: كان حليفاً لقريش)، ولم يكن قرشياً ] بل من قبيلة أخرى [ وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ] إذا غزوتهم [ فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وإن كتابي لا يغني عنهم من الله شيئاً، وأن الله ناصرك عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صدقت ) ] يا حاطب ! فكان تعليل حاطب أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المهاجرون لهم إخوان وأعمام يحمون أقاربهم هناك يوم المعركة، وهو ملصق بهم، فلن يحمي أحد أهله، وهو من جملة المهاجرين، وقد فعل هذا لأنه يعلم أن الله ناصر رسوله، وهازم المشركين، وأن أهل مكة لن يغني عنهم من الله شيئاً، فهو يعلم هذا عن عقيدة وصدق [ فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ). فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:1] ].

    النهي عن موالاة الكافرين وموادتهم وعاقبة من يفعل ذلك

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:1] [ أي: من صدقتم الله ورسوله لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ [الممتحنة:1]، أي: من الكفار والمشركين أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، أي: أنصاراً، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة:1]، أي: تصرفون إليهم مودتكم بدون تأمل في آثارها الضارة، والحال أنهم قَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [الممتحنة:1]، الذي هو دين الإسلام بعقائده وشرائعه وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم. يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1]، أي: من دياركم بالمضايقة لكم حتى هاجرتم فارين بدينكم، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1]، أي: من أجل أن آمنتم بربكم. أمثال هؤلاء الكفرة الظلمة تتخذونهم أولياء، تلقون إليهم بالمودة؟ إنه لخطأ جسيم ] كبير [ وقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي [الممتحنة:1] أي: إن كنتم خرجتم من دياركم مجاهدين في سبيلي، أي: لنصرة ديني ورسولي وأوليائي المؤمنين، وطلباً لرضاي فلا تتخذوا الكافرين أولياء من دوني، تلقون إليهم بالمودة.

    وقوله تعالى: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة:1]، أي: تخفون المودة إليهم بنقل أخبار الرسول السرية، والحال أني أَعْلَمُ [الممتحنة:1]، أي: منكم ومن غيركم، بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ [الممتحنة:1]. وها أنذا قد أطلعت رسولي على رسالتكم المرفوعة إلى مشركي مكة، والتي تتضمن فضح سر رسولي في عزمه على غزوهم مفاجأة لهم؛ حتى يتمكن من فتح مكة بدون كثير إراقة دم وإزهاق أرواح.

    وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ [الممتحنة:1] أي: الولاء والمودة للمشركين فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]، أي: أخطأ وسط الطريق المأمون من الانحراف، يعني: جانب الإسلام الصحيح المفضي بالسالكين له السائرين فيه إلى سعادة الدنيا والآخرة معاً.

    وقوله تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2]، يريد تعالى أنهم أعداؤكم حقاً وصدقاً. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ [الممتحنة:2] أي: يظفروا بكم متمكنين منكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً [الممتحنة:2]، ولا يبالون بمودتكم إياهم ] اليوم [ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [الممتحنة:2] بالضرب والقتل، وألسنتهم بالسب والشتم، وتمنوا كفركم لتعودوا إلى الشرك والكفر مثلهم ].

    الأحكام التي اشتمل عليها هذا النداء

    قال: [ هذا وإليك ] أيها القارئ والمستمع! [ خلاصة ما دعا إليه هذا النداء الإلهي ] العظيم [ لتزداد معرفة وقوة على الطاعة والامتثال:

    أولاً: حرمة موالاة الكافرين ] أي: [ بنصرتهم وتأييدهم، وموالاتهم دون المسلمين ] فلا يحل للمسلمين أن يوالوا الكافرين بأن ينصروهم على المسلمين، أو أن يؤيدوهم ويحبوهم.

    [ ثانياً: عظم جرم ] وجريمة [ الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى أعدائهم الكافرين من يهود أو نصارى وغيرهم، وأنه على خطر عظيم وإن صلى وصام.

    ثالثاً: بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين متى تمكنوا منهم؛ لأن قلوبهم عمياء، لا يعرفون معروفاً ولا منكراً؛ وذلك لظلمة الكفر في نفوسهم بعدم مراقبة الله تعالى؛ لأنهم لا يعرفونه، ولا يؤمنون بما عنده من نعيم لأوليائه، ولا بما لديه من نكال وعذاب لأعدائه.

