إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 75للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخوض في الشايعات دون تمحيص، ونقل الحكايات دون تثبت واستيقان يجعل المجتمع يقع تحت تأثير هذه الشايعات والحكايات، فيفتح على الناس باب عظيم للشر، والمسلم مأمور بأن يكون بعيداً عن هذه الأخلاق، ويستحضر نعمة الله عليه بأن حبب إليه الإيمان، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.

    1.   

    تابع وجوب التثبت في الحكم قولاً أو فعلاً وبيان أفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله تعالى منهم، واحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    هذه النداءات المباركة الكريمة هي نداءات الله عز وجل لنا معشر المؤمنين والمؤمنات، وهو ينادينا لأننا أولياؤه، وينادينا ليأمرنا حتى نكمل ونسعد، وينادينا لينهانا عما من شأنه أن يردينا ويشقينا، وينادينا ليبشرنا حتى تطمئن قلوبنا وتسكن نفوسنا، وينادينا لينذرنا ويحذرنا من عواقب السوء، وينادينا ليعلمنا. وربنا تعالى لا ينادينا في كتابه إلا لواحدة من هذه. وهو ينادينا لأننا أولياؤه، وهو ولينا؛ إذ كل مؤمن تقي هو لله ولي، وقد قال تعالى في أوليائه: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. وكأن سائلاً يسأل: من هم أولياؤك يا رب؟! فكان الجواب: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: يتقون الله بطاعته وطاعة رسوله. والله لا يتقى بالحصون ولا بالجيوش الجرارة، وإنما يتقى الله بطاعته وطاعة رسوله، فمن أطاع الله ورسوله فقد اتقى أنواع العذاب والبلاء والشقاء في الدنيا ولآخرة معاً.

    بيان ما تحمله نداءات الرحمن من الهدى والعلم

    هذه النداءات التسعين لا توجد إلا في كتاب الله القرآن العظيم. وهذه النداءات تحمل كل أنواع الهدى والنور، والعلم والمعرفة، وصاحبها هو الذي حفظها وفهم معناها وطبق ما دعت إليه، فهذا والله ليصبحن من أفضل أولياء الله، ومن أعلم أهل الأرض.

    وليس هناك مانع من أن تُحفظ هذه النداءات، وأن يُفهم مراد الله منها، وأن تُجاهد النفوس، حتى نطيع الله فيما يأمرنا فيها، وفيما ينهانا فيها، وليس هناك مانع إلا الشيطان إبليس عدو الرحمن، فهو الذي لا يسمح لنا بذلك، ولا يريد أن نكمل ولا أن نسعد، ولا يريدنا أن نحقق ولايتنا لربنا لنعز ونكمل ونسعد؛ وذلك حتى لا يذل هو ويشقى ويخسر. فهيا نحارب هذا العدو، ومحاربته لا تحتاج إلى مدفع ولا رشاش، ولا صاروخ ولا هيدروجين، وإنما فقط بكلمة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في غضب، فإنه يهرب منك بسرعة عجب، فإذا شعرت به فاستعذ منه، وشعورك به هو أن يزين لك قبيحاً، أو أن يحسن لك باطلاً، أو أن يحاول دفعك إلى ارتكاب جريمة، فإذا شعرت بذلك فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإنه يرحل، على شرط أن يكون رادارك سليماً صحيحاً، والرادار كلمة عصرية، وجهاز يتصيد الطائرات في الهواء، حتى لا ترمي المدن التي فيها الناس بالقنابل، فهو يشعر بحركتها. وهذا الرادار يوجد في قلب كل مؤمن ومؤمنة، فإن حافظا على نظافته وسلامته فما إن يحوم حول القلب إلا تفطن له وطرده، وإن كان الرادار قد تهشم وتحطم أو علته أكوام الذنوب والآثام فإن العدو يأتي، ويدخل ويخرج ويفعل ما يشاء؛ لأنه قد مات. والدليل على وجود هذا الرادار في قلب كل مسلم من كلام ربنا في سورة الأعراف، التي بين الأنعام والأنفال، فاسمعوا الله تعالى يقول فيها، وقوله الحق: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الأعراف:201]. وهم ليسوا بنو تميم، ولا الأشراف، وليسوا الأحباش ولا العرب، ولا الأتراك ولا العجم، فهؤلاء كلهم عباد الله، وإنما يشمل هذا كل مؤمن ومؤمنة أبيض كان أو أسود.

    كيفية تزكية النفس

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]. وخص أهل التقوى لأن التقوى هي فعل أوامر الله واجتناب نواهيه. والأوامر هي عبارة عن مواد تزكية وتطهير للنفس البشرية، فالذي يصوم كالذي يصلي، وكالذي يتصدق، وكالذي يرابط، وكالذي يذكر الله، وكالذي يتلو كتابه، وكالذي يبتسم في وجه مؤمن، فهو يريد وجه الله. وهذه كلها عوامل تزكية وتطهير للنفس البشرية. والمعاصي من الكذب والزنا والربا والسرقة والكبر والخيانة وشتم المؤمن وسبه وعقوق الوالدين وأذية المؤمنين هي عبارة عن أدوات تدسية وتخبيث، فهي تدمر الصفا، وتحيله إلى عفن وظلمة ونتن والله العظيم. وهذه سنن الله التي لا تتغير، فالطعام يشبع، والنار تحرق، والحديد يقطع. وكذلك كلمة الحق تزكي النفس، وكلمة الباطل تخبثها. وما زلنا نذكر حكم الله الذي صدر قبل ألف وأربعمائة سنة وزيادة في هذا الشأن، فقد صدر حكم الله علينا يا أيها المؤمنون والمؤمنات! وهذا الحكم الصادر أهل الحلقة يعرفونه، والذين لم يجلسوا مجلساً كهذا طول حياتهم لا يعلمون هذا. وحكم الله الصادر على البشرية هو قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. وقد أقسم أولاً بأعظم قسم، فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]. وهذه عدة أيمان وأقسام وأحلاف من الجبار جل جلاله، خالق الكائنات، ورب الأرض والسماوات، وهو يحلف هذا الحلف من أجلنا نحن عبيده؛ لتطمئن نفوسنا إلى صدق الخبر، وإلى صحة هذا الحكم الإلهي؛ لأنه حكم عظيم، فقد قال: قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9]، أي: فاز. ونحن نعرف معنى فاز في الكرة وفي القمار، وأما هنا فلا نعرف. وقد بين لنا تعالى الفلاح والفوز في آية من أعظم الآيات، وأكثر السامعين ما سمعوا بها، وهي في كتاب الله، وهم لم يسمعوا بها لأن القرآن يقرأ ليلة الموت فقط في المآتم، ولا يجتمع اثنان ويقول أحدهما للآخر: أسمعني شيئاً من كلام الله أبداً، ولا يجلس ثلاثة ويقولون لأحدهم: من فضلك اقرأ علينا شيئاً من القرآن. فهذا لم يفعله أحد من عباد الله أبداً؛ لأننا لسنا في حاجة إليه، فنحن لسنا في حاجة إلى أن نسمع كلام الله وحديث ربنا! ولا نريد أن نسمعه، وها هو ذا أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لـعبد الله بن مسعود الهذلي : ( يا ابن أم عبد

    ! اقرأ علي شيئاً من القرآن
    ). فيعجب الرجل ويقول: ( أعليك أنزل، وعليك أقرأ؟! قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري ). ووالله لو كان إخواننا عندما يجتمعون في البيت أو في أي مكان يقولون لأحدهم: اقرأ علينا شيئاً من القرآن، فيقرأ ويبكون لما ارتكبت معصية في ذلك المكان، ولما عصي الله، بل لكانت هذه القراءة وقاية وحماية له.

    ( وقرأ عبد الله

    من سورة النساء، حتى انتهى إلى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]. وإذا عينا الرسول تذرفان الدموع وهو يبكي، ويقول: حسبك حسبك )، يعني: يكفي يكفي.