    رابعاً: بيان فضل أهل بدر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

    خامساً: مشروعية قبول عذر الصادقين الصالحين إذا عثر أحدهم اجتهاداً منه فأخطأ.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وإذا كان المؤمن صادقاً صالحاً وزلت قدمه واعتذر فينبغي أن يقبل عذره، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب ونزل به القرآن، ولما قال عمر : دعني أضرب عنقه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اسكت، إنه قد شهد بدراً ). ولم ينس له جهاده وما قدمه للإسلام.

    ثم إن حاطب صدق رسول الله، وأعلمه أنه ما فعل هذا نكاية بالرسول والمؤمنين، أو رغبة في نصرة الكافرين على المؤمنين، وأنه والله ما خطر هذا على باله، ولكن علم أنهم لن يستطيعوا أن يضروا رسول الله، أو ينتصروا عليه يقيناً، وأنه ما فعل هذا إلا ليتخذ منهم بعض الحماية لأقاربه؛ حيث لن يحميهم أحد، وليس معهم من يحميهم، بخلاف المهاجرين، فإن لهم أقرباء في البلد يحمون أهلهم، وهو لا يجد، فاتخذ هذا تقية لأهله. ونزل القرآن ليحذر كل المؤمنين والمؤمنات من هذا الموقف مرة أخرى.

    ونداءات الرحمن هذه لم تترك مجالاً للحياة إلا وبينته، ولكن المسلمين لم يقدروا هذه النداءات، ولن نسمع عما قريب أنها تدرس في الكليات، فإنهم والله لن يفعلوا، ولن يدرسوها في مساجد الأمة أبداً حتى تبصر؛ لأننا هبطنا بعد أن كنا هناك في علياء السماء، ثم نزلنا إلى الأرض.

    طريق النجاة

    لن نعود إلى الطريق من جديد إلا بالإيمان، وأن نؤمن إيماناً حقيقياً، ونطرح بين يدي الله، ونبكي في بيوته، وأن يجتمع أهل القرية كلهم قبل أن يؤذن المغرب في بيت الرب يبكون، وكذلك أهل الحي في المدينة، بحيث إذا دخلت أية مدينة أو أي مسجد وجدت الناس بالمئات، ولا دنيا ولا هرج ولا طلب للمال، بل كلهم بين يدي الله، وإذا خرجوا إلى المسجد وعادوا إلى بيوتهم وناموا خرجوا الساعة السابعة ومعهم المساحي والأدوات وذهبوا إلى العمل، ويعملون طول النهار؛ ليحفظوا شرفهم ومكانتهم، ويتركون العمل في هذه الساعة والنصف أو الساعتين من أجل تحقيق ولاية الرحمن لنا؛ لنصبح أولياءه، إذ لا تتحقق ولاية لجاهل الذي لا يعرف ما يحب الله ولا ما يكره، فهو لن يصبح ولياً لله وهو يعاكسه، فقد يكون الله يحب فلاناً وهو يكرهه، أو يكون الله يكره فلاناً وهو يحبه، أو يكون الله يكره الكلمة الفلانية وهو يقولها، أو يكون الله يحب الكلمة الفلانية وهو يحبها، ولهذا لن تتحقق له الولاية. وقد قال أهل العلم: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه. فإذا أرادك الله ولياً له فإنه يرشدك إلى طلب العلم، ويقودك إلى أهله، ويجعلك تحفظ ما تسمع، وتعي ما يقال لك؛ حتى تصبح ولياً. وأما الجاهل الذي لا يعرف ما يحب الله ولا ما يكره فمستحيل أن يكون ولياً لله، بل يكون عدواً لله؛ لأنه يخالف ويعاكس الله، فقد يكون الله يحب كذا وهو يكرهه؛ لأنه لا يدري، أو يكون الله يكره كذا وهو يفرح به.

    ومن هنا لا سبيل إلى نجاتنا إلا بأن نكون على نور الله، كما قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]. وأن نقرأ القرآن على الأحياء؛ ليزدادوا حياة.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.