    طريق النجاة لهذه الأمة

    هيا نعود، ولا نقول: لا نستطيع يا شيخ! ولا نقدر على العودة. وسأبين لكم كيف تكون العودة التي نحث عليها كل ليلة: إذا أخذت الشمس تميل إلى الغروب - أي: الساعة السادسة- فعلى أهل القرية - ويجب أن يكونوا كأسرة واحدة- وأهل كل حي في المدينة المنقسمة إلى أحياء - ويجب أن يكونوا كأسرة واحدة، فالمؤمن أخو المؤمن- أن يغلقوا أبواب الدكاكين والصناعات، وعلى القلاحين أن يرموا المساحي والمناجل، ويتوضئون هم وزوجاتهم، ثم يذهبون إلى المسجد بيت الإله الرب تبارك وتعالى، فهو موطن السجود لرب العالمين، فيخرج النساء والأطفال والفحول، ويؤمون المسجد ويقصدونه كلهم على طهر وصفاء، فإذا أذن المؤذن قاموا وصلوا نافلة إن استطاعوا، ثم تقام صلاة المغرب فيصلون، ثم يجلسون جلوسنا هذا، والنساء وراء الستار، ومكبر الصوت بينهن، والأبناء دونهن، والفحول كما أنتم، والمربي على منصة كهذه، ويعلمهم ليلة آية واحدة، فيدرسونها، ويبكون عندها، ويحفظونها، ثم يبين لهم مراد الله منها، فيفهمون عن مولاهم، فإن كان طلباً أعطوه، وإن كان علماً تعلموه، والنساء كالأطفال وكالرجال، وليلة أخرى يعلمهم حديثاً من أحاديث الرسول، ومن سنن الهادي صلى الله عليه وسلم، فيخرجون ونفوسهم قد شبعت وارتوت من كلام الله وكلام الرسول، فيعودون إلى بيوتهم بعد أن يصلوا العشاء وقد خف الشره والطمع، والتكالب على الشهوات وأوساخ الدنيا وقاذوراتها، فينامون مستريحين؛ لأنهم كانوا مع الله في بيته، يتلقون الحكمة والعلم والمعرفة عنه، وكانوا مع رسول الله في بيت الله يتعلمون الحكمة، ويوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ولا يبقى في تلك القرية فاسق ولا ظالم، ولا ماجن ولا فاجر والله. ولا يبقى بينهم والله من يجوع ولا يشبعونه، ولا من يعرى ولا يكسونه، ولا من يمرض ولا يعالجونه، ولا من يضام ولا ينصرونه، فيصبحون أولياء الله، لو رفعوا أكفهم إلى الله ليزيل الجبال لأزالها، فضلاً عن رقع وباء أو مرض أو حاجة أو عدو أو غير ذلك، وليس في هذا صعوبة ومشقة، ولا يوجد مانع يمنعنا منه، ولو كنا أيام روسيا وطلبنا منها أننا ندخل بيوت ربنا نتعلم ونبكي لما منعتنا من هذا، فضلاً عن حكام مسلمين. فليفهم السامعون والسامعات كيفية العودة. فلا عودة حقاً إلا بتلقي الكتاب والحكمة وتزكية النفس.

    وإبراهيم وإسماعيل منذ ستة آلاف سنة أو أكثر كانا يبنيان البيت بعد أن أمر إبراهيم ربه تعالى بأن يبني له بيتاً في الوادي الأمين، وكان إسماعيل قد أصبح غلاماً زكياً، يساعد والده ويناوله الحجارة والطين، وكانا وهما يبنيان البيت يدعوان ربهم ويسألانه بكلمات طيبات: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]. هذه دعوة إبراهيم الخليل مع إسماعيل عليهما السلام. فهما يسألان الله تعالى في هذا الدعاء أن يبعث في أولاد إسماعيل نبياً منهم يتلوا عليهم الآيات، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، أي: القرآن والسنة، وليس الرقص ولعب الشطرنج. وَيُزَكِّيهِمْ . لا أن يعلمهم علماً جافاً، بل علم مع طهارة النفس وتزكيتها، حتى يصبحوا وليس بينهم خيانة، ولا سب ولا شتم، ولا حسد ولا كبر، ولا شره ولا طمع، ولا تكالب على الدنيا ولا بغضاء، ولا غير ذلك، وإنما طهر وصفاء. هذه هي التزكية. وهي تأتي بطريق الكتاب والسنة. وقد هجر المسلمون كتاب الله، وهجروا سنة رسول الله، وعاشوا على المدائح والأغاني، والضحك والباطل إلا من رحم الله. وهذه نداءات الرحمن فاطلبوها، واطبعوها ووزعوها بين النساء والرجال، وليضع كل مؤمن عند رأسه هذه النداءات، ولا ينام حتى يستمع إلى الله في ندائه ما يقول له فيه.

    ونحن لا نستطيع ولا نقدر على هذا؛ لأننا مكبلون ومقيدون بقيود الأهواء والشهوات، والأطماع والأمراض القلبية، وفوق ذلك كله فنحن لم نعرف الله معرفة حقيقة تنتج لنا حبه والخوف منه، ومن فقد حب الله فلن يعمل صالحاً، ومن فقد الخوف من الله فلن يترك ذنباً ولا معصية. فلنتعلم.

    وأهل القرية قد يمضي عليهم عام ولا يجتمعون على آية ولا على حديث، أو يجتمع منهم خمسة من خمسة آلاف، أو عشرة من عشرة آلاف شخص، وهؤلاء الذين يجتمعون يكونون من الشيوخ والعجائز، ثم نريد أن نرقى إلى السماء، وأن نخترق السبع السماوات؛ لننزل دار السلام. ولو بذلنا مهجنا ودماءنا وعرقنا وأموالنا وأرواحنا في سبيل الوصول إلى ذلك المكان الأقدس لكان هيناً، والله لم يطلب منا هذا، وإنما طلب منا فقط أن نجلس في بيت الرب، ونبكي بين يديه، ونتعلم هداه، ونحن لا نستطيع.

    ضرورة التثبت من الأخبار والتأكد من صحتها

    النداء الذي اجتمعنا عليه أمس وسمعناه ودرسناه بقي منه شيء، فنعيده تذكيراً للناسين، وتعليماً لغير العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:6]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [الحجرات:6]. فيجب على كل مؤمن يأتي إليه فاسق من فساقنا بخبر ألا يقبله وألا يقره، وألا يقوله ولا يثق فيه حتى يفحصه ويتدبره ويتأمله، فإذا تبين أنه حق قبله؛ لأن الفتنة تقع من الباطل. وهذا نظام حياتنا. وإذا قيل: الشيخ الفلاني عميل وذنب وتابع للحكومة فيجب أن ندرس هذا الكلام، وأن نتثبت من حقيقته، ومن مظاهر الذنبية، ومظاهر التبعية والذيلية، ولنرى ماذا فعل، وآثار ذلك، فإذا تبين لك بعد الفحص والتدقيق والتبيين في يومين أو ثلاث أو أسبوع فحينئذ قل، وإذا لم يتبين لك ذلك فاسكت، ولا تصدر حكمك وأنت لا تعلم، ولو أخذ المسلمون بهذا الأدب فقط لنقص ثلثي الظلم والشر والفساد، ولا يبق إلا الثلث.

    ولو نجعل أمام كل بيت جندياً في يده رشاش فوالله ما نفعنا هذا، ولن يحقق لنا أمناً ولا طهراً كما يحققه كلمة كهذه. وقد عرف العدو هذا ولم نعرفه نحن، فصرف هذه الأمة عن كمالاتها التي في كتاب ربها وهدي نبيها.

    ثم قال تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]؛ لأنكم مؤمنون. ولو وجدت نفسك قد اغتبت فلاناً وسببته وشتمته وعيرته فإن كنت مؤمناً فستحزن حتى تبكي أو تمرض؛ لأنك آذيت مؤمناً وأنت لا تدري. فلا تستعجل في قبول الخبر، أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    معنى قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ...)

    ثم يقول في هذا النداء: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7]. فلستم مهملين ولا ضائعين، بل الوحي ينزل، وجبريل يتردد، فانتبهوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7]. ولا تكثروا من الاقتراحات عليه والطلبات وغير ذلك. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ [الحجرات:7] لهلكتم بالمشقة والتعب. وهكذا يعلمهم الآداب السامية الرفيعة. فالزموا الصمت، ولا تستعجلوا، ولا تطالبوا، ولا تقترحوا، فالأمر ليس فوضى، بل هناك وحي ينزل، والرسول بينكم.

    صفة الراشدين

    قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ [الحجرات:7] صرفكم عن ذلك الباطل؛ لأنه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]. فأنتم الراشدون، ولذلك قال: أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]. والراشدون هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر إلى آخر صحابي، فهم الراشدون.

    قال: [ وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7] أي: الذين فعل بهم ما فعل من تحبيب الإيمان، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان إليهم أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]، أي: السالكون سبيل الرشاد، وهم قطعاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم. وكل من حبب الله تعالى إليه الإيمان من هذه الأمة، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فهم من الراشدين، أي: السالكين سبيل الرشد المفضي بصاحبه -أي: سالكه- إلى الطهر والصفاء، والعز والكرامة في الدنيا، وإلى الجنة ورضا الله في الدار الآخرة ] فرضي الله عن أصحاب رسول الله وأرضاهم. وأما نحن فواجبنا - كما علمتم- ألا نقبل خبر من أحد، لاسيما إذا كان فيه طعن أو لمز أو إعلان عن فاحشة أو منكر، فلا نقبله أبداً إلا بعد أن يثبت كما تثبت الشمس أمامنا؛ حتى لا نؤذي مؤمناً أو مؤمنة، ونمزق عرضه ونهلكه، فإذا فعلنا ذلك ثم عرفنا أننا أخطأنا فلو بكينا الدهر لما كفانا، كما قال تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    فضل الله على عباده المؤمنين بهدايتهم إلى الإيمان والإحسان

    قال: [ وقوله تعالى: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:8]، أي: هداية من هداهم الله إلى الإيمان والإسلام والإحسان، فأحبوا الإيمان والإحسان، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، وسلكوا سبيل الرشاد، فسعدوا وكملوا، كل هذا قد أفضل الله تعالى به إفضالاً، وأنعم به إنعاماً عليهم، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:8]، أي: عليم بهم وبنياتهم وبواعث أنفسهم، حكيم في تدبيره لهم ولغيرهم. فها هو ذا سبحانه وتعالى أهل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ممن أحبوا الإيمان، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أهلهم للخير، وأضفاه عليهم، إلا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى الله تعالى شأنهم، وأعظم قدرهم؛ لصحبتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، فهم أفضل الأمة على الإطلاق، ولا مطمع لأحد ممن يأتي بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي عنا معهم. آمين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] هذه بقية النداء السابق.

    1.   

    حرمة السخرية بالمؤمن وحرمة التنابز بالألقاب السيئة

    هذا هو [ النداء الثاني والسبعون ] وهو [ في حرمة السخرية بالمؤمن، وحرمة التنابز بالألقاب السيئة ] وسبحان الله! فهذه النداءات في سورة الحجرات كلها في الآداب، وفي تحقيق المجتمع الطاهر الرباني السامي، فإذا اجتمعوا على هذه النداءات في القرية أو في البيت تجلت حقائق الطهر والصفاء فيهم، على شرط أن يجتمعوا ويقرءوا ويعلموا.

    قال: [ الآية (11) من سورة الحجرات

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ] فإذا طبق أهل القرية هذا لوجدت أهلها يعيشون أربعين أو خمسين عاماً ولا تسمع أحد يطعن في أحد، ولا تسمع أحدهم يلقب أخاه بلقب السخرية والاحتقار أبداً؛ لأنهم عرفوا، والذين لم يبلغهم هذا ولم يعرفوه فإنهم لا يرتاحون إلا باللمز والهمز والطعن والله. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]. والعياذ بالله.

    [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع المستفيد! أن هذا النداء والثلاثة قبله، والآتي بعده، هذه النداءات الخمسة من سورة الحجرات المباركة كلها في تربية المؤمنين والمؤمنات وتهذيب أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، والسمو بآدابهم، وهم لذلك أهل بإيمانهم بالله ولقائه، والقرآن وأحكامه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الكريم، وهديه وسنته، لذا يتعين على المؤمنين قراءة هذه النداءات بعناية، والتدبر فيها، وفهم معانيها، والعمل بها؛ رجاء كمالهم وسعادتهم، حقق الله تعالى لنا ذلك ولهم. آمين ] وهذه النداءات من سورة الحجرات المفروض على كل مؤمن ومؤمنة أن يقرأها ويعرفها، وأن يعمل بها.

    النهي عن احتقار الآخرين والسخرية منهم

    قال: [ والآن مع شرح هذا النداء الرابع من تلك النداءات ] من سورة الحجرات، وكلها في الآداب [ قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11] أي: لا يزدري أناس منكم أيها المؤمنون! أناساً آخرين منكم أيها المؤمنون! ويحتقرونهم؛ فإن ذلك محرم عليكم، مغضب للرب تعالى عليكم، وكيف ترضون بغضب ربكم، وهو وليكم، وأنتم أولياؤه بإيمانكم وتقواكم؟

    وقوله تعالى: عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11] أي: عند الله تعالى ] فقد تسخر من فلان، وهو عند الله من أفضل الناس، ويا ويلك! وقد تسخر من بني فلان لفقرهم أو جهلهم، وهم أرفع منزلة عند الله منك، وأنت لا تعلم.

    قال: [ والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس، فلذا من القبح والسوء سخرية مؤمن بمؤمن بازدرائه واحتقاره، وهو لا يدري، قد يكون من ازدراه وسخر منه خيراً عند الله، وأحب إلى الله منه ] والازدراء والسخرية كأن تقول له: يا أعمش! .. يا بدوي! .. يا فقير! ونحن لا نحفظ هذه؛ لأنا لم نتعلمها، ولكن لو أتى خبير فإنه يفصلها تفصيلاً.

    وقد انتهى الوقت ولم نشعر به؛ لأننا في غمرة النور الإلهي، ولو بقينا إلى الصبح لما شعرنا. والحمد لله. ونكمل يوم غد. وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.